التوحيد

صفحة 76

التوحيد

يقول الإمام أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري المتوفى سنة 324هـ في كتاب اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع:

[إن سأل سائل فقال: ما الدليل على أن للخلق صانعاً صنعه ومدبرا دبره؟ قيل له: الدليل على ذلك أن الإنسان الذي هو في غاية الكمال والتمام، كان نطفة ثم علقة ثم لحما ودما وعظما، وقد علمنا أنه لم ينقل نفسه من حال إلى حال، لأننا نراه في حال كمال قوته وتمام عقله لا يقدر أن يحدث لنفسه سمعا ولا بصرا، ولا أن يخلق لنفسه جارحة، ويدل ذلك على أنه  في حال ضعفه ونقصانه عن فعل ذلك أعجز، ورأيناه طفلا ثم شابا كهلا ثم شيخا، وقد علمنا أنه لم ينقل نفسه من حال الشباب إلى حال الكبر والهرم، لأن الإنسان لو جهد أن يزيل عن نفسه الكبر والهرم ويردها إلى حال الشباب لم يمكنه ذلك، فدل ما وصفنا على أنه ليس هو الذي ينقل نفسه في هذه الأحوال، وأن له ناقلا نقله من حال إلى

صفحة 77

حال، ودبره على ما هو عليه، لأنه لا يجوز انتقاله من حال إلى حال بغير ناقل ولا مدبر، ومما بين ذلك أن القطن لا يجوز أن يتحول غزلا ومفتولا، ثم ثوبا منسوجا، بغير ناسج ولا صانع ومدبر، ومن اتخذ قطنا ثم انتظر أن يصير غزلا مفتولا ثم ثوبا منسوجا بغير صانع ولا ناسج كان عن المعقول خارجا، وفي الجهل والجا، وكذلك من قصد إلى برية ولم يجد قصرا مبنيا فانتظر أن يتحول الطين إلى حالة الآجر وينتضد بعضه على بعض بغير صانع ولا بانٍ، كان جاهلا، وإذا كان تحولة النطفة علقة، ثم مضغة، ثم لحما ودما وعظما، أعظم في الأعجوبة، وكان أولى أن يدل على صانع صنع النطفة ونقلها من حال إلى حال. وقد قال الله تعالى: “أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ ، أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ” (الواقعة: 58، 59). فما استطاعوا أن يقولوا أنهم يخلقون ما يمنون مع تمنيهم للولد. وقد قال الله تعالى منبها لخلقه على وحدانيته: “وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ” (21/51). بيّن لهم عجزهم وفقرهم إلى صانع صنعهم ومدبر دبرهم.

فإن قالوا: فما يؤمنكم أن تكون النطفة لم تزل قديمة؟ قيل لهم: لو كان ذلك كما ادعيتم لم يجز أن يلحقها الاعتمال والتأثير، ولا الانقلاب والتغيير، لأن القديم لا يجوز انتقاله وتغيره، وأن يجري عليه سمات الحدث، وما لم يسبق المحدث كان محدثا مصنوعا، فبطل بذلك قدم النطفة وغيرها من الأجسام.

فإن قال قائل: لم زعمتم أن البارئ سبحانه لا يشبه المخلوقات؟ قيل له: لأنه لو أشبهها لكان حكمه في الحدث حكمها، ولو أشبهها لم يخل من أن يشبهها من كل الجهات أو من بعضها، فإن أشبهها من جميع الجهات كان محدثا مثلها من جميع الجهات، وإن أشبهها من بعضها كان محدثا من حيث أشبهها، ويستحيل أن يكون المحدث لم يزل قديما، وقد قال الله تعالى: “لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ ” (11/42). وقال تعالى: “وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ” (4/112).

فإن قال قائل: لم قلتم إن صانع الأشياء واحد؟ قيل له: لأن الاثنين لا يجري تدبيرهما على نظام ولا يتسق على أحكام، ولا بد أن يلحقهما العجز أو واحد منهم؛ لأن

صفحة 78

أحدهما إذا أراد أن يحيي إنسانا وأراد الآخر أن يميته لم يخل أن يتم مرادهما جميعا أو لا يتم مرادهما، أو يتم مراد أحدهما دون الآخر، ويستحيل أن يتم مرداهما جميعا؛ لأنه يستحيل أن يكون الجسم حيا ميتا في حال واحدة، وإن لم يتم مرادهما جميعا وجب عجزهما، والعاجز لا يكون إلها ولا قديما، وإن تم مراد أحدهما دون الآخر وجب عجز من لم يتم مراده منهما والعاجز لا يكون إلها ولا قديما، فدل على أن صانع الأشياء واحد. وقد قال الله تعالى: “لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ۚ ” (22/21). فهذا معنى احتجاجنا آنفا.

فإن قال قائل: ما الدليل على جواز إعادة الخلق؟ قيل له: الدليل على ذلك أن الله سبحانه خلقه أولاً لا على مثال سبق، فإذا خلقه أولا لم يعيه أن يخلقه خلقا آخر، وقد قال عز وجل: “وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ” (يس: 78، 79). فجعل النشأة الأولى دليلا على جواز النشأة الأخرى، لأنها في معناها، ثم قال: “الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ” (يس 80). فجعل ظهور النار على حرها ويبسها من الشجر الأخضر على نداوته ورطوبته دليل على جواز خلقه الحياة في الرمة البالية والعظام النخرة، وعلى قدرته على خلق مثله، ثم قال: “أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم ۚ ” (يس 81). وهذا هو المعول عليه في الحجاج في جواز إعادة الخلق.

وهذا هو الدليل أيضا على صحة الحجاج والنظر، لأن الله تعالى حكم في الشي بحكم مثله، وجعل سبيل النظير ومجراه مجرى نظيره، وقد قال الله تعالى: “اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ” (الروم 11). وقوله تعالى: “وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ” (الروم 27). يريد وهو هين عليه، فجعل الابتداء كالإعادة. فإن قال قائل: زيدوني وضوحا في صحة النظر. قيل له: قول الله تعالى مخبرا عن إبراهيم عليه السلام لما

صفحة 79
رأى الكوكب: “قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ ، فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ” (الأنعام 76، 77). فجمع عليه السلام القمر والكواكب في أنه لا يجوز أن يكون منهما إلها ربا لاجتماعهما في الأفول، وهذا هو النظر والاستدلال الذي ينكره المنكرون وينحرف عنه المنحرفون.

فإن قال قائل: لم أنكرتمن أن يكون الله تعالى جسما؟ قيل له: أنكرنا ذلك لأنه لا يخلو أن يكون القائل لذلك أراد ما أنكرتم أن يكون طويلا عريضا مجتمعا، أو أن يكون أراد تسميته جسما وإن لم يكن طويلا عريضا مجتمعا عميقا، فإن كان أراد ما أنكرتم أن يكون طويلا عريضا مجتمعا، كما يقال ذلك للأجسام فيما يلينا فهذا لا يجوز، لأن المجتمع لا يكون شيئا واحدا، لأن أقل قليل الاجتماع لا يكون إلا من شيئين، ولأن الشيء الواحد لا يكون لنفسه جامعا، وقد بيّنّا  آنفا أن الله عز وجل واحد، فبطل بذلك أن يكون مجتمعا. وإن أراد -أي القائل لذلك- لم لا تسمونه جسما، وإن لم يكن طويلا  عريضا مجتمعا، فالأسماء ليست إلينا، ولا يجوز أن نسمي الله تعالى باسم لم يسم به نفسه، ولا سماه به رسوله، ولا أجمع المسلمون عليه ولا على معناه] انتهى من اللمع (صفحة18-25).

وقال القاضي أبو بكر بن الطيب الباقلاني البصري الأشعري عقيدة المتوفى سنة 403هـ : [والتوحيد له: هو الإقرار بأنه تعالى ثابت موجود، وإله واحد فرد معبود، ليس كمثله شيء، على ما قرر به قوله تعالى: “وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ” (البقرة 163). وقوله “لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ” (الشورى 11). وأنه الأول قبل جميع المحدثات، الباقي بعد المخلوقات، على ما أخبر به تعالى من قوله: “هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ” (الحديد 3). والعالم الذي لا يخفى عليه شيء والقادر على اختراع كل مصنوع، وإبداع كل جنس مفعول على ما أخبر به في قوله تعالى: “خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ” (الأنعام 120)، “وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ

صفحة 80

قَدِيرٌ” (هود 4). وأنه الحي الذي لا يموت، الدائم الذي لا يزول، وأنه إله كل مخلوق ومبدعه ومنشؤه ومخترعه] الإنصاف (صفحة 22، 23).

وقال العلامة القاضي الباقلاني أيضا: [ويجب أن تعلم أن كل ما يدل على الحدوث أو على سمة النقص فالرب تعالى يتقدس عنه. فمن ذلك: أنه تعالى متقدس عن الاختصاص بالجهات، والاتصاف بصفات المحدثات، وكذلك لا يوصف بالتحول، والانتقال، ولا القيام، ولا القعود، لقوله تعالى: “لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ” (الشورى 11)، وقوله: “وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ” (الإخلاص 4). ولأن هذه الصفات تدل على الحدوث، والله تعالى يتقدس عن ذلك.

فإن قيل: أليس قد قال: “الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى” (طه 5).؟ قلنا: بلى، قد قال ذلك، ونحن نطلق ذلك وأمثاله على ما جاء في الكتاب والسنة، ولكن ننفي عنه أمارة الحدوث، ونقول: استواؤه لا يسبه استواء الخلق، ولا نقول: إن العرش له قرار ولا مكان، لأن الله تعالى كان ولا مكان، فلما خلق المكان لم يتغير عما كان.] المصدر السابق (صفحة 39، 40).

وقال العلامة القاضي الباقلاني أيضا: [وقال بعض أهل التحقيق: الزم الكل الحدث، لأن القِدم له، فهو سبحانه لا يظله فوق، ولا يقله تحت، ولا يقابله حد، ولا يزاحمه عد، ولا يأخذه خلف، ولا يحده أمام، ولا يظهره قبل، ولا يفنيه بعد، ولا يجمعه كل، ولا يوجده كان، ولا يفقده ليس، باينهم بقدمه، كما باينوه بحدوثهم.

إن قلت: متى؟ فقد سبق الوقت كونه -أي وجوده-، وإن قلت أين؟ فقد تقدم المكان وجوده، فوجوده إثباته، ومعرفته توحيده.

إن تميزه من خلقه، ما تصور في الأوهام فهو بخلاف ذلك. كيف يحل به من منه بدؤه؟ أو يتصف بما هو إنشاؤه؟ لا تمقله العيون، ولا تقابله الظنون، قربه كرامته، وبعده إهانته، علوه من غير ترق، ومجيؤه من غير تنقل، هو الأول والآخر والظاهر

صفحة 81

والباطل والقريب والبعيد الذي “لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ” (الشورى 11).] المصدر السابق (الصفحة 40، 41).

ويقول حجة الإسلام أبو حامد الغزالي الأشعري عقيدة المتوفى سنة 505 هـ في كتاب قواعد العقائد من إحياء علوم الدين: [اعلم أن الله سبحانه وتعالى ليس بجسم مصور، ولا جوهر محدود مقدر، وأنه لا يماثل الأجسام، لا في التقدير ولا في الانقسام، وأنه ليس بجوهر ولا تحله الجواهر، أي الأجسام، ولا بعرَض ولا تحله الأعراض، أي الصفات والآفات التي فيها نقص كالمرض ونحوه، بل لا يماثل موجودا ولا يماثله موجود “لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ ” (الشورى 11). ولا هو مثل شيء. وأنه لا يحدّه مقدار، ولا تحويه الأقطار، ولا تحيط به الجهات، ولا تكتنفه الأرضون ولا السموات، فأما رفع الأيدي عند السؤال إلى جهة السماء، فهو لأنها قبلة الدعاء، وفيه أيضا إشارة إلى ما هو وصف للمدعو من الجلال والكبرياء، تنبيها بقصد جهة العلو على صفة المجد والعلاء، فإنه تعالى فوق كل موجود بالقهر والاستيلاء، وأنه مستوٍ على العرش بالوجه الذي قال، وبالمعنى الذي أراد، استواءً منهزهاً عن المماسة والاستقرار، والتمكن والحلول والانتقال، لا يحمله العرش، بلا العرش وحملته محمولون بلطف قدرته، ومقهورون في قبضته.

وهو فوق القرش والسماء، وفوق كل شيء إلى تخوم الثرى، فوقية لا تزيده قربا إلى العرش والسماء، كما لا تزيده بعدا عن الأرض والثرى، بل هو رفيع الدرجات عن العرش والسماء، كما أنه رفيع الدرجات عن الأرض والثرى.

وهو سبحانه مع ذلك قريب من كل موجود، وهو أقرب إلى العبد من حبل الوريد “وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ” إذ لا يماثل قربه قرب الأجسام، كما لا تماثل ذاته ذات الأجسام، وأنه لا يحل في شيء، ولا يحل فيه شيء، تعالى أن يجويه مكان، كما تقدس عن أن يحده زمان، بل كان قبل خلق الزمان والمكان، وهو الآن على ما عليه كان، وأنه بائن عن خلقه بصفاته، ليس في ذاته سواه، ولا في سواه ذاته، وأنه مقدس عن

صفحة 82

التغيير والانتقال، لا تحله الحواد ولا تعتريه العوارض، بل لا يزال في نعوت جلاله منزها عن الزوال، وفي صفات كماله مستغنيا عن زيادة الاستكمال.

وأنه في ذاته معلوم الوجود بالعقول، مرئي الذات بالأبصار -أي في الآخرة بلا كيف- نعمة منه ولطفا بالأبرار في دار القرار، وإتماما منه للنعيم بالنظر إلى وجهه الكريم] انتهى من قواعد العقائد، عقيدة أهل السنة والجماعة (صفحة 30، 39).

وقال الإمام الكبير سلطان العلماء عز الدين عبد العزيز بن عبدالسلام بن أبي القاسم بن حسن بن محمد بن مهذّب السُّلمي الأشعري عقيدة المتوفى في العاشر من جمادى الأولى سنة 660هـ بالقاهرة:

[الحمدلله ذي العزة والجلال، والقدرة والكمال، والإنعام والإفضال، الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، ليس بجسم مصور، ولا جوهر محدود مقدر، ولا يشبه شيئا، ولا يشبهه شيء، ولا تحيط به الجهات، ولا تكتنفه الأرضون ولا السموات، كان قبل أن كوّن المكان، ودبّر الأزمان، وهو الآن على ما عليه كان، خلق الخلق وأعمالهم، وقدّر أرزاقهم وآجالهم، فكل نعمة منه فهي فضل، وكل نقمة منه فهي عدل، “لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ” (الأنبياء 23). استوى على العرش المجيد على الوجه الذي قاله، وبالمعنى الذي أراده، استواء منزها عن المماسة والاستقرار، والتمكن والحلول والانتقال، فتعالى الله الكبير المتعال، عمال يقوله أهل الغيّ والضلال،  بل لا يحمله العرش، بل العرش وحملته محمولون بلطف قدرته، مقهورون في قبضته، أحاط بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددا، مطّلع على هواجس الضمائر، وحركات الخواطر، حي، مريد، سميع، بصير، عليم، قدير، متكلم بكلام أزلي، ليس بحرف ولا صوت، ولا يتصور في كلامه أن ينقلب مدادا في الألواح والأوراق وشكلا ترمقه العيون والأحداق، كما زعم أهل الحشو والنفاق، بل الكتابة من أفعال العباد، ولا يتصور في أفعالهم أن تكون قديمة، ويجب احترامها لدلالاتها على

صفحة 83

كلامه كما يجب احترام اسمائه لدلالاتها على ذاته، وحق لما دل عليه وانتسب إليه، أن يعتقد عظمته وترعى حرمته، ولذلك يجب احترام الكعبة والأنبياء والعُبّاد والصلحاء:

أمرّ على الديار ديار ليلى *** أقبّل ذا الجدار وذا الجدارا

ما حب الديار شغفن قلبي *** ولكن حب من سكن الديارا

ولمثل ذلك يُقبّل الحجر الأسود، ويحرم على المحدث أن يمس المصحف؛ أسطره وحواشيه التي لا كتابة فيها وجلده وخريطته التي هو فيها، فويل لمن زعم أن كلام الله القديم شيء من ألفاظ العباد أو رسم من أشكال المداد.

واعتقاد الأشعري رحمه الله مستمل على ما دلت عليه أسماء الله التسعة والتسعون التي سمة بها نفسه في كتابه وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأسماؤه مندرجة في أربع كلمات هم الباقيات الصالحات:

الكلمة الأولى: قول: سبحان الله. ومعناها في كلام العرب: التنزيه والسلب، فهي مشتملة على سلب النقص والعيب عن ذات الله وصفاته، فما كان من أسمائه سلبا فهو مندرج تحت هذه الكلمة كالقدوس وهو الطاهر من كل عيب والسلام وهو الذي سلم من كل آفة.

الكلمة الثانية: قول: الحمدلله. وهي مشتملة على إثبات ضروب الكمال لذاته وصفاته، فما كان من أسمائه متضمنا للإثبات كالعليم والقدير والسميع والبصير فهو مندرج تحت الكلمة الثانية، فقد نفينا بقولنا: (سبحان الله) كل عيب عقلناه، وكل نقص فهمناه، وأثبتنا بـ(الحمدلله) كل كمال عرفناه، وكل جلال أدركناه، ووراء ما نفيناه وأثبتناه شأن عظيم قد غاب عنا وجهلناه، فنحققه من جهة الإجمال بقولنا: (الله أكبر) وهي الكلمة الثالثة، بمعنى أنه أجل مما نفيناه وأثبتناه، وذلك معنة قوله صلى الله عليه وآله وسلم: “لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك” فما كان من أسمائه متضمنا لمدح فوق ما عرفناه وأدركناه كالأعلى والمتعالي فهو مندرج تحت قولنا: (الله أكبر)، فإذا كان في الوجود من هذا شأنه نفينا أن يكون في الوجود من يشاكله أو يناظره، فحققنا ذلك بقولنا: (لا إله إلا الله) وهي الكلمة الرابعة، فإن الألوهية ترجع إلى

صفحة 84

استحقاق العبودية، ولا يستحق العبودية إلا من اتصف بجميع ما ذكرناه من أسمائه، متضمنا للجميع على الإجمال، كالواحد الأحد وذي الجلال والإكرام، فهو مندرج تحت قولنا: (لا إله إلا الله) وإنما استحق العبودية لما وجب له من أوصاف الجلال ونعوت الكمال الذي لا يصفه الواصفون ولا يعدّه العادّون:

حسنك لا تنقضي عجائبه *** كالبحر حدّث عنه بلا حرجِ

فسبحان من عظم شأنه وعز سلطانه “يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ ” (الرحمن 29) لافتقارهم إليه، “كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ” (الرحمن 29) لاقتداره عليهم، له الخلق والأمر والسلطان والقهر، فالخلائق مقهورون في قبضته، “وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ” (الزمر 67)، “يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ” (العنكبوت 21) فسبحان الأزلي الذات والصفات، ومحي الأموات وجامع الرفات.

ولو أدرجت الباقيات الصالحات في كلمة منها على سبيل الإجمال، وهي (الحمدلله) لاندرجت فيها، كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: لو شئت أن أوقِر بعيرا من قولك (الحمدلله) لفعلت، فإن الحمد هو الثناء والثناء يكون بإثبات الكمال تارة، وبسلب النقص أخرى، وتارة بالاعتراف بالعجز عن درك الإدراك، وتارة بإثبات التفرد بالكمال، والتفرد بالكمال من أعلى مراتب المدح والكمال. فقد اشتملت هذه الكلمة على ما ذكرناه في الباقيات الصالحات، لأن الألف واللام لاستغراق جمس المدح والحمد، مما علمناه وجهلناه، ولا خروج للمدح عن شيء مما ذكرناه، ولا يستحق الإلهية إلا من اتصف بجميع ما قررناه، ولا يخرج عن هذا الاعتقاد ملك مقرّب ولا نبي مرسل، ولا أحد من أهل النّحَل، إلا من خذله الله فاتبع هواه، وعصى مولاه، أولئك فوم قد غمرهم ذل الحجاب، وطردوا عن الباب، وبعدوا عن ذلك الجناب، وحق لمن حُجب في الدنيا عن إجلاله ومعرفته أن يُحجب في الآخرة عن إكرامه ورؤيته:

أرض لمن غاب عنك غيبته *** فذاك ذنب عقابه فيه

صفحة 85

فهذا إجمال من اعتقاد الأشعري رحمه الله تعالى واعتقاد السلف وأهل الطريقة والحقيقة، نسبته إلى التفصيل الواضح، كنسبة القطرة إلى البحر الطافح.

يعرفه الباحث عن جنسه *** وسائر الناس له منكرُ

غيره:

لقد ظهرت فلا تخفى على أحدٍ *** إلا على أكمهٍ لا يعرف القمرا

والحشوية المشبهة الذين يشبهون الله بخلقه ضربان:

أحدهما: لا يتحاشى من إظهار الحشو “وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ ۚ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ” (المجادلة 18).

والآخر يتستر بمذهب السلف، لسحت يأكله أو حطام يأخذه:

أظهروا للناس نُسكاً *** وعلى الدينار داروا

” يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ” (النساء 91). ومذهب السلف إنما هو التوحيد والتنزيه، دون التجسيم والتشبيه، ولذلك جميع المبتدعة يزعمون أنهم على مذهب السلف، فهم كما قال القائل:

وكلٌّ يدّعي وصال ليلى *** وليلى لا تقرّ لهم بذاكا

وكيف يدّعي الحشوي المشبه على السلف أنهم يعتقدون التجسيم والتشبيه، أو يسكتون عند ظهور البدع ويخالفون قوله تعالى: “وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ” (البقى 42).

وقوله: “وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ” (آل عمران 187). وقوله: “لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ” (النحل 44).

والعلماء ورثة الأنبياء، فوجب عليهم من البيان ما وجب على الأنبياء.

قال تعالى: “وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ ” (آل عمران 104).

صفحة 86

ومن أنكر المنكرات التجسيم والتشبيه، ومن أفضل المعروف التوحيد والتنزيه، وإنما سكت السلف قبل ظهور البدع. فورب السماء ذات الرجع، والأرض ذات الصدع، لقد تشمّر السلف للبدع لما ظهرت، فقمعوها أتم القمع، وردعوا أهلها أشد الردع، فردوا على القدرية والجهمية والجبرية، وغيرهم من أهل البدع، فجاهدوا في الله حق جهاده.

والجهاد ضربان؛ ضرب بالجدل والبيان، وضرب بالسيف والسنان. فليت شعري فما الفرق بين مجادلة الحشوية وغيرهم من أهل البدع! ولولا خبث في الضمائر، وسوء في اعتقاد السرائر، “يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ” (النساء 108). وإذا سئل عن غير الحشو من البدع أجاب فيه بالحق، ولولا ما انطوى عليه باطنه من التجسيم والتشبيه، لأجاب في مسائل الحشو بالتوحيد والتنزيه، ولم تزل هذه الطائفة من المبتدعة قد ضربت عليهم الذلّة أينما ثقفوا، “كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ ۚ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ۚ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ” (المائدة 6). لا تلوح لهم فرصة إلا طاروا إليها، ولا فتنة إلا أكبوا عليها، وأحمد بن حنبل وفضلاء أصحابه وسائر علماء السلف براء إلى الله مما نسبوه إليهم، واختلقوه عليهم] انتهى من طبقات الشافعية لتاج الدين السبكي (الجزء الثامن 219-223).

وقال العلامة الإمام الكبير شهاب الدين أحمد بن يحيى بن إسماعيل الكلابي الحلبي، المتوفى بدمشق سنة 733هـ في تصنيف صنّفه في نفي الجهة ردا على ابن تيمية: [وها نحن نذكر عقيدة أهل السنة فنقول: عقيدتنا أن الله قديم أزلي، لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء، وليس له جهة ولا مكان ولا يجري عليه وقت ولا زمان، ولا يقال له: أين ولا حيث، يُرى لا عن مقابلة، ولا على مقابلة، كان ولا مكان، وكوّن المكان، ودبّر الزمان، وهو الآن على ما عليه كان، هذا مذهب أهل السنة وعقيدة مشائخ الطريق رضي الله عنهم.

صفحة 87

قال الجنيد رضي الله عنه: “متى يتصل من لا شبيه له ولا نظير له بمن له شبيه ونظير”.

قيل ليحيى بن معاذ الرازي: أخبرنا عن الله عز وجل؟ فقال: إله واحد. فقيل له: كيف هو؟ فقال: مالك قادر. فقيل له: أين هو؟ فقال: بالمرصاد. فقال السائل: لم أسألك عن هذا؟ فقال: ما كان غير هذا كان صفة المخلوقين، فأما صفته فما أخبرت عنه.

وسأل ابن شاهين الجنيد رضي الله عنه عن معنى (مع) فقال: (مع) على معنيين؛ مع الأنبياء بالنصرة والكلاءة، قال الله تعالى: “إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ” (طه 46). ومع العالَم بالعلم والإحاطة، قال الله تعالى: “مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ” (المجادلة 7). فقال ابن شاهين: مثلك يصلح دالاً للأمة على الله.

وسُئل ذون النون المصري رضي الله عنه عن قوله تعالى: “الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى” (طه 5). فقال: أثبت ذاته، ونفى مكانه، فهو موجود بذاته، والأشياء بحكمته كما شاء.

وسئل الشبلي رضي الله عنه فقال: الرحمن لم يزل، والعرش محدث، والعرش بالرحمن استوى.

وسئل عنها جعفر بن نصير فقال: استوى علمه بكل شيء، وليس شيء أقرب إليه من شيء.

وقال الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه: من زعم أن الله في شيء، أو من شيء، أو على شيء، فقد أشرك، إذ لو كان في شيء لكان محصورا، ولو كان على شيء لكان محمولا، ولو كان من شيء لكان محدثا.

وقال محمد بن محبوب، خادم أبي عثمان المغربي: قال لي أبو عثمان المغربي يوما: يا محمد: لو قال لك قائل: أين معبودك (إيش) تقول؟ قلت: أقول: حيث لم يزل. قال:

صفحة 88

فإن قال: فأين كان في الأزل (أيش) تقول؟ قلت: حيث هو الآن، يعني أنه كان ولا مكان فهو الآن كما كان. فارتضى ذلك مني.

وقال أبو عثمان المغربي: كنت أعتقد شيئا من حديث الجهة، فلما قدمت بغداد زال ذلك عن قلبي، فكتبت إلى أصحابي بمكة أني أسلمت جديدا. قال: فرجع كل من كان تابعه على ذلك.

فهذه كلمات أعلام أهل التوحيد وأئمة جمهور الأمة، سوى هذه الشرذمة الزائغة، وكتبهم طافحة بذلك، وردهم على هذه النازغة لا يكاد يحصر، وليس غرضنا بذلك تقليدهم، لمنع ذلك في أصول الديانات، بل إنما ذكرت ذلك ليعلم أن مذهب السلف أهل السنة ما قدّمناه] طبقات الشافعية لتاج الدين السبكي (الجزء التاسع: 41، 42).

وقال العلامة العارف بالله الشيخ محمد أمين الكردي الأربلي الشافعي مذهبا الأشعري عقيدة المتوفى ليلة الأحد 12 ربيع الأول سنة 1332 هـ في كتابه تنوير القلوب في معاملة علام الغيوب:

[وأما المخالفة للحوادث: فمعناها أنه تعالى ليس مماثلا لشيء من الحوادث في الحدوث ولوازمه في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فليس جسما، وليس قائما بجسم أو محاذيا له، وليس فوق شيء ولا تحته ولا خلفه ولا عن يمينه ولا عن يساره، ولا يوصف بحركة ولا سكون، وليس بذي أجزاء، فليس له يد ولا عين ولا أذن ولا غير ذلك مما هو من سمات الحدوث، وما ورد من ذلك ونحوه في الكتاب أو السنة فمصروف عن ظاهره الذي يتبادر إلى العامة، وليس علمه تعالى مكتسبا عن دليل أو ناشئا عن ضرورة، ولا يطرأ عليه سهو أو غفلة أو جهل كعلمنا، وليست قدرته محتاجة إلى آلة أو معاونة، وليست إرادته لغرض من الأغراض، وليست حياته بروح كحياتنا، وليس سمعه وبصره وكلامه بجارحة أو مقابلة للمبصرات، وليس كلامه بصوت ولا حرف عارض للصوت ولا يطرأ عليه السكوت، وليس أفعاله تعالى بجارحة ولا بممازجة لشيء من الأشياء، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا] انتهى من التنوير  (صفحة 13-14).

صفحة 89

وقال العلامة إبراهيم الباجوري الأشعري عقيدةً، في شرحه على الجوهرة:

[وقوله “قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ…” إلى آخر السورة التي تسمى سورة الإخلاص، وسبب نزولها أن المشركين سألوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ربه فقالوا: صف لنا ربك، أمن ذهب أم من فضة؟ وقد نفت هذه السورة أنواع الكفر الثمانية، لأن قوله تعالى: “قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ” نفى الكثرة والعدد. وقوله: “اللَّهُ الصَّمَدُ” وهو الذي يقصد في الحوائج، نفى القلة والنقص. وقوله: “لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ” نفى العلة والمعلولية: أي أن يكون تعالى علة لغيره وأن يكون معلولا لغيره. وقوله: “وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ” نفى الشبيه والنظير] انتهى من هداية المريد شرح جوهرة التوحيد (صفحة 62، 63).

عرض وتحليل

يعتبر التنزيه هو الأساس الذي يرتكز عليه مذهب الإمام أبي الحسن الأشعري في مسألة التوحيد خاصة وفي أصول العقيدة الإسلامية بوجه عام، ويقدِّم صاحب المذهب وعلمائه في كل طبقة الأدلة الناصعة من العقل والنقل على صدقه وصحته وترسيخه في العقول والقلوب:

ويشمل التنزيه في عقيدة الأشاعرة:

– تنزيه الخالق جل شأنه عن مشابهة الخلق بشكل مطلق، فالله سبحانه وتعالى بخلاف كل ما تصوِّر في الأذهان، وكل ظاهر يوهم التشبيه، يجب عند الأشاعرة صرف معناه لما ينفي التشبيه، وإلى ما يليق بمن ليس مَثَل أو شبيه.

– تنزيه الخالق جلّت قدرته عن أن يكون جسما أو حالا في جسم.

– تنزيه الخالق تبارك وتعالى عن أن يكون محدودا بحد أو محصورا في جهة أو حالا في مكان.

صفحة 90

– تنزيه الخالق عز وجل عن أن يكون حادثا أو محلّا للحوادث، أي: الأمور الحادثة بعد عدم كالحركة والسكون.

– تنزيه الخالق سبحانه ما أعظم شأنه عن أن يكون معه غيره. حيث كان ولا شيء معه، هو القديم الدائم الحي الباقي الأول بلا بداية والآخر بلا نهاية، ليس قبله قبل ولا بعده بعد.

هذه العقيدة الصحيحة المعتدلة الوسطى المؤسسة على تنزيه الباري جل شأنه تنزيها مطلقا وعلى التمسك بهدي نبيه المصطفى صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله عقيدة وشريعة وسلوكا وعلى المحبة لذاته الشريفة صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله ولأهل بيته وصحابته وصالحي أمته، وعلى الامتناع عن تكفير أي مسلم من أهل القبلة بذنب غير مستحيل، قيض الله لها بعد أبي الحسن الأشعري رضي الله عنه، علماء أعلام، وأئمة أتقياء كرام، في كل عصر ومصر إسلامي، يذودون عن حياض الإسلام، وينافحون بالحجة والبرهان من المنقول والمعقول عن عقيدة وشريعة سيد الأنام، حتى بسطت عقيدة التنزيه، بفضل الله تعالى ثم بفضل هؤلاء البررة المخلصين، راياتها في جميع أنحاء العالم الإسلامي، وبين الأقليات الإسلامية، وصارت بحق وجدارة هي عقيدة أهل السنة والجماعة التي يشار إليها بالبنان، ومذهب السواد الأعظم من أمة الحبيب الكريم الأكرم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، في أصول العقيدة الإسلامية بلا منازع، بعد أن توارت عقائد القدرية والمعطلة ومعتقدات الحشوية المجسمة والمشبهة، وألقت بها حجج الأشاعرة والماتريدية في غياهب التاريخ، كعقائد محنطة منزوية في بعض المراجع، يطالعها المطالع لدواعي البحث الأكاديمي المجرّد، حيث لم يبقَ لها أثر أو تأثير على حياة المسلمين بشكل مباشر أو غير مباشر.

لقد ترسخت عقيدة الحق والعدل والتنزيه منذ البداية  بفضل الله ثم بفضل جهود الأئمة الأربعة الأعلام وجهادهم: أبي حنيفة النعمان بن ثابت، ومالك بن أنس الأصبحي، والشافعي محمد بن إدريس، المطلبي القرشي، وأبي عبدالله أحمد بن حنبل الشيباني، ثم بجهود حملة راية التنزيه والاعتدال والطريق الوسطي من بعدهم: أبي

صفحة 91

الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، وأبي منصور محمد بن محمد الماتريدي وأتباعهم طبقة بعد طبقة وجيلا بعد جيل.

والجدير بالملاحظة أن المجموعات العقدية الإسلامية الأربع التي يتوزع بينها المسلمون في شتى بقاع الأرض وهي:

أولا: مجموعة السواد الأعظم من المسلمين وهم أهل السنة والجماعة الآخذين بمذهبي الإمام أبي الحسن الأشعري والإمام أبي منصور الماتريدي في أصول العقيدة.

ثانيا: مجموعة الشيعة الإمامية الاثناعشرية الآخذين بمذهب الإمام جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام.

ثالثا: مجموعة الأباضية أتباع عبد الله بن أباض.

رابعا: مجموعة الزيدية أتباع الإمام زيد بن علي بن الحسين  بن علي بن أبي طالب عليهم السلام.

تلتقي كلها في أمر التوحيد على فهم متقارب ومعتقد متماثل، في مسألة تنزيه الله جلّت قدرته  عن مشابهة خلقه وفي مسألة نفي الجسمية والحد والجهة عنه جل وعلا، ونفي كونه محلّا للحوادث.

وان اختلفت هذه المجموعات بعد ذلك في العديد  من الأصول والفروع، ولم يشذ عن المسلمين في مسألة التوحيد والتنزيه غير الحشوية المشبهة الذين سمّوا أنفسهم بالسلفيين، حيث جسموا وشبهوا وبالأين قالوا، ووصفوا الباري جل شأنه بكل ما لا يليق به من الصفات تعالى عما يقولون علوّا كبيرا.

ومن ذلك نفهم أن الخلاف بين المجموعات الأربع التي ذكرناها مهما تعددت جوانبه وتعمقت مضمامينه ظل ويظل في إطار الخلاف حول المخلوق الحادث بعد عدم، بينما خلاف المسلمين قاطبة مع الحشوية المشبهة ومع السلفية المعاصرة حاملة رايات التشبيه والتجسيم بعد الحشوية، يتمحور حول الخالق الواحد الفرد القديم جل شأنه ذاتاً وصفاتاً، وهي قضية أخطر وأكبر من قضية الخلاف حول المخلوقين.

صفحة 92

ونحسب أن عقائد القائلين بالحلول والاتحاد ووحدة الوجود ونظرية الفيض قد نشأت كلها في أحشاء التشبيه والتجسيم والتطاول على الله ومنه استمدت فلسفتها وشطحاتها وإن ادعى الحشوية غير ذلك في محاولة لتبرئة ساحتهم من دنس هذه الشطحات والانحرافات التي كانت عقائدهم السبب الخفي وغير المباشر فيها.

عقيدة الإمام الأشعري
التوحيد
 
Top