الصفات

صفحة 92

الصفات الإلهية

يقول الإمام أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري المتوفى سنة 324هـ في كتاب اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع:

[فإن قال قائل: لم قلتم إن الله تعالى عالم؟ قيل له: لأن الأفعال المحكمة لا تتسق في الحكمة إلا من عالم. وذلك أنه لا يجوز أن يحوك الديباج العصافير ويصنع دقائق الصنعة من لا يحسن ذلك ولا يعلمه. فلما رأينا الإنسان على ما فيه من اتساق الحكمة كالحياة التي ركّبها الله فيه والسمع والبصر وكمجاري الطعام والشراب وانقسامها فيه، وما هو عليه من كماله وتمامه، والفلك وما فيه من شمسه وقمره وكواكبه ومجاريها دل ذلك على أن الذي صنع ما ذكرناه لم يكن يصنعه إلا وهو عالم بكيفيته وكنهه ولو جاز أن تحدث الصنائع الحكمية لا من عالم، لم ندر لعل جميع ما يحدث من حكم (الناس) وتدابيرهم وصنائعهم يحدث منهم وهم غير عالمين. فلما استحال ذلك دل على أن الصنائع المحكمة لا تحدث إلا من عالم. كذلك لا يجوز أن تحدث الصنائع إلا من قادر حي، لأنه لو جاز حدوثها ممن ليس بقادر ولا حي لم ندر لعل سائر ما يظهر من الناس يظهر منهم وهم عجزة موتى، فلما استحال ذلك دلت الصنائع على أن الله حي قادر.

فإن قال قائل: لم قلتم إن الله سميع بصير؟ قيل له: لأن الحي إذا لم يكن موصوفا بآفة تمنعه من إدراك المسموعات والمبصرات إذا وجدت فهو سميع بصير.

فإن قال: أتقولون: إن الله تعالى لم يزل عالما قادرا سميعا بصيرا؟ قيل له: كذلك نقول.

صفحة 93

فإن قال: فما الدليل على ذلك؟ قيل له: الدليل على أن الحي إذا لم يكن عالما كان موصوفا بصد العلم من الجهل والشك والآفات، فلو كان الباري تعالى لم يزل حيا غير عالم لكان لم يزل موصوفا بضد العلم. ولو كان لم يزل موصوفا بضد العلم من الجهل والشك والآفات لاستحال أن يعلم، لأن ضد العلم لو كان قديما لاستحال أن يبطل. وإذا استحال أن يبطل ذلك لم يجز أن يصنع الصنائع الحكيمة، فلما صنعها ودلت على أنه عالم صح وثبت أنه لم يزل عالما، إذ قد استحال أن يكون لم يزل بضد العلم موصوفا.

وكذلك لو كان حيا غير قادر لوجب أن يكون لم يزل عاجزا موصوفا بضد القدرة، ولو كان عجزه قديما لاستحال أن يقدر وأن تحدث الأفعال منه.

وكذلك لو كان لم يزل حيا غير سميع ولا بصير لكان لم يزل موصوفا بضد السمع من الصمم والآفات، وبضد البصر من العمى والآفات، ومحال جواز الآفات على الباري، لأنها من سمات الحدث، فدل ما قلناه على أن الله تعالى لم يزل عالما قادرا سميعا بصيرا] اللمع (صفحة 25-27).

وقال الإمام أبو الحسن الأشعري أيضا: [والدليل على أن لله تعالى قدرة وحياة كالدليل على أن الله تعالى عالما. وقد قال جل ذكره: “أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ” (النساء 166). وقال: “وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ ۚ ” (فصلت 15) فأثبت العلم لنفسه، وقال تعالى: “أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً” (فصلت 11) فأثبت القوة لنفسه.

ومما يدل على أن الله تعالى عالم بعلم أنه لا يخلو أن يكون الله تعالى عالما بنفسه، أو بعلم يستحيل أن يكون هو نفسه، فإن كان عالما بنفسه كانت نفسه علما، لأن قائلا لو قال: إن الله تعالى عالم بمعنى هو غيره، لوجب عليه أن يكون ذلك المعنى علما، ويستحيل أن يكون العلم عالما أو العالم علما، أو يكون الله بمعنى الصفات، ألا ترى أن الطريق الذي يُعلم به أن العلم علم هو أن العالِم به عَلِم. لأن قدرة الإنسان التي لا يعلم بها لا يجوز أن تكون علما، فلما استحال أن يكون الباري تعالى علماً استحال أن يكون عالما بنفسه، فإذا استحال ذلك صح انه عالم يستحيل أن يكون هو نفسه (أي أنه جل

صفحة 94

شأنه عالم بعلم وليس هو العلم) -ثم قال الأشعري بعد ذلك- : وهذا الدليل يدل على إثبات صفات الله تعالى لذاته كلها: من الحياة والقدرة والسمع والبصر وسائر صفات الذات] انتهى من اللمع (صفحة 31).

وقال العلامة القاضي محمد بن الطيب بن محمد أبو بكر الباقلاني الأشعري المتوفى سنة 403:

[وأن يعلم -أي المسلم المكلف- مع كونه تعالى سميعا بصير، أنه مدرك لجميع المدركات التي يدركها الخلق: من الطعوم والروائح واللين والخشونة والحرارة والبرودة بإدراك معين وأنه مع ذلك ليس بذي جوارح وحواس توجد بها الإدراكات فتعالى الله عن التصوير والجوارح والآلات، وأنه مع إدراك سائر الأجناس من المدركات وجميع الموجودات غير ملتذ ولا متألم بإدراك شيء منها ولا مشقة له منها ولا نافر عنها ولا منتفه بإدراكها ولا يجانس شيئا منها ولا يضادها وإن كان مخالفا لها.

وأنه سبحانه ليس بمغاير لصفات ذاته، وأنها في نفسها غير متغايرات، إذ كان حقيقة الغيرين ما يجوز مفارقة أحدهما الآخر بالزمان والمكان والوجود والعدم وأنه سبحانه يتعالى عن المفارقة لصفات ذاته وأن توجد الواحدة منها مع عدم الأخرى.

وأن صفات ذاته هي التي لم تزل ولا يزال بها موصوفا وأن صفات أفعاله هي التي سبقها وكان تعالى موجودا في الأزل قبلها -كالخلق والرزق والإماتة والإحياء-.

ونعتقد أن مشيئته تعالى ومحبته ورضاه ورحمته وكراهيته وغضبه وسخطه وولايته وعداوته كلها راجعة إلى إرادته، وأن الإرادة صفة لذاته غير مخلوقة، لا على ما يقوله القدرية، وأنه مريد بها لكل حادث في سمائه وأرضه مما يتفرد سبحانه بالقدرة على إيجاده، وما يجعله منه كسبا لعباده، من خير وشر، ونفع وضر، وهدى وضلال، وطاعة وعصيان، لا يخرج حادث عن مشيئته ولا يكون إلا بقضائه وإرادته] انتهى من كتاب الإنصاف (صفحة 24).

وقال العلامة القاضي الباقلاني أيضا: [يجب أن يُعلم أن الباري جل قدرته حيٌّ

صفحة 95

-وهذه المسألة أو مسائل قول الشيخ أي أبي الحسن الأشعري رحمه الله- موصوف بما وصف به نفسه في كتابه وعلى لسان نبيه فنقول الباري يوصف بالحياة.

والدليل على قوله تعالى: “الْحَيُّ الْقَيُّومُ” (البقرة 255) وقوله تعالى: “وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ” (الفرقان 58) فإن الفعل يستحيل وجوده من الموات الذي لا حياة له والله تعالى فاعل الأشياء ومنشؤها، فوجب أن يكون حيا.

وأنه تعالى قادر على جميع المقدورات.

والدليل قوله تعالى “وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” (المائدة 120).

ولأننا نعلم قطعا استحالة صدور الأفعال من عاجز لا قدرة له، ولما ثبت أنه فاعل الأشياء، ثبت أنه قادر.

ويجب أن نعلم أنه تعالى عالم بجميع المعلومات.

والدليل على قوله تعالى: “أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ” (النساء 166) وقوله تعالى: “يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ” (طه 110)، وقوله تعالى: “يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ” (غافر 19)، وقوله تعالى: “وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ” (آل عمران 29)، وقوله تعالى: “فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ” (هود 14) إلى غير ذلك من الآيات التي لا تحصى.

وأيضا: فيدل على أنه عالم: صدور الأفعال الحكيمة المتقنة الواقعة على أحسن ترتيب ونظام وإحكام وإتقان، وذلك لا يحصل إلا من عالم بها ومن جوز صدور حط معلوم منظوم مرتب من غير عالم بالخط، كان عن المعقول خارجا، وفي عمل الجهل والجا.

ويدل على صحة ذلك أيضا: أنه حي، قادر، عالم، أما لو جوّزنا صدور أفعال محكمة متقنة من غير حي، عالم، قادر، لم ندرِ لعل جميع ما يظهر لنا من أفعال الناس من الكتابة والصناعة وسائر الصنائع لعلها لنا منهم وهم أموات عجزة جهلة.

ويجب أن نعلم أن الله مريد على الحقيقة لجميع الحواد والمرادات،

صفحة 96

والدليل عليه قوله تعالى: “فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ” (هود 107)، وقوله تعالى: “يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ” (البقرة 185)، وقوله تعالى: “وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ” (الانفال 67)، وقوله تعالى: “يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ ” (النساء 28). وقد قيل في بعض الآثار: أنه تعالى يقول: يا ابن آدم: تريد وأريد، ولا يكون إلا ما أريد.

ويدل على أنه مريد من جهة العقل: ترتيب الأفعال واختصاصها بوقت دون وقت، ومكان دون مكان، وزمان دون زمان، وكذلك يدل على أنه أراد أن يكون هذا قبل هذا، وهذا بعد هذا، وهذا على صفة والآخر على صفة غيرها، وهذا من مكان وهذا من مكان آخر، إلى غير ذلك.

ويجب أن نعلم أنه سميع لجميع المسموعات بصير لجميع المبصرات.

والدليل عليه قوله تعالى: “وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ” (الشورى 1). وقوله تعالى: “أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم ۚ بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ” (الزخرف 80)، وقوله تعالى: “قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ” (المجادلة 1).، وقوله تعالى: “أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى” (العلق 14).

وأيضا فإنه لو لم يوصف بالسمع والبصر لوجب أن يوصف بضد ذلك من الصمم والعمى، والله يتعالى عن ذلك علوا كبيرا.

ويجب أن نعلم أن الله تعالى متكلم وان كلامه غير مخلوق ولا محدث.

والدليل عليه قوله تعالى: “مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ” (البقرة 253)، وقوله تعالى: “وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا” (النساء 164)، وقوله تعالى: “وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ” (الأنعام 115).

صفحة 97

ولا توصف -أي كلماته- ببداية ولا نهاية، لأنه صلى الله عليه وآله وسلك كان يعوّذ الحسن والحسين فيقول: “أعيذكما بكلمات الله التامة العامة” ومحال أن يعوَّذ مخلوق بمخلوق. فثبت أنه عوذ مخلوقا بغير مخلوق، إلى غير ذلك من الآيات والأخبار، ولأنه لو لم يكن متكلما لوجب أن يوصف بضد الكلام، من الخرس والسكوت والعي والله يتعالى عن ذلك.

ويجب أن يعلم: أن الله سبحانه باقٍ، ومعنى ذلك أنه دائم الوجود.

والدليل قوله تعالى: “وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ” (الرحمن 27). يعني ذات ربك، وأيضا قوله تعالى: “كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ” (القصص 88) يعني ذاته.

ولأنه قد ثبت قِدَمه استحال عدمه.

ويجب أن نعلم:

أن الباري عالم بعلم قديم متعلق بجميع المعلومات ولا يوصف علمه بأنه مكتسب ولا ضروري.

وأن قادر بقدرة قديمة شاملة لجميع المقدورات.

وأنه مريد بإرادة قديمة متعلقة بجميع الكائنات.

وأنه سميع بسمع قديم متعلق بجميع المسموعات.

وأنه بصير ببصر قديم متعلق بجميع المبصرات.

وأنه متكلم وكلامه قديم متعلق بجميع المأمورات والمنهيات والمخبرات.

فعلمه سبحانه لا يوصف بالضرورة والكسب، لأن ذلك صفات علم الخلق، وقدرته لا توصف بالاستطاعة لأن ذلك صفات الخلق، وسمعه لا يوصف بأنه يقوم بالحواس كسمع الخلق، وبصره لا يوصف بأنه يقوم بالآماق كبصر الخلق، وكلامه لا يوصف بالجوارح والأدوات لأن ذلك صفات كلام الخلق.

بل صفات ذاته قديمة أزلية لم يزل موصوفا بها ولا يزال كذلك لا تُشبَّه بصفات المخلوقين، ولا يقال: إنها هو ولا غيره، ولا صفاته متغايرة في نفسها.

صفحة 98

والدليل قوله تعالى: “لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ ” (الشورى 11). وقوله تعالى: ” لَمْ يَلِد وَلَمْ يُولَد ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد” (الإخلاص 3-4). فكما أن ذاته لا تشبه ذوات الخلق فكذلك علمه لا يشبه علم الخلق ولا يوصف بصفة علم الخلق وكذلك قدرته وإرادته لا تشبه قدرة الخلق ولا إرادتهم ولا يوصف شيء من صفاته بصفات الخلق، فاعلم ذلك وتحققه توفق للصواب بمشيئة الله.

والدليل على أن صفاته لا يقال لها: (هي هو): أنها لو كانت هي هو لكانت خالقة فاعلة مثله، فلا يجوز أن يقال هي هو. ويدل على صحة هذا المعنى قول الإمام علي عليه السلام في القرآن: ليس بخالق ولا مخلوق، لأنه لو جعله خالقا كان إلها ثانيا مع الله، ولو جعله مخلوقا لوجب أن يكون الباري موجودا بلا كلام ثم خلق كلامه بعد، وذلك لا يصح لأن صفات ذاته قديمة بقدم ذاته.

فإن قيل: فليس ثم إلا خالق أو مخلوق؟

قلنا: نعم ولك خالق قديم بصفات ذاته، ومخلوق حادث بصفات ذاته الحادثة التي توجد بعد أن لم تكن، وتعدم بعد أن كانت، وصفات القديم لا تتصف بوجود بعد عدم، ولا بالعدم بعد الوجود، وإنما قلنا: إن صفات ذاته ليس بأغيار له، ولا هو غير صفاته، ولا صفاته متغايرة في أنفسها، لأن أحد الغيرين ما يجوز مفارقة أحدهما الآخر، إما بزمان أو بمكان، وهذا يستحيل تصويره في الله تعالى وصفات ذاته، فافهم.

فإن قيل: قد أثبتم أنه حي عالم قادر سميع بصير متكلم، أفتقولون: إنه يغضب ويرضى ويحب وبيغض ويوالي ويعادي، وأنه موصوف بذلك؟ قيل لهم: أجل، معنى وصفه بذلك: أن غضبه على من غضب عليه، ورضاه عمن رضي عنه، وخبه لمن أحب، وبغضه لمن أبغض، وموالاته لمن والى، وعداوته لمن عادى، إن المراد بجميع ذلك إرادته إثابة من رضي عنه وحبه وتولاه، وعقوبة من غضب عليه وأبغضه وعاداه لا غير.

صفحة 99

ويدل على هذه الجملة: أنه يوصف بالغضب، قوله تعالى: “وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ” (النساء 93). وقوله تعالى: “وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ” (النور 9). إلى غير ذلك.

ويدل على أنه يوصف بالحب قوله تعالى: “إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ” (البقرة 222). وقوله تعالى: “يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ” (المائدة 54)، وقوله تعالى: “وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ” (المائدة 93)، إلى غير ذلك.

ويدل على أنه يوالي قوله تعالى: “وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ” (آل عمران 68)، وقوله تعالى: “إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ” (المائدة 55)، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (يقول الله تعالى: من آذى وليا) إلى غير ذلك من الآيات والأخبار.

ويدل على أنه يعادي قوله تعالى: “فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ” (البقرة 98)، وقوله تعالى: “لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ” (الممتحنة 1)، إلى غير ذلك من الآيات والآثار.

ويدل على أنه يبغض قوله صلى الله عليه وسلم: “ثلاثة يبغضهم الله: شيخ زانٍ وبائع حلاف وفقير محتال”.

فإن قيل: فما الدليل على أن غضب الله سبحانه ورضاه ورحمته وسخطه وحبه وعداوته وموالاته وبغضه إنما هو إرادته لإثابة من رضي عنه وأحبه ووالاه ونفعه وأن غضبه وسخطه وبغضه وعداوته إنما هي الإرادة عقاب من غضب عليه وسخط وعادى وإيلامه وضره؟

قيل له: الدليل على ذلك: أن الغضب والرضا ونحو ذلك لا يخلو إما أن يكون المراد به إرادته النفع والضر فقط أو يكون المراد به نفور الطبع وتغيره عند الغضب ورقته وسكونه عند الرضا، فلما لم يجز أن يكون الباري جلت قدرته ذا طبع يتغير وينفر، ولا ذا طبع يسكن ويرق، وأن هذه من صفات المخلوقين، وهو تعالى عن جميع ذلك، ثبت أن

صفحة 100

المراد بغضه ورضاه ورحمته وسخطه إنما هو إرادته وقصده إلى نفع من كان في معلومه أنه ينفعه وضرر من سبق في علمه وخبره أنه يضره لا غير ذلك.

فإن قيل: فهل يجوز أن يوصف بالشهوة؟

قيل له: إن أراد السائل بوصفه بالشهوة إرادته لأفعاله فذلك صحيح من طريق المعنى، غير أنه أخطأ وخالف الأمة في وصف القديم بالشهوة، إذ لم يرد بذلك كتاب ولا سنّة لأن أسماءه تعالى لا تثبت قياسا وهو معنى قول الشيخ -أي أبي الحسن الأشعري رضي الله عنه-: “لا مدخل للعقل والقياس في إيجاب معرفته وتسميته، وإنما يعلم ذلك بفضله من جهته”. يعني: بنص من كتاب او سنة. وإن أراد السائل أن يصفه بالشهوة التي هي شوق النفس وميل الطبع إلى المنافع واللذات فذلك محال ممتنع على القديم سبحانه وتعالى، وبما قدمنا ذكره من قبل] المصدر السابق (صقحة 33-39).

وقال حجة الإسلام أبي حامد الغزالي الأشعري عقيدة في كتاب قواعد العقائد من الإحياء: [واعلم أنه تعالى حي قادر، جبار قاهر، لا يعتريه قصور ولا عجز، ولا تأخذه سنة ولا نوم، ولا يعارضه فناء ولا موت، وأنه ذو الملك والملكوت، والعزة والجبروت، له السلطان والقهر، والخلق والأمر، والسموات مطويات بيمينه، والخلائق مقهورون في قبضته، وأنه المنفرد بالخلق والاختراع، والمتوحد بالإيجاد والإبداع، خلق الخلق وأعمالهم، وقدّر أرزاقهم وآجالهم، لا يشذ عن قبضته مقدور، ولا يعزب عن قدرته تصاريف الأمور، لا تحصى مقدوراته، ولا تتناهى معلوماته، وأنه عالم بجميع المعلومات، محيط بما يجري من تخوم الأرضين إلى أعلى السموات، وأنه عالم لا يعزم عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، بل يعلم دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء، ويدرك حركة الذر في جو الهواء، ويعلم السر وأخفى، ويطّلع على هواجس الضمائر، وحركات الخواطر، وخفيات السرائر، بعلم قديم أزلي لم يزل موصوفا به في أزل الآزال، لا بعلم متجدد حاصل في ذاته بالحلول والانتقال.

صفحة 101

وأنه تعالى مريد للكائنات، مدبّر للحادثات، فلا يجري في المُلك والملكوت قليل أو كثير، صغير أو كبير، خير أو شر، نفع أو ضر، إيمان أو كفر، عرفان أو نكر، فوز أو خسران، زيادة أو نقصان، طاعة أو عصيان، إلا بقضائه وقدره وحكمته ومشيئته، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، لا يخرج عن مشيئته لفتة ناظر، ولا فلتة خاطر، بل هو المبدئ والمعيد، الفعال لما يريد، لا رادّ لأمره، ولا معقب لقضائه، ولا مهرب لعبد عن معصيته إلا بتوفيقه ورحمته، ولا قوة له على طاعته إلا بمشيئته وإرادته، فلو اجتمع الإنس والجن والملائكة والشياطين، على أن يحركوا في العالم ذرة أو يسكنوها دون إرادته ومشيئته لعجزوا عن ذلك، وأن إرادته قائمة بذاته، في جملة صفاته، لم يزل كذلك موصوفا بها، مريداً في أزله لوجود الأشياء في أوقاتها التي قدرها، فوُجدت في أوقاتها كما أراده في الأزل، من غير تقدم ولا تأخر، بل وقعت على وفق علمه وإرادته من غير تبدل ولا تغير، دبر الامور لا بترتيب أفكار، ولا تربص زمان، فلذلك لم يشغله شان عن شان.

وأنه تعالى سميع بصير، يمسع ويرى، ولا يعزب عن سمعه مسموع وإن خفي، ولا يغيب عن رؤيته مرئي وإن دق، ولا يحجب سمعه بعد، ولا يدفع رؤيته ظلام، يرى من غير حدقة وأجفان، ويسمع من غير أصمخة وآذان، إذ لا تشبه صفاته صفات الخلق، كما لا تشبه ذاته ذوات الخلق.

وأنه تعالى متكلم آمر ناهٍ واعد متوعد، بكلام أزلي قديم، قائد بذاته، لا يشبه كلام الخلق، فليس بصوت يحدث من انسلال هواء أو اصطكاك أجرام، ولا بحرف ينقطع بإطباق شفة أو تحريك لسان، وأنه القرآن والتوراة والإنجيل والزبور كتبه المنزلة على رسله عليهم الصلاة والسلام، وأن القرآن مقروء بالألسنة، مكتوب في المصاحف، محفوظ في القلوب، وأنه مع ذلك قديم قائم بذات الله تعالى لا يقبل الانفصال والافتراق بالانتقال إلى القلوب والأوراق.] انتهى من عقيدة أهل السنة والجماعة (صفحة 39-45).

صفحة 102

وقال العلامة العارف بالله الشيخ محمد أمين الكردي الأربلي، الأشعري عقيدة المتوفى ليلة الأحد 12 ربيع الأول سنة 1332هـ في كتابه تنوير القلوب في معاملة علام الغيوب:

[اعلم أن الصفة: (وهي الأمر الثابت للموصوف) تنقسم إلى سبعة أقسام:

1- صفة نفسية: وهي التي لا يعقل الموصوف بدونها كالوجود.

2- صفة سلبية: وهي سلب أمر لا يليق بالموصوف كالقدم.

3- صفة معنى: وهي صفة وجودية توجب لموصوفها حكما كالقدرة.

4- صفة معنوية: وهي صفة ثبوتية اعتبارية لازمة للمعنى ككونه قادرا.

5- صفة فعلية: وهي تعلق القدرة والإرادة كالخلق والرزق والإحياء والإماتة.

6- صفة جامعة: لسائر الصفات كالجلال والعظمة والكبرياء.

7- صفة سمعية: وهي عبارة عن معنى ورد به السمع، اعني الكتاب والسنة المتواترة.

وتنقسم الصفة أيضا إلى قسمين:

1- صفة متعلقة: وهي التي تقتضي أمرا زائدا على القيام بمحلها كالقدرة والإرادة، فالقدرة تقتضي مقدورا عليه والإرادة تقتضي مرادا.

2- غير متعلقة: وهي عكس المتعلقة، كالحياة.

ومن ثم فيجب على كل مكلّف أن يعرف الواجب والمستحيل والجائز في حق مولانا تعالى:

والمكلَّف: هو المسلم البالغ العاقل، سليم الحواس ولو السمع أو البصر، الذي بلغته دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ذكرا كان أو أنثى، حرا أو عبدا، أنسيا أو جنيا، لكن الجن مكلفون من حين الخلقة كآدم وحواء.

والمعرفة: هي الجزم المطابق للواقع عن دليل.

فيجب علينا معاشر البالغين العقلاء أن نعرف ما يجب له تعالى وما يستحيل، وما يجوز عليه إجمالا وتفصيلا.

صفحة 103

فالإجمال: أن نعتقد أن الله تعالى متصف بكل كمال، ومنزه عن كل نقص، وجائز عليه فعل كل ممكن أو تركه.

والتفصيل: أن نعرف من ذلك ما دل عليه دليل بعينه.

فالواجب له تعالى عشرون صفة: بمعنى أنه لا يدخل في عقل عاقل عدم اتصافه تعالى بها، ولا يسلم به لما يلزم عليه من المحالات والأباطيل، وهي:

الوجود، والقدم، والبقاء، ومخالفته للحوادث، وقيامه بنفسه، والوحدانية، والقدرة، والإرادة، والعلم، والحياة، والسمع، والبصر، والكلام، وكونه قادرا، وكونه مريدا، وكونه عالما، وكونه حيّاً، وكونه سميعا، وكونه بصيرا، وكونه متكلما.

والمستحيل عليه تعالى عشرون صفة أيضا: وهي أضداد العشرين الواجبة له تعالى وهي:

العدم، والحدوث، والفناء، والمماثلة لشيء من الحوادث، واحتياجه إلى محل أو مخصص، والتعدد، والعجز، والكراهة، والجهل، والموت، والصمم، والعمى، والبكم، وكونه عاجزا، وكونه كارها، وكونه جاهلا، وكونه ميتا، وكونه أصم، وكونه أعمى، وكونه أبكم، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

صفحة 103

صفة الوجود ودليلها

فأما الوجود: فهو ثبوت الشيء وتحققه، والوجود واجب له تعالى، لذاته أزلا وأبدا.

وضده: العدم.

والدليل على وجوب وجوده تعالى واستحالة العدم عليه:

عقلاً: وجود هذه المخلوقات، وذلك أنك إذا نظرت إلى هذا العالم تراه متغيرا، من عدم إلى وجود ومن وجود إلى عدم، ومن حركة إلى سكون ومن سكون إلى حركة، متنوعا بأنواع مختلفة، وضروب متباينة، فبعضه أبيض، وبعضه أسود، وبعضه أحمر، إلى غير ذلك، وبعضه في جهة دون جهة، وبعضه في مكان دون مكان، وبعضه في زمان دون

صفحة 104

زمان، وبعضه على مقدار دون مقدار، وبعضه علوي وبعضه سفلي، وبعضه ظلماني وبعضه نوراني، وبعضه لطيف وبعضه كثيف إلى غير ذلك من الأنواع، وكل ذلك مما يدل على أن هذا العالم حادث، أي موجود بعد عدم، والحادث لا يكون إلا ممكنا، لأن ذلك كله يستدعي فاعلا مختارا واجب الوجود يرجّح الوجود على العدم والحركة على السكون والعكس، ويرجّح المقدار المخصوص والجهة المخصوصة والزمن المخصوص والمكان المخصوص والصفة المخصوصة على ما يقابلها، فلو لم يجب له تعالى الوجود لما وجِد شيء من هذا العالم إذ لا يتصور العقل وجود شيء حادث بدون صانع واجب الوجود ولولا الفاعل المخصِّص لوجوده فيما شاء من الأزمنة والأمكنة والجهات على ما شاء من المقادير والصفات لكان يجب أن يبقى على ما كان عليه من العدم أبد الآباد.

ونقلا: قوله تعالى: “إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ” (يونس 3). وقوله تعالى: “أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ” (الطور 35).

صفحة 104

صفة القدم ودليلها

والقدم واجب له تعالى. فمعناه: عدم افتتاح الوجود، أي أنه ليس لوجود ذاته تعالى ولا لوجود صفاته الذاتية افتتاح.

وضده الحدوث: أي افتتاح الوجود.

والدليل على وجوب القدم له تعالى ولصفاته واستحالة الحدوث:

عقلا: أنه لو لم يكن قديما لكان حادثا، فلا بد له من محدث، وهكذا فيدور الأمر أو يتسلسل وذلك باطل. أو يقال: إذا ثبت حدوث العالم وأنه لا بد له من محدث فلا يكون المحدثث مستحيل بداهة ولا جائزا، لأنه لا يملك الوجود لنفسه فلا يفيضه على غيره، فتعين أن يكون واجب الوجود، وهو معنى القدم، ولو لم تكن صفانه تعالى قديمة لكانت حادثة، وحدوثها باطل لما يلزم عليه من حدوث ذاته تعالى، لأن كل ما لا تتحقق ذاته بدون الحادث فهو حادث، وقد سبق قدمه تعالى.

صفحة 103

ونقلا: قوله تعالى: “هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ” (الحديد 3). وقوله تعالى: “ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ ۚ ” (الأنعام 102).

صفحة 105

صفة البقاء ودليلها

والبقاء: فمعناه عدم اختتام الوجود. أي أنه ليس لوجود ذاته ولا لوجود صفاته اختتام وانتهاء.

وضده الفناء: أي اختتام الوجود.

والدليل على وجوب البقاء له ولصفاته واستحالة ضده:

عقلا: أنه لو قبل الفناء لكان حادثا، لأن القديم واجب الوجود لا يقبل الفناء أصلا، ولو قبلت صفاته الفناء لكانت حادثة أيضا، ويلزم منه حدوث ذاته أيضا، لأن ملازم الحادث حدث، وقد ثبت أنه قديم.

ونقلا: قوله تعالى: “هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ” (الحديد 3). وقوله تعالى: “كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ” (القصص 88).

والمخالفة للحوادث: فمعناها أنه تعالى ليس مماثلا لشيء من الحوادث في الحدوث ولوازمه، في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.

وضد المخالفة للحوادث: مماثلته لشيء منها.

والدليل عليها عقلا: أنه لو ماثل شيئا من الحوادث في ذاته أو في صفاته أو في أفعاله لكان حادثا مثلها وهو باطل.

ونقلا قوله تعالى: “لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ” (الشورى 11).

صفحة 105

صفة قيامه بالنفس ودليلها

وقيامه بنفسه فمعناه: أنه لا يفتقر إلى محل أي ذات يقوم بها، ولا مرجح يرجح وجوده على عدمه مثلا.

وضده: احتياجه إلى ذات أو مرجح.

صفحة 106

والدليل عليها عقلا: أنه لو احتاج إلى محل لكان صفة والصفة لا تتصف بالصفات، وقد ثبت أنه يوصف بالقدرة والإرادة وغيرهما، ولو كان محتاجا إلى مرجح لكان حادثا وهو باطل بدليلل قدمه تعالى.

ونقلا: قوله تعالى: “إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ” (العنكبوت 6) وقوله تعالى: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ” (فاطر 155).

وكما أنه تعالى غني عن المحل والمرجّح كذلك هو غني عن جميع وجوه الانتفاع وجميع الأغراض في أفعاله وأحكامه. نعم تنبني عليها حكم ومصالح ترجع إلى منفعة الخلق تفضلا وإحسانا منه لا إليه تعالى، فلا تنفعه طاعتنا ولا تضره معصيتنا، وإنما أمرنا ونهانا لما يعود علينا على أنه هو الغني عن أن يصل إليه النفع منه فكيف لا يكون غنيا عنا؟

وشواهد ذلك من الكتاب والسنة كثيرة: قال تعالى: “مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ ” (فصلت 46) وقال تعالى: “إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا” (الإسراء 7). وقال تعالى: “وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ ۚ ” (العنكبوت 6). إلى غير ذلك.

ومن الأدلة العقلية في ذلك: أنه لو انتفع بطاعة عبيده لما خلق فيهم سواها، وإلا لكان عاجزا عن دفع ما يضره وهو محال.

والحاصل أنه غني عن جميع وجوه الانتفاع من جميع ما سواه وهو يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

صفحة 106

صفة الوحدانية

والوحدانية: فمعناها عدم التعدد وهي ثلاثة أقسام:

1- الوحدانية في الذات: بمعنى أن ذاته تعالى ليست مركبة من جزأين فأكثر وليس له نظير في ذاته تعالى.

صفحة 107

2- وحدانية في الصفات: بمعنى أنه تعالى ليس له صفتان فأكثر من جنس واحد كقدرتين وإرادتين وعلمين وليس لغيره صفات كصفاته تعالى.

3- وحدانية في الأفعال: بمعنى أنه هو الخالق بالاختيار لكل ممكن يبرز إلى الوجود ذاتاً كان أو صفة أو فعلا. قال تعالى: “وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ” (الصافات 96). لا يشاركه في ذلك شيء ما فالشمس والقمر والكواكب والماء والتراب والهواء والنار لا تأثير لها في شيء مما قارنها ولا تأثير للطعام في الشبع ولا للسكين في القطع ونحو ذلك، ومن هذا القبيل الأفعال الاختيارية فإنها مخلوقة لله تعالى لا للعبد، أوجدها سبحانه بقدرته عند مقارنة قدرة العبد لها لا بقدرة العبد فليس للعبد فيها تأثير فإنما له الكسب:

والكسب: وهو مقارنة القدرة الحادثة ومصاحبتها للمقدور عند القصد إليه فيخلق الله تعالى الفعل عند ذلك.

كما جرت العادة بإيجاده تعالى المسبب عند وجود السبب فيتراءى بحسب الظاهر أنه الفاعل كما يتراءى بحسب الظاهر أن النار هي المحرقة وحينئذ فالثواب بمحض فضله تعالى والعقاب بمحض عدله لا يسأل ربنا عما يفعل ونحن المسؤولون لأنه إنما يتصرف في ملكه.

إذا علمت هذا علمت أن الأفعال الاختيارية إنما هي أمارات شرعية على الثواب والعقاب يخلقها الله تعالى في عباده للدلالة على ما أراده لهم في الآخرة فكل عبد ميسر بفعله تعالى لما خُلق له.

فإن قيل: إذا كان هو الخالق لأفعال العباد لزم أنه هو القائم والقاعد والآكل والشارب إلى غير ذلك من المفاسد؟

قلنا: هذا من الجهل والغباوة لأن المتصف بالشيء هو من قام به الشيء لا من أوجده، ألا ترى أنه خالق للبياض والسواد وغيرهما قطعا، ومع ذلك لا يتصف بأنه أبيض ولا أسود.

صفحة 108

وضد الوحدانية هو: التعدد في شيء مما ذكر.

فجملة ما تقدم من الصفات ست:

الأولى: الصفة النفسية: وهي الوجود.

والصفات الخمس بعدها سلبية لأنها دلت على سلب أمور لا تليق بالباري سبحانه.

1- فالقدم: معناه سلب الحدوث.

2- والبقاء: سلب الفناء.

3- والمخالفة للحوادث: سلب المماثلة لها.

4- والقيام بالنفس: سلب الافتقار إلى المحل والفاعل.

5- والوحدانية: سلب التعدد في الذات وفي الصفات وفي الأفعال.

صفحة 108

صفة القدرة

وأما القدرة: فهي صفة وجودية قديمة قائمة بذاته تعالى يتأتى بها إيجاد كل ممكن وإعدامه على وفق الإرادة سواء كان ذلك الممكن كليا أو جزئيا جسما أو عرضا، ويشمل ذلك ماله سبب كأفعالنا الاختيارية من حركات وسكنات عند وجود السبب وهو تعلق القدرة الحادثة بالمقدور على وجه المصاحبة وكالإحراق عند مماسة النار والشبع عند الأكل والري عند الشرب، ويشمل أيضا ما لا سبب له كالسموات والأرض، فلا تأثير لغيره تعالى في شيء مما تقدم.

وإنما قلنا: يتأتى بها ولم نقل (لها) إشارة إلى أن التأثير للذات لا للقدرة ومن أسنده إلى القدرة حقيقة فقد كفر، فقول بعض العامة: القدرة فعالة، وانظر فعل القدرة، إن كان ناشئا عن اعتقاد وقصد فهو كفر لما فيه من الإشراك كما يكفر من اعتقد أن النار هي المحرقة حقيقة وأن الخبز هو المشبع والسكين هي القاطعة مثلا وإلا فلا يكفر فالواجب أن نعتقد أن لله تعالى قدرة عامة التعلق بجميع الممكنات.

وضد صفة القدرة: العجز عن ممكن ما.

صفحة 109

دليل صفة القدرة

والدليل على وجوب اتصافه تعالى بالقدرة وعلى أنها تتعلق بجميع الممكنات:

عقلا: أن هذا العالم كله حادث مسبوق بالعدم كما وضحناه سابقا، وكل حادث لا بد له من صانع ضرورة ولا بد للصانع من قدرة يتأتى بها إيجاده وإعدامه، إذ لا يتأتى تأثير بدون قدرة، فلو لم يكن قادرة لكان عاجزا ولو كان عاجزا لما وجد شيء من هذا العالم، فلزم اتصافه بالقدرة، وأنه لو تعلقت قدرته تعالى ببعض الممكنات دون بعض، لكانت حادثة لاحتياجها إلى مخصِّص، كيف وقد تقدم أنها قديمة وإلا لزم الترجيح بلا مرجح وهو باطل.

ونقلا: قوله تعالى: “إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” (العنكبوت 20). وقوله تعالى: “وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا” (فاطر 44). وقوله تعالى: “هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ” (فاطر 3) وقوله تعالى: “إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ” (القمر 49).

وكذلك إجماع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وبالجملة فالكل مستند إليه تعالى ابتداء من غير واسطة عقلا ونقلا وإجماعا.

صفحة 109

صفة الإرادة

والإرادة: فهي صفة وجودية قديمة قائمة بذاته تعالى يتأتى بها تخصيص الممكن ببعض ما يجوز عليه دون بعض من الممكنات المتقابلات على وفق علمه تعالى، فكل ما علم أنه يكون أو لا يكون فذلك مراده جل وعلا فلا يقع في ملكه تعالى إلا ما أراد.

وضدها الكراهية.

دليل صفة الإرادة

والدليل على وجوب اتصافه تعالى بالإرادة وانها عامة التعلق بجميع الممكنات واستحالة الكراهة عليها:

صفحة 110

عقلا: أنه لو لم يكن مريدا لكان كارها، والكراهة نقص في حقه تعالى والإرادة كما له، والنقص في حقه تعالى محال، وأيضا لو لم يكن مريدا مختارا لكان مقهورا مجبورا فلا يكونن قادرا، كيف وقد سبق البرهان على وجوب اتصافه تعالى بالقدرة وأنها عامة التعلق بجميع الممكنات، وأيضا فقد خصص الحوادث ببعض الطرفين الجائزين على السواء، وكل مخصص لا بد أن يكون مريدا مختارا ولو تعلقت ببعض الممكنات دون بعض لكانت حادثة لافتقارها إلى مخصص يخصصها بالبعض، وقد تقدم دليل وجوب قدم صفاته تعالى وإلا لزم الترجيح بلا مرجح وهو باطل.

ونقلا: قوله تعالى: “وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ ” (يونس 99) وقوله تعالى: “إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ” (النحل 40) ولا فرق بينن المشيئة والإرادة.

وبالجملة فيجب أن نذعن ونقر بأن كل ما برز في ملك الله من العدم إلى الوجود فهو مخلوق مقدور لله وحده على وفق ما أراده تعالى أزلا، فما شاء الله كان وما لم يشأ الله لم يكن وهو ولي التوفيق.

صفحة 110

صفة العلم

والعلم: فهو صفة وجودية قديمة قائمة بذاته تعالى تتعلق بالشيء على وجه الإحاطة به على ما هو به دون سبق خفاء. والمراد بالشيء ما يشمل الواجبات والمستحيلات والجائزات كلياتها وجزئياتها إجمالا وتفصيلا. فيعلم تعالى بعلمه القديم ذاته وصفاته ويعلم (عدم) المستحيل -أي أن المستحيل عليه تعالى هو بمثابة (عدم)- كحدوثه تعالى وعجزه ووجود شريك له تعالى، ويعلم الأشياء أزلا على ما هي عليه وكونها وجدت في الماضي أو موجودة في الحال أو توجد في الاستقبال.

وضد العلم: الجهل وما في معناه بمعلوم ما كالظن والشك والوهم والذهول والغفلة والنسيان والسهو.

صفحة 111

دليل صفة العلم

والدليل على وجوب اتصافه تعالى بالعلم واستحالة الجهل عليه:

عقلا: أن الجهل صفة نقص في حقه تعالى والنقص في حقه تعالى محال يجب تنزيهه عنه، فلزم اتصافه تعالى بصفات الكمال ومنها العلم. وأيضا فإنا نشاهد العالم على نمط بديع ونظام محكم مع ما يشتمل عليه من الأفعال المتقنة والأشكال المستحسنة وما في ذلك من دقائق الصنع والحكم والمنافع والمحاسن التي تعجز العقول عن الإحاطة بأسرارها وكل ما هو كذلك لا يكون إلا من صانع عالم حكيم بحكم الضرورة.

واعلم أن العلم عام التعلق لجميع المعلومات وليس مختصا ببعض دون بعض وإلا لزم الجهل والترجيح بلا مرجح وكلاهما باطل.

ونقلا: فإن شواهد وجوب اتصافه تعالى به في الكتاب والسنة لا تحصى، كقوله تعالى: “إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ” (المجادلة 7)، وقوله تعالى: “أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ” (الملك 14)، وقوله تعالى: “يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ” (التغابن 4).

صفحة 111

صفة الحياة

والحياة الواجبة له تعالى فهي صفة وجودية قديمة قائمة بذاته جل وعلا تصح لمن قامت به أن يتصف بالقدرة والإرادة والعلم والسمع والبصر والكلام وهي لا تتعلق بشيء.

وضدها الموت.

دليل صفة الحياة

والدليل عليها:

عقلا: أن الحياة صفة كمال والموت صفة نقص وهو سبحانه تعالى منزه عن جميع النقائص وواجب له الكمال فلزم اتصافه تعالى بالحياة، وأيضا لو لم يتصف بالحياة لما صح اتصافه تعالى بالقدرة وغيرهما من باقي الصفات وقد ثبت وجوب اتصافه تعالى بها

صفحة 112

ونقلا: قوله تعالى: “هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ” (غافر 65)، وقوله تعالى: “وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ” (الفرقان 58)، ونحو ذلك.

وكذا إجماع الأنبياء بل جميع العقلاء على وجوب اتصافه تعالى بالحياة.

صفحة 112

صفة السمع ودليلها

والسمع: فهو صفة وجودية قديمة قائمة بذاته تعالى تتعلق بكل موجود على ما هو به على وجه الإحاطة.

وضده الصمم

والدليل على وجوب اتصافه تعالى بالسمع واستحالة ضده عليه:

عقلا: أن كل حي لا بد أن يكون قابلا لاتصافه بأحدهما السمع وضده، واتصافه بضده نقص في حقه تعالى فيلزم اتصافه بالسمع لأنه كمال في حقه تعالى.

ونقلا: قوله تعالى: “وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ” (الشورى 11)، وقوله تعالى: “إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ” (طه 46)، وقوله تعالى: “لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ” (مريم 42)، ونحو ذلك. وقولهه صلى الله عليه وسلم في الصحيح: “إربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا وإنما تدعون سميعا بصيرا” رواه البخاري.

وقد انعقد إجماع العقلاء على وجوب اتصافه تعالى بالسمع والبصر.

صفحة 112

صفة البصر ودليلها

والبصر: فهو صفة وجودية قديمة قائمة بذاته تعالى تتعلق بكل موجود على ما هو به تعلقا غير تعلق العلم والسمع، فهو تعالى يبصر جميع الموجودات قديمة كانت أو حادثة، ذواتاً أو صفات.

وضده: العمى.

ودليلها -أي صفة البصر- عقلا ونقلا: ما تقدم في السمع.

صفحة 113

صفة الكلام

والكلام: فهو صفة وجودية قديمة قائمة بذاته تعالى تتعلق بالواجبات والجائزات والمستحيلات تعلق دلالة، وقد سبق أنه تعالى مخالف للحوادث في ذاته وصفاته وأفعاله، فليس كلامه تعالى بحرف ولا صوت ولا يوصف بتقديم ولا تأخير ولا يطرأ عليه سكوت ولا آفة تمنع منه كما في حال الطفولة والخرس ولا غير ذلك من صفات الحوادث وإلا كان حادثا كصفاتنا وقد سبق وجودب قدم ذاته وصفاته تعالى.

واعلم أن كلامه تعالى صفة واحدة كسائر صفاته تعالى كما تقدم بيانه في الوحدانية وإلا أنه تتنوع باعتبار تعلقاتها إلى أنواع لأنها:

إن تعلقت بطلب فعل الصلاة وإيتاء الزكاة مثلا كانت أمرا.

وإن تعلقت بطلب ترك الزنا وقتل النفس بغير حق والغيبة مثلا كانت نهيا.

وإن تعلقت بنحو أن موسى عليه السلام فعل كذا كانت خبرا.

وإن تعلقت بأن الطائع له الجنة كان وعدا.

وإن تعلقت بأن العاصي له النار مثلا كانت وعيدا.

إلى غير ذلك من الانواع.

وضده: البكم.

دليل صفة الكلام

ودليله:

عقلا: أن البكم نقص يستحيل عليه تعالى اتصافه به، فلزم اتصافه بالكلام الذي هو صفة كمال له تعالى.

ونقلا: قوله تعالى: “وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا” (النساء 164).

وقد تواتر النقل عن الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وقد انعقد إجماعهم وإجماع المسلمين جميعهم على أنه تعالى متكلم.

تنبيهات:

صفحة 114

التنبيه الأول: صفات المعاني: هذه الصفات السبع التي هي: القدرة والإرادة والعلم والحياة والسمع والبصر والكلام. تسمى صفات معانٍ؛ لأنها موجودة في نفسها بحيث لو أزيل عنا الحجاب لرأيناها وقد تقدم أن صفة المعنى هي كل صفة موجودة في نفسها.

التنبيه الثاني: قد علمت مما سبق أن الصفات المذكورة ليست في التعلق سواء.

فالقدرة والإرادة إنما تتعلقان بالممكن، القدرة على جهة التأثير، والإرادة على جهة التخصص. والعلم والكلام يتعلقان بالواجبات والمتسحيلات والجائزات.

العلم: على وجه الإحاطة والانكشاف.

والكلام: على وجه الدلالة.

والسمع والبصر: يتعلقان بجميع الموجودات من الواجبات والجائزات على وجه الانكشاف.

والحياة: لا تتعلق بشيء، فإنها لا تطلب أمرا زائدا على القيام بالذات.

الصفات المعنوية: وأما كونه تعالى قادرا ومريدا وعالما وحيا وسميعا وبصيرا ومتكلما، فهي صفات معنوية؛ أي منسوبة إلى المعاني من حيث كون الاتصاف بها فرع الاتصاف بالمعاني في العقل لا في نفس الأمر، فإن اتصاف الذات بكونه عالما لا يصح إلا إذا قام به العلم، وهكذا.

صفحة 114

الصفة الجائزة ودليلها

وأما الصفة الجائزة في حقه تعالى: ففعل كل ممكن أو تركه، كخلق الذوات والصفات والأفعال الاضطرارية والاختيارية والرزق والإحياء والإماتة والهداية والإضلال والعقاب والإثابة وغير ذلك، فالعقاب بمحض عدله والثواب بمحض فضله تعالى وترتيب الإثابة على الإيمان والطاعة والعقاب على الكفر والعصيان بمحض اختياره تعالى، ولو عكس ذلك لكان صوابا وحسنا منه تعالى، فلا يجب عليه سبحانه وتعالى فعل شيء من الممكنات ولا يستحيل عليه تعالى شيء منها.

صفحة 115

والدليل على ذلك:

عقلا: أنه لو وجب عليه تعالى فعل شيء من الممكنات لصار الممكن واجبا، ولو استحال عليه شيء منها لصار الممكن مستحيلا، وهذا باطل كما لا يخفى.

ونقلا: قوله تعالى: “وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ۗ ” (القصص: 68). ونحو ذلك.

لقد اتضح لنا: أن الله سبحانه وتعالى واجب له الوجود أزلا وأبدا وأنه غني من كل ما سواه مفتقر إليه كل ما عداه ولا شريك له ولا تأثير لغيره من الإنس والجن والملائكة وغيرهم في شيء ما منزه عن كل ما أشعر بنقص من مرض أو سقم أو عي أو ذهول أو نعاس أو فتور أو احتياج لمعين أو مدبر أو صاحبة أو ولد أو عرش أو كرسي أو قلم أو دفتر أو جند أو كاتب أو حاسب، بل كل المخلوقات قهر عظمته ممسكة بقدرته، يدبر كل شيء ويعلم كل شيء ولا يشغله شيء عن شيء كانه الله ولا شيء معه ولا يزال على ما هو عليه لا يتحول ولا يتبدل ولا يتغير بحال “إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ، فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ” (يس 82-83). انتهى من التنوير بتصرف (صفحة 10-26).

عرض وتحليل:

– صفات الذات الإلهية: صفات قديمة أزلية لم يزل موصوفا بها ولا يزال وليس حادثة بعد عدم ولا معدومة بعد حدوث.

– لا تشبه صفات المخلوقين.

– لا يقال: إنها هو. ولا يقال: إنها غيره.

– صفاته تعالى ليست متغايرة في نفسها.

– صفات أفعاله تعالى: هي التي سبقها وكان تعالى موجودا في الأزل قبلها، كالخلق والرزق والإماتة والإحياء.

صفحة 116

– مشيئته تعالى ومحبته ورضاه ورحمه وكراهيته وغضبه وسخطه وولايته وعداوته كلها راجعة إلى إرادته، والإرادة صفة لذاته غير مخلوقة.

– المتصف بالشيء هو من قام به الشيء لا من أوجده، ألا ترى أنه خالق للبياض والسواد وغيرهما ومع ذلك لا يتصف بأنه أبيض ولا أسود.

– اتفاق الأسماء في اللفظ بين الخالق والمخلوق تكون دائما مقرونة باختلاف المعنى؛ فيقال: الله قديم.

ويقال أيضا: الشيء الفلاني قديم.

هنا اتفاق في اللفظ ولكن مع اختلاف في المعنى:

فالله تعالى: قديم لم يزل؛ أي: من غير بدء ولا أول لوجوده.

والشيء الفلاني: قديم من حيث عدد السنين التي قضاها في الوجود بعد خلقه، أو من حيث مقارنته بمماثل مخلوق من جنسه، ولا يقال له: قديم لم يزل.

والله تعالى: عالم لم يزل، علمه ذاتي قديم.

والإنسان: عالم بعد جهل، علمه محدث مكتسب ولا يزال جاهلا بالكثير من الأشياء مهما بلغ من العلم، ولا يقال له: عالم لم يزل.

وهكذا في بقية الصفات.

لقد كان ولا يزال بحمد الله من نتائج هذا الإدراك الواضح في التمييز بين الاتفاق في الأسماء والاختلاف في معانيها بالنسبة للخالق جل شأنه ومخلوقاته عند الأشاعرة والماتريدية خاصة وكل القائلين بتنزيه الله عن مشابهة خلقه بوجه عام، أن ظل المعتقدون بالتنزيه من أبعد الناس عن الشرك بالله المتمثل في مساواة الخالق بخلقه من خلال تشبيهه بهم كما هو الحال عند السلفيين وأسلافهم الحشوية.

فالفارق بين من ليس شبيه ولا مثل وبين المتشابهات من مخلوقاته قضية واضحة ومحسومة في ذهن الأشعري عقيدة بحيث لا يمكن معها تسلل الخلط والضبابية في هذا الجانب إلى عقله وسلوكه، والأمر على العكس من ذلك عند السلفيين وأسلافهم الحشوية الذين يوزعون الاتهام بالشرك بالله على عباد الله ذات اليمين وذات الشمال

صفحة 117

وهم من أقل الناس مناعة منه بسبب تشبيههم الخالق بخلقه والعياذ بالله ذاتا وصفاتا، وإن غمغموا بألفاظ غامضة، ليرضوا بها العوام، مثل: “ليس كما يعقل” أو “كما يليق بذاته” وهي لا تنفي عنهم صفة التجسيم والتشبيه ومساواة الخالق بخلقه.

فالذي يعتقد لربه صورة ووجها زائدا على الذات وعينين وفما ولهوات وأضراس ويدين وأصابع وكفا وخنصرا وإبهاما وصدرا وفخذين وساقين ورجلين ويعتقد أنه يمُس ويُمَس ويتحرك ويسكن ويصعد وينزل ويتعب ويستلقي ويكشف عن ساقه. ويعتبر الأعضاء التي زعمها لله جوارح حقيقية كأعضاء المخلوق ولا يسمح بالمجاز أو التأويل أو التفويض فيها على الإطلاق، ما الذي أبقاه بعد ذلك كله من تشبيه ربه بخلقه غير التحرج في مسألة العورة كما نقل عن بعض علماء الحشوية والعياذ بالله، -حرجا وليس استحالة- وغير القول بعد كل صفة -كما تليق بذاته- أي ربما من الضخامة والصغر، وما الذي يحجزه من ثم عن الوقوع في مستنقع الشرك بالله وهو قد أعد لنفسه بهذه المعتقدات الفاسدة كل وسائل الشرك وأدواته؟

والمفارقة المضحكة أنهم مع كل ذلك من أشد الناس تحذيرا من الشرك واتهاما لغيرهم به، ولعل ذلك ناتج عن كون الفارق بين الخالق وخلقه لم يحسم عندهم من خلال هذا التشبيه الذي وصل إلى حد المماثلة والمساواة المطلقة بين الخالق والمخلوق والعياذ بالله.

ومن اعتقد لربه حهة تحصره، وحدا يحجزه، وجسما يقله، ومكانا يضمه، ورجلا تنقله، وجوارح يتحرك بها، ما الذي أبقاه لمشرك من خصوصية يتميز بها عن هذا النوع من الشرك الواضح.

عقيدة الإمام الأشعري
 
Top