الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

صفحة 196

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

يمكن إجمال الاتفاق في شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين الأشاعرة وأغلب الفرق الإسلامية على النحو الآتي:

– أن يعرف الآمر والناهي أن ما يأمر به معروفا وما ينهى عنه منكرا ليأمن الوقوع في الخطأ؛ أي أن يكون عالما بما يأمر به وما ينهى عنه، وليس للعامي الأمر والنهي إلا فيما علم من الدين بالضرورة كالحث على الصلاة والصوم في مجال الأمر، والنهي عن شرب الخمر وعقوق الوالدين في ما يتعلق بالنهي.

– أن لا يأمر وينهى العالم في مجال الاجتهاد، إذ لا يجوز حمل الناس على الظن، فما اختلفت فيه آراء المجتهدين لا يجوز النهي عنه ولا تغييره، ولا يجوز أيضا حمل الناس على غير ما يتبعون من مذاهب أئمتهم، فإذا وجد المنكر المتفق على كونه منكرا وجب النهي عنه سواء كان من الصغائر أو من الكبائر من الذنوب، فالمنكرات كلها سواء في وجوب النهي.

صفحة 197

– أن لا يكون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مضرة أعظم منه على المجتمع، وذلك يتسق مع قاعدة: “درء المفاسد أولى من جلب المصالح” ، وقاعدة: “ارتكاب أخف الضررين”.

– أن يرى الناهي عن المنكر أن المنكر حالاً أو يغلب على ظنه أنه كذلك عند وقوع النهي، فإن قد أتاه فاعله فليس ثمة نهي وإنما العقوبة إن كان ثمة عقوبة وهي إلى ولي الأمر، كما لا يكون النهي في حال أن فاعل المنكر لم يأته وإنما يتأهب لإتيانه وإنما الوعظ والنصيحة، لأن إساءة الظن بالمسلم لا تجوز.

– أن يكون المنكر الذي يتم النهي عنه ظاهرا للناس، فلا يجوز للناهي عن المنكر التتبع والتجسس على المسلمين.

وقال المعتزلة والشيعة والإمامية إضافة إلى ذلك:

– أن يعلم الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أو يغلب على ظنه أن أمره ونهيه مؤثر.

وزاد الشيعة الإمامية شرطا آخر وهو:

– إصرار الفاعل على إتيان المنكر وترك المعروف، فإن ظهر منه ما يدل على ترك الإصرار سقط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

والشروط التي يجب توفرها في الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر ثلاثة:

1- التكليف: والمكلف هو المسلم البالغ العاقل.

2- الإيمان: لأنه لا يمكن تصور آمر فيما لا يؤمن بأنه معروف أو ناهٍ فيما لا يعتقد بأنه منكرا.

3- القدرة: فالعاجز عن الأمر والنهي لا يلزمه ذلك، قال تعالى:”لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ” وشرط القدرة عند انعدامه يسقط واجب الإنكار باليد واللسان دون الإنكار بالقلب.

صفحة 198

والشروط المختلف حولها شرطان:

1- العدالة: اشترطها البعض وقالو من لم يكن صالحا في نفسه فكيف يصلح غيره؟ وقال آخرون: بأن أدلة الإيجاب لم تفرق في الوجوب بين الطائع والفاسق. وقال النووي: ولا يشترط في الآمر والناهي أن يكون كامل الحال ممتثلا ما يأمر به مجتنبا ما ينهى عنه بل عليه الأمر وإن كان مخلّا بما يأمر به، والنهي وإن كان متلبسا بما ينهى عنه.

2- إذن الإمام: ويقصد به أن يكون الآمر بالمعروف  والناهي عن المنكر مكلفا بذلك من الحاكم أو الوالي، وهو ما كان يسمى بالمحتسب، وقد ذهب بعض الفقهاء إلى اشتراط هذا الشرط ولم يجعلوا للأفراد حقا في الأمر والنهي دون إذن الوالي أو الحاكم، ونفى وجوب هذا الشرط فقهاء آخرون منهم حجة الإسلام الغزالي الذي قال عنه: إنه شرط فاسد، وقد جرت عادة السلف الصالح في الصدر الاول وما تلاه على الإنكار حتى على الحكام والولاة أنفسهم، فإذا كان الإمام أو الحاكم قد يقع في أمر يجب لأجله الإنكار عليه فكيف يحتاج ذلك إلى إذن منه؟ وقد نقل إمام الحرمين الجويني قوله بإجماع الأمة على عدم الحاجة إلى إذن الإمام. وقال حجة الإسلام الغزالي في الإحياء: التخصيص بشرط التفويق من الإمام تحكم لا أصل له.

صفة واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

– جمهور الفقاء يقولون بأنه فرض كفاية إذا قام به البعض سقط الحرج عن الآخرين.

وذهب بعض فقهاء الشيعة الإمامية إلى القول بأنه فرض عيني لا كفائي كما رجح ذلك الحلي في شرائع الإسلام.

– جمهور الفقهاء يقولون في مسألة النهي عن المنكر كما ورد في الحديث الشريف: “من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان” أن الترتيب في النهي يكون من الأدنى إلى الأعلى؛ أي الإنكار بالقلب أولا ثم باللسان ثم باليد، ونقل بعضهم عن المعتزلة العكس.

صفحة 199

– الإنكار بالقلب لا يقف عند مجرد الرفض القلبي وإنما يجب أن يصحبه مقاطعة مجالس المنكر ونبذها وعدم التعامل مع أصحابها.

– اختلف الفقهاء في مسألة تغيير المنكر باليد -أي بالقوة- بالنسبة للحاكم، فذهب الجمهور ألى أنه لا يجوز وإنما يكون النهي بالقلب واللسان فقط، وذهب آخرون إلى جواز التغيير باليد] انتهى من بحث للدكتور محمد سليم العواء بتصرف.

عرض وتحليل

يحكم هذا الأصل عند الأشاعرة ضوابط خميس يمكن إجمالها على النحو التالي:

1- عدم تكفير أحد من أهل القبلة بذنب غير مستحل.

2- القبيح والحسن يحدده الشرع وليس العقل، فما رآه الشرع حسنا فهو حسن وما رآه الشرع قبيحا فهو قبيح.

3- الأصل في الأشياء الإباحة ولا تحريم أو كراهة إلا بنص شرعي واضح وصريح.

4- لا يدخل أحد الجنة بعمله.

5- وسائل تغير المنكر كما وردت في الحديث الشريف: “من رأى منكم منكر فليغيره بيده فمن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان” ثلاث وسائل؛ اليد واللسان والقب. فكلمة (من) لغويا تفيد البعض وتفيد الكل، وهي هنا وفق سياق نص الحديث الشريف تفيد تقسيم المنكرين إلى أبعاض حسب قدرات كل بعض وليس إلى كل.

ومن هذه الضوابط يتضح:

أولا: أن الوسط الذي يجري فيه تطبيق هذا الأصل هو وسط إسلامي يتكون من مجموعة من بشر تجمعهم الأخوة في الدين، والأشاعرة لا يكفّرون أي فريق من هذا الوسط الإسلامي بذنب غير مستحل، ولا يصفونه بالشرك والضلال والابتداع لاختلافهم معه في مسائل اجتهادية، ومن هنا فإن الصلف والشدة والتطرف والاستعلاء

صفحة 200

منزوعة كلها من أسلوب الأشاعرة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، عكس ما هو عليه الحال عند الخوارج والحشوية في السابق وعند خلف الحشوية في الوقت الحاضر، الذي يسمون أنفسهم بالسلفيين مغالطة وتمويها.

ثانيا: إن المعروف عند الأشاعرة هو ما حدد الشرع وصفه بالمعروف، والمنكر هو ما حدد الشرع وصفه بالمنكر، ومن ثم فهو أصل مقيد بالشرع وليس مطلقا يتحكم فيه العقل سلبا وإيجابا، أو تتحكم فيه دعوى الوصاية على الشرع خصوصا وعلى الإسلام عموما، عند الحشوية في الماضي، وخلفهم الذين يسمون أنفسهم بالسلفيين في الوقت الحاضر حيث جعلت هذه الفرقة المعروف ما اعتقدوه وليس ما حكم به الشرع، والمنكر ما أنكروه وليس ما أنكره الشرع.

ثالثا: المنكر عند الأشاعرة هو ما خالف نصا صريحا من كتاب أو سنة أو إجماع أو ما صادم معلوما من الدين بالضرورة، وليس منكرا تقليد عالم مشهود له بالعلم والتقوى فيما اختلف فيه العلماء في مسائل الشرع، أو فيما اجتهد فيه الفقيه أو المفكر المسلم ولم يخالف به نصا صريحا من كتاب وسنة وإجماع.

رابعا: في الوقت الذي يُطلب من الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، الأمر بالالتزام بأوامر الله واجتناب نواهيه والتشمير في العمل الصالح يتوجب عليه التنبيه بأنه لا يدخل الجنة أحد بعمله وإنما بفضل الله ومغفرته ورحمته، فلا ينزع من القلوب خوف الله ولا يقنِّط عباد الله من رحمة الله.

خامسا: يعتقد الأشاعرة بالوسائل الثلاث التي حددها الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه في مسألة تغيير المنكر:

فالوسيلة الأولى؛ اليد: تكون للوالي العام المسلم؛ لأنها تستدعي مدعيا وبينة وشهود وحكما شرعيا نهائيا صادرا من قاضٍ معترف به ومعيَّن من قبل الوالي العام، على من يتوجب تغيير المنكر الذي ارتكبه باليد، ثم يحتاج إلى سلطة تنفيذية محددة يوكل لها

صفحة 201

الوالي العام تغيير المنكر باليد حسب منطوق الحكم الشرعي النهائي وليس بالفوضى في التنفيذ.

فالتغيير باليد لو أُطلق أمره وانفلت فيه الزمام للجميع لتحول إلى فتنة اجتماعية وحروب أهلية وعنف مدمر وسفك دماء بريئة وتصفية حسابات شخصية تحت لافتة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحيث تصبح الوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي في أي مجتمع مسلم بهذا الخلط والمفهوم المغلوط في التغيير باليد إلى أَثَرِ بعد عَين.

والتغيير باللسان: هو مهمة العلماء الذي يملكون الدليل الشرعي على أن ما نهوا عنه هو منكر، حتى لا يفتي أحد في المعروف والمنكر بالجهل والهوى والرأي، فمن جاء إلى مرتكب منكر لينهاه عن المنكر ربما طالبه بدليل كون ما يفعله منكرا.

فإن أفتاه بغير علم ودليل، كذب على الله ورسوله.

وإن لم يفته ولم يقدم إليه الدليل ربما زاده تمسكا بمنكره واستحسانا له واستمرار فيه.

والتغيير بالقلب: يكون للعامي الذي لا يملك دليل النهي، فيرفض هذا المنكر بقلبه ويشهد الله على رفضه وإنكاره ويتجنب الوقوع فيه أو مساعدة مرتكبه بشكل مباشر أو غير مباشر.

والاحتساب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي أحاطه المتطرفون من أدعياء السلفية في عصرنا الحاضر بالكثير من الضبابية والمغالطة، محكوم بإشراف وتوجيه السلطة القضائية الشرعية والرجوع إليها عبر الإبلاغ أو الدعوى وليس بإطلاق التصرف بدعوى الاحتساب.

وفي اعتقادنا أن حجة القائلين بشرط العدالة في الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أقوى وأوجه من حجة القائلين بعدم اشتراطها والله أعلم.

عقيدة الإمام الأشعري
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
 
Top