المقدمة

صفحة 6

المقدمة

من خلال مواقعنا على الشبكة الدولية، كنت أتلقى بين الحين والآخر رسائل يستفسر أصحابها عن عفيدة الإمام أبي الحسن الأشعر في الأصول وعن صحة ما تقوله بعض الفرق المعاصرة عنها وعن الإمام الأشعري بوجه عام، وقد ظهر لي من مضمون بعض هذه الأسئلة، أن أصحابها كانوا متأثرين بالكثير من المغالطات التي درج عليها وقام بنشرها المجسمة، حول الأشعري والأشاعرة في مختلف العصور.

والحقيقة أن هذا الجانب العقدي قد كتب فيه أهل العلم والمعرفة، مؤلفات ودراسات وشروح قيمة عديدة، أثرت المكتبة العربية والإسلامية وخدمت العقيدة الإسلامية جيلا بعد جيل، لكن العناية والاهتمام بالمطولات من هذه المؤلفات والدراسات والشروح يظل في الوقت الحاضر مقصورا  على أهل الاختصاص والبحث في المعاهد والأكاديميات وليس مما يسهل على الكثير من الشباب درسه وفهمه في عصر التخصصات المتباينة والمشاغل المتنامية التي تحيط بالشباب من كل حدب وصوب.

وفي المقابل فإن المختصرات التي تركز على أصول العقيدة عند الأشاهرة فقط دون ذكر أدلتهم، برغم ما لها من فوائد وفضل على الطلبة والمبتدئين في العصور الماضية، لم تعد تروي تعطشا إلى التفصيل والتدليل في الوقت الحاضر، أو تشبع نهما في المعرفة، أو تجيب على أسئلة كثيرة حائرة، في غياب ذكر الأدلة عند الأشاعرة وبعض ردودهم على المخالفين والمعترضين، وفي خضم الطرح المتواصل لعقيدة المجسمة وإحاطة رموزهم بهالات من العصمة، وفي جوار الكتب والمواقع الإلكترونية الكثيرة التي تشرح أصول المجسمة من جهة وتحط من صحة وقيمة عقيدة الأشاعرة من جهة ثانية.

وخصوصا وأن الكثير من أصحاب المختصرات في عقيدة الأشاعرة والماتريدية المعروفة بعقيدة أهل السنة والجماعة، كانوا في الماضي وحتى وقت قريب، يتحاشون التوسع في مسألة البحوث العقدية أصولا وأدلة وردودا على المخالف، وكانوا يحرصون في الوقت نفسه على التعامل مع موضوع العقيدة بإفراط في الحذر، منعا لما يرونه تعمقا

صفحة 7

قد يفضي إلى الحيرة أو إلى تشويش عقائد الناشئة والعامة، ولكن هذا الإفراط في الحذر ربما أدى -في عصرنا الذي أصبح مفتوحا على كل الاتجاهات والتيارات- إلى تفريط في إقناع شباب متعطش إلى المعرفة والوضوح في هذه المسائل وإلى نكوص عن الإجابة عن أسئلة كثيرة ومستجدة يطرحها عصر المعلومات الذي يتدفق فيه على الشباب، كم كبير من المعارف التي يختلط فيها الغث بالسمين والحق بالباطل.

وصد أبو الطيب المتنبي حين قال: … وبضدها تتبين الأشياء

ولا جدال في أن خلو الساحة من مجالس ومدارس البحوث المعمقة في عقيدة أهل السنة والجماعة وأدلتها وعرض ما يخالفها، ومن الكتابة المتصلة في ذلك بأسلوب العصر ومنهجه، والتحرج الشديد من فتح باب الحوار المباشر أو المكتوب في هذا الجانب المهم، والعزوف عن الاطلاع على أقوال كل الفرق ومعرفة حقيقة ما هي عليه، قد أوجد عزوفا عن الاهتمام بمعرفة حقيقة مذهب الأشعري في الأصول، وأصبحت أعداد كبيرة من المسلمين ومن كافة الأعمار والشرائح الاجتماعية تظن أن الأشاعرة والماتريدية مبتدعة ومتأثرون بأطروحات الفلاسفة، وأن أصول المجسمة، هي العقيدة الإسلامية الصحيحة التي يجب التمسك بها وتأسيس الاعتقاد عليها، بل وتبادر إلى تكفير كل من خالف عقيدة المجسمة أو فند حججها.

وفي خضم كثرة الأسئلة والتساؤلات التي ترد إلي حول عقيدة الأشاعرة، ممن لا عذر لي في الرد عليهم، وفي ضوء الحقائق التي أشرنا إليها آنفا حول المطولات والمختصرات في أصول العقيدة أقدمتُ على جمع وإعداد هذه الرسالة المتواضعة عن مذهب الإمام أبي الحسن الأشعري في الأصول، بشكل يرتب النتائج على المقدمات قدر المستطاع ويعتمد في نقل مذهب الأشعري عن الثقات من أعلام الأشاعرة، وقد جعلت الرسالة قسمين:

القسم الأول: أشرت فيه إلى الحالة العقدية بوجه عام عن البعثة المحمدية، وأسباب نشوء المذاهب العقدية والنحل، والتحول الأساسي في البحث والجدل وأسبابه ونتائجه، كم أوردت في بعض أقوال علماء السلف والخلف حول أهمية شرح وتفصيل أصول

صفحة 8

العقيدة الصحيحة وأدلتها والدفاع عنها، كما أوضحت منهج السلف فقي التفويض مع التنزيه والخلف في التأويل مع الاعتدال.

أما القسم الثاني من هذه الرسالة: للإمام الأشعري، ترجمة وسلوكا، ولأسباب تحوله عن الاعتزال إلى التوحيد والتنزيه والجمع بين النقل والعقل، مع شرح حال المسلمين قبل ظهور مذهب الإمام الأشعري، وكيف اتخذ وتلامذته خط الاعتدال الوسط في أصول العقيدة بين الإفراط من طرفيه عند المجسمة من جهة والمعطلة من جهة أخرى، وكيف أثبت عدم التعارض بين العقل وما صح وثبت من النقل مع تحليل ما تتداوله الأيدي من كتب منسوبة إلى الإمام الأشعري.

ثم بعد ذلك أوضحتُ مذهب الإمام الأشعري في أصول العقيدة -قدر ما يسمح به المقام والهدف من تسطير هذه الرسالة- من مصادر المذهب الموثوقة والمتمثلة في ما كتبه الإمام الأشعري وما سطره أعلام الأشاهرة المشهود لهم بالصدق والتقوى والأمانة وغزارة العلم وقوة الحجة، غير مدعيا الإحاطة فيما كتبت أو العصمة والكمال.

والناس حيال أي قضية من القضايا الكبرى في مجال الدين أو أمور الدنيا المتعلقة بالجماعة الإنسانية ينقسمون إلى أقسام ثلاثة:

1- موافق: بحكم الموروث الاجتماعي التراكمي، أو بعامل من عوامل العصبية المشتركة مع من يوافقه، أو بدافع من الانبهار السطحي برموز معينة في العقيدة أو السياسة أو في الجوانب الروحية في ظل تعبئة إعلامية طويلة ومستمرة، أو بسبب منافع ومصالح حسية أو معنوية يوفرها له ما يتعصب له ويخشى من فواتها إن هو احترم حق المخالف في طرح ما عنده أو تقبل أسلوب الحوار الواعي المهذب مع المخالف سعيا وراء الحقيقة.

2- محالف: لا يقبل مراجعة أو حوارا أو حقا لغيره في الاختلاف معه مهما كانت قوة حجة المخالف وأدلته بدافع من ضغينة شخصية على من يختلف معه بسبب من العرق أو المذهب أو الموطن أو تفاوت المكانة الاجتماعية المكتسبة، أو بأسباب مشتركة مع الصنف الأول وتتمثل في الانبهار السطحي برموز معينة في العقيدة أو السياسة أو في

صفحة 9

الجوانب الروحية في ظل تعبئة إعلامية طويلة ومستمرة، أو في منافع ومصالح حسية أو معنوية يوفرها له ما يتعصب له ويخشى من فواتها إن هو احترم حق المخالف في طرح ما عنده أو تقبل أسلوب الحوار الواعي المهذب مع المخالف سعيا وراء الحقيقة.

3- متواضع: للحق والعدل، مدرك بأن فهمه نسبيا كبشر، قابل للخطأ كما هو قابل للصواب في كل ما يجد أمامه من قضايا قديمة أو معاصرة، باحث في الوقت نفسه عن الحقيقة أينما وجدت، محترِم لحق الآخر في الاختلاف معه، ساعٍ إلى الحوار الواعي والمهذب مع الآخر المخالف لمزيد من الفهم ومعرفة حقيقة ما عند الآخر من مصدره الصحيح وليس من مصادر خصومه المضللة والمبالغ فيها ليتعاون مع هذا المخالف فيما يتفقان فيه ويعذر بعضهما بعضا فيما يختلفان عليه دون أن يفسد ذلك الاختلاف للود والصدق والعدل قضية بينهما، مؤمن بأن الحكمة ضالة المؤمن يسعة إليها أينما وجدت وعند من وجدت، حماه الله بفضله وكرمه من آفات العصبية والسطحية والانبهار ومن الضغينة الشخصية على من يخالفه أو يختلف معه.

والصنف الثالث هذا من البشر هم الذين أتوجه بكتاب المتواضع إليهم وأهديه لهم وعلى الله وحده أتكل وبه أستعين، ومنه ألتمس الهداية والتوفيق والسداد.

الفقير إلى الله:

مصطفى بن عبد الرحمن بن عبدالله بن علوي العطاس.

عقيدة الإمام الأشعري
المقدمة
 
Top