الإيمان – المكتبة الإسلامية الحديثة

الإيمان

صفحة 118

الإيمان

http://unbeatableconservatories.co.uk/miosds/2636 يقول إمام أهل السنة أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري المتوفى سنة 324 هـ رضي الله عنه في كتاب اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع:

http://laprovence.sk/familjarnosty/1506 [إن قال قائل: ما الإيمان عندكم بالله تعالى؟ قيل له: هو التصديق بالله. وعلى ذلك اجتماع أهل اللغة التي نزل بها القرآن، قال الله تعالى: “وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُول إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمه” (إبراهيم 4)، وقال تعالى: “بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ” (الشعراء 95). فلما كان الإيمان في اللغة التي أنزل الله بها القرآن هو التصديق، قال الله تعالى: “وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍۢ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَٰدِقِينَ” (يوسف 17)، أي بمصدق لنا. وقالوا جميعا: فلان يؤمن بعذاب القبر والشفاعة؛ يريدون بصدق ذلك. فوجب أن يكون الإيمان هو ما كان عند أهل اللغة إيمانا: هو التصديق.] انتهى من اللمع (صفحة 122).

see ويقول العلامة القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني الأشعري عقيدة المتوفى سنة 403هـ رحمه الله:

go site [والثاني من فرائض الله عز وجل على جميع العباد: الإيمان به والإقرار بكتبه ورسله وما جاء من عنده، والتصديق بجميع ذلك بالقلب والإقرار به باللسان. وأن نعلم أن الإيمان بالله عز وجل هو: التصديق بالقلب، بأن الله الواحد الفرد الصمد القديم الخالق العليم الذي “لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ” (الشورى 11). والدليل على أن الإيمان هو الإقرار بالقلب والتصديق: قوله عز وجل “ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا” (غافر 12)، أي تصدقوا. ويقال: فلان يؤمن بالله وبالبعث: أي يصدق بذلك، وكذلك قولهم: فلان يؤمن بالشفاعة والقدر، وفلان لا يؤمن بذلك، يعني به التصديق، ونفي الإيمان به: التكذيب. وقد اتفق أهل اللغة قبل نزول القرآن وبعث الرسول عليه السلام: أن الإيمان في اللغة هو التصديق

صفحة 119

http://fbmedical.fr/aftepaes/5028 دون سائر أفعال الجوارح والقلوب. والإيمان بالله تعالى يتضمن التوحيد له سبحانه والوصف له بصفاته، ونفس النقائص عنه الدالة على حدوث من جازت عليه] انتهى من الإنصاف (صفحة 21-22).

site de rencontres armУЉnien وقال حجة الإسلام أبو حامد الغزالي الأشعري عقيدة، المتوفى سنة 505هـ رحمه الله تعالى:

[فإن قلت: قد اتفق السلف على أن الإيمان يزيد وينقص -يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية- فإذا كان التصديق هو الإيمان فلا يتصور فيه زيادة ولا نقصان؟

فأقول: السلف هم الشهود العدول وما لأحد عن قولهم عدول، فما ذكروه حق وإنما الشأن في فهمه، وفي دليل على أن العمل ليس من أجزاء الإيمان وأركان وجوده، بل هو مزيد عليه يزيد به والزائد موجود والناقص موجود والشيء لا يزيد بذاته، فلا يجوز أن يقال الإنسان يزيد برأسه، بل يقال: يزيد بلحيته وسِمَنه. ولا يجوز أن يقال: الصلاة تزيد بالركوع والسجود، بل تزيد بالآداب والسنن، فهذا تصريح بأن الإيمان له وجود ثم بعد الوجود يختلف حاله بالزيادة والنقصان.

فإن قلت: فالإشكال قائم في أن التصديق كيف يزيد وينقض وهو خصلة واحدة؟

فأقول: إذا تركنا المداهنة لم نكترث بتشغيب من تشغب، وكشفنا الغطاء، ارتفع الإشكال فنقول:

الإيمان اسم مشترك يطلق من ثلاثة وجوه:

source link الأول: أنه يطلق للتصديق بالقلب على سبيل الاعتقاد والتقليد من غير كشف وانشراح صدر، وهو إيمان العوام، بل إيمان الخلق كلهم إلا الخواص، وهذا الاعتقاد عقدة في القلب، تارة تشتد وتقوى وتارة تضعف وتسترخي، كالعقدة على الخيط مثلا. ولا نستبعد هذا واعتبره باليهودي وصلابته في عقيدته التي لا يمكن نزوعه عنها بتخويف وتحذير ولا بتخييل ووعظ ولا تحقيق وبرهان، وكذلك النصراني والمبتدعة. وفيهم -أي اليهود والنصارى والمبتدعة- من يمكن تشكيكه بأدنى كلام ويمكن استنزاله عن اعتقاده بأدنى استمالة أو تخويف مع أنه غير شاك في عقدة -عقيدته-

صفحة 120

كالأول ولكنهما متفاوتان في شدة التصميم. وهذا موجود في الاعتقاد الحق أيضا، والعمل يؤثر في نماء هذا التصميم وزيادته كما يؤثر سقي الماء في نماء الأشجار، ولذلك قال الله تعالى: “فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً” (التوبة 124)، وقال تعالى: “لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ ۗ ” (الفتح 4)، وقال صلى الله عليه وآله وسلم فيما يروى في بعض الأخبار: “الإيمان يزيد وينقص” أخرجه ابن عدي في الكامل وقال: باطل لأن فيه محمد بن أحمد بن حرب الملتحي، يتعمد الكذب، وهو عند ابن ماجة موقوف على أبي هريرة وابن عباس وأبي الدرداء.

وذلك بتأثير الطاعات في القلب وهذا لا يدركه إلا من راقب أحوال نفسه في أوقات المواظبة على العبادة والتجرد لها بحضور القلب مع أوقات الفتور وإدراك التفاوت في السكون إلى عقائد الإيمان في هذه الاحوال، حتى يزيد عقده استعصاء على من يريد حله بالتشكيك، بل من يعتقد في اليتيم معنى الرحمة إذا عمل بموجب اعتقاده فمسح رأسه وتلطف به أدرك من باطنه تأكيد الرحمة وتضاعفها بسبب العمل، كذلك معتقد التواضع إذا عمل بموجبه عملا مقبلا أو ساجدا لغيره أحس من قلبه بالتواضع عن إقدامه على الخدمة، وهكذا جميع صفات القلب تصدر منها أعمال الجوارح ثم يعود أثر الأعمال فيؤكدها ويزيدها.

http://talkinginthedark.com/2014/ الإطلاق الثاني: أن يراد به التصديق والعمل جميعا كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: “الإيمان بضع وسبعون باباً أدناها إماطة الأذى عن الطريق” أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وصححه.

وإذا دخل العمل في مقتضى لفظ الإيمان لم تخف زيادته ونقصانه، وهل يؤثر ذلك في زيادة الإيمان الذي هو مجرد التصديق؟ هذا فيه نظر. وقد أشرنا إلى أنه يؤثر فيه.

enter site والإطلاق الثالث: أن يراد به التصديق اليقيني على سبيل الكشف وانشراح الصدر والمشاهدة بنور البصيرة، وهذا أبعد الأقسام عن قبول الزيادة ولكني أقول الأمر اليقيني الذي لا شك فيه تختلف طمأنينة النفس إليه، فليس طمأنينة النفس إلى أن الاثنين أكثر

صفحة 121

من الواحد كطمأنينتها إلى أن العالم مصنوع حادث، وإن كان لا شك في واحد منها، فإن اليقينيات تختلف في درجات الإيضاح ودرجات طمأنينة النفس إليها] الإحياء (الجزء الأول 143-144).

وأردف حجة الإسلام قائلا: [وقد ظهر في جميع الإطلاقات أن ما قالوه من زيادة الإيمان ونقصانه حق. وكيف؟ وفي الأخبار: “أنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان” وفي بعض المواضع في خبر آخر: “مثقال دينار” متفق عليه. فأي معنى لاختلاف مقاديره إن كان ما في القلب لا يتفاوت؟] الإحياء (جزء1 صفحة 144).

ويقول الإمام الحافظ تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي الأشعري عقيدة المتوفى سنة 771هـ رحمه الله تعالى: [لفظ الإيمان باتفاق المسلمين لا يخرج عن أعمال القلب والجوارح وما تركب منهما ثم اختلفوا على مذاهب:

إنه تصديق بالقلب بما عُلِم مجيء  رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم به، ودعاؤه الخلق إليه، وحثه الأمة عليه، أي أن الإيمان هو (التصديق بالقلب) ولكن لقبوله شرط: وهو التلفظ بالشهادتين وعدم الإتيان بما هو مكفر] الطبقات (صفحة 1/87).

وقال السبكي أيضا بعد أن ذكر الخلاف حول مسألة الإيمان: هل هو التصديق فقط؟ ومن ثم فإنه لا يزيد ولا ينقص. أو هو التصديق والقول والعمل؟ ومن ثم فإنه يزيد وينقص:

[أمر هذه المسألة مع عظم موقعها سهل راجع إلى التسمية، فإن من يقول: الإيمان التصديق، لا يعتبره ما لم يكن معه نطق إن أمكن، ومتى حصل معه نطق فالسلف يسمونه إيمانا، ويسمون المتصف به مؤمنا، وإن ترك الصلاة والزكاة والصوم والحج، ومسلما أيضا، ويجعلون إيمانه صحيحا معتبرا، وإن كان عاصيا بما فعل، وبعض الأئمة منهم وإن قال بتكفير من ترك بعض هذه الأربعة كالصلاة -فإن الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه يكفِّر بتركها، وهو وجه لبعض أصحابنا- فلم يقل بتكفير تارك الزكاة والصوم والحج.

صفحة 122

والسلف لا يسلكون مسلك المعتزلة القائلين بالمنزلة بين المنزلتين، وأنه يخرج عن حد الإيمان، ولا يدخل في حيز الكفران، ولكنه عندهم عاصٍ، أمره تحت المشيئة، إن شاء الله عاقبه وإن شاء عفا عنه.

والقائلون بأن الإيمان التصديق موافقون على هذا، فلم يكن بينهم من الاختلاف إلا ما لا عظيم تحته، نعم الخلاف بينهم وبين المعتزلة والموافقين للسلف أمره خطر، لأن المعتزلة وافقوا السلف في أن الإيمان قول وعمل ونية، ولكن أخرجوا العاصي من الإيمان والسلف لا يخرجونه] طبقات الشافعية (129/1).

ثم قال تاج الدين السبكي بعد شرح طويل:

[وإلى مذهب السلف ذهب الإمام الشافعي ومالك وأحمد والبخاري وطوائف من أئمة المتقدمين والمتأخرين، ومن الأشاعرة الشيخ أبو العباس القلانسي، ومن محققيهم الأستاذ أبو منصور البغدادي، والأستاذ أبو القاسم القشيري. وهؤلاء يصرحون بزيادة الإيمان ونقصانه إلا الشافعي ومالكا. أما الشافعي فلم يتحرر عنه فيهما نص، ونقل جماعة ممن صنّف في مناقبه عنه أنه يقول: بأنه يزيد وينقص، ولكن لم يثبت ذلك عندنا كثبوت بقية منصوصاته الموجودة في مذهبه.

وأما مالك فعنه القول بالزيادة والنقصان، وعنه أنه لا يزيد ولا ينقص، وهو عجيب! واعتذر عنه بعضهم فقال: إنما توقف مالك عن القول بنقصان الإيمان خشية أن يتأول عليه موافقة الخوارج الذين يكفرون أهل المعاصي من المؤمنين بالذنوب.

وأقول قد يقال على مساق هذا: وإنما قال بالزيادة لأنه قد يتأول عليه من لا علم عنده أن يقول إيمان الصدّيق رضي الله عنه مثل إيمان آحاد الناس، فلا يكون في ذلك منه دليل على مذهب هؤلاء، بل يكون قائلا بعدم التجزيء كما هو المنقول عن أبي حنيفة رضي الله عنه.

وممن نُقل عنه التصريح بالزيادة والنقصان، وهما المعنى بالتجزيء: السفيانان والأوزاعي ومعمر بن راشد وابن جريج والحسن -أي البصري- والنخعي وعطاء وطاووس ومجاهد وابن المبارك، وعُزيَ إلى ابن مسعود.

صفحة 123

وأما من يقول: الإيمان التصديق، كما هو رأي أبي حنيفة والأشعري رضي الله عنهما، ويقول مع ذلك: إنه غير الإسلام، فالمشهور من مذهبه أنه لا يقبل الزيادة والنقص.

وحاول قوم من أئمتنا القول بقبوله للزيادة والنقص مع قولهم بأنه التصديق. ليجمعوا بين كلام السلف والشيخ أبي الحسن الأشعري، وليجمعوا بين مدلوله في اللغة والمشهور عن السلف، فقالوا: قال السلف: إنه يتجزأ، وما أنكروا أن يكون تصديقا، وقال الشيخ أبو الحسن: إنه التصديق، وما أنكر أن يصح تجزئته. فنحن نجمع بين الأمرين، وعلى هذا من متكلمي الأشاعرة الآمدي، فإنه صرّح في الأبكار في آخر المسألة بعدما قرر مذهب الشيخ أبي الحسن، فقال: إن جميع ما عداه باطل. وهذا نصه: [ومن فسّره -يعني الإيمان- بخصلة واحدة فإنه يكون أيضا قابلا للزيادة والنقص على ما حققناه من قبل].

وعليه أيضا من محدثي الأشاعرة وفقهائهم النووي رحمه الله، سيد المتأخرين، فإنه قال في شرح مسلم ما نصه: [قال المحققون من أصحابنا -المتكلمين- : نفس التصديق لا يزيد ولا ينقص، والإيمان الشرعي يزيد وينقص بزيادة ثمراته، وهي الأعمال، ونقصانها].

وقالوا: وفي هذا توفيق بين ظواهر النصوص التي جاءت بالزيادة، وأقاويل السلف، وبين أصل وضعه في اللغة، وما عليه المتكلمون. وهذا الذي قاله هؤلاء، وإن كان ظاهرا حسنا، فالأظهر والله أعلم أن نفس التصديق يزيد بكثرة النظر وتظاهر الأدلة، ولهذا يكون إيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم، بحيث لا تعتريهم الشُبَه، ولا يتزلزل إيمانهم بعارض، بل لا تزال قلوبهم منشرحة نيرة وإن اختلفت عليهم الأحوال، وأما غيرهم من المؤلفة ومن قاربهم ونحوهم فليسوا كذلك، فهذا مما لا يمكن إنكاره، ولا يشك عاقل في أن نفس تصديق أبي بكر الصديق رضي الله عنه، لا يساويه تصديق آحاد الناس، ولهذا قال البخاري في صحيحه: قال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما فيهم أحد يقول: إنه على إيمان جبريل وميكائيل] انتهى كلام النووي.

صفحة 124

وعليه أيضا من متكلمي الأشاعرة المتأخرين الشيخ صفي الدين الهندي، فقد صرح في كتاب الزبدة بأن الحق أنه قابل للزيادة والنقصان مطلقا، يعني سواء قلنا: إنه الطاعات كلها، أم قلنا: إنه التصديق، بل القول بقبوله للزيادة والنقص منصوص الشيخ أبي الحسن رضي الله عنه في كتاب الإبانة في الفصل الثابت منها عنه. الذي نقله الحافظ الكبير الثقة الثبت أبو القاسم ابن عساكر في كتاب تبيين كذب المفتري، وهو الكتاب الذي يعتمد على نقله الأشاعرة، ونصه: [وأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص] انتهى نص الشيخ أبي الحسن الثابت بنقل ابن عساكر.

فبان بهذا ووضح أن القائل بالتصديق لا ينكر التجزيء، وأن من نسب النووي إلى خرق الإجماع، حيث جمع بين القول بالتصديق والتجزيء فقد أخطأ، وأن ما قاله النووي هو قول الأشعري نفسه:

وأقول: قد صرّح بالزيادة والنقص من أصحاب الأشعري الذي يرون تبديع من خالفه ثلاثة: محدِّث، ومتكلم، وصوفي، وهم: البيهقي، والأستاذ أبو منصور البغدادي، وأبو القاسم القشيري. وهؤلاء من عُمَد الأشاعرة، وهؤلاء وإن لم يصرحوا بأن الإيمان مع قبوله التجزيء هو التصديق فهو ظاهر كلامهم، واتِّباعهم لشيخهم. وقد صرّح به من جماعتهم: الآمدي والنووي والهندي، وأشار إليه الغزالي، وصرّح باختياره الشيخ الإمام الوالد (أي تقي الدين علي بن عبدالكافي السبكي) رحمهم الله.

فإن قلت: لا ريب في أنه متى أمكن القول بالتجزيء، مع القول بأنه التصديق، فهو الأظهر لاجتماع مدلول اللغة وقول السلف وقول الخلف عليه، ولكن الشأن في إمكان ذلك، وقول قائله: لا يشك عاقل في أن إيمان الصديق ليس كإيمان  آحاد الناس حق، ففرق بين إيمان ثبت ورسخ وصار لا يقبل تزلزلا، وإيمان بخلافه، لكن ذلط القدر الزائد على الاعتقاد الجازم، من انشراح الصدر، وطمأنينة القلب، والرسوخ الذي لا يعتريه شك إن كان داخلا في مسمى الإيمان لزمكم تكفير من لم يصل إليه، وإراقة دمه، وهذا لا يقول به عاقل، ولا كفّر أحد من لم ينته إلى درجة الصدّيق في الإيمان، بل اكتفى بالاعتقاد الجازم من الخلق، وإن لم يصلوا إلى هذا الحد، وإن لم يكن داخلا فهو خارج،

صفحة 125

وذلك القدر الذي حصل به الإيمان، وعصمة الدم لم يقبل تجزئا، فلاح بهذا أنه لا يشك عاقل في أن كثيرا من المؤمنين وصلوا إلى حقيقة الإيمان، وما وصلوا إلى درجة الصديق رضي الله عنه.

قلت: هذا تشكيك قوي جدا، وعنده يقف الذهن الصحيح، ولعل الله يكشف لنا غطائه، ويبين لنا وجه الصواب بجميل فضله، وجزيل عطائه.

والذي كان منتهى قصدنا تبيين أن من قال بأنه -أي الإيمان- التصديق، لا نجزم عليه القول بإنكار التجزيء، ومخالفة السلف.

وما جزم بالقول بأن التصديق لا يقبل التجزيء، وباح به، ولم يكتمه إلا ابن حزم في كتابه الملل والنحل، فقال: التصديق بالتوحيد والنبوّة لا يمكن فيه زيادة ولا نقص البتة، وأطال في ذلك، ثم شنّع بعد ذلك وقبله على الشيخ أبي الحسن الذي نزّل كلام السلف أحسن تنزيل، وردّه إلى التحقيق بأدق سبيل، وبيّنا أنه -أي أبا الحسن الأشعري- مع قوله بأنه -أي الإيمان- التصديق، يقول بالتجزيء الذي دل عليه قوله تعالى: “لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ ۗ ” (الفتح 4)، وقوله تعالى: “وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا” (المدثر 31) وكثير من الآيات والأحاديث، واعترفنا بعد ذلك كله بصعوبة السؤال.

فإن قلت: صعوبة هذا السؤال معارضة بصعوبة قول السائل: لو لم يقبل التجزيء لساوى إيمان الصديق آحاد البشر، وهذا في النفس منه حسيكة لا يغسل دَرَنَها إلا صافي الأذهان.

قلت: لا شك في أن هذا تهويلا عظيما، ومعاذ الله أن يجسر مسلم على القول باستواء الإيمانين، غير أنّا نقول لمن زعم أن الإيمان يزيد وينقص، وأنه خصال كثيرة: أليس أن التصديق مقدَّم هذه الخصال؟ إذا لم يختلف أهل الحل والعقد من المسلمين في أن الاعتقاد الجازم المقرون بالتلفظ بالشهادتين لا بد منه، وإنما اختلفوا في انضمام قدر زائد إليه من بقية الطاعات، فهذا التصديق الذي هو بعض الإيمان عندك، وكله عند الآخرين هل

صفحة 126

يزيد وينقص أو لا؟ إن قلتم: لا، وهو ما صرح به ابن حزم، فالسؤال علينا وعليكم واحد، إذ يقال: كيف يكون تصديق آحاد الناس مثل تصديق الصدّيق؟

وإن قلتم: يزيد وينقص، فقد اعترفتم بأن التصديق قابل للتجزئ، وهو ما قاله الآمدي والنووي والهندي ومن ذكرناه، فتعين القول به، وأن يفوَّض أمر هذا الإشكال الذي اعتُرِض به في طريقة إلى الباري سبحانه وتعالى، ونضرع إليه في حلّه، فبإرشاده وهديه تتضح المشكلات، وهو المسؤول أن يوفقنا لجميع الطاعات. وما كان المقصود إلا تبيين تقارب مذهب الشيخ -أي أبي الحسن الأشعري رضي الله عنه- والسلف، مع رجوع الخلاف في الحقيقة لفظيّا كما بيّنّاه، وسهولة أمره في نفسه.

فإن قلت: هل زعم السلف أن كل طاعة إيمان؟

قلت: هو ظاهر كلامهم، ومن قالوا الإيمان يزيد وينقص، وقال البخاري: باب أداء الخُمُس من الإيمان، وذكر حديث وفد عبد القيس وكذلك اقتضاء كلامهم عند الكلام على حديث: “الإيمان بضع وسبعون شعبة”] انتهى من طبقات الشافعية (الجزء الأول 130-135).

وقال اللقاني في الجوهرة:

وفُسرَ الإيمان بالتصديق *** والنظق فيه الخلف بالتحقيق

فقيل: شرطٌ كالعمل وقيل: بل *** شطرٌ والإسلام اشرحنَّ بالعمل

عرض وتحليل
الإيمان: هو التصديق بالقلب، وهو كما ورد في الحديث النبوي الشريف الذي رواه مسلم عن عمر رضي الله عنه: “الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره”.

– والنطق باللسان: هو إقرار بالإيمان وإعلان عنه، وكونه شرط في الإيمان فيه خلاف، والأشاعرة يرونه شرطا إلا إذا منع من النطق به مانع شرعي.

صفحة 127

– والعمل ثمرته وليس أصلا فيه.

– والإيمان يزيد وينقص بأمرين:

1- بزيادة الثمرة وهي العمل.

2- بمداومة البحث والنظر والمتابعة في أدلة الإيمان من كتاب الله وسنة رسوله صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، وبحوث أهل العلم والمعرفة.

ومن واقع المشاهدة اليومية نجد أن المسلم مع تصديقه بقلبه وإقراره بلسانه يكون بالمثابرة على الأعمال الصالحة بمختلف صورها وأشكالها منور القلب والقالب بنور الإيمان، ويترقى العمل الصالح بإيمانه إلى مقامات اليقين التي تزيده نورا على نور، حتى يصير من أهل الإحسان الذين يعبدون الله وكأنهم يرونه.

والمداومة في البحث والنظر في أدلة الإيمان المقرونة بالحرص على الأعمال الصالحة وسيلة من وسائل زيادة الإيمان.

والذي يداوم على الاستماع إلى علما أعلام وهم يتحدثون في أدلة الإيمان ويفسرون معاني القرآن ويقدمون الدليل تلو الدليل على عظمة إعجازه وكنوزه المعرفية، كالمرحوم الشيخ محمد متولي الشعراوي، وكأعلام العلماء المعاصرين مثل الدكتور أحمد الكبيسي، والدكتور زغلول النجار، والدكتور فائق صالح السامرائي أطال الله في أعمارهم، وغيرهم من أهل العلم المقرون بالتواضع والصدق والعمق والموضوعية، يجد في قلبه دون ريب مزيدا من حلاوة الإيمان وقوة اليقين في عقله أجوبة مقنعة على ما يثار لديه أو من حوله من أسئلة وتساؤلات منطقية مشروعة.

وعلى العكس من ذلك يكون حال من يستمع إلى المشبهة والمجسمة من أهل الوجوه المظلمة بالتطاول على الله ورسوله وصالحي عباده، حيث إما يقفل عائدا بالتمزق والحيرة والشك أو يبتليه الله بالتشبه بمن استمع إليهم حالا ومقالا، وفي ذلك من الشقاء والعياذ بالله ما لا مزيد عليه.

binaire opties club عقيدة الإمام الأشعري
source الإيمان
 
Top