الإمام الذي جمع الله به كلمة المسلمين فكان مجدد المائة الثالثة

صفحة 58

الإمام الذي جمع الله به كلمة المسلمين وأقوال جهابذة العلماء فيه

على هذا المنوال سار أبو الحسن حتى وفقه الله لجمع كلمة المسلمين وتوحيد صفوفهم وقم المعاندين وكسر تطرفهم، وتواردت عليه المسائل من أقطار العالم فأجاب عنها فطبق ذكره الآفاق وملأ العالم بكتبه وكتب أصحابه في السنة والرد على أصناف المبتدعة والملاحدة وأهل الكتاب، وتفرق أصحابه في بلاد العراق وخراسان والشام وبلاد المغرب وفي كل بلاد الإسلام عموما، ينشرون عقيدة أهل السنة والجماعة التي جمع الله عليها السواد الأعظم بعد فرقة وشتات وتمزق.

وبعد وفاته رحمه الله تعالى بفترة يسيرة استعاد المعتزلة بعض قوتهم في عهد بني بُوَيه. ولكن الإمام ناصر السنة أبابكر محمد الطيب بن الباقلاني، قام في وجههم وقمعهم بحججه ودانت للسنة على مذهب الأشعرية في الأصول أهل البسيطة من المسلمين إلى أقصى بلاد أفريقية، وقد بعث ابن الباقلاني في جملة من بعث من أصحابه إلى البلاد: أبا عبدالله الحسين بن عبد الله بم حاتم الأزدي إلى الشام ثم إلى القيروان وبلاد المغرب، فدان له أهل العلم من أئمة المغاربة وانتشر المذهب إلى صقلية والأندلس، ولابن أبي زيد وأبي عمران الفاسي وأبي الحسن القابسي وأبي الوليد بن الباجي وتلامذتهم أياد بيضاء في نشر مذهب الإمام أبي الحسن رحمه الله في تلك البلاد.

وقام بنشر المذهب في الحجاز راوية ((الجامع الصحيح)) الحافظ أبو ذر الهروي وأخذ عنه من ارتحل إليه من علماء الآفاق.

وكان انتشاره بالشام قبل ذلك بواسطة صاحب الإمام الأشعري: أبي الحسن عبد العزيز الطبري، راوية ((تفسير ابن جرير)) عن مؤلفه، وكان أهل الشام يجتلبون كبار الأئمة من المذهب الأشعري حينا بعد حين كالإمام قطب الدين النيسابوري، اجتلبه نور الدين الشهيد بناء على طلب العلماء من أهل الشام.

صفحة 59

وكان جماعة من المقادسة الحنابلة ممن ورثوا بعض آراء المشبِّه الضال ابن كرام، الذي كان عشش بالقدس وباض وترك أصحابا له متقشفين يتوارثونها من بعدهم هاجروا منها لما احتلها النصارى وحملوا بدع التشبيه إلى الشام وكان بها شيء من تلك البدع من عهد عبد الواحد الشيرازي صاحب أبي يعلي الحشوي المشبه.

وكان السلطان صلاح الدين الأيوبي يرعى خاطر الحشوية المشبهة لكونهم مهاجرين زهادا ويتغاضى عن معتقدهم، ولم يكن السلطان صلاح الدين هو الذي يحمل الناس على المذهب الأشعري كما ظن البعض، بل اشتهر بأنه لزم الصمت المطبق خلال محنة الاضطهاد القاسية التي تعرض لها الشهاب الطوسي القائم بنصرة مذهب الأشعري في مصر والتي كانت تجري على مرأى ومسمع منه، وكاد آله -أي آل السلطان صلاح الدين- أن ينحازوا إلى الحشوية في المعتقد لولا وقفة سلطان العلماء الإمام عز الدين بن عبد السلام في هذه المسألة وقفة عالم يقوم بواجبه، مما أدى إلى تضاؤل أصوات الحشوية المشبهة وإلى اختفائهم في دورهم مقتصرين على الرواية فقط.

من كل ذلك يظهر بجلاء أن انتشار مذهب الإمام الأشعري كان بسلطان العلم لا بشوكة السلطان.

وما وقع ببغداد وغيرها من بعض التشدد على الحشوية بين حين وآخر كان لإخلالهم بالأمن وإثارتهم للقلاقل، أي بسبب لجوئهم للعنف والإرهاب والتكفير في مجابهة من يختلف معهم، وليس بسبب الخلاف المحض في الرأي والاجتهاد والبحث النزيه المجرد.

عقيدة الإمام الأشعري
الإمام الذي جمع الله به كلمة المسلمين فكان مجدد المائة الثالثة
 
Top