الإمام الأشعري: نسبه وترجمته

صفحة 40

الإمام الأشعري: نسبه وترجمته

قال الخطيب البغدادي أبوبكر أحمد بن علي ثابت:

[أبو الحسن علي بن إسماعيل بن أبي بشر واسمه إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن بلال بن أبي بردة بن أبي موسى، المتكلم صاحب التصانيف في الرد على المعتزلة والرافضة والجهمية والخوارج وسائر أصناف المبتدعة وهو بصري سكن بغداد إلى أن توفي بها.

وكان يجلس أيام الجمع في حلقة أبي إسحق المروزي الفقيه من جامع المنصور.

وذكر الإمام أبو بكر بن فورك أن أباه هو إسماعيل بم إسحاق كان سُنيا أوصى عند وفاته -أي بابنه أبي الحسن- إلى زكريا الساجي رحمه الله وهو إمام في الفقه والحديث وكان يذهب مذهب الإمام الشافعي، وقد روى أبو الحسن عن الساجي في كتاب التفسير أحاديث كثيرة.

ونسب جده (أبو موسى الأشعري) هو عبدالله بن قيس بن سليم بم حضار بن حرب بن عامر بن عتر بن بكر بن عامر بم عذَر بن وائل بن ناجية بن الجماهر بن الأشعر

صفحة 41

وهو نبت بن أدد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبا بن يشجب بن يعرب بن قحطان.

وكان النسابة هشام بن محمد بن السائب الكلبي يقول: إن أباه محمد بن السائب الكلبي أدرك أهل النسب والعلم ينسبون قحطان إلى إسماعيل بم إبراهيم عليهما السلام فهو:

قحطان بن الهميسع بن تيم بن إسماعيل بن إبراهيم.

وذكر ذلك الإمام البخاري في المناقب فقال: باب نسبة اليمن إلى إسماعيل: وهناك من النسابين من ينسب قحطان إلى إنه: قحطان بن فالغ بن عابر بن أرفخشذ بن سام بن نوح عليه السلام.

ولد أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري بالبصرة عام 260هـ وتوفي ببغداد عام 324هـ على أصح الأقوال.

ونشأ في بيت علم وجاه، وأخذ ينهل من علوم الدين، إلى أن غدا إماما من أئمة عصره.

حضر حلقة أبي إسحاق المروزي الفقيه من جامع المنصور كما تقدم وهو الذي انتهت إليه رئاسة الشافعية بالعراق المتوفى عام376هـ وأخذ الفقه عن أحمد بن سريج قاضي شيراز المتوفى سنة 371هـ، وأخذ الحديث عن زكريا بن يحيى الساجي، محدث البصرة المتوفى سنة 397هـ.

عاش أبو الحسن الأشعري، فيما بين بداية النصف الثاني من القرن الثالث الهجري والربع الأول من القرن الرابع الهجري، في عصر اتسم بالتناقضات والعنفوان على كافة الصعد، سياسيا وفكريا.

عاصر ستة من خلفاء بني العباس وهم:

1- المعتد على الله (256 – 279هـ).

2- والمعتضد (279 – 288 هـ).

3- والمكتفي بالله (288 – 295هـ).

صفحة 42

4- والمقتدر بالله (295 – 320هـ).

5- القاهر (320 – 322 هـ).

6- الراضي (322 – 332هـ) في الفترة التي تسلط فيها سلاطين بني بُوَيهٍ على الخلفاء العباسيين وسلبوهم سلطانهم، ولم يبقوا لهم سوى المرتبة الدينية فقط.

كما أنه عاش في الفترة التي قامت فيها ثورة الزنج، وعاثت يد القرامطة، من البحرين إلى الشام.

عاصر من الناحية الفكرية مجموعة من أبرز علماء المسلمين، منهم:

-محمد بن جرير الطبري، المؤرخ المفسر.

-إبراهيم بن أحمد المروزي.

محمد بن داوود الأصبهاني.

-عبدالله بن أحمد بن حنبل (نسب إليه الحشوية كتابا موضوعا سمّوه التوحيد أو السنة).

-محمد بن محمد الماتريدي.

-الجنيد بن محمد البغدادي.

-ابن الرواندي (وهو ممن يقول بالتجسيم والتشبيه وقد رد عليه الأشعري).

اعتنق الإمام أبو الحسن الأشعري في بداية أمره عقيدة المعتزلة متأثرا بأبي علي الجبائي المعتزلي الذي تزوج أمه بعد وفاة أبيه حتى تبحر في تلك العقيدة وكان من أئمتها المشار إليهم بالبنان.

[وكان سبب رجوعه عن الاعتزال أنه لما تبحر في كلام الاعتزال وبلغ غاية كان يورد الأسئلة على أستاذه في الدرس ولا يجد جوابا شافيا فتحير في ذلك وحكي عنه أنه قال: وقع في صدري بعض الليالي شيء مما كنت فيه من العقائد فقمت وصليت ركعتين وسألت الله تعالى أن يهديني الطريق المستقيم ونمت فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فشكوت إليه بعض ما بي من الامر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

صفحة 43

عليك بسنتي، فانتبهت وعارضت مسائل الكلام بما وجدت في القرآن والأخبار فأثبته ونبذت ما سواه ورائي ظهريا.

وذكر أبو القاسم حجاج بن محمد الطرابلسي من أهل طرابلس المغرب قال: سألت أبا بكر إسماعيل بن أبي محمد بن إسحاق الأزدي القيرواني المعروف بابن عزرة رحمه الله عن أبي الحسن الأشعري رحمه الله فقلت له: قيل لي عنه إنه كان معتزليا وإنه لما رجع عن ذلك أبقى للمعتزلة نكتا لم ينقضها، فقال لي: الأشعري شيخنا وإمامنا ومن عليه معولنا قام على مذاهب المعتزلة أربعين سنة وكان لهم إماما ثم غاب عن الناس في بيته خمسة عشر يوما فبعد ذلك خرج إلى الجامع فصعد المنبر وقال: معاشر الناس إني إنما تغيبت عنكم في هذه المدة لأني نظرت فتكافأت عندي الأدلة ولم يترجح عندي حق على باطل ولا باطل على حق فاستهديتُ بالله تبارك وتعالى فهداني إلى اعتقاد ما أودعته في كتبي هذه وانخلعت عن جميع ما كنت أعتقد كما انخلعت من ثوبي هذا، وانخلع من ثوب كان عليه ورمى به ودفع الكتب إلى الناي، فمنها كتاب ((اللمع)) وكتاب أظهر فيه عواء المعتزلة سماء بكتاب ((كشف الأسرار وهتك الأستار)) وغيرهما، فلما قرأ تلك الكتب أهل الحديث والفقه من أهل السنة والجماعة، أخذوا بما فيها وانتحلوه واعتقدوا تقدمه واتخذوه إماما نُسب مذهبهم إليه.

قال لي أبوبكر: فصار عند المعتزلة ككتابي أسلم وأظهر عوار ما تركه فهو أعدى الخلق إلى أهل الذمة، وكذلك الأشعري أعدى الخلق إلى المعتزلة، فهم يشنعون عليه من الأشانيع وينسبون إليه الأباطيل] انتهى من ((تبيين كذب المفتري)) (صفحة 38، 39، 40).

ويقول ابن النديم في ((الفهرست)): [وكان الأشعري معتزليا ثم تاب من القول بالعدل وخلق القرآن في المسجد الجامع بالبصرة في يوم الجمعة، ورقى كرسيا ونادى بأعلى صوته: من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي، أنا فلان ابن فلان كنت قلت بخلق القرآن، وأن الله لا يرى بالأبصار -أي يوم القيامة بلا كيف- وأن

صفحة 44

أفعال الشر أنا أفعلها وانا تائب مقلع عن كل ذلك. وبعض المراجع بحدد الفترى التي مكثها الأشعري على مذهب الاعتزال بأنها كانت أربعين سنة] انتهى من ((الفهرست)).

وهناك روايات أخرى متعددة حول تخليه عن الاعتزال ورده على المعتزلة يظهر في الكثير منها ((أثر الصنعة)) وما نقلناه هنا هو أقرب الروايات التي نطمئن إليها والله أعلم.

والحقيقة أننا لا نسلِّم أن الأشعري مكث على الاعتزال أربعين سنة، لأن الرواة جعلوا سبب ذلك زواج أبي علي الجبائي، شيخ المعتزلة في عصره بأم الأشعري وربطوا فقط بين ولادة الأشعري عام 260هـ ووفاة أبي علي الجبائي سنة 303هـ.

وبعض المراجع تربط بين تحول الأشعري عن الاعتزال وبين المناظرة التي جرت بينه وبين الجبائي حول قضية الصلاح والأصلح، وقد ذكر السبكي في ((الطبقات)) هذه المناظرة فقال:

[سأل الأشعري الجبائيّ عن ثلاثة: مؤمن وكافر وصبي؟.

فقال الجبائي: المؤمن من أهل الدرجات، والكافر من أهل الهلكات، والصبي من أهل النجاة.

فقال الأشعري: فإن أراد الصبي أن يرقى إلى درجات عليا هل يمكن؟

قال الجبائي: لا، لأن المؤمن نال درجته بالطاعة، والصبي لا طاعة له.

قال الأشعري: فإذا قال الصبي: التقصير ليس مني فلو أحييتني لأطعتك؟

قال الجبائي: يقول الله: كنت أعلم أنك لو بقيتَ لعصيتَ فتدخل النار، فراعيت مصلحتك وامتّك قبل سنّ التكليف.

قال الأشعري: فلو قال الكافر: يا رب ولِمَ لم تمتني قبل سن البلوغ حتى لا أعصيك، وهلا راعيت مصلحتي كما راعيت مصلحته؟ فانقطع الجبائي.

وذهب بعذ الباحثين إلى القول: [بأن الرجل وجد الفقهاء والمحدثين في عصره يقصرون همهم على التفقه في الدين، بدلائله وحججه من التفسير والحديث والإجماع والقياس، ورأى المعتزلة في الجانب الآخر يعنون بالدفاع عن الدين ضد أعدائه بالمنطق والجدل والمناظرة، ووجد العداء بينهما -أي بين الفقهاء والمحدثين من جهة والمعتزلة من

صفحة 45

جهة ثانية- مستحكما، فسعى للإصلاح بينهما بإرجاعهما عن تطرفهما إلى العدل، ومن هنا حاول التزام المنهج الوسط بينهما، وهذا ما أشار إليه الدكتور غرابة -في كتابه ((أبي الحسن الأشعري)) (صفحة 66)- : إن الأشعري رأى طريقة المعتزلة ستؤدي بالإسلام إلى الدمار، كما أن طريقة بعض المحدثين والمشبهة وبعض الفقهاء ستؤدي إلى الجمود والانهيار، مع ما في ذلك من تفرقة كلمة الأمة وغرس بذور الشقاق بينها، وأنه من الخير لهذه الجماعة أن يلتقي العقليون والنصَّيون على مذهب وسط يوحد القلوب، ويعيد الوحدة إلى الصفوف، مع احترام النص والعقل معا.] ((المنهج الجديد في شرح جوهرة التوحيد)) للدكتور نشأت عبد الجواد ضيف (صفحة 136).

وهو ما نعتقد أنه الأقرب إلى الصحة في ظل كثرة الروايات المختلفة والمناظرات المتعددة التي رويت والتي جعلت منها بعض المراجع السبب في ترك الأشعري لعقيدة الاعتزال.

وقد أورد الحافظ بن عساكر بسنده إلى أبي علقمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: “إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها” ، وقد ذكر الحافظ بن عساكر أقوال العديد من الأئمة الأعلام بأن مجدد المائة الهجرية الأولى هو الخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز بن مروان الأموي.

ومجدد المائة الثانية هو الإمام محمد بن إدريس الشافعي القرشي، ومجدد المائة الثالثة هو الغمام علي بن إسماعيل أبو الحسن الأشعري.

ومجدد المائة الرابعة هو الإمام أبوبكر بن محمد بن الطيب الباقلاني المتوفى يوم السبت لسبع بقين من ذي القعدة سنة 403هـ رحمه الله وهو من أتباع مذهب أبي الحسن الأشعري.

ومجدد المائة الخامسة هو الإمام حجة الإسلام أبوحامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي، المتوفى يوم الاثنين 14 جمادى الآخرة سنة 505هـ رحمه الله، وهو أيضا من أتباع مذهب الأشعري في الأصول، ثم لم يتفق بعده أغلب علماء العصور من المسلمين على مجدد القرون التالية ولعلها كانت في أكثر من إمام على رأس كل مائى سنى.

عقيدة الإمام الأشعري
الإمام الأشعري: نسبه وترجمته
 
Top