الوعد والوعيد

صفحة 147

الوعد والوعيد

قال إمام أهل السنة أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري:

[إن قال قائل: خبرونا عن قول الله تعالى: “وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ” (الانفطار 14).

وعن قوله تعالى: “وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا” (النساء 30).

وقوله تعالى: “إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا” (النساء 10)

فالجواب عن ذلك: أن قوله تعالى: “وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا…” يحتمل على أن يقع على جميع من يفعل ذلك، ويحتمل أن يقع على بعض، لأن لفظ (من) يقع في اللغة مرة على الكل ومرة على البعض، فلما كانت صورة اللفظة ترد مرة ويراد بها البعض وترد

صفحة 148

أخرى ويراد بها الكل، لم يجز أن يقطع على الكل بصورتها كما لا يُقطع على البعض بصورتها، وكذلك لا يُقضى بقوله تعالى: “وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ” و “إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ…” على بعض ولا على كل، إذا كان يقع تارة على الكل وتارة على البعض، ولا جاز لزاعم أن يزعم أن الصورة إنما هي للكل حتى تأتي دلالة البعض، لأنه لم يكن هذا الزاعم بزعمه هذا أولى ممن قال: صورة هذا القول توجب القضاء على البعض، حتى تقوم دلالة الكل، فلما تكافأ القائلان في قولهما وجب أن يكون القولان جميعا ملغيين.

وقد قال زهير بن أبي سلمى:

ومن لم يصانع في أمور كثيرة *** يضَرّس بأنياب ويوطأ بمنسم

وليس كل من لا يصانع كذلك.

وقال -أي زهير بن أبي سلمى-: ومن لا يظلم الناس يُظلَمِ؛ أي وليس كل من لا يظلم الناس يُظلم.

ويقول القائل: جاءني من أحببت، وإنما يعني واحدا، ويقول: جاءني التجار، وإن لم يكن الكل -أي كل التجار- جاءه. وجاءني جيراني، وإن لم يأت جميعهم. ويقول القائل: لقيني الفجار بما كرهت، ولا يعني جميعهم، فلما كانت هذه الألفاظ ترد مرة ويراد بها الكل، وترد أخرى ويراد بها البعض، لم يجز أن يقضي على الكل دون البعض وعلى البعض دون الكل إلا بدلالة. وأيضا فلو وجب القضاء بصورة هذه الآيات أن يقضى على عذاب كل فاجر، وآكل أموال اليتامى ظلما، وآكل أموال الناس بالباطل، لوجب أن يقضى على أن كل الموحدين من أهل الصلاة في الجنة بظاهر قوله تعالى: “مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ” (النمل 89). وبظاهر قوله تعالى: “وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ” (آل عمران 169)، على أن كل مقتول في سبيل الله في الجنان يرزق فيها، وبظاهر قوله تعالى: “إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا” (الزمر 53)، على كل ذنب أذنبه حتى على الذنب الذي وقف عليه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأجمع المسلمون أنه لا يُغفر وهو الشرك والكفر.

صفحة 149

وليس قول من قال: إن الآيات في الوعيد عامة والآيات الأخرى -أي الخاصة بالوعد والتبشير- خاصة أولى -من شخص- قالب قلب القصى وجعل آيات الوعيد خاصة والآيات الأخرى -آيات الوعد- عامة.

وأيضا فلو وجب أن يُقضى بظواهر الآيات على أن يكون كل فاجر، وكل آكل أموال اليتامى ظلما في جهنم، لجاز أن يقضى بقول الله تعالى: “كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِير ، قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ” (الملك 8-9)، أن النار لا يدخلها إلا كافر، وبظاهر قوله تعالى: “فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّىٰ ، لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى ، الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ” (الليل 14-16)، أن كل من يصلى النار كذلك. وبظاهر قوله تعالى: “وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ” (المائدة:44) أنه لا يترك الحكم بما أنزل الله إلا كافر، فلما لم يلزم أن يدخل النار إلا كافر بهذه الآيات، لم يلزم أن يكون كل فاجر في جهنم، وكل آكل أموال اليتامى ظلما، وكل من يأكل أموال الناس بالباطل ، في النار -بمفهوم- للآيات التي تلوناها. والجواب: أن كل آيو بعتلون بها في الوعيد كالجواب عن هذه الآيات. وقوله تعالى: “وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا” يحتمل من يفعل ذلك مستحلا ويحتمل الجميع. وقوله: “وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ” يحتمل البعض منهم وهم الكفار، ويحتمل الجميع، وكذلك الجواب عن كل آية في الوعيد] انتهى من اللمع (صفحة 125-128).

وقال العلامة القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني، الأشعري عقيدة، المتوفى سنة 403 هـ رحمه الله تعالى:

[ويجب أن يُعلم: أن الطاعة ليست بعلة الثواب، ولا المعصية علة للعقاب، ولا يجب شيء لأحد على الله تعالى، بل الثواب وما أنعم به على العبد فضل منه، والعقاب عدل منه، ويجب على العبد ما أوجبه الله عليه، ولا موجب ولا واجب على الله.

صفحة 150

والحسن ما وافق الأمر من الفعل، والقبيح ما وافق النهي من الفعل، وليس الحسن حسنا من قبل الصورة، ولا القبيح قبيحا من قبل الصورة.

والدليل على الفصل الأول: أنه لا واجب عليه لأحد من الخليقة، وأن حقيقة الواجب ما استوجب، من وجب عليه الذم بتركه والرد، تعالى الله عن الذم علوا كبيرا.

ويدل على صحة ذلك أيضا قوله تعالى: “لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِن فَضْلِهِ ۚ ” (الروم 45)، فاعلم أن ذلك بفضله لا بالعمل. وأيضا قوله تعالى: “وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ” (النور 10)] الإنصاف (صفحة 46).

وقال حجة الإسلام أبوحامد الغزالي، الأشعري عقيدة، المتوفى سنة 505هـ رحمه الله تعالى:

إن الله تعالى متفضل بالخلق والاختراع، ومتطول بتكليف العباد ولم يكن الخلق والتكليف واجبا عليه. وقالت المعتزلة: وجب عليه ذلك لما فيه من مصلحة للعباد وهو محال، إذ هو الموجب والآمر والناهي. وكيف يتهدف لإيجاب أو يتعرض للزوم وخطاب؟ والمراد بالواجب أحد أمرين؛ إما الفعل الذي في تركه ضرر إما آجل، كما يقال: يجب على العبد أن يطيع الله جتى لا يعذبه في الآخرة بالنار، أو ضرر عاجل، كما يقال: يجب على العطشان أن يشرب حتى لا يموت. وإما أن يراد به الذي يؤدي عدمه إلى محال، كما يقال: وجود المعلوم واجب إذ يؤدي عدمه إلى محال وهو أن يصير العلم جهلا، فإن أراد الخصم -أي المعتزلي- بأن الخلق واجب على الله بالمعنى الأول فقد عرّضه للضرر، وإن أراد به المعنى الثاني فهو مسلّم، إذ بعد سبق العلك لا بد من وجود المعلوم، وإن أراد به معنى ثالثا فهو غيره مفهوم، وقوله: (يجب لمصلحة العباد) كلام فاسد، فإنه إذا لم يتضرر بترك مصلحة العباد، لم يكن للوجوب في حقه معنى، ثم إن مصلحة العباد في أن يخلقهم في الجنة، فإما أن يخلقهم في دار البلايا ويعرّضهم للخطايا ثم يهدفهم لخطر العقاب وهو العرض والحساب فما في ذلك غبطة عند ذوي الألباب، وأنه يجوز على الله سبحانه أن يكلف الخلق ما لا يطيقونه -خلافا للمعتزلة- ولو لم يجز ذلك،

صفحة 151

لاستحال سؤال دفعه، وقد سألوا ذلك فقالوا: “رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ” (البقرة 286)، ولأن الله تعالى أخبر نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بأن أبا جهل لا يصدّقه، ثم أمره بأن يأمره بأن يصدّقه في جميع أقواله، وكان من جملة أقواله أنه لا يصدقه، فكيف يصدّقه في أنه لا يصدّقه وهل هذا إلا محال وجوده] انتهى من الإحياء (جزء1 صفحة 133).

وقال الإمام الحافظ تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي الأشعري عقيدة، المتوفى سنة 771 هـ رحمه الله تعالى:

لله تعذيب المطيع ولو جرى *** ما كان من ظلمٍ ولا عدوانِ

متصرفٌ في ملكه فله الذي *** يختار لكن جاد بالإحسانِ

فنفى العقابَ وقال: سوف أثيبهم *** فله بذاك عليهم فضلانِ

هذا مقال الأشعري إمامنا *** وسواه مأثورٌ عن النعمانِ

ثم قال السبكي بعد ذلك: إن الرب تعالى له عندنا -أي عند الأشاعرة- أن يعذّب الطائعين، ويثيب العاصين، كل نعمة منه فضل، وكل نقمة منه عدل، لا حجر عليه في ملكه، ولا داعي له إلى فعله، وعندهم -أي المعتزلة- يجب تعذيب العاصي وإثابة المطيع وعلى العكس] الطبقات، الجزء الثالث (صفحة 386).

أي أن إنجاز الوعد للطائع بالثواب والوعيد للعاصي بالعقاب أمبر واجب على الله في عقيدة المعتزلة، تعالى الله عن أن يجب عليه شيء أو يجب منه شيء.

وقال الشيخ العلامة إبراهيم بن محمد الباجوري، الأشعري عقيدة، المتوفى سنة 1277هـ رحمه الله تعالى في شرحه على جوهرة التوحيد عند قول الناظم:

وخاذلٌ لمن أراد بُعده *** ومنجزٌ لمن أراد وعدهُ

[قوله: (وخاذل) من الخذلان، ومعناه لغة: ترك النصرة والإعانة، وشرعا: خلق المعصية في العبد والداعي إليها، أو خلق قدرة المعصية على الرأيين في التفريق -أي الرأي القائل بخلق المعصية أو خلق القدرة على المعصية-.

صفحة 152

وقوله -أي الناظم-: (لمن أراد بعده) أي الذي أراد بعده عن رضاه ومحبته كما تقدم نظيره.

قوله -أي الناظم-: (ومنجز لمن أراد وعده) أي معطي للذي أراد به خيرا ما وعده به على لسان نبيه أو في كتابه، فمفعول (أراد) محذوف، و (وعده) مفعول (منجز) والمراد الموعود به، وأشار المصنّف بذلك إلى أن وعد الله المؤمنين الجنة لا يتخلف شرعا قطعا، لقوله تعالى: “وَعْدَ اللَّهِ ۖ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ” (الروم 6)، “إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ” (الزمر 20). أي الوعد كما قاله بعض المفسرين، فلو تخلف إعطاء الموعود به لزم الكذب والسفه والخُلف، واللزم باطل فكذلك الملزوم، فالخُلف في الوعد نقص يجب تنزيه الله تعالى عنه، وهذا متفق عليه عند الأشاعرة والماتريدية، وأما الوعيد فيجوز الخُلف فيه عند الأشاعرة -أي ويمتنع عند الماتريدية-، لأن الخُلف في الوعيد لا يعدّ نقصا بل يعد كرما يمتدح به، كما يشير له قول الشاعر:

وإني وإن أوعدته أو وعدته *** لمخلف إيعادي ومنجز موعدي

وقد اعترض جواز تخلف الوعيد بلزوم مفاسد كثيرة:

منها الكذب في خبره تعالى، وقد قام الإجماع على تنزه خبره تعالى عن الكذب.

ومنها: تبدّل القول، وقد قال تعالى: “مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ”.

ومنها: تجويز عدم خلود الكفار في النار، وهو خلاف ما قامت عليه الأدلة القطعية من خلودهم فيها.

وقد أجيب عن الأول -أي دعوى الكذب-: بأن الكريم إذا أخبر بالوعيد فاللائق بكرمه أن يبني إخباره له به على المشيئة وإن لم يصرح بها، فإذا قال الكريم: لأعذّبنّ زيدا، فنيته إن شئت، بخلاف الوعد، فإن اللائق بكرمه أن يُبنى إخباره على الجزم. قال صلى الله عليه وآله وسلم: “من وعده الله على عمل ثوابا فهو منجز له، ومن أوعده على عمل عقابا فهو بالخيار إن شاء عذبه وإن شاء غفر له”.

صفحة 153

وعن الثاني -أي عن القول الثاني وهو دعوى تبدّل القول- : بأن الممنوع إنما هو تبدّل القول في وعيد الكفار، أو من لم يرد الله عنه عفوا، فالآية أعني قوله: “مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ” محمولة على ذلك.

وعن الثالث -أي القول الثالث وهو دعوى عدم خلود الكفار في النار- : بأن جواز تخلف الوعيد فيما إذا كان واردا فيما يجوز العفو عنه لا ينافي خلود الكفار في النار. فإنه لا يجوز العفو عن الكفر. قال الله تعالى: “إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ ” وهذه الآية مقيدة لقوله تعالى: “إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا”.

وذهبت الماتريدية إلى انه يمتنع تخلف الوعيد كما يمتنع تخلف الوعد، ولا يرد على ذلك أن الوعيد يتخلف في المؤمن المغفور له، لأن الآيات  الواردة بعموم الوعيد، مخرج منها المؤمن المغفور له، وأما غير المغفور له فلا بد من نفوذ الوعيد فيه] انتهى من تحفة المريد (صفحة 101-102).

عرض وتحليل

– لا واجب على الله تعالى لأحد من خلقه “يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ ۚ ” ، “يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ “.

– يجوز له تعالى أن يكلف خلقه ما لا يطيقونه، “رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ”.

– عقابه جل شأنه عدل، وثوابه نعمة وفضل. ومن ثم فإن الطاعة ليست بعلة الثواب ولا المعصية علة العقاب. “إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا” و “لا يدخل أحد الجنة بعمله”.

صفحة 154

– لا يجوز الخلف في وعده تعالى لأنه منع جواز ذلك في قوله تعالى: “وَعْدَ اللَّهِ ۖ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ” (الروم 6) ، “إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ” (آل عمران 20).

– يجوز الخلف في الوعيد: لأن الكريم إذا أخبر بالوعيد فاللائق بكرمه أن يبني إخباره له به على المشيئة وإن لم يصرّح بها. أي كالقائل: لأعذبنّ زيداً إن شئت.

يتمحور الخلاف بين الأشعرية من جهة والمعتزلة والأباضية والزيدية والشيعة والإمامية في مسألة الوعد والوعيد حول الوجوب، حيث يعتقد المعتزلة والأباضية والزيدية والشيعة والإمامية بأنه يجب على الله إنجاز وعده بالثواب للمحسن ووعيده بالعقاب للعاصي واعتبروا ذلك من مقتضيات العدل ونفس الظلم عن الله تعالى. بينما يعتقد الأشاعرة أنه لا يجب على الله شيء لعبده وأن إنجاز الوعد منه تعالى لعبده بمحض الفضل وليس بدافع الواجب، وأن إنجاز وعيده يمكن أن يتم ويمكن الخلف فيه كرما وفضلا لأن الوعيد متعلق بالمشيئة.

ومنشأ هذا الخلاف يأتي في المقام الأول من الخلاف في مسألة جهة الاختصاص بتحديد الحسن والقبيح، فبينما يرى المعتزلة والأباضية والزيدية والشيعة الإمامية أن جهة الاختصاص هي العقل يعتقد الأشاعرة بأن جهة الاختصاص هي الشرع، فالواجب هو ما أوجبه الشرع على من يقع عليه وليس العقل، وأحكام الشرع مصدرها الخالق جل شأنه وهي واقعة على عباده وليس هو محل وقوعها.

إن المُلكية المطلقة لله تعالى تؤدي إلى حق التصرف المطلق دون قيد، والله هو المالك المطلق الذي لا قيد على تصرفه في ملكه بما تقتضيه إرادته وحكمته، وأي قيد على التصرف المطلق يحد من الملكية المطلقة.

يُفهم ذلك من قوله تعالى: “مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ” ، التي يمكن أن نقرأها: “مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ” وهاتين القراءتين تبين أن الله تعالى هو الملك المطلق يوم الدين -أي يوم الجزاء والحساب- وهو المالك المطلق ليوم الجزاء والحساب ولم يقع

صفحة 155

عليهم الجزاء والحساب. والصيغتان تؤكدان الملكية المطلقة لان الملك فقط -أي الحاكم- ليس بالضرورة أن يكون مالكا والمالك فقط ليس بالضرورة أن يكون ملكا، ومن هنا انتفى الوجوب على الله في إنجاز الوعد والوعيد.

ثم أن الوجوب يتكون من: واجب ومتوجب عليه، ومتوجب له، وعقد إلزامي بين الطرفين، وحَكَم يقرر صحة العقد وتنفيذه، ومن هنا أيضا فإن الوجوب كما يعتقد الأشاعرة منتفيا في حق الله تعالى جملة وتفصيلا.

عقيدة الإمام الأشعري
الوعد والوعيد
 
Top