الحالة العامة عند البعثة المحمدية

صفحة 10

الحالة العامة عند البعثة المحمدية

في ظل نظام مؤسَّس على السخرة والتمايز الصارم، وفي مجتمع جاهلي مغرق في جاهليته، يعبد أهله ما ينحتون، ويعيشون مما ينهبون، ويتوارون خجلا من بعض ما ينجبون، فيدفنون بناتهم أحياء في بطون الصحاري وغياهب الرمال، القوي منهم يأكل الضعيف والكبير يظلم الصغير والسيد يستعبد من دونه.

وفي ظلام عقدي دامس من حول هذا المجتمع مكون من أديان وملل شتى:

منهم من قالوا لنبيهم: “أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ” وهم الذين قالوا أيضا لنبيهم قبل أن تجف أقدامهم من ماء البحر الذي نجاهم الله بعبوره من فرعون وبطشه وجنوده “اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا”، وعبدوا عجلا جسدا بمجرد أن غاب عنهم نبيهم وظلوا حوله عاكفين.

ومنهم من اخترقهم الفريق الأول بحقده وتآمره وعصبيته فانحرف بهم عن دعوة نبيهم المبنية على المحبة والرحمة والعدالة والتواضع إلى تدمير وحروب وحقد حتى قال أحد مبشريهم: إنني عندما أقرأ العهد القديم الذي اعتبرته الكنيسة الكاثوليكية المصدر الأساس للمسيحية أجد نفسي وقد وصلت  إلى مناحيم بيجن أو إلى آريل شارون وليس إلى السيد المسيح عليه السلام.

ومنهم قوم يقودهم فلاسفة كلما اصطدموا بجسم أو جوهر أو عرض من أعراض هذه الأجسام والجواهر جعلوا له إلها خرافيا في مملكة خرافية أسطورية من ذكور وإناث يتزاوجون ويتزاورون ويختلفون أحيانا بل ويتناحرون.

ومنهم صابئة عبدوا الأجرام العلوية كأصحاب الهياكل الذين يعتبرون الشمس إله كل إله.

صفحة 11

ومنهم حرّانية يرون أن الخالق واحد في الأصل كثير بتكاثر الأشخاص في رأي العين التي يتشخص الواحد بأشخاصها وتحل ذاته أو جزء من ذاته فيها تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

ومنهم الثنوية المجوس الذين عبدوا النار وقالوا بخالقين اثنين: النور خالق الخير والظلام خالق الشر على اختلاف فرقهم، التي منها: المزدكية، التي تقول: بأن المعبود قاعد على كرسيه في العالم الأعلى على هيئة قعود خسرو (الملِك) في العالم الأسفل تعالى الله عن ذلك.

ومنهم أخذت الحشوية ثم الفرقة السلفية القول بـ: “أن الله يجلس على عرشه جلوس مماسةٍ واستقرار) تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وهو ما قاله ابن تيمية في أكثر من موضع من كتبه.

ووراء تلك الأمم: أمم تنوعت ضلالاتها وشركها من دهريين وطبيعيين نفوا وجود الصانع المدبر الحكيم، ومن وثنيين نفوا ما وراء الحس وأنكروا النبوات وقال بعضهم بتناسخ الأرواح وتناقلها بين الحيوان والإنسان.

في هذا الخضم المتلاطم من الضلال والجبروت والجهالة، بعث الله جلت قدرته وتقدست أسماؤه نبيه محمداً صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله بدعوة الحق والتوحيد والهداية التي ختم بها الرسالات وخلّص بها الإنسان من آلهة الضلال والهمجية، وأطلق العقل من عقال الخرافة والتعصب والجمود.

وللمرء أن يتصور رسولا يبعثه الله في هذه الدياجير المظلمة في مجتمعه ومن حوله ويكلّفه خالقه وباعثه جلت قدرته بأعباء رسالة تتعدى حدود مجتمعه الصغير في مكة لتشمل العالم بأسره شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، من حيث المكان، وتغطي الأعوام والقرون والعصور إلى قيام الساعة من حيث الزمان، وتضطلع بمهمة هدم متواضعات احاطها اصحابها بهالات من القداسة والعصمة وحشدوا حولها أضخم وأقوى الجيوش وأكبر عناصر القوة في عصرهم، لأنها كانت مصدر رزقهم وسطوتهم وجبروتهم وسيطرتهم على المجتمعات الإنسانية بشكل مقيت.

صفحة 12

ومن هذا التصور يستطيع المرء أن يدرك جسامة المسؤولية وثقل المهمة التي ألقاها الخالق جل شأنه على نبيه وحبيبه محمد صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله فكان لها أهل، وكان هو الأمين المأمون الذي بلّغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وكشف الله به كل غمة.

وللمرء أن يتصور أيضا حجم المشقة والعناء والمعاناة التي تحملها صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله في سبيل دعوته والتي تعجز عن احتمال بعض منها الجبال الشوامخ والأطواد الراسخة.

لقد أدى هذا النبي العظيم، الرؤوف الرحيم، الصادق الأمين، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، الأمانة كأعظم ما يكون الأداء، وبلّغ الرسالة بأوفى ما يكون التبليغ، وكان التوفيق والنصر والنجاح بفضل الله وعونه حليفه في كل خطوة وحركة، وكان الانحسار والاندحار والهزيمة في ظل دعوته المباركة، حليف الكفر والشرك وقرين الجهل والجبروت والجمود.

لقد ارتكزت الدعوة الإسلامية المحمدية على ثلاث قواعد رئيسة:

أولا: الإيمان بالله الواحد الفرق الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، وتنزيهه جلت قدرته عن مشابهة خلقه وعن أن يحل في حادث أو أن يكون محلا للحوادث، فكل ما عداه مخلوق حادق وهو وحده الخالق القديم الذي ليس كمثله شيء، وأن كل ما يتصور في الأذهان فالله تعالى بخلافه، وأن سيدنا وحبيبنا محمد الهاشمي القرشي العربي صلوات الله وسلامه عليه  وعلى آله هو النبي والرسول المعصوم خاتم الأنبياء وسيد المرسلين والأولين والآخرين الذي نسخ الله بشريعته كافة الشرائع قبله، وأن الإيمان بكافة ما جاء به عن الله تعالى واجب، وأن من يبتغي غير الإسلام دينا فلن يقبل منه.

ثانيا: توضيح الأحكام العملية من أدلتها التفصيلية في العبادات والمعاملات، لما فيه خير البشرية وأمنها واستقرارها ونموها والحكم بما أنزل الله وكما أراد جلت قدرته في كل شأن من شؤون الدنيا والدين.

صفحة 13

ثالثا: الوصول بمكارم الاخلاق وقواعد السلوك إلى الغاية القصوى في السمو والجمال والإبداع من خلال المثل الأعلى الذي مثّله سيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، وقدّمه آله الأطهار وصحبه الأخيار، فقد وصفه ربه بأعظم وأشمل وصف حين خاطبه عز من قائل حكيم بقوله: “وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ”. وحدد صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله جوهر ومضمون رسالته العظيمة حين قال: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”.

ولم يكن الصحابة في وجود الحبيب المصطفى صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله في حاجة إلى اجتهاد في مسائل العقيدة والشريعة والسلوك، لأنه كان المرجع الذي لا ينطق عن الهوى وكان قوله الفصل وردّه الجامع المانع في كل مسألة تطرح عليه، وكانوا يسجلون منه وعنه كل صغيرة وكبيرة من كلامه وفعله وسلوكه الذي أصبح منهلا للأمة بل وللإنسانية جمعا والمصدر الأساس الثاني للتشريع الإسلامي.

والحقيقة فإن صفاء الذهن العربي بعد أن زكّته الدعوة المحمدية من عاهات الشرك والخرافة والضلال، وما يتمتع به الإنسان العربي من حرية في النظر والحركة والتعبير والانتقال، وما تمتاز به الصحراء العربية من رحابة وفسحة نظر، ومن مجال واسع منطلِق للفكر والذكر والتفكر في الفضاء الكوني الذي خلقه الباري جل شأنه وأبدعه، قد كان له أكبر الأثر في صرف العقل العربي عن الانغلاق في المجرّد، وعن التيه في مسارب التكلف، وعن الإيغال في مفاوز البحوث المتعسفة والشاذة في مسائل العقيدة.

يقول الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رضي الله عنه:

وجميع أطراف هذا العلم -أي علم التوحيد- يحصرها النظر في ذات الله تعالى وفي صفاته سبحانه وفي أفعاله عز وجل، وفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما جاءنا على لسانه من تعريف الله تعالى هي إذن أربعة أقطاب:

صفحة 14

القطب الاول: النظر في ذات الله تعالى فنبين فيه، وجوده، وأنه قديم، وأنه باقٍ، وأنه ليس بجوهر، ولا جسم، ولا عرض، ولا محدود بحد، ولا هو مخصوص بجهة، وأنه مرئي -أي: يوم القيامة بلا كيف- كما أنه معلوم، وأنه واحد.

القطب الثاني: في صفات الله تعالى ونبين فيه أنه حيّ، عالم، قادر، مريد، سميع، بصير، متكلم، وأن له حياة، وعلما، وقدرة، وإرادة، وسمعا، وبصرا، وكلاما، وأن هذه الصفات زائدة على الذات، وقديمة، وقائمة بالذات، ولا يجوز أن يكون شيء من الصفات حادثا.

القطب الثالث: في أفعال الله تعالى وفيه سبعة دعاوي، وهو أنه لا يجب على الله تعالى التكليف ولا الخلق ولا الثواب على التكليف ولا رعاية صلاح العباد ولا يستحيل تكليف ما لا يطاق ولا يجب عليه العقاب على المعاصي ولا يستحيل منه بعثة الانبياء عليهم الصلاة والسلام بل يجوز ذلك.

القطب الرابع: في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما جاءنا على لسانه من الحشر والنشر والجنة والنار والشفاعة وعذاب القبر والميزان والصراط.

انتهى من ((الاقتصاد في الاعتقاد)).

عقيدة الإمام الأشعري
الحالة العامة عند البعثة المحمدية
 
Top