الكتاب الأول: في الممكنات

صفحة 71

الكتاب الأول

في الممكنات

صفحة 73

الباب الأول

في الأمور الكلية

صفحة 75

الفصل الأول

في تقسيم المعلومات

المعلوم: إما أن يكون متحققا في الخارج وهو الموجود، أو لا وهو المعدوم. ومنّا من ثلث القسمة، وقال: المتحقق إن تحقق باعتبار نفسه فهو الموجود، وإن تحقق باعتبار غيره فهو الحال؛ كالأجناس والفصول، وحدّ الحال بأنه: صفة غير موجودة ولا معدومة في نفسها قائمة بموجود.

وقال أكثر المعتزلة: المعلوم إن تحقق في نفسه فهو الشيء والثابت، وإن لم يتحقق كالممتنع فهو المنفي، والثابت إن كان له كون في الأعيان فهو الموجود، وإلا فهو المعدوم. وهم يطلقون المعدوم على المنفي أيضا، فالثابت أعمّ من الموجود، والمعدوم من المنفي.

وزادُ مثْبِتو الحال منهم قسما آخر، فقالوا: الكائن إن استقلّ بالكائنية، فهو الذات الموجودة، وإن لم يستقل فهو الحال.

وقال الحكماء: كل ما يصح أن يُعلم إن كان له تحققٌ ما، فهو الموجود، وإن لم يكن له ذلك فهو المعدوم. وقسموا الموجود إلى ذهنيّ وخارجي، والخارجيّ إلى ما لا يقبل العدم لذاته وهو الواجب، وإلى ما يقبله وهو الممكن. والممكن إلى

صفحة 76

ما يكون في موضوع، أي محلّ يقوم ما حلّ فيه وهو العَرَض، وإلى ما لا يكون كذلك وهو الجوهر.

والمتكلمون قسّموه إلى ما لا أوّل لوجوده وهو القديم، وإلى ما له أول وهو المحدث. والمحدث إلى متحيز وهو الجوهر، أو حال فيه وهو العرض، وإلى ما يقابلهما، ثم استحالوه لأنه لو كان لشاركه الباري تعالى فيه، وخالفه في غيره، فيلزم التركيب. ومنع بأن الاشتراك في العوارض لا سيما في السلب، لا يستلزم التركيب.

صفحة 77

الفصل الثاني

في الوجود والعدم

وفيه مباحث:

المبحث الأول

في تصوّر الوجود. وهو بديهيّ لوجوه:

الأول: إنه جزء من وجودي المتصور بديهة.

الثاني: التصديق البديهي بأن النفي والإثبات لا يجتمعان ولا يرتفعان، مسبوق بتصوّر الوجود والعدم، ومغايرتهما التي هي الاثنينية المتوقِّف تصورها على تصوّر الوحدة، والسابق على البديهي أولى أن يكون بديهيا، فتصورات هذه الأمور بديهية.

قيل: هذا التصديق إن كان بديهيا مطلقا لم يَحْتَج إلى دليل، وإلا لم يُفِد.

قلنا: بداهةً التصديق مطلقا، متوقفة على بداهة العلم بالجزء، لا على حصول العلم ببداهته.

ولقائل أن يقول: التصديق موقوف على تصوّر الجزء باعتبار، لا على تصور حقيقته، فلا يلزم تصوره بداهته.

الثالث: الوجود بسيط لامتناع تركبه عن الموصوف به، أو بنقيضه، فلا

صفحة 78

يُحدَ ولا يُرسم، إذ لا شيء أعرفُ منه، وإن كان، فالرسم لا يعرف كنه الحقيقة.

المبحث الثاني

في كونه مشتركاً، مفهوم الوجود، وصفٌ مشترك عند الجمهور، وخالفهم الشيخ[1].

لنا: أنّا نَجزِم بوجود الشيء ونتردد في كونه واجباً، وجوهراً، وعرضاً. ونقسم الموجود إليها، ومورد القسمة مشترك. واستدلّ بأن مفهوم السلب واحد، فلو لم يتحد مقابله بطل الحصر العقلي، ومنه بأن كلّ إيجاب له سلب يقابله.

المبحث الثالث

في كونه زائداً، خلافا للشيخ مطلقا، والحكماء في الواجب. أما في الممكنات، فلأنّا نتصورها ونشك في وجودها الخارجي والذهنيّ حتى يقوم عليهما البرهان، ولأن الحقائق الممكنة تقبل الوجود والعدم، ووجوداتها ليست كذلك، وأيضا فالماهيات متخالفة والوجود مشترك فلا يكون نفسها ولا جزءاً منها، وإلا لكانت لها فصول تشاركها في مفهوم الوجود، وتكون لها فصول أُخَرُ ويتسلسل.

صفحة 79

واحتج الشيخ بأنه لو زاد لقام، بالمعدوم. قلنا: بالماهية من حيث هي هي، وأما في الواجب، فلوجوه:

الأول: إنه لو تجرد، لتجرد لغيره، وإلا لتنافت لوازمه فيكون ممكنا. قيل: تجرده لعدم الموجب لعروضه. قلنا: فيحتاج إلى عدمه. قيل: الوجود مشكك. قلنا: إن سلم فلا يمنع المساواة في تمام الحقيقة، وإلا يَلزِم تَركُّب الوجود، أو المباينة الكلية بين الوجودين.

وقد بان فسادُهما، وأيضا فالواقع على أشياء بالتشكيك لا بد وأن يكون من عوارضها، فالمعروضات إن تماثلت، أو تجانست لَزِمَ المحالان المذكوران، وإن تباينت كان كلّ منهما مخالفاً للآخر بالذات، ومشاركا له في مفهوم هذا العارض، وهو عين المدعي.

الثاني: مبدأ الممكنات. لو كان الوجود وحده لشاركه كل وجود، وإلا لكان السلب جزءاً منها.

قيل: التجرد شرط تأثيره. قلنا: فيكون كل وجود سببا، إلا إن كان الأثر تخلف عنه لفقد شرطه الممكن حصوله.

الثالث: إن وجوده معلوم وذاته غير معلومة، فوجوده غير ذاته.

احتج الحكماء بأن وجوده لو زاد لاحتاج إلى معروضه، فاحتاج إلى سبب

صفحة 80

مقارن في عروضه له، فتقدم ذاته بالوجود على وجوده، ويلزم التسلسل. أو مباين، فيكون ممكنا.

وأجيب بأن العلة المقارنة لا يجب تقدمها بالوجود، فإن ماهية الممكنات علة قابلة لوجوداتها، وأجزاء الماهية علة لقوامها مع أن تقدّمها ليس بالوجود.

فرع: اتصاف الشيء بالوجود ليس لأجل صفة قائمة به، فإن قيام الصفة به فرع على كونه موجوداً، فلو تعلل في كونه موجودا بها، لزم الدور.

المبحث الرابع

في أن المعدوم ليس بثابت، لأن المعدوم إن كان مساويا للمنفي وأخصُّ منه، وكل منفي ليس بثابت، فالمعدوم ليس بثابت، وإن كان أعم منه لم يكن نفياً صرفاً، وإلا لما بقي فرق بين العام والخاص. فكان ثابتا، وهو مقولٌ على المنفي، فالمنفي ثابت هذا خلف.

احتجت المعتزلة: بأن المعدوم متميزٌ لكونه معلوما، ومقدورا، ومرادا بعضه دون بعض، وكل متميز ثابت، فالمعدوم ثابت. وبأن الامتناع نفي لأنه صفة الممتنع المنفي. والإمكان ثابت، فالمعدوم الموصوف به ثابت.

صفحة 81

وأجيب بأن الأول: منقوض بالممتنعات، والخياليّات، والمركبات، ونفي الوجود. وعن الثاني: بأن الإمكان والامتناع من الأمور العقلية على ما سنبينه.

الخامس: في الحال[2]. اتفق الجمهور على نفيه، وقال به القاضي[3] أبو بكر منا. وأبو هاشم[4] من المعتزلة، وإمام الحرمين[5] أولا، واحتجوا على ذلك بأن الوجود وصفٌ مشترك ليس بموجود، وإلا لساوى غيره في الوجود، فيزيد وجوده، ويلزم التسلسل، ولا معدوم لأنه لا يتصف بمنافيه، وبأن السواد يشارك البياض في اللونية، ويخالفه في السوادية. فإن وجدا، كان أحدهما قائماً بالآخر، وإلا لاستغنى كل منهما عن الآخر، فلا يلتئم منهما حقيقة واحدة. وإذا كان

صفحة 82

كذلك لزم قيام العرض بالعرض وهو محال لما سنذكره، وإن عُدِما أو أحدهما، لزم تركب الموجود عن المعدوم وهو ظاهر الامتناع.

والجواب عن الأول: إن الوجود موجود ووجوده ذاته، وتميزه عن سائر الموجودات بقيد سلبي، فلا يتسلسل.

وعن الثاني: بأن اللونية والسوادية موجودتان قائمتان بالجسم، إلا أن قيام إحداهما موقوف على قيام الأخرى، أو إحداهما قائمة بالجسم والأخرى بها، والامتناع ممنوع، والتركيب في العقل لا في الخارج، وفيه نظر.

  1. [1] يريد شيخ الأشاعرة؛ الإمام أبو الحسن الأشعري (انظر ترجمته فيما بعد).
  2. [2] الحال في اللغة: ما عليه الشي. وعند المتكلمين، قال أبو هاشم الجبائي بأن العلم والقدرة والإرادة الإلهية (أحوال) والحال عنده، لا هي موجودة ولا هي معدومة، لا هي معلومة ولا هي مجهولة، لا هي قديمة ولا هي حديثة وإنما هي مجرد اعتبارات ذهنية. وقد قال بها أيضا الباقلاني والجويني من أئمة الأشاعرة (المعجم الفلسفي ص66).
  3. [3] هو القاضي أبو بكر الباقلاني، من أئمة الأشاعرة. قرأ على أبي العباس بن مجاهد البصري تلميذ أبي الحسن الأشعري، وكانت وفاته ببغداد سنة 403هـ (دائرة المعارف الإسلامية، المجلد السادس ص105، 106).
  4. [4] هو أبو هاشم عبد السلام بن محمد الجبائي، من كبار شيوخ المعتزلة، توفي ببغداد سنة 321 هجرية (طبقات المفسرين للسيوطي ص103).
  5. [5] هو إمام الحرمين أبو المعالي الجويني، من أشهر أئمة الأشاعرة، كان أستاذا لأبي حامد الغزالي، توفي 478 هجرية (الجويني للدكتورة / فوقية حسين ص56 وما بعدها).
صفحة 83

الفصل الثالث
في الماهية

وفيه مباحث:

المبحث الأول

إن لكل شيء حقيقة هو بها هو، وهي مغايرة لما عداها، فالإنسانية من حيث هي، لا واحدة ولا كثيرة، وإن لم تخل عن أحديهما، وتسمى المطلق. والماهية بلا شرط شيء، فإن أخذت مع المشخصات واللواحق تسمى مخلوطة؛ والماهية بشرط شيء وهو موجود في الخارج، وكذا الأول لكونه جزءاً منه، وإن أخذت بشرط العراء عنها تسمى مجردة. والماهية بشرط لا شيء، وذلك المجرد إنما يكون في العقل، وإن كان كونه فيه من اللواحق، إلا أن المراد تجريده عن اللواحق الخارجية، فالمجرد والمخلوط يتباينان تباين أخصين تحت أعم، وهو المطلق، وبه ظهر ضعف ما زعم أفلاطون وهو ان لكل نوع شخصا مجردا خارجيا، لأنه الجزء المشترك بين المخلوطات الخارجية.

صفحة 84

المبحث الثاني

في أقسامها. الماهية: إما أن تكون بسيطة أو مركبة؛ خارجية، أي ملتئمة عن أجزاء متميزة في الخارج: كالإنسان المركب عن البدن والروح، والمثلث المركب عن الخطوط، أو عقلية لا تتميز بأجزائها في الخارج: كالمفارقات إن جعلنا الجوهر جنساً لها، وكالاسوداد المركب من اللونية والسوادية. والأجزاء إما أن تكون متداخلة كالأجناس والفصول، أو متباينة متشابهة كوحدات العشرة، أو متخالفة عقلية كالهيولى[1] والصورة، أو خارجية محسوسة كأعضاء البدن. وأيضا: فإما أن تكون وجودية بأسرها حقيقية، كما سبق، أو إضافية كأجزاء الأقرب، أو ممتزجة منهما كسرير الملك. وإما أن يكون بعضها وجوديا وبعضها عدميا كأجزاء الأول.

فروع: الأول: قيل: البسائط غيرُ مجعولة إذ المُحوِّج إلى السبب هو

صفحة 85

الإمكان، وهو إضافة، فلا يعرض لها. قلنا: اعتبارٌ عقليٌّ يعرض لها بالنسبة إلى وجودها.

الثاني: المركب إن قاسم بنفسه، استقل أحد أجزائه وقام الباقي به، وإن قام بغيره، قام به جميع أجزائه أو بعضه به، والآخر بالقائم به.

الثالث: قيل: يجب أن يكون الفصل علة لوجود الجنس، وإلا: فإما أن يكون الجنس علة له، فيلزمه وجود الفصل كلما وجد الجنس، أو لا يكون فيستغني كل منهما عن الآخر، فيمتنع التركيب منهما.

قلنا: إن أردتم بالعلة ما يتوقف الشيء عليه في الجملة، فلا يلزم من عليّة الجنس استلزامه للفصل. وإن أردتم بها ما يوجبه، فلا يلزم من عدم عليّة أحدهما للآخر الاستغناء مطلقاً، لجواز أن يكون الفصل أمرا حالاً في الجنس.

المبحث الثالث

في التعين. الماهية من حيث هي لا تأبى الشركة والشخص يأباها، فإذاً في زائد وهو التشخص، ويدل على وجوده أمران:

الأول: أنه جزء من الشخص الموجود، فيكون موجوداً.

صفحة 86

الثاني: لو كان التعين عدميا، لكان عدما لتعين آخر، فيكون أحدهما ثبوتا وهو مماثل للآخر، فيكونان ثبوتيين.

ولقائل: أن يمنع التماثل إذ لو تماثلت لم يتحصل الشخص من انضمام التعين إلى الماهية، لأن ضم الكلي إلى الكلي لا يفيد الجزئية.

وأنكره المتكلمون لوجوه؛ الأول: أنه لو زادت لتشاركت أفراده فيه، وتمايزت بتعين آخر، ولزم التسلسل.

وأجيب بأنه مقولٌ على افراده قولاً عرضياً، كالماهية، وانها متخالفة بالذات، فلا حاجة لها إلى تعينات أخر.

الثاني: اختصاص هذا التعين بهذه الخاصة يستدعي تميزها، فيلزم الدور، ونوقض باختصاص الفصول بخصص الاجناس.

وأجيب بأنه يقتضي تميزها معه لا قبله.

الثالث: انضياف التشخص إلى الماهية يستدعي وجودها، لامتناع انضمام الموجود إلى المعدوم، فوجودها: إما أن يقتضي تعيناً آخر ويلزم التسلسل، أو لا وهو المطلوب. وأجيب بأن الوجود معه فرع. قال الحكماء: الماهية إن

صفحة 87

اقتضت التشخص لذاتها انحصر نوعها في شخصها، لامتناع المخالفة بين لوازم الطبيعة الواحدة، وإلا فيتعلل تشخُصُها بتشخص موادها، واعراض تكتنف بها، فيتعدد بتعددها.

قيل: عليّة تشخص المواد وعوارضها إن تعلل بحقائقها لم يتعدد، وإلا لتسلسلت المواد، والحق إحالة ذلك إلى إرادة الفاعل المختار.

  1. [1] الهيولى: كلمة يونانية الأصل، ويراد بها المادة الأولى، وهو كل ما يقابل الصورة، وترجع هذه الكلمة إلى أرسطو (المعجم الفلسفي ص208).

    الصورة: هي ما يقابل المادة، وقد عني أرسطو بهذا التقابل وبنى عليه فلسفته كلها وطبقه في الطبيعة وعلم النفس والمنطق (المعجم الفلسفي ص107).

صفحة 88

الفصل الرابع

في الوجوب والإمكان والقدم والحدوث

وفيه مباحث:

المبحث الأول

في أنها أمورٌ عقلية لا وجود لها في الخارج. أما الوجوب والإمكان فلأنهما لو وُجدا لكان نسبة الوجود إلى الوجوب بالوجوب وإلى الإمكان بالإمكان، وإلا لأمكن الواجب ووجب الممكن وهو محال، فيلزم التسلسل. ولأن اقتضاء الوجود ولا اقتضاؤه المحوجُ إلى الإيجاد السابق على وجود الممكن مقدمان بالذات على وجود الواجب والممكن، فلو وُجد ألزم تقدم الصفة على الموصوف.

قيل: يناقضان الامتناع العدمي، فيكونان وجوديين. قلنا: نقيض ما يكون عدما لموجود خارجي يكون موجودا لا نقيض الاعتبارات العقلية. وأما القدم والحدوث فلأنهم لو وُجدا لقدم القدم وحدث الحدوث ولزم التسلسل.

المبحث الثاني

في أحكام الوجوب لذاته. الأول: أنه ينافي الوجوب لغيره، وإلا لارتفع بارتفاعه، فلا يكون واجبا لذاته.

صفحة 89

الثاني: أنه ينافي التركيب لاحتياجه إلى الأجزاء المغايرة للمركب.

الثالث: أنه لو قدر كونه ثبوتيا لما زادت على الذات، وإلا لاحتاج إليه وأمكن. وما قيل: أنه نسبةٌ بينه وبين الوجود فيتأخر، فيزيد تنافي الفرض المذكور.

الرابع: أنه لا يكون مشتركاً بين اثنين، وسنذكره. فالواجب إذا اتصف بصفات، فالوجوب الذاتي للذات وحدة، والصفات واجبة به.

المبحث الثالث

في أحكام الإمكان. الاول: أنه مُحْوَجٌ إلى السبب لأن الممكن لما استوى إليه طرفاه امتنع وجوده. إلا لمُرجّح، والعلم به بديهي والفرق بينه وبين قولنا: الواحد نصفٌ، ونحوه، الألف.

قيل: الحاجة ليست ثبوتية، وإلا لكانت ممكنة، لأنها صفة الممكن، فيكون لها حاجة أخرى ويتسلسل، ولكانت متقدمة على موصوفها المنسوبة هي إليه لتقدمها على التأثير المتقدم على وجود الأثر وهو محال، ولا المؤثرية لأنه لو وجدت لأمكنت، لأنها صفة المؤثر ونسبة بينه وبين الأثر، فيستدعي مؤثراً له مؤثرات أخرى ويتسلسل؛ وأيضا فالتأثير حال الوجود وتحصيل الحاصل، وحال العدم جمع بين النقيضين؛ وأيضا لو احتاج الوجود لإمكانه إلى مُرجّح لاحتاج العدم أيضا، لكنه نفيٌ محض، فلا يكون أثرا.

صفحة 90

وأجيب عن الثلاث. الأول: بأنه لا يلزم من عدمية الحاجة المؤثرية أن لا تكون الذات محتاجة ومؤثرا فيها، كما ان القول بأن العدم ليس أمرا ثبوتيا لا يستلزم أن لا يكون معدوما. والمراد من التأثير أن وجود المؤثر يستتبع وجود الأثر، وأيضا العلم بأن شيئا ما يؤثر في شيء أو يحتاج إلى شيء آخر، أمر بديهي لا يقبل التشكيك.

وعن الرابع: بأن القدم إن لم يوصف بالإمكان، فلا إشكال، وإن وُصف به جاز كونه أثرا، ويكون المؤثر فيه على ما سبق من التفسير، عدم علة الوجود. ولصعوبة هذا الإشكال، قيل: علة الحاجة هو الحدوث أو الإمكان معه، وليس كذلك لأنه صفة الوجود المتأخر عن التأثير المتأخر عن الحاجة، فلا يكون علة لها ولا جزءاً منها ولا شرطا لتأثير علتها.

الثاني: لا يكون أحد طرفيه أولى به لذاته لأنه إن أمكن طريان الطرف الآخر، فإما أن يطرأ لسبب، فتفتقر الاولوية إلى عدمه أولا لسبب فيلزم ترجيح المرجوح بلا مرجح وهو محال، وإن لم يكن كان الأول واجبا.

الثالث: الممكن ما لم يتعين صدوره عن مؤثر لم يوجد وذلك التعين يسمى

صفحة 91

الوجوب السابق، وإذا وجد فحالُ وجوده لا يقبل العدم، وهو الوجوب اللاحق، فالوجوبان عرضا للممكن لا من ذاته.

الرابع: الممكن يستصحب الاحتياج حالة البقاء، لبقاء الإمكان الموجب له، فإن الإمكان للممكن ضروري، وإلا لجاز أن ينقلب الممكن واجبا أو ممتنعا، وإلا لاحتاج في إمكانه إلى سبب.

قيل: تأثير المؤثر. إما في حاصل وهو محال، أو متحدد، فالحاجة له دون الباقي. قلنا: المعنى بالتأثير دوام الأثر بدوام مؤثره.

 المبحث الرابع

في القِدَم، وهو ينافي تأثير المختار، لانه مسبوق بقصد المقارن لعدم الأثر، فإن القصد إلى إيجاد الموجود محال. والحكماء إنما أسندوا العالم مع اعتقاد قِدمه إلى الصانع، لاعتقادهم أنه موجبٌ بالذات. ثم المتكلمون اتفقوا على نفيه عما سوى ذات الله تعالى وصفاته. والمعتزلة وإن أنكروا قِدم الصفات، لكنهم قالوا به في المعنى لأنهم أثبتوا أحوالاً خمسة لا أول لها، وهي الوجودية، والحيية، والعالمية، والقادرية، والألوهية، وهي حالة خامسة أثبتها أبو هاشم علة للأربع مميزةً للذات.

صفحة 92

المبحث الخامس

في الحدوث، وهو كون الوجود مسبوقا بالعدم، وقد يُعبر عنه بالحاجة إلى الغير، ويسمى حدوثا ذاتيا. قال الحكماء: الحدوث بالمعنى الأول يستدعي تقدم مادة ومدة، أما الأول: فلأن إمكان المحدث موجود قبله، فيكون له محل غير المحدث وهو المادة.

وأما الثاني: فلأن عدمه قبل وجوده، وهذه القبلية ليس بالعلية، والذات، والشرف والمكان، فهي بالزمان.

وأجيب عن الأول: بأن الإمكان عدمي؛ وعن الثاني: بأن القبلية قد تكون بغير ذلك، كقبلية اليوم على الغد.

صفحة 93

الفصل الخامس

في الوحدة والكثرة

وفيه مباحث:

المبحث الأول

في حقيقتهما. الوحدة كون الشيء، بحيث لا ينقسم إلى أمور متشاركة في الماهية، والكثرة ما يقابلها، ثم الوحدة مغايرة للوجود والماهية، فإن الكثير من حيث هو كثير موجود وإنسان وليس بواحد، وكذا الكثرة، وثابتة في الخارج لأنها جزء من الواحد الموجود، ولأنها لو كانت عدما لكانت عدم الكثرة، والكثرة مجموع الوحدات الدمية، فيكون النقيضان عدميين، وهو محال، فالوحدة وجودية، والكثرة مجموع الوحدات، فتكون وجودية أيضا، وعورض بأن الوحدات لو وجدت لكانت متشاركة في كونها وحدات متميزة بخصوصيات، فتكون لها وحدات أخر، ويلزم التسلسل.

والحق أن الوحدة والكثرة من الاعتبارات العقلية.

فرع: الوحدة لا تقابل الكثرة لذاتها، إذ ليست إحداهما عدم الأخرى ولا

صفحة 94

ضداً لها، ولا مضايفة لتقوم الكثرة بها، بل لكونها مكيال الكثرة وهي إضافة عرضت لها.

المبحث الثاني

في أقسام الوحدات. الواحد ان، منع نفس مفهومه عن الحمل على كثيرين، فهو الواحد بالشخص، وإن لم يمنع فهو واحد من وجه، كثير من وجه. فجهة الوحدة إن كانت نفس الماهية، فهو الواحد بالنوع وإن كان جزءا منها، فهو الواحد بالجنس، أو بالفصل، وإن كان خارجا عنها فهو الواحد بالعرض. أما المحمول كاتّحاد القطن والثلج في البياض، أو بالموضوع كاتحاد الكاتب والضاحك في الإنسان، والواحد بالشخص إن لم يقبل القسمة أصلا، فإن لم يكن له مفهوم سواه فهو الوحدة. وإن كان له مفهوم سواه، فإما أن يكون ذات وضع، وهو النقطة، أو لا يكون وهو المفارق، وإن قبلها وتشابهت أجزاؤه فهو الواحد بالاتصال، وإلا فبالاجتماع. وقد يقال الواحد بالاتصال لمقدارين يتلاقيان عند حد مشترك، كضلعي الزاوية، أو يتلازم طرفاهما بحيث يلزم من حركة أحدهما حركة الآخر. وأيضا، فالواحد إن حصل له جميع ما يمكن له فهو الواحد التام، وإن لم يحصل فهو الواحد الغير التام.

صفحة 95

والتام إما طبيعي، أو وضعي، أو صناعي؛ كزيدٍ، ودرهم، وبيت، ثم الاتحاد بالنوع يسمى مماثلة، وبالجنس مجانسة، وبالعرض إن كان في الكم يسمى المساواة، وإن كان في الكيف يسمى مشابهة، وإن كان في المضاف يسمى مناسبة، وإن كان في الشكل يسمى مشاكلة، وإن كان في الوضع يسمى موازاة، وإن كان في الأطراف يسمى مطابقة.

المبحث الثالث

في أقسام الكثير. كل شيئين هما متغايران، وقال مشايخنا: الشيئان إن استقل كل واحد منهما بالذات والحقيقة، بحيث يمكن انفكاك أحدهما عن الآخر، فهما غيران، وإلا صفة وموصوف، أو كلّ وجزء، ولهذا قالوا الصفة مع الذات لا هو ولا غيره، وعلى الاصطلاح الأول، فالغيران إن اشتركا في تمام الماهية، فمثلان، وإلا فمختلفان متلاقيان إن اشتركا في موضوع، كالسواد والحركة، فإنهما يعرضان للجسم متساويان إن صدق كل واحد على كل ما يصدق عليه الآخر، ومتداخلان إن صدق أحدهما على بعض ما صدق عليه الآخر، فإن صدق الآخر على جميع أفراده، فهو الأعم مطلقا، وإلا فكل منهما أعم من الآخر من وجه، وأخص من وجه، ومتباينان إن لم يشتركا في الموضوع، ومتقابلان إن امتنع اجتماعهما في موضوع واحد من جهة واحدة في زمان واحد وإن كانا وجوديين

صفحة 96

أمكن تَعَقُلُ أحدهما بالذهول عن الآخر، فضدان كالسواد والبياض، وإن لم يكن، فمضافان كالأبوة والبنوة، وإن كان أحدهما وجوديا والآخر عدميا، فإن اعتبر كون الموضوع مستعدا للاتصاف بالوجودي بحسب شخصه، أو نوعه، أو جنسه كالبصر والعمى، فعدم وملكة حقيقيان، وإن اعتبر فيه وجود الموضوع في وقت يمكن اتصافه به، فملكة وعدم مشهوران، وإن لم يعتبر، فسلب وإيجاب.

قيل: السواد من حيث هو ضد البياض مضاف. قلنا: المضاف حيثيةٌ السواد لا هو. قيل: التقابل تحت المضاف، فكيف يكون المضاف تحته. قلنا: المضاف تحت ما صدق عليه التقابل، وهو أعم لصدقه على الضد والإيجاب، والسلب، وتحت التقابل او كلاهما، أو الذات معه، لا الذات وحدها.

فروع: الأول: المثلان لا يجتمعان، وإلا لاتحدا بحسب العوارض أيضا، فيكونان هو هو، لا مثلين.

الثاني: التقابل بالذات بين السلب والإيجاب لأن كل واحد من المضافين والضدين إنما يقابل الآخر لاستلزامه عدمه، وإلا فهما كسائر المتباينات.

الثالث: السلب والإيجاب لا يصدقان ولا يكذبان، وأما المضافان

صفحة 97

فيكذبان لحلو المحل عنهما، والضدان لعدم المحل، أو اتصافه بالوسط كالفاتر، واللاعادل، واللاجائر، وخلوه عن الجميع، كالشفاف، والعدم، والملكة لعدم الموضوع، أو عدم استعداده لها.

الرابع: المضافان يتلازمان طرداً وعكساً، والضدان قد يلزمان المحل على البدل: فيتعاقبان كالصحة والمرض، أو لا يتعاقبان كالحركة من الوسط وإليه، فإنه لا بد وأن يتوسطهما سكون في المشهور، وقد يلزم أحدهما كبياض الثلج.

الخامس: الاستقراء دلّ على أن التضاد لا يكون إلا بين نوعين أخيرين داخلين تحت جنس واحد، وأن المتباينين لا يضادهما شيء واحد.

صفحة 98

الفصل السادس
في العلة والمعلول

وفيه مباحث:

المبحث الاول

في أقسام العلة. وهي أربعة؛ لأن ما يحتاج إليه الشيء إما أن يكون جزءاً منه، أو لا يكون، والأول: إما أن يكون الشيء به بالفعل وهو الصورة، أو بالقوة وهو المادة، ويسمى العنصر والقابل أيضا.

والثاني: إما أن يكون مؤثرا في وجوده، وهو الفاعل، أو في مؤثريته وهو الداعي والغاية.

المبحث الثاني

في تعدد العلل والمعلولات. المعلول الواحد بالشخص لا تجتمع عليه عللٌ مستقلة، وإلا لاستغنى بكل واحد عن كل واحد، فيكون مستغنيا عنهما ومحتاجا إليهما معا وهو محال. والمتماثلان يجوز تعليلهما بمختلفين، كالتضاد والمركب، قد تتعدد آثاره. وكذا البسيط إن تعددت الآلات أو المواد، وإن لم

صفحة 99

تتعدد، فمنعه جمهو الحكماء وتمسكوا بأن مصدرية هذا غير مصدرية ذاك، فإن دخلا أو أحدهما في ذاته لزم التركيب، وإن خرجا كانا معلولين فيعود الكلام ويلزم التسلسل.

وأجيب بأن المصدرية من الاعتبارات العقلية التي لا وجود لها في الخارج، وعورض بأن الجسمية تقتضي التحير وقبول الأعرضا الوجودية عندكم مع بساطتها.

المبحث الثالث

في الفرق بين جزء المؤثر وشرطه. الجزء ما يتوقف عليه ذات المؤثر، والشرط ما يتوقف عليه تأثيره، لا تحقق ذاته، كاليبوسة للنار.

المبحث الرابع

قيل: الشيء الواحد لا يكون فاعلا وقابلا معا، لان القابل من حيث هو قابل لا يستلزم المقبول، والفاعل من حيث هو فاعل يستلزمه، ولأن القبول غير الفعل، فلا يكون مصدر أحدهما مصدرا للآخر.

قلنا: عدم استلزام الشيء باعتبار لا ينافي استلزامه باعتبار آخر، ولهذا قيل: نسبة القابل إلى المقبول بالإمكان العام، والقول في أن البسيط لا تتعدد آثاره، قد سبق.

صفحة 101

الباب الثاني

في الأعراض

صفحة 103

الفصل الأول

 في المباحث الكلية

المبحث الأول

في تعدد أجناسها. المشهور انحصار الأعراض في المقولات التسع، وهي الكم: وهو ما يقبل القسمة لذاته، كالأعداد، والمقادير. والكيف: هو ما لا يقبل القسمة لذاته، ولا يتوقف تصوّره على تصوّر غيره، كالألوان. والأين: هو حصول الشيء في المكان. والمتى: وهو حصول الشيء في الزمان، ككون الكسوف في وقت كذا. والوضع: وهو الهيئة الحاصلة للشيء، بسبب نسبة بعض أجزائه إلى بعض، وإلى الأمور الخارجة عنه، كالقيام والاستلقاء. والإضافة: وهي النسبة العارضة للشيء، بالقياس إلى نسبة أخرى، كالأبوة والبنوة. والملك: وهو هيئة الشيء الحاصلة، بسبب ما يحيط به، وينتقل بانتقاله، كالتعمم والتقمض. وان يفعل: وهو كون الشيء مؤثرا في غيره، كالقاطع ما دام قاطعا. وان ينفعل: وهو كون الشيء متأثرا عن غيره، كالمتقطع ما دام متقطعا.

واعلم: أن الوحدة والنقطة خارجتان عنها، وأن جنسيتها غير معلومة لاحتمال أن يكون كلّ واحدة منها، أو بعضها مقولا على ما تحتها قولا عرضيا، وأن العرض ليس جنساً لها، لأن عرضيتها مفتقرة إلى البيان.

المبحث الثاني

في امتناع الانتقال عليها. أجمع عليه جمهور العقلاء، واحتجوا بأن تشخص

صفحة 104

أفرادها ليس لنفسها، ولا للوازمها، وإلا لانحصرت أنواعها في أشخاصها، ولا لعوارضها الحالة فيها لتوقف حلولها على تعينها، فهو لِمُحالها، فلا تنتقل عنها بخلاف الجسم، فإنه غير محتاج في تشخصه إلى الحيز، بل في تحيزه، وهو حاصل باعتبار الحيزين.

المبحث الثالث

في قيام العرض بالعرض. منعه المتكلمون متمسكين، بأن المعنى بالقيام، حصوله في الحيز تبعاً لحصول محله. وذلك المتبوع لا يكون إلا جوهرا، وهو ضعيف، إذ القيام هو الاختصاص الناعت، فإن صفات الله تعالى قائمة بذاته مع امتناع تحيزه، وإن سلم فَلِمَ لا يجوز أن يكون تحيز محله تبعاً لتحيز محل آخر وهو الجوهر.

واحتج الحكماء بأن السرعة والبطء عرضان قائمان بالحركة، فإنها المنعوتة بهما دون الجسم.

المبحث الرابع

في بقاء الأعراض. منعه الشيخ وتمسك بأن البقاء عرض فلا يقوم بالعرض وبأنه لو بقي لامتنع زواله، لأنه لا يزول لنفسه، لاستحالة أن ينقلب الممكن ممتنعا، ولا لمؤثر وجودي كطريان ضد، فإن وجوده مشروط بعدم الضد الآخر، ولا عدمي كزوال شرط فإنه الجوهر، فيعود الكلام إليه ويلزم الدور، ولا فاعل إذا لا بدّ له من أثر، فيكون موجدا ولا معدما.

صفحة 105

وأجيب عن الأول: بمنع المقدمتين. وعن الثاني: بأن عدمه تقتضيه ذاته بعد أزمنة، وإلا لزامٌ مشترك، أو مؤثر مباين عن محله، أو انتفاء شرط، وهو عرض لا يستمر أو فاعل. ولا نسلم أن أثره لا يكون عدما متجددا، وقد تمسك به النَظَّام[1] في امتناع بقاء الأجسام.

المبحث الخامس

في امتناع قيام العرض الواحد بمحلين، إذ لو جاز، لجاز حصول الجسم الواحد في مكانين، ولامتنع الجزم بأن السواد المحسوس في هذا المحل غير المحسوس في ذلك، وللزم اجتماع علتين على شخص واحد. وزعم جمعٌ من الاوائل أن الإضافات، كالجوار والقرب تعرض لأمرين، وقال أبو هاشم: التأليف يقوم بجوهرين، وإلا لما امتنعا عن الانفكاك، كالمتجاورين ولا بأكثر، وإلا لعدم بعدم الثالث، فلا يبقى الباقيان مؤلفين.

وأجيب بأن إحالة عسر الانفكاك إلى احتياح التأليف إليهما، ليس أولى من إحالته إلى احتياج أحدهما إلى الآخر، أو إلصاق ذلك الفاعل المختار وهو أولى.

  1. [1] هو إبراهيم بن هاني البصري، المعروف بالنظام، من كبار أئمة المعتزلة. سمي النظّام لأنه كان يشتغل في شباب بنظم الخرز، وبعده مؤرخو الفرق أعظم رجال المعتزلة جميعا (د. أحمد صبحي في علم الكلام 219/1). وتوفي النظام 221هـ (د. أبو ريدة: النظام وآراؤه الكلامية الفلسفية ص2 وما بعدها).
صفحة 106

الفصل الثاني

في مباحث الحكم

المبحث الأول

في أقسامه. الكمّ: إما أن ينقسم إلى أجزاء ولا يشترك في حد واحد وهو المنفصل ويسمى العدد، او إلى أجزاء تشترك هو المتصل، فإن لم يكن قار الذات فهو الزمان، وإن كان فهو المقدار، فإن انقسم في جهة واحدة، فهو الخط وبه ينتهي الجسم، وإن انقسم في الجهات الثلاث، فهو الجسم التعليمي[1] والثخين، والثِخِن ما بين السطوح، فإن اعتبرته نزولاً فعمق، وإن اعتبرته صعوداً فسُمكٌ.

وقد يطلق العمق على البُعد المقاطع للطول، وهو البعد المفروض أولا.

صفحة 107

وقيل: أطول الامتدادين المتقاطعين في السطح، والأخذ من رأس الإنسان إلى قدمه، ومن ظهر ذوات الأربع إلى أسفله، والعرض هو المفروض ثانيا. والامتداد الأقصل. والأخذ من يمين الإنسان إلى يساره ومن رأس الحيوان إلى ذنبه، والطول، والعرض، والعمق كمياتٌ مأخوذةٌ مع إضافات.

المبحث الثاني

في الكمّ بالذات وبالعرض. الكمّ بالذات، ما يكون كمّاً في نفسه، والكم بالعرض ما يكون حالّاً في كمٍّ كالزمان، فإنه وإن كان متّصلا بالذات، فإنه متصلٌ بالعرض لقيامه بالحركة المنطبقة على المسافة، ومنفصلٌ إذا قُسّم بالساعات، أو محلا له كالجسم والمعدود، أو حالاً في محله كما قال هذا الأبلق بياضه أكثر، أو متعلقا به كالقوة المتناهية، والغير المتناهية بحسب تناهي آثارها، أو لا تناهيها عددا أو زماناً.

المبحث الثالث

في عرضية هذه الكميات. قال المتكلمون العدد مركبٌ عن الوحدات التي هي اعتبارات عقلية لا وجود لها في الخارج كما سبق. وأما المقادير فهي الجسمية، أو جزؤها بناء على أن الأجسام مركبة من أجزاء لا تتجزأ، وليست هي أمرا زائدا عليها، وإلا لانقسمت بانقسام الجسم الذي هو محلها، فينقسم الخط عرضا، والسطح عمقا، هذا خلف.

صفحة 108

قيل: ليست هي من الأعراض السارية، فلا يلزم انقسامها. وأجيب بأن السطح مثلاً إن لم يكن في شيء من الأجزاء المفروضة للجسم، فلا يكون حالّاً فيه، وإن كان: فإما أن يوجد بتمامه في كل واحد، فيقوم الواحد بالكثير، أولا بتمامه فيلزم القسمة.

احتج الحكماء بأن الجسم الواحد قد تتوارد عليه المقادير المختلفة مع بقاء الجسمية المعينة بحالها، وبأن الخطوط والسطوح صفات الجسم التعليميّ المتخلخل تارة، والمتكاثف أخرى، فلا يكون جوهرا.

وأجيب عن الاول: بأن المتغير هو الشكل وأوضاع أجزاء الجسم. وعن الثاني بمنع المقدمات…

المحث الرابع

في الزمان. من الناس من أنكر وجوده لأنه لو كان قارَّ الذات، اجتمع الحاضر والماضي، فيكون الحادث اليوم حادثاً يوم الطوفان، ولو لم يكن لزم تقدّم بعض أجزائه على بعض تقدما لا يتحقق إلا مع الزمان، ويتسلسل.

وأجيب بأن تقدّم الماضي بذاته لا بزمان آخر، والمثبتون تمسكوا بوجهين: الأول: إذا فرضنا حركةً في مسافة معينة بقدر من السرعة، وأخرى مثلها، وابتدأتا

صفحة 109

معاً قطعتا المسافة معاً، وإن تأخرت الثانية في الابتداء ووافقت في الوقوف قطعت أقل، وكذا إن وافقتها أخذاً وتركا وكانت أبطأ، فبين أخذ الأولى وتركها، إمكان قطع مسافة معينة وأقل منها ببطيء معين، وبين أخذ الثانية وتركها إمكان أقل بين ذلك بتلك السرعة المعينة، وهو جزء من الإمكان الأول، فيكون قابلاً للزيادة والنقصان، ولا شيء من العدم كذلك.

الثاني: كون الأب قبل الابن ضروريّ، فتلك القبلية ليس وجود الأب ولا عدم الابن لتعلقهما مع الغفلة عنها، ولا أمراً عدمياً لأنها نقيض اللاقبلية، فهي اذن أمرٌ زائدٌ ثبوتي.

وأجيب بأن هذه الإمكانات أمورٌ اعتبارية عقلية لا وجود لها في الخارج، وكذا القبلية، قم اختلفوا، فقيل: إنه جوهر مجرد لا يقبل العدم، وإلا لكان عدمه بعد وجوده، بعدية لا تتحقق إلا مع الزمان، فيلزم وجوده حالٌ وهو محال.

وردّ بأن المحال إنما لزم من فرض عدمه بعد وجوده، لا من فَرَض عدمه مطلقا. وقيل: هو الفلك الأعظم لأنه محيط بجميع الأجسام وخلله ظاهر.

وقيل: حركته لأنه غير قارّ الذات. ومنه بأن الحركة هي، إما سريعة أو بطيئة، والزمان ليس كذلك.

صفحة 110

وقيل: مقدارها، وهو قول أرسطو ومتابعيه. واحتجوا بأن الدليل دل على أنه يقبل المساواة والمفارقة، وما كان كذلك فهو كمّ. فالزمان كمّ ولا يكون كمّا منفصلا، وإلا لانقسم إلى ما لا ينقسم، فهو متصلٌ غير قارٍ لأن أجزاءه لا تجتمع، وله مادة لا تكون المسافة ولا المتحرك ولا شيئا من هيئاته القارة، فتكون غير قارة، وهي الحركة. وتلك الحركة تكون مستديرة، لأن المستقيمة تنقطع، والزمان لا ينقطع ويكون أسرع الحركات، لأن الزمان تقدّر به سائر الحركات، وهي الحركة اليومية.

واعلم: أن مدار هذه الحجة على أن قبول المساواة يقتضي الكمية، وذلك إنما تثبت لو ثبت قبولها لذاته، وأن الجوهر الفرد[2] ممتنع الوجود لذاته، وأن كونه كمّا متصلا غير قار الذات يستلزم أن يكون له محلّ إما لعرضيته أو لحدوثه المحوج إلى المادة.

صفحة 111

المبحث الخامس

في المكان. المكان أمر موجود لأن بديهية العقل تشهد بأن المتحرك بنتقل من مكان إلى آخر. والانتقال من العدم إلى العدم محالٌ، وخارجٌ عن المتمكن لأن الجزء ينتقل بانتقاله بخلاف المكان، وهو السطح الباطن للحاوي المماس للسطح الظاهر من المحوي الموجود عند أرسطو. والبعد المجرد الموجود الذي ينفد فيه الجسم عند شيخه. والمفروض عن المتكلمين دليل الأول: أن المكان هو السطح أو الخلاء؛ والثاني باطلٌ لوجوه:

الأول: أنه لا يكون عدمياً، وإلا لما قبل الزيادة والنقصان، ولا وجوديا لوجوه؛ الاول: أنه لو حصل جسم في بعد مجرَّد، لزم تداخل البعدين واتحادهما، وتجويز ذلك يفضي إلى تجويز تداخل العالم في حيز خردلة، وهو محال.

الثاني: إن تجرده لا يكون لنفسه ولا للوازمه، وإلا لكن كلّ بعد كذلك. ولا لعوارضه، وإلا لكان المفتقر إلى المحلّ مستغنيا عنه لعارض، وهو محال.

الثالث: البعد إن كان مما يتحرك كان له حيز، فكان هناك أبعاد متداخلة إلى غير نهاية وهو محال. وإن سلم كان لها من حيث أنها بإسرها قابلة

صفحة 112

للحركة، مكان. وذلك لا يكون بُعدا، وإن لم يكن فالمانع عنها إن كان هو الذات أو ما يلازمها، لم تتحرك الأجسام لما فيها من الأبعاد، وإن كان مما يعرض لها فطبيعتها من حيث هي فاعلة قابلة للحركة، ويعو الإلزام.

الثاني: أنه لو كان خلاء، فزمان وقوع الحركة في فرسخ خلاء مثلاً لو كان ساعة، وفي فرسخ ملاء عشر ساعات، وفي ملاء آخر قوامه عشر قوام الأول ساعة، فزمان ذي المعاوق كزمان المعاوق، هذا خلفٌ.

الثالث: لو كان خلاء، سواء كان عدما أو بُعدا متشابها، لم يكن حصول الجسم في بعض جوانبه أولى، فلا يسكن فيه ولا يميل إليه.

وأجيب عن الأول: بأن الزيادة والنقصان باعتبار الفرض وعدم الإحساس بهما معا لا يستلزم التداخل والاتحاد، وأن ذات البعد من حيث هي لا يقتضي الغنى ولا الحاجة ولا يقبل الحركة مجرّدا، وذلك لا يوجب امتناع حركته ماديا.

وعن الثاني: بأن الحركة لذاتها تقتضي زمانا، وإلا لكانت الحركة في الخلاء لا في زمان كيف، وكلّ نقلةٍ فهي على مسافة منقسمة ومتجزئة بانقسامها إلى أجزاء بعضها قبل وبعضها بعد. وهو ساعة بحسب هذا العرض، فيكون زمان الملاء الدقيق ساعة، وعشر تسع ساعات.

صفحة 113

وعن الثالث: بأن الخلاء بعدُ متشابه مساوٍ لمقداء العالم، وحصول بعض الأجسام في بعض الجوانب لما بينهما من الملائمة والمنافرة. واقتضاء القرب والبعد، وعورض بأن القول بالسطح باطلٌ، وإلا لتسلسلت الأجسام إلى غير النهاية. لأن كل جسم فله حيز لا محالة، ولما كان الحجر عند جريان الماء عليه ساكنا، لا يقال سكونه بقاء نسبته مع الساكنات لأن بقاء النسبة، معلل بسكونه، وللزم ازدياد المكان ونقصه، والمتمكن بحاله كما إذا تكعبت شمعةٌ مدورةٌ وبالعكس، والدليل على إمكان الخلاء أنه لو رُفعت صفحةٌ ملساء عن مثلها رفعة لخلاء الأوسط أول زمان الارتفاع، ولو لم يكن خلاء للزم من حركة بعوضةٍ تدافع جملة العالم. لا يقال يتخلخل ما وراءه ويتكاثف ما قدامه، لأن زوال مقدار، وحصول آخر، فرع على وجود الهيولى وعرضية المقدار، وكلاهما ممنوع.

  1. [1] يقول الخوارزمي: الجسم الطبيعي هو المتمكن الممانع المقاوم والقائم بالفعل في وقته، أما الجسم التعليمي: فهو المتوهم الذي يقام في الوهم ويتصور تصوراً فقط. (مفاتيح العلوم ص83).
  2. [2] الجوهر الفرد: عبارة عن جوهر لا يقبل التجزئة لا بالقوة ولا بالفعل (المبين في شرح معاني ألفاظ الحكماء والمتكلمين، للآمدي ص110) والمتكلمون يخصصون اسم الجوهر باسم الجوهر الفرد المتحيز الذي لا ينقسم ويسمون المنقسم جسماً لا جوهراً وبحكم ذلك يمتنعون عن إطلاق اسم الجوهر على المبدأ الأول (المعجم الفلسفي ص157).
صفحة 114

الفصل الثالث

في الكيف

الاستقراء دلّ على انحصار هذه المقولة في أقسامٍ أربعة: الكيفيات المحسوسة، والنفسانية، والمختصة بالكميّات، والاستعدادات.

أما القسم الأول

ففيه مباحث.

المبحث الأول

في أقسامها. الكيفيات المحسوسة إن كانت راسخة سميت انفعاليات، وإلا فانفعالاتٌ لانفعال الحسّ عنها أولا، ولأنها تابعةٌ للمزاج إما بالشخص كحلاوة العسل وحمرة الدم، أو بالنوع كحرارة النار وبرودة الماء.

وهي تنقسم بانقسام الحواس الخمس الظاهرة إلى الملموسات، وهي الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، وتسمى كيفيات أوَل؛ لتكيّف البسائط بها أولا، والخفة والثقل والصلاة واللين والملامسة والخشونة. وإلى المبصرات وهي الألوان والأضواء، وإلى المسموعات وهي الأصوات والحروف، وإلى المذوقات وهي الطعوم، وإلى المشمومات وهي الروائح.

صفحة 115

المبحث الثاني

في تحقق الملموسات. الحرارة والبرودة من أظهر المحسوسات وأبينها، والحرارة تختص بتفريق المختلفات وجمع المتماثلات من حيث أنها تُصعّد الألطف فالألطف فينضم كلّ جزء إلى ما يشاكله بمقتضى طبعه إلا إذا كان الالتحام شديدا فتفيد سيلاناً ودورانا، إن كان اللطيف والكثيف قريبين من الاعتدال لما بينهما من التلازم والتجاذب كما في الذهب، أو تليينا إن كان الكثيف غالبا لا في الغاية كالحديد، أو تصعيدا بالكلية إن كانت قوية، واللطيف أكثر. وإلا شبّه أن الحرارة الغريزية مغايرة للحرارة النارية، وكذلك الحرارة الفائضة عن الكواكب.

وقيل: هي حرارة الجزء الناري المنكسرة، وقد تحدث الحرارة بالحكة ودليله التجربة، لا يقال لو كانت الحركة سخنة لسخنت العناصر الثلاثة وصارت نيراناً بسبب حركات الأفلاك، لأن الأفلاك لا تقبل السخونة فلا تتسخن ولا تُسَخن ما يجاورها.

وأما البرودة فقيل: هي عدم الحرارة، ومنع بأن المحسوس ليس عدم الحرارة ولا الجسم، وإلا لكان الإحساس بالجسم حال الحرارة إحساساً بالبرودة.

وأما الرطوبة فقال الإمام: هي البلةُ المقتضية لسهولة الالتصاق

صفحة 116

والانفصال، لا يقال. فيكون العسل أرطب من الماء إذ هو ألصق منه لأنه لا ينفصل بعسر. وقال الحكماء هي كيفيةٌ توجب سهولة قبول الشكل وتركه، وهو غير السيلان فإنه عبارة عن حركات توجد في أجسام متفاصلة في الحقيقة، متواصلة في الحس يدفع بعضها بعضا حتى لو وُجد ذلك في التراب كان سيالاً، واليبوسة تقابلها على الرأيين.

وأما الخفة والثقل، فهما قوتان يحس من محلهما بواسطتهما، مدافعة صاعدة أو هابطة. ويسميها المتكلمون اعتمادا، والحكماء ميلا طبيعيا. وهما لا يوجدان في الجسم المتمكن في حيزه الطبيعي، لامتناع المدافعة عنه وإليه، ثم الميل قد يكون نفسانيا كاعتماد الإنسان على غيره، وقد يكون طبيعيا كالزق[1] المنفوخ المستكن تحت الماء، وقسريا كميل الحجر المرمي إلى فوق، وقد يجتمع ميلان إلى جهة واحدة، كما في الحجر المرمي إلى أسفل والإنسان المنحدر، والى جهتين، إن فسرناه بما يوجب المدافعة لا بها، ولذلك يختلف حال الحجرين المرميين إلى فوق بقوةٍ واحدةٍ إذا اختلفا في الصغر والكبر.

صفحة 117

والصلابة هي عبارة عن ممانعة الغامز واللين عدمها.

وقيل: هما كيفيتان تقتضيانهما، والملاسة والخشونة استواء وضع الأجزاء ولا استواءها فهما من مقولة الوضع، إلا إذا فسرناهما بكيفيتين تابعتين للوضع.

المبحث الثالث

في تحقيق المبصرات. أما الألوان فمن أظهر المحسوسات ماهية وهلية[2]. وقد قيل: البياض يُتخيّل من مخالطة الهواء للأجسام الشفافة المتصغرة، كما في الثلج والبلور المسحوث، وموضوع شقّ الزجاج كالسواد من كثافة الجسم، وعدم غور الضوء فيه. وأجيب بأن ذلك قد يكون سبب حدوثهما، والبياض يوجد فيما لا يعقل فيه ذلك، كالبيض المسلوق ولبن العذراء

صفحة 118

فإنه يجف بعد الابيضاض، وهو دليل على قلة الهوائية فيه.

والمشهور أن أصل الألوان هو السواد والبياض، والباقي يتركب منهما، وقيل: والحمرة والصفرة والخضرة. وزعم الشيخ أبوعلي[3] أن وجود الالوان مشروط بالضوء، لأنّا لا نحس بها في الظلمة وذلك إما لعدمها أو لمعاوقة الظلمة. والثاني باطلٌ لأن العدم لا يعوق، فتعين الأول، والاعتراض عليه: لم لا يجوز أن يكون الضوء شرط إبصارها فلا ترى عند عدمه.

فرع: الألوان قد توجد شديدة إذا كانت صرفة، وضعيفة إذا اختلط بها أجزاء صغار تضادها اختلاطا لا تتميز معه.

وأما الأضواء، فقيل: إنها أجسام شفافة تنفصل عن المضيء لأنها متحركة بدليل انحدارها عن الكواكب وانعكاسها، وكلّ متحرك جسم.

وأجيب بمنع الصغرى ودليلها، وعورض بأنها لو كانت أجساماً تتحرك بمقتضى طباعها لتحركت إلى جهة واحدة، وأيضا لو كانت أجساما وكانت محسوسة، سترت ما تحتها. فكان الأكثر. فكان الأكثر ضوءاً أكثر سترا والواقع خلافه، وإن لم تكن محسوسة لم يكن الضوء محسوسا.

صفحة 119

وقيل: هو اللون ومنه بأنه قد يحسّ به دون اللون، كالبلور إذا كان في ظلمة، ثم إن منها ما هو أول وهو الحاصل من مقابلة المضي لذاته ويسمى ضياء إن قوي وشعاعا إن ضعف، وما هو ثانٍ وهو الحاصل من مقابلة المضيء بالغير، كالحاصل على وجهة الأرض وقت الأسفار وعقيب الغروب، ومن مقابلة القمر ويسمى نورا وظلا إن حصل عن مقابلة الهواء المتكيف به، وإنما لم يُحس بالجدار المضيء لضعف لونه، والذي يترقرق على الأجسام يسمى لمعانا، فإن كان ذاتيا يسمى شعاعاً كما للشمس، وإلا فبريقاً كما للمرآة، والظلمة عدم النور عما من شأنه النور.

وقيل: هي كيفية تمنع الابصار، ومنع بأنه لو كان كذلك لوجب أن لا يرى الجالس في الظلمة نارا توقد بقربه وما حولها. ولقائل أن يقول: المانع ظلمةٌ تحيط بالمرئي لا بالرائي.

المبحث الرابع

في تحقيق المسموعات. الحروف كيفيات تعرض الأصوات فيتميز بعضها عن بعض في الثقل والحدة، وهي تنقسم إلى مصوت وهي حروف المد واللين، وإلى مصمت وهو ما عداها.

والمشهور أن السبب الأكثري للصوت، تموج الهواء بقَرْعٍ او قَلْعٍ عنيف، وأن الإحساس به يتوقف على وصول الهواء إلى الصماخ، لأنه يميل بهبوب الريح ويتخلف عن مشاهدة السبب كما في ضرب الفأس، ولأنه لو وضع طرف أنبوبة

صفحة 120

على صماخ إنسان وتكلم فيه لم يسمع غيره، وأنه محسوس به في الخارج، وإلا لما علمت جهته، والصدى صوت يحصل من انصراف هواء متموج عن جبل أو جسم أملس.

المبحث الخامس

في تحقيق الطعوم. الجسم إما أن يكون كثيفا أو لطيفا أو معتدلا. والفاعل فيه إما الحراة، أو البرودة، أو المعتدل بينهما، فيفعل الحار في الكثيف مرارة، وفي اللطيفة حرافة، وفي المعتدل ملوحة. والبرودة في الكثيف عفوصة[4]، وفي اللطيف حموضة، وفي المعتدل قبضا. والمعتدل في الكثيف حلاوة، وفي اللطيف دسومة[5]، وفي المعتدل تفاهة[6]. وقد يطلق التفه على ما لا طعم له، أو لا يحس بطعمه كالنحاس فإنه لا يتخلل منه ما يخالطه اللسان فيحس به. وقد يجتمع طعمان كالمرارة والقبض كما في الحضض[7] وتسمى البشاعة، والمرارة والملوحة كما في الشيحة وتسمى الزعوقة.

صفحة 121

المبحث السادس

في المشمومات. الروائح الموافقة للمزاج تسمى طيبة، والمخالفة له تسمى منتنة. وقد يقال رائحة حلوة وحامضة، باعتبار ما يقارنها من الطعوم وليس لأنواعها أسماء خاصة، وسبب الإحساس بها وصول الهواء المتكيف بها إلى الخيشوم. وقيل: المختلط بجزء لطيف متحلل عن ذي الرائحة.

وأما القسم الثاني

أعني الكيفيات النفسانية فهي الحياة، والصحة، والمرض، والإدراك؛ وما تتوقف عليه الأفعال، كالقدرة والإرادة، فما كان منها راسخة سُمّيت ملكة، وما ليس كذلك سميت حالا، وبيانها في مباحث…

المبحث الأول

في الحياة وهي قوةٌ تتبع الاعتدال النوعي، وتفيض عنها سائر القوى. واستدل الحكيم على مغايرتها لقوتي الحس والتغذية، بأن العضو المفلوج حي وليس بحساس، والعضو الذابل حي وليس بمغتذٍ، والنبات بعكسه. ومنه بأن عدم الفعل لا يستلزم عدم القوة لجواز أن يمنعها عنه عائق، لا يقال القوة ما تؤثر بالفعل، لأنه لو سلم لزم أن لا يطلق لفظ القوة عليه لا عدمه، وبأن غازية النبات تخالف غازية الحيوان بالذات. وقد شرطها الحكماء والمعتزلة بالبنية، ومنع

صفحة 122

بأنها إن قامت بالمجموع واتحدت كان الواحد حالا في محال وهو محال، وإن تعددت كان كلّ واحد منها مشروطاً بالآخر، فيلزم الدور وفيه نظر.

والموت عدم الحياة عما من شأنه هي، وقيل: هي كيفيةٌ تضاد الحياة، لقوله تعالى: “خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ”[8]، والعدم لا يخلق، ومنع بأن المعنى بالخلق هو التقدير.[9]

المبحث الثاني

في الإدراكات وهي إما أن تكون ظاهرة كإحساس المشاعر الخمس، وإما باطنة وهي تنقسم إلى تصورات وتصديقات. والتصديق إما أن يكون جازما أو لا، والأول إما أن يكون بموجب أو لا، والثاني التقليد، والأول إما أن يقبل متعلقة النقيض بوجهٍ وهو الاعتقاد أو لا، وهو العلم. والثاني إما أن يكون متساوي الطرفين فهو الشك، وإن لم يكن، فالراجح ظن، والمرجوح وهمٌ،

صفحة 123

والتصور هو وجود صورة المعلوم العالم، والذي يدلّ على وجود هذه الصورة في العقل، انا نتصور المعدوم ونميزه عن غيره تمييزا لا يتحقق إلا مع الثبوت وليس هو في الخارج فهو في الذهن[10].

واعترض عليه بأنه يوجب كون الذهن حاراً بارداً مستقيماً مستديراً معاً عند تصورها، والحق أنهم إن قصدوا بالصورة ما يشبه المتخيل في المرآة فمحتمل، وإن أرادوا ما يشارك الخارجي في تمام الماهية، فباطلٌ، لأنها عرض. والمتصور قد يكون جوهرا والشي قد يتصوّر نفسه فلو حصل فيه مثله لزم اجتماع المثلين لا يقال العاقل والمعقول، والمعقول والعقل واحد، لأن العاقل هو الذي حضر عنده ماهيةٌ مجردة، وهو أعمّ من الذي حضر عنده ما يغايره لأن حضور الشيء عند نفسه محال.

وقيل: تعلق خاصٌّ بين العالم والمعلوم، فيتعدد بتعدد المعلومات، ويشكل بتعقل الشيء نفسه.

وقيل: صفةٌ توجب العالمية وهي حالة لها تعلق بالمعلوم، فعلى هذا لا يتعدد بتعدد المعلومات.

فرعان على القول بالصورة: الأول: الصورة العقلية تفارقها الخارجية في أنها

صفحة 124

محسوسة ومتمانعة، وممتنعة الحلول في مادة ما هي أصغر منها ومندفعة بحدوث ما هو أقوى منها.

الثاني: الصورة العقلية كلية، لا على معنى أنها كليّة في نفسها، فأنها صورة جزئية في نفوس جزئية، بل لأن المعلوم بها كلي أولا، لان نسبتها إلى كل واحد من أفراد ذلك النوع سواء. والعلم إجمالي يتعلق بأمور متعددة باعتبار شامل لها، وتفصيلي يتعلق بأعيان كل واحد منها، وفعلي وهو ما إذا تصورت فعلا ففعلته، وانفعالي كما إذا شاهدت شيئا فتعقلته.

مسألة

للنفس أربع مراتب؛ الأولى: استعداد التعقل ويسمى العقل الهيولاني، والثانية: أن تحصل البديهات باستعمال الحواس في الجزئيات وهي العقل بالملكة التي هي مناط التكليف، والثالثة: أن تحصل النظريات بحيث يتمكن من استحضارها ويسمى العقل بالفعل، والرابعة: أن يستحضرها ويلتفت إليها، وتسمى العقل المستفاد.

المبحث الثالث

في القدرة والإرادة. القدرة صفةٌ تؤثر وفق الإرادة، وهي ميلٌ يعقب اعتقاد النفع كما أن الكراهية نفرة تعقب اعتقاد الضر.

صفحة 125

وقيل: القدرة مبدأ الأفعال المختلفة، فالقوة الحيوانية قدرةٌ وفاقاً، والفلكية عند من يجعلها شاعرة على الأول، والنباتية على الثاني. والقوة العنصرية خارجة عنهما، وهي غير المزاج لأنه من جنس الحرارة والبرودة، وتأثيره من جنس تأثيرهما، والقدرة ليست كذلك. والقوة مبدأ الفعل مطلقاً، وقد يقال قوة لإمكان الشي مجازاً.

والخلق ملكةٌ تصدر بها عن النفس أفعال بسهولة من غير سبق روية، والفرق بينه وبين القدرة، أن نسبة القدرة إلى الضدين على السواد، ومن منع ذلك أراد بها القوة المستجمعة لشرائط التأثير، ولهذا زعم أن القدرة مع الفعل والمحبة ترادف الإرادة، فمحبة الله تعالى للعباد إرادة كرامتهم، ومحبة العباد له إرادة طاعته، والرضا ترك الاعتراض، والعزم جزم الإرادة بعد التردد.

المبحث الرابع

اللذة والألم. بديهيا التصور، وقولهم اللذة إدراك الملائم، والألم إدراك المنافي فيه نظرٌ، لأنا نجد من أنفسنا حالة مخصوصة، ونعلم أن ندرك ملائما، ولا نعلم أن تلك الحالة هي نفس الإدراك أو غيره وبتقدير المغايرة، فاللذة كلاهما أو إحداهما.

وما قيل من أن اللذة هي دفع الألم خطأ؛ لأن الإنسان قد يلتذ بالنظر إلى الوجه الحسن، والوقوف على مسألة، والعصور على مال فجأة بلا حصول سابق.

صفحة 126

المبحث الخامس

في الصحة والمرض. الصحة هي حالةٌ أو ملكةٌ بها تصدر الأفعال عن موضوعها سليمة، والمرض بخلافها فلا واسطة بينهما. وأما الفرح والحزن والحقد وأمثال ذلك فغنية عن البيان.

أما القسم الثالث

وهو الكيفيات المختصة بالكميات، وهي إما أن تكون عارضةً للكميات وحدها، وإما للمتصلات: كالاستقامة، والاستدارة، والانحناء، والتشكل، وإما للمنفصلات: كالزوجية، والأولية، والتركيب، وإما أن تكون مركبة عنها وعن غيرها، كالخلقة المركبة عن الشكل واللون.

أما القسم الرابع

وهو الكيفيات الاستعدادية، فهي إن كانت استعداداً نحو اللاقبول كالصلابة تسمة قوةً، وإن كانت استعداداً نحو القبول يسمى ضعفاً، لا قوة.

  1. [1] الزق: هو كل وعاء من الجلد يُتخذ لشرب الماء أو لنقل الماء فيه (لسان…)
  2. [2] في شرح الأصفهاني؛ هلية: أي وجوداً فلا يحتاج إلى تعريف بالحد أو الرسم.
  3. [3] يقصد: الشيخ الرئيس أبو علي ابن سينا المتوفى 428هـ.
  4. [4] العفوصة هي كيفية غير ملائمة من شأنها التكثيف الشديد، والعفص ما يقبض ظاهر اللسان وباطنه…أما القبض فهو ما يقبض ظاهر اللسان فقط.
  5. [5] الدسومة هي كيفية صغيرة ملائمة، والحلاوة أقوى من الدسومة.
  6. [6] التفاهة: الأطعمة التفهة هي التي لا طعم لها بحلاوة أو حموضة أو مرارة، ومنهم من يجعل الخبز واللحم منها (لسان 324/1).
  7. [7] الحضض: دواء يُتخذ من أبوال الإبل، وهو نوع من الاشنان.
  8. [8] سورة الملك الآية2.
  9. [9] يقول البيضاوي في تفسيره لهذه الآية “الّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ” قدرهما أو أوجد الحياة وأزالها حسبما قدرة، وقدم الموت لقوله: “وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ” (سورة البقرة الآية 28)، ولأنه أدعى إلى حسن العمل (تفسير البيضاوي ص748).
  10. [10] يشير البيضاوي هنا إلى بعض الآراء الخاصة بمشكلة (شيئية المعدوم) التي ناقشها المتكلمون (راجع د. صبحي: في علم الكلام الأول ص 285-289).
صفحة 127

الفصل الرابع

في الأعراض النسبية

وفيه مباحث:

المبحث الأول

في هلّيتها، أنكرها جمهور المتكلمين، إلا الأين، وقالوا لو وجدت لوجد حصولها في محالها، متسلسل. احتج الحكماء بأنها تكون محققةً، ولا فرض، ولا اعتبار، فهي إذا من الخارجيات، وليست إعداماً لأنها تحصل بعدما لم تكن، ولا ذات الجسم لأنها لا تقاس إلى الغير، ونوقض بالفناء والمضي.

المبحث الثاني

في الأين، وسماه المتكلمون كوناً، فقالوا: حصول الجوهر في آنين فصاعداً في مكان واحد: سكون؛ وفي مكانين: حركة، فحصوله أول حدوثه لا حركة ولا سكون. وقال الحكماء الحركة كالمال أول لما هو بالقوة من جهة ما هو بالقوة، وبيانه أن الحركة أمر ممكن الحصول للجسم، فيكون حصولهما كمالا، ويفارق غيره من حيث أن حقيقته ليست إلا التأدي إلى الغير، فيكون ذلك الغير متوجهاً إليه ممكن الوجود

صفحة 128

ليتأتى التأدي إليه، فيكون حصوله كمالا ثانيا، وذلك التوجه ما دام كذلك يبقى شيء منه بالقوة، وإلا لكن وصولا لا توجها، فتبين أنها كمال أول لما هو بالقوة من حيث هو بالقوة، وحاصله قريب مما قاله قدماؤهم، وهو أنها خروجٌ عن القوة إلى الفعل على سبيل التدريج.

وذلك قد يكون في الكم كالتخلخل والتكاثف؛ وهما ازدياد المقدار وانتقاصه من غير ضم ولا فصل؛ وكالنمو والذبول، وهما ازدياد وانتقاص يكونان بهما؛ وفي الكيف كاسوداد العنب، وتسخين الماء ويسمى استحالة؛ وفي الوضع كحركة الفلك وتسمى حركة دورية. وفي الأين كالحركة من مكان إلى مكان آخر ويسمى نقلة، ولا يكون في الجوهر لأن حصوله دفعة ويسمى كونا، ولا في سائر المقولات لأنها تابعة لمعروضاتها.

ولا بد لكل حركة من ستة أمور: ما منه الحركة، وما إليه، وما له، وما به، والزمان، وتشخيص الحركة إنما يتحقق بوحدة موضوعها وزمانها، وما هي فيه إذ الواحد قد يتحرك إلى جهتين في زمانين، وقد ينتقل وينمو في آن واحد، ومتى اتحد ذلك المبدأ والمنتهى، ولا محالة، ولا عبرة بوحدة المحرك وتعدده، وتنوعها بتنويع ما منه، وما إليه كالهبوط والصعود، وما فيه كأخذ الأبيض إلى التصفر، إلى التحمر، إلى السواد وإلى الفستقية، إلى الخضرة، إلى السواد، ولا عبرة بتنوع المحرك، والموضوع، والزمان إن قدر تنوعه لجواز اشتراك المختلفات في أثر وعارض أو معروض واحد، واختلافها الجنسي باعتبار ما هي فيه، كالنقلة، والاستحالة والنمو، وتضادها ليس لتضاد المحرك والزمان، لما سبق. وما فيه لأن

صفحة 129

الصعود ضد الهبوط مع وحدة الطريق، بل لتضاد ما منه وما إليه، إما بالذات كالتسود والتبيض، أو بالعرض كالصعود والهبوط، فإن مبدأهما ومنتهاهما نقطتان متماثلتان عرض لهما تضاد من حيث أن إحداهما صارت مبدأ، والأخرى منتهى، وانقسامها بانقسام الزمان وانقسام المسافة والمتحرك.

ولا بد لها من قوة توجبها، وتلك القوة إن كانت مسببة من سبب خارجي سميت الحركة قسرية، وإلا فإن كان لها شعور بما يصدر عنها سميت إرادية، وإلا سميت طبيعية، وكل منها سريعة أو بطيئة؛ والبطء ليس لتخلّل السكنات، وإلا لكانت نسبة السكنات المتخللة بين حركات عدو الفرس نصف يوم إلى حركاته، نسبة فصل حركة الفلك الأعظم على حركته، فتكون سكناته أزيد من حركاته ألف ألف مرة، فينبغي أن لا يحس بحركاته القليلة المغمورة في تلك السكنات، وأيضا لو جاز أن ترتفع الشمس جزءاً ويسكن الظل، لجاز في الجزء الثاني والثالث حتى يتم الارتفاع، بل الموجب له في الحركة الطبيعية ممانعة المخروق، وفي القسرية ممانعة الطبيعة، وفي الإرادية ممانعتهما.

والمشهور أنه لا بد وأن يتخلّل بين كل حركتين مستقيمتين سكون، لأن الميل المحرِّك للجسم لا بد وأن يكون حاصلا معه إلى أن يصل إلى الحدّ المعين، وذلك الوصول في آنٍ والحركة عن هذا الحد لا بد أن يكون بميل آخر وحدوثه في آن آخر، لاستحالة اجتماع الميل إلى الشيء مع الميل عنه ويكون بينهما زمان، وإلا

صفحة 130

لزم تتالي الآنات فيكون الجسن في ذلك الزمان ساكنا، ورد بمنع اجتماع الميلين وتتالي الآنات.

المبحث الثالث

في الإضافة. يُطلق المضاف على الإضافة، وهو المضاف الحقيقي، وعلى معروضها وعليهما جميعا وهو المشهور، ومن خواصها التكافؤ في لزوم الوجود ووجوب الانعكاس، كما تقول أب الابن وابن الأب، وأنها إذا كانت مطلقة أو محصلة في طرف كانت في الطرف الآخر كذلك، أما لو تحصّل موضوع إحداهما لم يلزم أن يحصل موضوع الأخرى، ثم منها ما يتوافق في الطرفين كالتماثل والتساوي، أو يختلف اختلافا محدودا كونه نصفا وضعفا. أو غير محدود ككونه زائدا وناقصا، والاتصاف بها قد يحتاج إلى صفة حقيقية في الجانبين كالعاشق والمعشوق، أو في أحدهما كالعالم والمعلوم، وقد لا يحتاج كاليمين والشمال، وهي تعرض سائر المقولات، فالجوهر كالأب، والكم كالعظيم والكيف كالآخر، والأين كالأعلى، والمتى كالأقدم، والوضع كالأشد انتصابا، والمضاف كالأقرب، والملك كالأكسى، والفعل كالأقطع، والانفعال كالأشد تقطعا، والإضافات في شخصيتها ونوعيتها وجنسيتها وتضادها تابعة لمعروضاتها.

فرع: التقدم على الشيء قد يكون بالزمان كتقدم الأب على الابن، وبالذات والطبع كتقدم الجزء على الكل، وبالعليّة كتقدم الشمس على ضوئها، وبالمكان كتقدم الإمام على المأموم، وبالشرف كتقدم العالم على الجاهل. وليس في سائر المقولات النسبية مزيد بحث، ولنختم الكلام في الأعراض.

صفحة 131

الباب الثالث
في الجواهر

صفحة 133

قال الحكماء: الجوهر إما أن يكون محلا وهو الهيوليّ، أو حالا وهو الصورة، أو مركبا منهما وهو الجسم، أو لا كذلك وهو المفارق، فإن تعلق بالجسم تعلُّق التدبير فهو النفس؛ وإلا فهو العقل.

وقال المتكلمون: كلّ جوهر فهو متحيز، وكلّ متحيز إما أن يقبل وهو الجسم، أو لا وهو الجوهر الفرد. ومباحث الباب تنحصر في فصلين.

صفحة 133

الفصل الأول
في مباحث الأجسام

المبحث الأول

في تعريف الجسم؛ الحد المرضى عند جمهور المتأخرين، أنه الجوهر القابل للأبعاد الثلاثة المتقاطعة على الزوايا القائمة، واعترض عليه بأن الجوهر لم تثبت جنسيته، والقابل إن كان عرضا لم يكن جزء الجوهر، وإن كان جوهرا دخل الجنس فيه، ويستدعي فصلا آخر، ويتسلسل.

وبهذا علم أن الجوهر لا يجوز أن يكون جنسا؛ وقالت المعتزلة أنه الطويل، العريض العميق؛ وقال بعض أصحابنا أنه المركب من جزئين فصاعدا، ولا شكّ أن حقيقة الجسم أظهر من ذلك.

صفحة 134

المبحث الثاني

في أجزائه. ذهب جمهور المتكلمين إلى أن الأجسام البسيطة الطباع مركبة من أجزاء صغار لا تنقسم أصلا؛ وقيل: فعلا؛ وقيل: من أجزاء غير متناهية، وذهب الحكماء إلى أنها متصلة في نفسها، كما هي عند الحسيّ قابلة لانقسامات غير متناهية، وقيل: قابلة لانقسامات متناهية.

وحجة المتكلمين: إن الجسن قابل للقسمة وكل ما هو قابل للقسمة ليس بواحد، وإلّا لقامت به وحدته، وانقسمت بانقسامه. وأيضا فكل منقسم تتميز مقاطع أجزائه بخواص مختلفة، فيكون منقسما بالفعل، متعددا بتعدد تلك الخواص العارضة لها، وأيضا هوية القسمين المتفاصلين بالتقسيم إن كانت حاصلة قبل التقسيم فهو المطلوب، وإلا لكان التقسيم إعداما للجسم الأول وإحداثا للقسمين، فعلى هذا لو شقّ بعوض برأس إبرته سطح البحر أعدم البحر الاول وأوجد بحرا آخر وفساده لا يخفى؛ فثبت أن كلّ جسم ليس بواحد في نفسه بل هو مركب من أجزاء، وتلك الأجزاء لا تنقسم، وإلا لكانت ذات أجزاء أخر فيكون الجسن مركباً من أجزاء لا نهاية لها وهو محالٌ، لأن كل عدد متناهيا كان أو غيره، فالواجد موجود فيه فإذا أخذنا ثمانية أجزاء بحيث يكون في كل جهة حجم يحصل متناهي الأجزاء وآخر يكون نسبة حجمه إلى حجم سائر الأجسام، نسبة متناهي القدر إلى متناهي القدر. لكن ازدياد الحجم بازدياد التأليف والنظم، فلو كان الجسم متناهي القدر من أجزاء غير

صفحة 135

متناهية لكانت نسبة الآحاد المتناهية إلى الآحاد الغير متناهية نسبة متناه إلى متناه، وهذا خلف؛ ولأنه لو تركب الجسم من أجزاء غير متناهية لامتنع قطع المسافة لتوقفه على قطع أجزائها وقطع كل جزء مسبوق بقطع قلبه، فيكون قطعة في زمان غير متناه، وأيضا النقطة موجودة بالاتفاق وهي لا تقبل القسمة. فإن كان جوهرا كما هو عندنا حصل المطلوب، وإن كان عرضا لم ينقسم محلها، وإلا لانقسمت بانقسامه، وأيضا فالحركة الحاضرة غير منقسمة، وإلا لما كان الكل حاضرا فلا ينقسم ما فيه، فثبت أن في الأجسام ما لا يقبل القسمة، لا يقال أن الحركة ليست إلا الماضي والمستقبل لأنه يوجب أن لا توجد الحركة أصلا.

احتج الحكماء على نفي الجوهر الفرد بوجوه. الاول: أن كل متحيز فيمينه غير يساره، والوجه المضيء فيه غير المظلم، لا يقال ذلك لتغاير وجهيه لأنهما إن كانا جوهرين ثبت المدعي، وإلا لزم تغاير محليهما.

الثاني: إنا لو فرضنا خطأً مركبا من أجزاء شفع فوق أحد طرفيه جزء وتحت الآخر جزء آخر وتحركا على تساوٍ، تحاذيا لا محالة على ملتقى جزئين، فيلزم الانقسام.

الثالث: كلما قطع السريع بحركته جزءاً قطع البطيء أقل منه، وإلا لزم أن يساويه في كلّ جزء ويقف في آخر، وقد بان فساده.

صفحة 136

الرابع: الجسم الذي أجزاؤه وتر وكان ظله مثيله كان مثله من الظل، ظل نصفه فيكون له نصف فينتصف الجزء المتوسط، وقد برهن أقليدس[1] على أن كلّ خط يصح تنصيفه وهو يقتضي ذلك.

الخامس: إذا فرض خط من ثلاثة أجزاء على أحد طرفيه جزء وتحرك الخط إلى أيمن، والجزء إلى أيسر، فإن انتقل إلى ما فوق الجزء الثاني، فهو محال. لأن الجزء الثاني انتقل إلى حيز الجزء الأول، وإن انتقل إلى ما فوق الثالث فهو قطع دزئين حينما قطع ما تحته جزءاً واحداً فينقسم الزمان والحركة والمسافة.

السادس: الجزء مشكل فإن كان كرة فإذا انضم بأجزاء أخر وقعت بينهما فرج لا تسع أجزاء مثلها، فيلزم الانقسام، وإن كان غيرها كانت فيه زوايا، فينقسم.

السابع: إذا دارت الرَّحى فمهما قطع الطوق العظيم جزءاً فالصغير إما أن يقطع أقلّ من جزء فينقسم الجزء، أو جزءاً تاماً فيتساوى الصغير والعظيم أو يقطع تارةً جزءاً ويسكن أخرى فتتفكك أجزاء الرحى وكذلك الفرجار ذو الشعب الثلاث. ثم قالوا فالجسم متصلٌ في نفسه يقبل انقسامات لا نهاية لها والقابل لها ليس الاتصال لأنه يعدم عندها والقابل  يبقى مع المقبول فهو شيء آخر يقبل

صفحة 137

الاتصال والانفصال، ويسمى هيولى ومادة والاتصال صورة. واعلم أن دليل الفريقين يمنع الانقسام الفعلي ويوجب القسمة الوهمية. لا يقال القسمة الوهمية متداعية إلى جواز القسمة الانفكاكية لأن الاجزاء المفترضة متماثلة فيصح بين كل اثنين منها ما يصح بين آخرين فيصح بين المتباينين ما يصح بين المتصلين وبالعكس، لأنا نقول لم لا يجوز أن يكون الجسم مركبا من أجزاء متخالفة بالماهية أو متشخصة بتشخصات عائقة عن الانفكاك، فتكون تلك الأجزاء قابلة للاتصال والانفصال وإن سلم اتصال الجسم فلم لا يجوز أن يقال هو وحدة الجسم والانفصال هو التعدد والقابل لهما الجسم.

فروع: قالوا: الصورة لا تنفك عن الهيولى لأنها لا تنفك عن التناهي والتشكل والموجب لهما ليس الجسمية العامة ولا شيئا من لوازمها وإلا لساوى الجزء الكل فيهما ولا الفعل وإلا لاستقلت الصورة بالانفعال فهو الحامل بما فيه من الصفات ولأنها قابلة للقسمة الوهمية أبدا وكل ما قبل الوهمية قبل الانفكاكية وكل ما قبل الانفكاكية فله مادة على ما سبق تقرير هذه المقدمات ولا الهيولى عنها لانها لو تجردت ذات وضع وانقسمت في جميع الجهات كانت جسما وإلا لكانت نقطة أو خطأً أو سطحا، ولو تجردت غير ذات وضع فإذا لحقتها الصورة تصير ذات وضع مخصوص بإمكان غيره، فيترجح الجائز بلا مرجح ولأنها لو تجردت لكانت موجودة بالفعل ومستعدة للصورة، والواحد لا يقتضي قوةً

صفحة 138

وفعلا، فيكون لها ما يقتضي هذه القوة، وهي الهيولى. فيكون للهيولى هيولى أخرى، فالهيولى تفتقر إليها في بقائها وتحيزها والصورة تحتاج إلى المادة في تعينها وتشكلها والمادة أيضا لا تخلو عن صورة أخرى نوعية وإلا لما اختلفت الأجسام في الهيئات والأمكنة والكيفيات والأوضاع الطبيعية والتشكل والتفكك بسهورة أو عسر، واعلم أن بناء هذه الكلمات على نفي الفاعل المختار والحق بثبوته ومع ذلك فللمعترض أن يجوز انفعال الصورة بنفسها وعدم استلزام قبول القسمة الوهمية قبول الانفكاكية واقتضاء المادة المجردة وضعا معينا بشرط اقتران الصورة بها وكون الواحد مبدأ كثير مع أن القابلية ليست أثرا ووجود المادة بالفعل  ليس مقتضى ذاتها وأن يطالبهم بما يوجب الاختلاف في الصورة النوعية ثم يزعم أن ما يجعلونه إياه من الأحوال العنصرية السابقة واختلاف المواد الفلكية سبب لاختلاف الأعراض والهيئات.

المبحث الثالث

في أقسامه. قال الحكماء: الاجسام إما بسائط أو مركبات، والبسائط تكون كريه لأن الطبيعة الواحدة لا تقتضي هيئات مختلفة وتنقسم إلى فلكيات وعناصر والأول أفلاك وكواكب، والأفلاك الثابتة بالأرصاد تسعة؛ الأول الفلك الأعظم والعرش المجيد والجسم المحيط بسائر الأجسام ويدلّ عليه وجوه؛ الأول إن الأجسام متناهيةٌ لما سنذكره فيكون جسم هو نهايتها، الثاني الجهة متعلق الإشارة ومقصد المتحرك بالوصول إليها فتكون موجودة غير مجردة وليست بجسم لأنها غير

صفحة 139

منقسمة، وإلا فالواصل إلى نصفها إن وقف فالجهة هو لا ما بعده وإلا فحركته إن كانت عن الجهة فكذلك، وإن كانت إليها فالجهة ما بعده فهي جسمانية والمحدّد لها جسم واحد إذ لو تعدد ولم يحط البعض بالبعض يتحدّد القرب بهما دون البعد وإن أحاط فالمحاط حشو إذ المحيث يحدد القرب بمحيطه والبعد بمركزه وهو بسيط وإلا لصح الانحلال عليه وهو بالحركة المستقيمة المتوجهة إلى الجهة، فالجهة له لا به فيكون كريا.

الثالث: الارصاد شاهدة على أن الكواكب والأفلاك تتحرك بالحركة اليومية، وبحركات أخرى متفاوتة. فلا بد من جسم يحيط بها ويحركها بحركتها اليومية، وهذا يدل على فلك تاسع ولا يدلّ على إحاطته يجملة الأجسام، وأما الثماني الباقية، فيدلّ عليها اختلاف حركات الكواكب وامتناع تحركها بالذات لاستحالة الخرق على الأفلاك. ولقائل أن يقول إن سلم استحالة الخرق، فلم لا يجوز أن يكون لكل كوكب نطاق يتحرك بنفسه، أو باعتماد الكواكب عليه.

فرعان: الأول: أنها بأسرها شفافة، إذا لو كانت ملوّنة لحجبت الأبصار عن رؤية ما وراءها، ولا حارّة ولا باردة وإلا لاستولى الحر أو البرد على عالم

صفحة 140

العناصر لمجاورتها، ولا خفيفة ولا ثقيلة وإلا لكان في طباعها ميل مستقيم، ولا رطبة ولا يابسة لأن سهولة التشكل والالتصاق وغيرهما لا يتم إلا بالحركة المستقيمة، ولا قابلة للحركة الكمية لأنه لو زاد محدَّب المحيط لزم أن يكون فوقه خلاء وهو محال، ومقعره مثل محدبه فيستحيل عليه ما استحال على محدبه. وإذا لم يتغير مقعره امتنع ذلك في محدب المحاط به، وإلا لزم التداخل أو وقوع الخلاء بينهما، وكذا في مقعره لأنه كالمحدب في تمام الحقيقة، وفيه احتمال لأن امتناع ازدياد المحدب بعدم الحيز الذي هو شرطه ولا يلزم من ذلك اشتراك المقعر له فيه.

الثاني: انها متحركة لان الأجزاء المفترضة فيها متماثلة، فيصح لكل واحد منها من الوضع. والموضع ما حصل للآخر، ولا يتأتى ذلك إلا بالحركة المستديرة، فتصح الحركة المستديرة عليها، وكل ما صحت الحركة المستديرة عليه ففيه مبدأ ميلٍ مستدير، وكلّ ما فيه ذلك كان متحركا بالاستدارة لوجوب حصول الأثر عند حصول المؤثر، وأيضا لو بقي كلّ جزء على وضع معين وفي حيز معين من أجزاء حيّز الكل مع جواز غيره، لزم الترجيح بلا مرجح وهما منقوضان بالعناصر.

وأما الكواكب فهي أجسام بسيطة شفافة مركوزة في الأفلاك مضيئة، إلا القمر، فإنه يستفيد الضوء من الشمس، ويشهد له تفاوت نوره بحسب قربه من الشمس وبعده. لا يقال فلعله كرة يضير أحد وجهيها ويظلم الآخر ويتحرك على مركزه حركة تساوي حركة الفلك، إذ الخسوف يكذبه.

صفحة 141

وأما العناصر، فخفيف مطلق وهو النار الحار، يابس، مماس لمقعر فلك القمر؛ وخفيف مضاف وهو الهواء حار، رطب، مماسّ لمقعر النار، وثقيل مطلق وهو الأرض بارد، يابس ومحلّه الوسط بحيث ينطبق مركزه على مركز العلم. وثقيل مضاف وهو الماء، بارد، رطب، وكان من حقه أن يحيط بالأرض إلا أنه لما حصل في بعض جوانبها تلال ووهاد بسبب الأوضاع والاتصالات الفلكية، سال الماء بالطبع إلى الأغواء وانكشفت المواضع المرتفعة وذلك من حكمة الله تعالى ورحمة ليكون منشئاً للنبات ومسكنا للحيوانات، ثم إنها بأسرها كائنة وفاسدة، لأن مياه بعض العيون تتجمد حجرا، والحجر يجعله أصحاب الحيل ماء، والهواء الملاصق للإناء المبرَّد يصير قطراً، والماء المغليّ والشعلة هواء، والهواء يصير نارا بالنفخ القوي.

وأما المركبات فإنما تُخلق من امتزاج هذه الأربعة بأمزجة مختلفة معدة لِخِلقٍ، متخالفة وهي المعادن والنبات والحيوان، والمزاج هو الكيفية المتوسطة الحاصلة من تفاعل البسائط بأن تتصغّر أجزاؤها فتختلط بحيث تكسر صورة كل واحد منها صورة كيفية الأخرى، فتحدث كيفية متوسطة.

المبحث الرابع

في حدوثها. الأجسام محدثةٌ بذاوتها وصفاتها، وقال أرسطو: الأفلاك قديمة بذواتها وصفاتها المعينة سوى الأوضاع، والحركات، والعناصر بموادها وصورها

صفحة 142

الجسمية بنوعها وصورها النوعية بجنسها. وقال مَنْ قبله الكل قديمة بذواتها محدثة بصورها وصفاتها واختلفوا في تلك الذوات، فقيل: كان الأصل جوهرة، فنظر الباري تعالى إليها بنظر الهيبة فذابت وصارت ماء، ثم حصلت الأرض منها بالتكثيف، والنار والهواء بالتلطيف. وقيل: كان هواء، وقيل: نارا، وتكونت البواقي بالتكثيف والسماء من الدخان. وقيل: كان أجزاء صغار من كل جنس متفرقة متحركة، فمهما اجتمع منها أجزاء متماثلة التأمت واتصلت وصارت جسما. وقيل: كان نفسا وهيولى فتعشقت عليها وتعلقت بها وصار تعلقها سببا لحدوث أجسام العالم. وقيل: كانت وحدات فصارت ذات أوضاع وتكونت نقاط، ثم ائتلفت فصارت أجساما، وتوقف جالينوس[2] في الكل؛ لنا وجوه:

الأول: أنه لو كانت الأجسام في الأزل، لكانت ساكنة إذ الحركة تقتضي المسبوقية بالغير المنافية للأزل، والساكن في الأزل لا يتحرك أبدا لأن سكونه إن كان لذاته امتنع انفكاكه، وإن كان لغيره فذلك الغير لا بد أن يكون موجبا وإلا لم يكن فعله قديما واجبا لذاته أو منتهيا إليه دفاع للتسلسل والدور،

صفحة 143

وحينئذ يلزم دوامه بدوامه فلا يزول أبدا، فالأجسام لو كانت ساكنة في الأزل، لم تتحرك أبدا، واللازم باطل، فالملزوم مثله.

قيل: لو امتنع وجوده أزلا لامتنع مطلقا لاستحالة انقلاب الممتنع لذاته ممكنا.

قلنا: الممتنع أزلا ليس الممتنع لذاته، كالحادث اليومي.

قيل: المحدد لا مكان له، فلا يكون متحركا ولا ساكنا.

قلنا: إن سلم فلا شك أنه ذو وضع ومماسة لما في جوفه، فإن بقي على الوضع والمماسة المعينين له فساكن، وإلا فمتحرك.

قيل: الأزل ينافي حركة معينة، لا حركات لا أول لها.

قلنا: بل الحركة من حيث هي لما سبق.

قيل: لم لا يجوز أن يكون السكون مشروطا بعدمٍ حادث فيزول بحدوثه.

قلنا: فينا في حدوثه وجود السكون فيتوقف على عدمه ويلزم الدور.

وقيل: القدرة على إيجاد معين قديمة وتنقطع بوجوده فانتقض ما ذكرتم.

قلنا: المنقطع التعلق وهو ليس أمرا وجوديا.

صفحة 144

الثاني: الأجسام ممكنة لأنها مركبة ومتعددة، فلها سبب. وذلك السبب لا يكون موجبا، وإلا لزم دوام جميع ما يصدر عنه بوسط أو بغير وسط، بدوام ذاته وهو محال، فيكون مختارا، وكلّ ما له سبب مختار فهو مُحدَثٌ. لا يقال: لم لا يجوز أن يوجب الموجب جسما متحركا على سبيل الدوام، ويكون تحركه شرطا لهذه الحوادث والتغيرات، لأن وجود هذه الحوادث إن توقف على وجود حركة، تلك على أخرى لزم اجتماع الحركات التي لا نهاية لها المترتبة وضعا وطبعا وهو محال، وإن توقف على عدمها بعد وجودها، كان الموجب مع عدم تلك الحركة علة تامة مستمرة لوجود هذا الحادث، فيلزم من دوامه دوامه.

الثالث: الأجسام لا تخلو عن الحوادث، وكل ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، والاول بيّن والثاني مُبرهَن في الباب الأول من الكتاب الثاني.

احتج المخالف بوجوه: الاول: إنها لو كانت محدثة لكان تخصيص إحداثها بالوقت المعين بلا مخصِّص وهو محال.

الثاني: إن كان حادث فله مادة، فالمادة قديمة دفعاً للتسلسل، وهي لا تخلو عن الصورة، فالصورة أيضا قديمة، فالجسم قديم.

الثالث: الزمان قديم، وإلا لكان عدمه قبل وجوده قبلية لا تتحقق إلا بزمان فيكون قبل وجود الزمان زمان، هذا خلف، وهو مقدار الحركة القائمة بالجسم فيكون قديما.

صفحة 145

وأجيب عن الأول: بأن المخصص هو الإرادة، وعن الثاني والثالث: بأن مقدماتها غير مسلمة ولا مبرهنة. وأعلم: أن صحة الفناء عليها متفرعة على حدوثها والكرامية[3] وإن اعترفوا بحدوثها قالوا إنها أبدية إذ لو عدمت فعدمها إما أن يكون بإعدام فاعل أو طريان ضد، أو زوال شرط، والكل محال؛ وقد سبق الكلام فيه تقريرا وجوابا.

المبحث الخامس

في تناهي الأجسام، الأبعاد الموجودة متناهية سواء فرضت في خلاء أو ملاء خلافا للهند[4]، لنا أنا لو فرضنا خطاً غير متناهٍ وخطاً متناهياً موازيا الأول، فإذا مال إلى المسامتة فلا بد من نقطة تكون أول نقطة المسامتة، ويكون الخط منقطعا بها، وإلا لكان أول المسامتة مع ما فوقها فيكون غير المتناهي متناهيا، هذا خُلْفٌ.

واحتجوا بأن كل جسم فما وراءه متميز مشار إليه حسّاً لأن ما يلي جنوبه غير ما يلي شماله، وكل ما كان كذلك فهو موجود جسم أو جسماني، فثبت أن ما وراء كل جسم جسم آخر لا إلى نهاية، ومنع بأن التميز وهْم ليس يثبت.

  1. [1] من علماء القرن الثالث، عاش في الاسكندرية وعلم في مدرستها، يُعدّ أشهر علماء الهندسة خلال العصور، إذ لا يعرف كتاب في العلم ظل يدرس في المدارس خلال العصور منذ تأليفه حتى عصرنا الحاضر مثل كتاب الأصول (د. أحمد صبحي: في فلسفة الحضارة ص229).
  2. [2] هو الحكيم الفيلسوف الطبيعي اليوناني، من أهل مدينة فرغاموس اليونانية، إمام الأطباء في عصره ورئيس الطبيعيين في وقته، ومؤلف الكتب الجليلة في صناعة الطب وغيرها، وتزيد قائمة مؤلفاته على 100 تأليف (القفطي: أخبار العلماء بأخبار الحكماء ص85، 86).
  3. [3] الكرامية: فرقة منسوبة إلى محمد بن كرام، المتوفى 255هـ، ولد بسجستان ثم انتقل إلى خراسان حيث تعلم بها. وقد بشر ابن كرام بجانب مذهبه في التجسيم بروح الزهد والتنسك، فكانت مدرسته مدرسة زهد (راجع، النشار: نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، الجزء الأول ص297).
  4. [4] يقول الأصفهاني في شرحه للطوالع: الأجسام الموجودة في الخارج متناهية…وذلك خلافا لما يذهب إليه حكماء الهند (شرح الطوالع ص143).
صفحة 146

الفصل الثاني

في المفارقات

وفيه مباحث

المبحث الأول

في أقسامها. الجواهر الغائبة إما أن تكون مؤثرة في الأجسام أو مدبرة إياها، أو لا مؤثرة ولا مدبرة، والاول: هو العقول، والملأ الأعلى، والثاني: ينقسم إلى علوية تدبر الأجرام العلوية وهي النفوس الفلكية، والملائكة السماوية، وسفلية تدبر عالم العناصر وهي إما أن تكون مدبرة للبسائط وأنواع الكائنات، وهم يسمّون ملائكة الأرض وإليهم أشار صاحب الوحي صلوات الله عليه، وقال: “جاءني ملك البحار، وملك الجبال وملك الأمطار، وملك الأرزاق”[1]، وإما أن تكون مدبرة للأشخاص الجزئية وتسمى نفوسا أرضية كالنفوس الناطقة.

صفحة 147

والثالث: ينقسم إلى خير بالذات، وهم الملائكة الكروبيون، وشرير بالذات وهم الشياطين، ومستعد للخير والشر وهم الجن، وظاهر كلام الحكماء أن الجن والشياطين هم النفوس البشرية المفارقة للأبدان.

وأكثر المتكلمين لما أنكروا الجواهر المجردة، قالوا الملائكة والجن والشياطين أجسام لطيفة قادرة على التشكل بأشكال مختلفة، هذا ما استنبطته من فوائد الأنبياء والتقطته من فرائد الحكماء وإحاطة العقل بها عن طريق الاستدلال لعلها من قبيل المحال، كما قال الله تعالى: “وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ”[2].

المبحث الثاني

في العقول. قال الحكماء هم أعظم الملائكة وأول المبدعات كما روي عنه عليه الصلاة والسلام: “أول ما خلق الله تعالى العقل”[3]، وأقوى ما استدلوا به عليه وجهان؛ الاول: ان الموجد القريب للأفلاك، ليس

صفحة 148

الباري تعالى، لأنه واحد، فالواحد لا يصدر عنه المركب ولا جسم آخر، لأنه إن أحاط بها لزم لتقدم وجوده على وجودها المتعارف، لعدم الخلاء فيكون الخلاء ممكنا لذاته، وهو محال، وإن أحاطت به لزم كون الخسيس علة للشريف، ولأن الجسم إنما يؤثر في قابل له وضع بالنسبة إليه فلا يؤثر في الهيولى، ولا في الصورة إذ ليس للهيولى وضع قبل الصورة ولا لها تعين قبل الصورة فلا يؤثر في الجسم ولا ما يتوقف فعله على الجسم، فالموجد لها جوهر مجرَّدٌ يستغني عن الأداة وهو العقل الثاني الصادر من الله تعالى أولا ليس العرض، لأنه لا يتقدم على الجوهر والصادا اولا علة لما عداه من الممكنات، ولا جسما لأنه لا يكون علة لغيره من الجواهر لما سبق، ولا هيولى ولا صورة، وإلا لتقدم إحداهما على الأخرى، ولأن الهيولى قابلة للصورة فلا تكون علة فاعلة لها. وتَعَيُّن الصورة مستفاد من الهيولى فلا تصدر الهيولى عنها، ولا ما يتوقف فعله على جسم، فهو عقل وله وجود من المبدأ الاول ووجوب بالنظر إليه، وإمكان من ذاته، فيكون بذلك سبباً لعقل آخر ونفس وفلك، ويصدر من العقل الثاني على هذا الوجه عقل ثالث، وفلك آخر ونفسه، وهلم جرا إلى العقل العاشر المسمى بالعقل الفعال المعبر عنه بالروح في قوله تعالى: “يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ”[4] المؤثر في عالم العناصر المفيض لأرواح البشر، والقلم يشبه أن يكون العقل الأول لقوله عليه الصلاة

صفحة 149

والسلام: “أول ما خلق الله القلم، فقال اكتب، فقال ما أكتب، فقال القدر ما كان وما هو كائن إلى الأبد”[5]، واللوح هو الخلق الثاني ويشبه أن يكون العرش أو متصلا به لقوله عليه الصلاة والسلام: “ما من مخلوق إلا وصورته تحت العرش”[6]

فرع: لما كانت العقول مجردة لم تكن حادثة ولا فاسدة وكانت منحصرة أنواعها وأشخاصها جامعة لكمالاتها بالفعل لما سبق من مذهبهم. إن مقابل هذه الأمور لا يكون إلا لما له مادة وكانت عاقلة لذواتها ولجميع الكليات غير مدركة للجزئيات، لما سيأتي تقريرها.

المبحث الثالث

في النفوس الفلكية، احتجوا بأن حركات الأفلاك غير طبيعية، وإلا لكان المطلوب بالطبع مهروبا عنه بالطبع، ولا قسرية لأن القسر إنما يكون على خلاف الطبع ويكون على موافقة القاسر في الجهة والسرعة والبطء، فهي إذن إرادية فلها محركاتٌ مدركة، فهي إما متخيلة وإما عاقلة، والاول باطل، لأن التخيل الصرف لا يتبعه حركاتٌ دائمةٌ باقيةٌ على نظام واحد فهي إذن عاقلة

صفحة 150

وكل عاقل مجرد لما سنذكره فثبت أن محركات الأفلاك، جواهر مجردة عاقلة، وليست هي المبادئ القريبة للتحريك؛ فإن الحركات الجزئية منبعثة عن إرادات جزئية تابعة لإدراكات جزئية، لا تكون للمجردات بل لقوى جسمانية فائضة عنها شبيهة بالقوة الحيوانية الفائضة عن نفوسنا على أبداننا، وتسمى نفوسا جزئية والمشهور أنها عارية عن الحواس الظاهرة والباطنة والشهوة والغضب إذ المقصود منها جلب المنافع ودفع المضار، وهما محالان عليها.

المبحث الرابع

في تجرّد النفوس الناطقة، وهو مذهب الحكماء وحجة الإسلام[7] منا، ويدل عليه النقل والعقل. أما العقل فمن وجوه؛ الأول: إن العلم بالله تعالى وبسائر البسائط لا ينقسم وإلا فجزؤه إن كان عَلَماً به كان الجزء مساويا لكله وهو محال، وإن لم يكن فالمجموع إن لم يستلزم زائدا فكذلك، وإن استلزم فيعود الكلام إليه ويتسلسل، فمحله غير منقسم وكل جسم وجسماني فمحله منقسم، فمحل العلم ليس بجسم ولا جسماني. ونوقض بالنقطة والوحدة وانقسام الجسم إلى ما يساويه في الجسمية.

الثاني: العاقل قد يدرك السواد والبياض، فلو كان جسما أو جسمانيا لزم

صفحة 151

اجتماع السواد والبياض في جسم واحد وهو محال، ومنه بأن صورة السواد والبياض العقليين لا تضاد بينهما. ونوقض بتصور هذا السواد وهذا البياض.

الثالث: لو كان العاقل جسما أو حالا فيه لزم تعقله دائما أولا تعقله دائما لأن الصوة الحالة في مادة ذلك العضو إن كفت في تعقله، لزم تعقله دائما؛ وإن لم تكفِ امتنع تعقله دائما لامتناع اجتماع صورتين متماثلتين في مادة واحدة. واللازم باطل، فالمُلزِم مثله، وهو ضعيف. لأن الصورة العقلية عَرَض فلا تماثل الجوهر وأيضا هي حالة في القوة الحالة في العضو والصورة الخارجية حالة في مادة ولا دليل على امتناع مثل هذا الاجتماع.

الرابع: القوة العاقلة تقوى على معقولات غير متناهية لأنها تقدر على إدراك الأعداد والأشكال التي لا نهاية لها ولا شيء من القوى الجسمانية كذلك لما سنذكره في باب الحشر.

واعترض عليه بأن عدم تناهي المعقولات إن عنيتم به أن العاقلة لا تنتهي إلى معقول إلا وهي تقوى على تعقل معقول آخر، فالقوة الخيالية كذلك وإن عنيتم به أنها تستحضر معقولات لا نهاية لها رفعة، فهو ممنوع.

الخامس: الإدراكات الكلية، إن حلت في جسم، لاختصت بمقدار وشكل ووضع تبعاً لمحلها فلا تكون صورا مجردة كلية.

واعترض عليه بأن كلية الصورة وانطباقها على كل واحد من الأشخاص إذا

صفحة 152

أخذت ماهيتها مجردة عن لواحقها الخارجية، وتجردها عراؤها عن العوارض الخارجية، ولا يقدح في ذلك شيء مما عرض لها بسبب المحل، وإلا لاشترك الإلزام بأن تقول الإدراك الكلي أيضا حال في نفس جزئية ولا يلزم من جزئية المحل جزئية الحال.

وأما النقل فمن وجوه؛ الأول: قوله تعالى: “وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ”[8] الآية، ولا شك أن البدن ميت، فالحي شيء مغاير للبدن وهو النفس.

الثاني: قوله تعالى: “النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا”[9]، والمعروض عليها ليس البدن الميت فإن تعذيب الجماد محال.

الثالث: قوله تعالى: “يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً”[10]، والبدن الميت غير راجع  ولا مخاطب، فالنفس غير البدن.

الرابع: أنه تعالى لما بين كيفية تكوين البدن، وذكر ما يتطور فيها من الأطوار، قال تعالى: “ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ”[11]. وعنى به الروح، فدلّ ذلك على أن الروح غير البدن.

الخامس: قوله عليه الصلاة والسلام: “إذا حُمِل الميت على نعشه تُرَفْرِف

صفحة 153

روحه فوق النعش، وتقول: يا أهلي ويا ولدي لا تَلْعَبنَّ بكم الدنيا كما لعبت بي؛ جمعت المال من حلة ومن غير حلة، ثم تركته لغيري، والتبعة عليّ، فاحذور مثل ما حل بي، فالمترفرف غير المترفرف فوقه”[12]

واعلم أن هذه النصوص تدل على المغايرة بينها وبين البدن، ولا على تجردها واختلف المنكرون لها، فقال ابن الراوندي[13]: إنها جزء لا يتجزأ في القلب، وقال النظام[14]: إنها أجسام لطيفة سارية في البدن، وقيل: قوة في الدماغ، وقيل: في القلب، وقيل: ثلاث قوى أحدها في الدماغ وهي النفس الناطقة الحكيمة، والثانية في القلب وهي النفس الغضبية وتسمى حيوانية، والثالثة في الكبد وهي النفس النباتية والشهوانية، وقيل: الأخلاط؛ وقيل المزاج.

المبحث الخامس

في حدوث النفس، المليّون لما بينوا أن ما سوى الواحد الواجب لذاته فهو محدث اتفقوا على حدوثها؛ إلا أن قوما جوزوا حدوثها قبل حدوث البدن لما روي

صفحة 154

في الأخبار: أن الله تعالى خلق الأرواح قبل الأجسام بألفي عام[15]؛ ومنعه الآخرون فقوله تعالى: “ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ”[16]؛ وخالف أرسطا طاليس من قبله، وشرط حدوثها بحدوث البدن، واحتج بأن النفوس متحدة بالنوع، وإلا لكانت مركبة، لاشتراكها في كونها نفسا فكانت جسما لأن كل مركب جسم، فلو وجدت قبل البدن لكانت واحدة، لأن تعدد أفراد النوع بالمادة، ومادتها البدن، فلا تتعدد قبله. ثم إذا تعلقت إن بقيت واحدة لزم أن يعلم كل واحد ما علمه الآخر، وإن لم تبق كانت منقسمة، والمجرد لا ينقسم؛ وقيل: عليه المفهوم من كونه نفسا كونه مدبرا، وهو عرضي لا يلزم التركيب من الشركة فيه وإن سلم فلا نسلم إن كلّ مركب جسمٌ كيف والمجردات بأسرها متشاركة في الجوهرية ومتخالفة بالنوع، وإن سلم الاتحاد بالنوع فلم لا يجوز يتعدد قبل هذه الأبدان بتعدد أبدان أخر، وعُمْدَتُكم الوثقى في بطلان التناسخ[17] مبني على حدوث النفس،

صفحة 155

وهي أن البدن إذا استكمل فاض، وفاض عليه نفس لعموم الفيض ووجود الشرط فلا يتصل به أخرى لأنه كل واحد يجد ذاته واحداً لا اثنين، فإثبات الحدوث به دور.

المبحث السادس

في كفية تعلُّق النفس بالبدن وتصرفها فيه، قال الحكماء: النفس غير حالة ولا مجاورة للبدن لكنها متعلقة به تعلق العاشق بالمعشوق وسبب تعلقها به، توقف كمالاتها ولذاتها الحسيتين والعقليتين عليه، وهي تتعلق أولا بالروح المنبعث عن القلب، المتكون من ألطف أجزاء البدن وأعماقه، فتسري في كل عضو قوى تليق به، ويكمل بها نفعه بإذن الحكيم العليم. وهي بأسرها تنقسم إلى مدركة، ومحركة؛ والمدركة إلى ظاهرة وباطنة، أما الظاهرة، فهي المشاعر الخمس؛ الأول: البصر وإدراكه بانعكاس صورة من المرئي إلى الحدقة وانطباعها في جزء منها يكون زاوية مخروط معروض قاعدته سطح المرئي، ولذلك يرى القريب أعظم من البعيد. وقيل: باتصال شعاع مخروط يخرج منها إلى المرئي، ومنع بأنه لو كان كذلك لتشوش الأبصار بهبوب الرياح فلا يرى المقابل ويرى غيره. ولاستحال أن يرى الأشياء المتعددة والعظيمة الجرم دفعة

صفحة 156

واحدة، لامتناع أن يخرج من حدقتنا ما يتصل بهذه الأشياء ويؤثر في جميعها.

الثاني: السمع، وسبب إدراكه وصول الهواء المتموّج إلى الصماخ[18]، وهو قوة مستودعة في قعره.

الثالث: السم، وهو قوة في زائدتين، هما في مقدم الدماغ، ويدرك الروائح بوصول الهواء المتكيف بها إليه. وقيل: بوصول الهواء المختلط بجزء تحلل من ذي الرائحة، ومنه بأن القَدْر اليسير من المسك لا يتحلل منه على الدوام ما ينتشر إلى مواضع تصل إليه الرائحة.

الرابع: الذوق، وهو قوة منبث في العصب المفروش على جرم اللسان، وإدراكه بمخالطة رطوبة الفم بالمذوق، ووصوله إلى العصب.

الخامس: اللمس، وهو قوة منبث في جميع جلد البدن، وإدراكه بالمماسة والاتصال بالملموس.

أما الباطنة فخمس؛ الأول: الحس المشترك، وهو قوة تدرك صور المحسوسات بأسرها، فإنّا نحكم على هذا بأنه أبيض طيّب الرائحة حلو، والحاكم

صفحة 157

لا محالة يحضره المحكوم به، وعليه فلا بدّ من قوة تدركهما جميعا، ومحلّها مقدم البطن الأول من الدماغ.

الثانية: الخيال، وهي قوة تحفظ تلك الصور، فإن الإدراك غير الحفظ، ومحله مؤخر هذا البطن.

الثالثة: الواهمة، وهي قوة تدرك المعاني الجزئية، كصداقة زيد، وعداوة عمرو، ومحلها مقدم البطن الأخير.

الرابعة: الحافظة، وهي قوةٌ تحفظ ما يدركه الوهم، ومحلها مؤخر هذا البطن.

الخامسة: المتصرفة، وهي التي تحلّل وتركب الصور والمعاني، وتسمة مفكرة إن استعملها العقل، ومتخيلة إن استعملها الوهم، ومحلها الدودة التي في وسط الدماغ. والدليل على اختصاص القوى بهذه المواضع اختلال الفعل بخللها، فالمدرك للجزئيات أولا هي هذه، والنفس إنما تدركها بواسطة تلك القوى، وانطباع صورها فيها، لأنا لو تصوّرنا مربعا مجنحا بمربعين، وتصورت

صفحة 158

النفس به يلزم تغاير محلّ الجناحين، وانقسام النفس، وهو محال.

وأما الحركة فتنقسم إلى اختيارية وطبيعية؛ فالأولى باعثة تحث على جلب المنافع، وتسمة القوة الشهوانية، أو على دفع المضار، وتسمى القوة الغضبية، وإلى محركةٍ تحرك الأعضاء بواسطة تمديد الأعصاب وإرخائها، وهي المبدأ القريب للحركة.

وأما القوى الطبيعية؛ فهي إما لحفظ الشخص أو لحفظ النوع. والأولى قسمان؛ الأول: الغاذية، وهي التي تحيل العذاء إلى مشابهة المغتذي لتخلف بدل ما يتحلل. الثاني: النامية، وهي التي تزيد في أقطار البدن على تناسب طبيعي إلى غاية الشيء؛ والثانية قسمان: الأول: المولِّدة، تفصل جزءا من الغذاء بعد الهضم ليصير مادة شخص آخر، والثاني: مصورة، وهي التي تحيل تلك المادة في الرحم، وتفيدها الصور والقوى، وتخدم هذه القوى الأربع، أربعٌ أخرٌ؛ الأولى: الجاذبة، وهي التي تجذب المحتاج إليه؛ والهاضمة، وهي التي تغير الغذاء إلى ما يصلح أن يكون جزءاً من المغتذي بالفعل، ولها أربع مراتب؛ الأولى: عند المضغ، والثانية: في المعدة، وهو أن يصير الغذاء كماء الكشك الثخين، ويسمى كيلوساً[19]، والثالثة: في الكبد، وهو أن يصير الكيلوس أخلاطا، وهي:

صفحة 159

الدم، والصفراء، والسوداء، والبلغم، والرابعة: في الأعضاء، والماسكة، وهي التي تمسك المجذوب ريثما تفعل فيه الهاضمة، والدافعة، وهي التي تدفع أفضل والمهيأ لعضو آخر إليه.

المبحث السابع

في بقاء النفوس، النفس لا تنفى بموت البدن لما سبق من النصوص ونحوها. احتج الحكماء بأن النفس غير مادية، وكل ما يقبل العدم فهو مادي، فالنفس لا تقبل العدم، وقد سبق القول في مقدمتيه تقريرا واعتراضا، ثم قالوا لها بعد البدن سعادة وشقاوة، لانها إن كانت عالمة بالله تعالى، ووجوب وجوده، وفيضان جوده، وتقدس ذاته عن النقائص، وكانت نقية عن الهيئات البدنية، معرضة عن اللذات الجسمانية، التذت بوجدان كونها نفسا كاملة شريفة منخرطة في سلك المجردات المقدسة، والملائكة المكرمة، وإن كانت جاهلة به، معتقدة للأباطيل الزائفة، تألّمت بإدراك جهلها، واشتياقها إلى المعارف الحقيقية، ويأسها عن حصولها خالدة مخلدة، وتمنت العود إلى الدنيا

صفحة 160
واكتساب المعالم؛ وإن اكتسبت من البدن هيئات ذميمة وأخلاقا ذميمة، كذبت بميلانها إليها، وتعذر حصول السعادة لها، إلا بعد مدة بحسب رسوخها ودوامها فيها حتى تزول، جعلنا الله من السعداء الأبرار، وبعثنا في زمرة الأخيار، والسلام على من اتبع الهدى وخشي عواقب الردى.

  1. [1] يبدو أن البيضاوي قد جمع في هذا الموضع عدة أخبار، ففيما يتعلق بملك البحار فورد فيه ما أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره عن ابن عمر، وابن حنبل في مسنده (382/5) وأما ملك الجبال فقد جاءت الإشارة إليه فيما أخرجه الشيخان من حديث عائشة أنها قالت: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم، هل أتى عليك يوم أشد من يوم أحد؟ قال: “لقد لقيت من قومك ما لقيت…فناداني ملك الجبال، فسلم علي ثم قال: يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني إليك بتأمرني بأمرك، فما شئت؟ إن شئت أطبق عليهم الأخشبين (جبلا مكة أبو قبيس والذي يقابله) فقال النبي عليه الصلاة والسلام: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا… (صحيح البخاري، بدء الخلق 59 / صحيح مسلم كتاب الجهاد والسير 32 ، أذى المشركين 39).

    وأما ملك الأمطار، فورد فيه ما أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره عن ابن عباس قال: “لما جمع لإبراهيم ما جمع، وألقي في النار جعل خازن المطر يقول: متى أؤمر بالمطر؟ فكان أمر الله أسرع…”.

  2. [2] سورة المدثر، آية 31.
  3. [3] ذكره الغزالي في الإحياء، وأخرجه الطبراني في الأوسط عن حديث عائشة بإسناد ضعيف.
  4. [4] سورة النبأ، آية 38.
  5. [5] أخرجه أبو داود في السنن (16) والترمذي (17) وابن حنبل في المسند الجزء الثاني ص217.
  6. [6] لم نقع على تخريج لهذا الحديث في الكتب الستة.
  7. [7] يريد أبا حامد الغزالي (505هـ) والإشارة بقوله (منا) إلى انتماء الغزالي للأشعرية.
  8. [8] سورة آل عمران، آية 169.
  9. [9] سورة غافر، آية 46.
  10. [10] سورة الفجر الآيتان 27-28.
  11. [11] الآية: “ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ” سورة المؤمنون، آية 14.
  12. [12] لم نقع على تخريج لهذا الحديث في الكتب الستة.
  13. [13] هو أبو الحسن أحمد بن يحيى بن إسحاق، من أهل مرو، وراوند قرية بنواحي أصبهان. كان من متكلمي المعتزلة ثم فارقهم وصار ملحدا وزنديقا. وقد اختلف المؤرخون في تحديد وفاته، قال ابن خلكان أنه هلك في سنة 245هـ برحبة مالك بن طوق. وقيل ببغداد، وعمره أربعون سنة، ويقال إنه عاش أكثر من ثمانين سنة وقيل إنه هلك سنة 250هـ وقال ابن النجار إنه هلك سنة 298هـ (دائرة معارف البستاني – بيروت – المجلد الاول ص486-487).
  14. [14] هو إبراهيم بن هانئ البصري المعروف بالنظام (انظر ترجمته فيما سبق).
  15. [15] الحديث: “إن الله خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام، ثم جعلها تحت العرش ثم أمرها بالطاعة لي، فأول روح سلمت علي روح علي”. رواه الأزدي عن علي مرفوعا، وأورده ابن الجوزي في الموضوعات، والشوكاني في الفوائد المجموعة (برقم 64 ص382).
  16. [16] سورة المؤمنون آية 14.
  17. [17] التناسخ: تناسخوا الشيء، تداولوه، وتناسخت الأزمنة، تتابعت. والتناسخ هو انتقال النفس بعد الموت إلى جسم آخر نباتي أو حيواني أو إنساني، قال بهذه الفكرة (فيثاغورس) ومن المرجح أنه قد أخذها من الفلسفة الهندية. وقد استعان أفلاطون بهذه الفكرة في التدليل على خلود النفس (د.مراد وهبة: المعجم الفلسفي، الطبعة الثالثة ص131-132.
  18. [18] الصماخ: هو قناة الأذن الخارجية التي تنتهي عند الطبل، وهو مدخل الصوت (معجم المصطلحات ص387).
  19. [19] الكيلوس: هو مستحلب الطعام المهضوم قبل أن يمتص في الامعاء. والتكيلس هو تحول الطعام إلى كيلوس (معجم المصطلحات العلمية والفنية ص601).
 
Top