الفصل الرابع: في الأعراض النسبية

صفحة 127

الفصل الرابع

في الأعراض النسبية

وفيه مباحث:

المبحث الأول

في هلّيتها، أنكرها جمهور المتكلمين، إلا الأين، وقالوا لو وجدت لوجد حصولها في محالها، متسلسل. احتج الحكماء بأنها تكون محققةً، ولا فرض، ولا اعتبار، فهي إذا من الخارجيات، وليست إعداماً لأنها تحصل بعدما لم تكن، ولا ذات الجسم لأنها لا تقاس إلى الغير، ونوقض بالفناء والمضي.

المبحث الثاني

في الأين، وسماه المتكلمون كوناً، فقالوا: حصول الجوهر في آنين فصاعداً في مكان واحد: سكون؛ وفي مكانين: حركة، فحصوله أول حدوثه لا حركة ولا سكون. وقال الحكماء الحركة كالمال أول لما هو بالقوة من جهة ما هو بالقوة، وبيانه أن الحركة أمر ممكن الحصول للجسم، فيكون حصولهما كمالا، ويفارق غيره من حيث أن حقيقته ليست إلا التأدي إلى الغير، فيكون ذلك الغير متوجهاً إليه ممكن الوجود

صفحة 128

ليتأتى التأدي إليه، فيكون حصوله كمالا ثانيا، وذلك التوجه ما دام كذلك يبقى شيء منه بالقوة، وإلا لكن وصولا لا توجها، فتبين أنها كمال أول لما هو بالقوة من حيث هو بالقوة، وحاصله قريب مما قاله قدماؤهم، وهو أنها خروجٌ عن القوة إلى الفعل على سبيل التدريج.

وذلك قد يكون في الكم كالتخلخل والتكاثف؛ وهما ازدياد المقدار وانتقاصه من غير ضم ولا فصل؛ وكالنمو والذبول، وهما ازدياد وانتقاص يكونان بهما؛ وفي الكيف كاسوداد العنب، وتسخين الماء ويسمى استحالة؛ وفي الوضع كحركة الفلك وتسمى حركة دورية. وفي الأين كالحركة من مكان إلى مكان آخر ويسمى نقلة، ولا يكون في الجوهر لأن حصوله دفعة ويسمى كونا، ولا في سائر المقولات لأنها تابعة لمعروضاتها.

ولا بد لكل حركة من ستة أمور: ما منه الحركة، وما إليه، وما له، وما به، والزمان، وتشخيص الحركة إنما يتحقق بوحدة موضوعها وزمانها، وما هي فيه إذ الواحد قد يتحرك إلى جهتين في زمانين، وقد ينتقل وينمو في آن واحد، ومتى اتحد ذلك المبدأ والمنتهى، ولا محالة، ولا عبرة بوحدة المحرك وتعدده، وتنوعها بتنويع ما منه، وما إليه كالهبوط والصعود، وما فيه كأخذ الأبيض إلى التصفر، إلى التحمر، إلى السواد وإلى الفستقية، إلى الخضرة، إلى السواد، ولا عبرة بتنوع المحرك، والموضوع، والزمان إن قدر تنوعه لجواز اشتراك المختلفات في أثر وعارض أو معروض واحد، واختلافها الجنسي باعتبار ما هي فيه، كالنقلة، والاستحالة والنمو، وتضادها ليس لتضاد المحرك والزمان، لما سبق. وما فيه لأن

صفحة 129

الصعود ضد الهبوط مع وحدة الطريق، بل لتضاد ما منه وما إليه، إما بالذات كالتسود والتبيض، أو بالعرض كالصعود والهبوط، فإن مبدأهما ومنتهاهما نقطتان متماثلتان عرض لهما تضاد من حيث أن إحداهما صارت مبدأ، والأخرى منتهى، وانقسامها بانقسام الزمان وانقسام المسافة والمتحرك.

ولا بد لها من قوة توجبها، وتلك القوة إن كانت مسببة من سبب خارجي سميت الحركة قسرية، وإلا فإن كان لها شعور بما يصدر عنها سميت إرادية، وإلا سميت طبيعية، وكل منها سريعة أو بطيئة؛ والبطء ليس لتخلّل السكنات، وإلا لكانت نسبة السكنات المتخللة بين حركات عدو الفرس نصف يوم إلى حركاته، نسبة فصل حركة الفلك الأعظم على حركته، فتكون سكناته أزيد من حركاته ألف ألف مرة، فينبغي أن لا يحس بحركاته القليلة المغمورة في تلك السكنات، وأيضا لو جاز أن ترتفع الشمس جزءاً ويسكن الظل، لجاز في الجزء الثاني والثالث حتى يتم الارتفاع، بل الموجب له في الحركة الطبيعية ممانعة المخروق، وفي القسرية ممانعة الطبيعة، وفي الإرادية ممانعتهما.

والمشهور أنه لا بد وأن يتخلّل بين كل حركتين مستقيمتين سكون، لأن الميل المحرِّك للجسم لا بد وأن يكون حاصلا معه إلى أن يصل إلى الحدّ المعين، وذلك الوصول في آنٍ والحركة عن هذا الحد لا بد أن يكون بميل آخر وحدوثه في آن آخر، لاستحالة اجتماع الميل إلى الشيء مع الميل عنه ويكون بينهما زمان، وإلا

صفحة 130

لزم تتالي الآنات فيكون الجسن في ذلك الزمان ساكنا، ورد بمنع اجتماع الميلين وتتالي الآنات.

المبحث الثالث

في الإضافة. يُطلق المضاف على الإضافة، وهو المضاف الحقيقي، وعلى معروضها وعليهما جميعا وهو المشهور، ومن خواصها التكافؤ في لزوم الوجود ووجوب الانعكاس، كما تقول أب الابن وابن الأب، وأنها إذا كانت مطلقة أو محصلة في طرف كانت في الطرف الآخر كذلك، أما لو تحصّل موضوع إحداهما لم يلزم أن يحصل موضوع الأخرى، ثم منها ما يتوافق في الطرفين كالتماثل والتساوي، أو يختلف اختلافا محدودا كونه نصفا وضعفا. أو غير محدود ككونه زائدا وناقصا، والاتصاف بها قد يحتاج إلى صفة حقيقية في الجانبين كالعاشق والمعشوق، أو في أحدهما كالعالم والمعلوم، وقد لا يحتاج كاليمين والشمال، وهي تعرض سائر المقولات، فالجوهر كالأب، والكم كالعظيم والكيف كالآخر، والأين كالأعلى، والمتى كالأقدم، والوضع كالأشد انتصابا، والمضاف كالأقرب، والملك كالأكسى، والفعل كالأقطع، والانفعال كالأشد تقطعا، والإضافات في شخصيتها ونوعيتها وجنسيتها وتضادها تابعة لمعروضاتها.

فرع: التقدم على الشيء قد يكون بالزمان كتقدم الأب على الابن، وبالذات والطبع كتقدم الجزء على الكل، وبالعليّة كتقدم الشمس على ضوئها، وبالمكان كتقدم الإمام على المأموم، وبالشرف كتقدم العالم على الجاهل. وليس في سائر المقولات النسبية مزيد بحث، ولنختم الكلام في الأعراض.

الفصل الرابع: في الأعراض النسبية
 
Top