مقدمة المؤلف

صفحة 20

مقدمة الطبعة الأولى:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله العليم الحكيم حق حمده، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسوله وعبده، وعلى من سار على نهجه القويم المبين، من الصحابة والتابعين، والعلماء العاملين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد فقد كنت أقفُ خلال مطالعاتي ومرجعاتي، على كثيرٍ من أخبار علمائنا المتقدمين، ووقائعِهم وشدائدِهم التي عانَوها أيامَ التحصيل والطلب، أو خلالَ حياتهم العلمية المملوءة بالتقشف والخشونةِ والعَقَباتِ والمتاعب.

وكنت أرى في سطور تلك الأخبار والوقائع دروساً صامتةً عظيمةً، يجب أن يطَّلع عليها شبابُنا المثقف، وجيلُنا المتعلم، واللفيفُ الغامطُ لتراثه العظيم، ليدركوا منها منزلة هذه العلوم الإسلامية، التي ألقيت بين أيديهم دانيةَ القطوف، طيبة الثمرات والجَنى، فيعرفوا قيمتها وقيمةَ الجهود الجبارة الهائلة التي بُذلَتْ في تحصيلها وتدوينها، ونقلها وضبطها وتلقينها.

ويتبدى لهم بالتابي من ثنايا تلك الأخبار وسيرة أهلها: عظمة المكتبة الإسلامية التي ملأت ما بين الخافقين، وعظمة رجالها الذين شادوها بأفكارهم وأقلامهم، وأسفارهم وأعمارهم، وجوعهم وعطشهم، وصبرهم وسهرهم، وكدهم ونصبهم، كما يتبدى لهم أيضا أن هذه المكتبة الإسلامية الزاخرة: نسيج وحديها في هذا الجانب العظيم.

وقد شَدَّ منيْ العزمَ على جمع هذه الصفحات: أن إدارةَ (كلية الشريعة) بالرياض، طلبت مني إلقاءَ محاضرةٍ في سلسلة محاضراتِها العامة، فرأيتها مناسبة حسنةً لاختيار هذا الموضوع، إذ فيه عرض لجانب هام من تاريخ علوم الإسلام، وتاريخ

صفحة 21

علمائه الأبرار، يتعرّف منه أبناؤنا الطلبةُ: كيف صارت هذه العلوم الكريمةُ إليهم، وكيف كان آباؤهم العلماء يتحملون المشاقَّ والشدائدَ في سبيلها…، فيكون لهم من ذلك حافز على تقدير هذا التراث العظيم، وتبصيرٌ بما عليهم من المسئوليات نحوَه، من تلقيه وخدمتِه ونشره والحفاظ عليه والدفاع عنه.

فكتبتُ بعضَ هذه الصفحات [1]، ثم اضفت إليها بعد ذلك من الأخبار ما يُتمِّمُ مقاصدَها، ويزيدُ فوائدَها. واقتصرتُ في هذه الصفحات على إيراد الأخبار والوقائع دون تحليل أو تعليق عليها، إذ هي ناطقة بذاتها لا تحتاج إلى شرح وبيان، وعزوتها إلى مصادرها ومراجعها، مع الاهتمام التام في ضبطها وتسهيل عرضها، ورتبتها على تسلسل الزمن في وقوعها، وبه يتبين فضل السلف على الخلف حتى في هذه الجوانب.

وموضوع هذا الكتاب قابل للزيادة والإضافة في جميع جوانبه، وأنا لم أقصد استقصاء أخبار العلماء هنا، فإن ذلك مُتَعَذِّرٌ، وإنما أردتُ تقديم نماذج من كل جانب، يقف القارئُ وطالبُ العلمِ منها على طرف من سيرة الآباء والأجداد في تحصيل العلم وتدوينه، فيدْركُ قدرَهم، ويعرف لهم فضلَهم، كما يدركُ مسئوليته في الحفاظ على ما خلفوه، من نِتاج عقولِهم وثمارِ جهودِهم، فَيُحَفِّزُهُ ذلك إلى الجد والدأب والتحصيل.

وقد يرى القارئ في هذه الصفحات بعض المصادفات العجيبة الغريبة، التي يكاد المرء يظن أن مصنوعة غير واقعة، لولا أن يتذكر أن هذا التاريخ الطويل عبر مئات السنين، وهذا العالم الواسع العريض، الذي كان يموج بالعلماء موجاً في كل جانب من جوانبه، ومن مشارق الأرض إلى مغاربها، لا يُستَبعَد أن تقع فيه _على طويل امتداده وتكاثر أهله وتباين أحوالهم وأيامهم_ لا يُستَبعَد أن تقع فيه بعض الغرائب والعجائب من الموافقات والمصادفات.

والإنسان قد يستبعد الشيء الغريب أحياناً، إذا قاس قبوله أو رفضه بمقياس

صفحة 22

مألوفه في حياته القصيرة وقطره الصغير! وقد يستغربه أحياناً إذا وجده كثيرا مع غرابته، ولكن يكون مبعثُ استغرابه له في هذه الحال آتياً من كثرتِه التي وقف عليها دفعة واحدة، في صعيدٍ واحد ووقتٍ واحد.

أما إذا تذكّر أن ذلك الغريبَ العجيبَ _بمقياس مألوفه_ وقع في آمادٍ متراميةٍ من الزمن، وفي أناس لا يعلم عددهم إلا اللهُ تعالى، تقاربَ إليه قَبولُ وقوعِه، وزال منه إنكارُ حدوثِه، وعَلم أن مَثَله في إنكاره الأول مثلُ إنسان وقَفَ على مقطع من البحر، ثم غاص فيه وضرب يميناً ويساراً من جنبات موقفه، فلم يشاهد في أعماق بحره إلا الأسماكَ المعتادةَ، والحيوانات المائية المعروفة، فأنكر ما يحكى عن البحر من عجائب المخلوقات.

وما درى أن تلك المخلوقات العجيبة الغريبة لم تُجمَع من مقطع واحد من البحر الكبير، ولا في زمن واحد، وإنما جمعت من أطراف البحر التي تنحسر عندها الأنظار والأفكار، وجمعت في آماد متباعدة، ومن أماكن متباينة، وإنما وقع له: أنه حدث عنها دفعة واحدة فأنكرها، فإذا تذكر هذه الحقيقة خضع لقبولها ولم ينكرها.

وأسوق إليك هنا نماذج يسيرة، من حقائق العجائب والغرائب من المخلوقات، روى أخبارها الرواة الثقات، حملة السنة النبوية،وأمناء الشريعة الأتقياء الصادقون الدعاة، بالسند المتصل الصحيح، الفيد للإيقان والإذعان، لصدق رجاله وضبطهم ونباهتهم رضي الله عنهم.

1- روى الإمام البخاري في ((صحيحه))[2]، والإمام مسلم في ((صحيحه))[3]، واللفظ الآتي لمسلم: ((عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه، قال: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَّرَ عَلَيْنَا أَبَا عُبَيْدَةَ، نَتَلَقَّى عِيرًا لِقُرَيْشٍ، وَزَوَّدَنَا جِرَابًا مِنْ تَمْرٍ لَمْ يَجِدْ لَنَا غَيْرَهُ، فَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يُعْطِينَا تَمْرَةً تَمْرَةً.

صفحة 23
قَالَ _الراوي عن جابر_: فَقُلْتُ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ بِهَا؟ قَالَ: نَمَصُّهَا كَمَا يَمَصُّ الصَّبِيُّ، ثُمَّ نَشْرَبُ عَلَيْهَا مِنَ الْمَاءِ، فَتَكْفِينَا يَوْمَنَا إِلَى اللَّيْلِ، وَكُنَّا نَضْرِبُ بِعِصِيِّنَا الْخَبَطَ _أي ورق الشجر_، ثُمَّ نَبُلُّهُ بِالْمَاءِ فَنَأْكُلُهُ، قَالَ: وَانْطَلَقْنَا عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، فَرُفِعَ لَنَا عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ _شيءٌ_ كَهَيْئَةِ الْكَثِيبِ الضَّخْمِ _أي كصورة التل الكبير المستطيل المُحْدَوْدِبِ من الرَّمْل_، فَأَتَيْنَاهُ فَإِذَا هِيَ دَابَّةٌ تُدْعَى الْعَنْبَرَ، قَالَ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَيْتَةٌ، ثُمَّ قَالَ: لَا، بَلْ نَحْنُ رُسُلُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَفِي سَبِيلِ اللهِ، وَقَدِ اضْطُرِرْتُمْ فَكُلُوا.

قَالَ: فَأَقَمْنَا عَلَيْهِ شَهْرًا وَنَحْنُ ثَلَاثُ مِائَةٍ حَتَّى سَمِنَّا، قَالَ: وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا نَغْتَرِفُ مِنْ وَقْبِ عَيْنِهِ _أي من داخِلِ عينه ونُقْرَتِها_ بِالْقِلَالِ _أي بالجرار الكبيرة_ الدُّهْنَ، وَنَقْتَطِعُ مِنْهُ الْفِدَرَ _أي القِطَعَ_ كَالثَّوْرِ أَوْ قَدْرِ الثَّوْرِ.

فَلَقَدْ أَخَذَ مِنَّا أَبُو عُبَيْدَةَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَأَقْعَدَهُمْ فِي وَقْبِ عَيْنِهِ، وَأَخَذَ ضِلَعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ فَأَقَامَهَا ثُمَّ رَحَلَ أَعْظَمَ بَعِيرٍ مَعَنَا، ونَظَر إلى أطولِ رجُلٍ فحمَلَه عليه، فَمَرَّ مِنْ تَحْتِهَا.

وَتَزَوَّدْنَا مِنْ لَحْمِهِ وَشَائِقَ _جمع وشيقة، وهي القطعة من اللحم تُسْلَقُ وتُحمَلُ في السفر_، فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ أَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «هُوَ رِزْقٌ أَخْرَجَهُ اللهُ لَكُمْ، فَهَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ فَتُطْعِمُونَا؟»، قَالَ: فَأَرْسَلْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُ فَأَكَلَ منه))[4]

صفحة 24

2- وأذكر لك أعجوبةً أخرى من عجائب المخلوقات في النبات والثمار، لا تكادُ تصدقُها بالنظر إلى مقياس منظورك المألوف منها اليوم، وربما لو سمعت خبرها من رجل عادي تُنكِرها، أو تراها من المبالغات التي تقع من بعض الناس، في أحاديثهم عن الغرائب والعجائب.

ولكن سرعان ما يتبددُ من خاطرك هذا الإنكارُ أو الترددُ في صحتها، إذا علمتَ أن واصفَ تلك الأعجوبة ومشاهدَها ومسجِّلَها والمتحدثَ بها هو شيخُ شيوخِ

صفحة 25

المحدثين، والراوية الصادق الضابط الأمين، الإمام أبو داودَ سُليمانُ بنُ الأَشْعَثِ السِّجِسْتَانِي، الإمام الورع الناسك الزاهد، الحافظ العلم الرحالة، أحد أئمة الحديث المتقنين، وحفاظه العارفين، صاحب كتاب ((السنن)) الذي هو أحد كتب الإسلام، المولود سنة 202، والمتوفى بالبصرة سنة 275 رحمه الله تعالى.

قال في كتابه ((السنن)) في كتاب الزكاة، في آخر (باب صدقة الزرع) 2:146: ((قال أبو داود: شَبَرْتُ قِثَّاءَةً بِمِصْرَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ شِبْرًا، وَرَأَيْتُ أُتْرُجَّةً عَلَى بَعِيرٍ بِقِطْعَتَيْنِ قُطِّعَتْ وَصُيِّرَتْ عَلَى مِثْلِ عِدْلَيْنِ)).انتهى. ونقله الحافظ الإمام الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) 2:592 و((ٍير أعلام النبلاء)) 13:220 في ترجمته.

فالمخبر بهذه الأعجوبة إمام من أئمة المسلمين، وحافظ كبيرٌ نَقاد من كبار رواة حديث سيد المرسلين، وما يخبر به شهده هو بنفسه، وسجله في كتابه، ورواه عنه رواة كتابه ((السنن))، وما أعدلهم! وما أتقن ضبطهم وحفظهم، وكلهم أئمةٌ أبرار، وحفظةٌ أخيار، وليس أبو داود من أهل المبالغات، أو الأخباريين أصحاب الطرائف والمستغرَبات.

3- وإليك خبراً آخر شبيه المعنى بسابقه، ونظيره في غرابته، ومثله في الثقة والثبوت، قال الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى في ((تذكرة الحفاظ)) 2:510، في ترجمة الإمام الحافظ (محمد بن رافع النيسابوري): ((هو الحافظ القدوة أحد الأعلام، شيخ البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وأبي زرعة… الثقة المأمون، توفي سنة 245 رحمه الله.

قال أحمدُ بنُ عُمَرَ بنِ يَزِيد، حدثنا محمدُ بنُ رافع النَّيْسابُورِيُّ، قال سَمِعْتُ عبدَالرزاقِ _الصَّنْعاني اليَمَانِي_، قال: سَمِعْتُ مَعْمَرَ بنَ راشدٍ البصريَّ ثم اليماني _ولد سنة 95، وتوفي سنة 153_ يقول: رَأَيْتُ بِاليَمَنِ عُنْقُوْدَ عِنَبٍ وِقْرَ بَغْلٍ تَامٍّ)). انتهى.

4- وجاء نحوُ هذا فيما أخبَرَ به الفقيهُ المؤَرِّخُ الأديبُ، العلامةُ كمالُ الدينِ الأُدْفُوِيّ المِصْري، المتوفى سنة 748 رحِمه الله تعالى، قال في أول كتابه: ((الطالعُ السَّعِيدُ، الجامعُ نُجَبَاءَ أبناءِ الصَّعيد)) ص26، وهو يتحدَّثُ عن الخيراتِ والثِّمارِ

صفحة 26

العظيمة في بلده (أُدْفُو):

((رَأَيْتُ قِطْفَ عِنَبٍ، جَاءَتْ زِنَتُهُ ثَمَانِيَةَ أَرْطَالٍ بِالْلَيْثِيِّ، وَوُزِنَتْ حَبَّةُ عِنَبٍ جَاءَتْ زِنَتُهَا عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، وَذَلِكَ بِأُدْفُو بَلَدِنَا)). انتهى.

5- وجاء في مجلة (الفيصل) التي تصدر من مدينة الرياض السعودية[5]، في العدد 62 عدد شعبان سنة 1402، في ص112 صورةٌ لثمرة كُرْنُب: (ملفوف)، وَزَنَتْ 22 كيلو غراماً، وبلغ قطرها متراً واحداً، وصورةٌ لبصلة يابسة واحدة، وَزَنَتْ 2,3 كيلو غرام، وبلغ قطرها 30 سم، وذكرت المجلة عَقِبَ ذلك أن ثمرة بندورة (طماطم) واحدة بلغ محيطها أكثر من 60 سم. وأن هذه الأشياء غير العادية نبتت في أرض المزارع المكسيكي (جوزيه كارمن) ذي الخبرة الطويلة في الزراعة والعناية بالأرض، مما جعله المُزارعَ الأول في المكسيك.

فهذه نماذج من عجائب المخلوقات في الحيوان والثمار، نُقِلَتْ إلينا أخبارُها بأصحِّ الطُرُق وأوثق الناقلين، قد تستبعدها من القبول بمقياس حياتك ومشهوداتك اليومية، ولكنها الثابتةُ الواقعةُ، بنقل الثقات لها.

وإليك هذه الوقائعَ العجيبةَ الفَذَّة، لتشهد فيها أيضاً أن هناك أفراداً في العالم، يوجدون في الدهور المتطاولة، يمنحهم الله تعالى: يداً صَنَاعاً، أو جسماً مِطْواعاً، أو فِكْراً مِبْداعاً، فتكون منهم عجائب العجائب التي لا تُصَدِّقُها العقول لولا وقوعُها، وأجتزئُ هنا بِسَوْقِ بِضْعَةِ أخبارٍ من ذلك:

1- حكى المؤرخ أبو الفضل عبدُالرزاق بنُ الفُوَطِيّ البغدادي في كتابه ((الحَوادثُ الجامِعة والتجاربُ النافعة في المِئَةِ السابِعة))[6]، وعالِمُ مُلوك اليَمَن الملِكُ الأشرفُ أبو العباس إسماعيلُ بنُ العباس الرَّسُولِيُّ اليَمَني، في كتابه: ((العَسْجَدُ المَسْبُوْكُ والجَوْهَرُ المَحْكُوْكُ في طبقات الخلفاء والملوك))، في القسم المطبوع منه[7]، في حوادث سنة 637.

صفحة 27

قالا: ((وفي هذه السنة صُلِبَ إنسان أعجمي خياط، كان في خدمة الأمير جمال الدين قَشْتَمُر كان قد جَرَحَ جاراً له بمقص فمات. وكان هذا الخياط قد برع في صناعة الخياطة، وعمل أشياء عجيبة، منها: أنه حَبَسَ نفسَه في صندوق ومعه ثوب غيرُ مُفَصَّل، وعُلِّقَ الصندوق مقابل باب جمال الدين قَشْتَمُر، من أول الليل، ثم حُطَّ الصندوق وقت الصبح، وفتحوه فوجدوه قد فصل الثوب، وخيطه، وطواه، ورام جماعةٌ بعده أن يفعلوا ذلك فعَجَزُوا عنه. وكان هذا الرجل الخياط شيخاً قصيراً جداً أعرَجَ أحدَبَ، أوحَدَ عصرِه في الخياطة، غير محمودِ الطريقة)).

2- وقال أيضاً عالِمُ ملوك اليمن الملك الأشرف إسماعيل بن العياس، في كتابه: ((العسجد المسبوك))[8]، في حوادث سنة 641: ((وفي يوم الأحد ثاني شهر شوال، لَعِبَ إنسان من أجناد زعيم اللِّحْفِ _ناحيةٍ من نواحي بغداد_ على حَبْلَيْنِ، نصَبَهُما عن الأرض نحو أربعين ذراعاً، فكان يمشي عليهما مشياً سريعاً، ماضياً وراجعاً إلى وراء، وفي رجليه قَباقِبُ، وعلى رأسه طِفلٌ صغير، قيل: إنه ولَدُه.

ثم أخذ سيفاً مشهوراً وتركه معرضاً على الحبل، وقام على أم رأسِه، ورَفَع رِجْلَيْهِ، وجعل يلبس سَرَاوِيْلَهُ ويخلعُهُ مقلوباً، ثم أخذ جرة مملوءةً ماءً، وجعلها على رأٍه، ومشى بها مهرولاً، من أول الحبل إلى آخره، وفي رجليه القَباقِبُ، وعلى رأسِه الجرة، ثم رماها وتعلق بالحبلين بإبهام رجليه، ولَعِبَ لعباً يُذهِلُ العقول.

فلما فَرَغَ من لعبه ونزل إلى البَدْرِيَّة _أحد أبواب دار الخلافة منسوبٍ إلى بَدْرٍ مملوكِ المُعْتَضِد_ خُلِعَ عليه، وأُعْطِيَ فَرَساً ومِئَتَيْ دينار، ثم مضى إلى بيوت الأمراء، فحصَّل ما يزيد على ثلاثة آلاف دينار)).

3- كان الشيخ الإمام القَرَافِي شهابُ الدين أبو العباس أحمدُ بنُ إدريسَ، المِصْري، الفقيهُ الأصوليُّ صاحبُ الكتابِ العُجابِ ((الفروق)) في الفقه، المولود سنة: 626، والمتوفى سنة 684 رحمه الله تعالى، إلى جانب إمامته الفَذَّة في الفقهِ والأصولِ وجملةٍ من العلوم، أحدَ البارعين النَّبَغَةِ النوادر في العالم في صناعة الساعات الفَلَكِيَّة.

صفحة 28

قال في كتابه ((نفائس الأصول في شرح المحصول))[9]، وهو يبحث في فصل (الكلام في اللغات)، عن الدلالة الصوتية: هل مُجَرَّدُ الصوتِ يَدُلُّ على صاحبه؟ فبيَّن أنه لا يكفي أن نَسمَع الصوت فنقول: إنه لا بد من شخصٍ صاحبٍ لهذا الصوت، لأن الصوت يُصنَعُ في غير الإنسان.

ثم قال: ((بَلَغَني أن الملك الكامل، صُنِعَ لهُ شَمْعَدان _هو عمود طويل من نحاس، له مراكزُ يوضَعُ عليها الشمعُ للإنارة_ كلما مضى من الليل ساعةٌ انفَتَحَ بابٌ منه، وخرج منه شخصٌ يَقِفُ في خدمة الملك، فإذا انقَضَت عَشْرُ ساعات، طَلَعَ الشخصُ على أعلى الشَّمْعَدَانِ وقال: صَبَّحَ الله السلطان بالخير والسعادة، فَيَعْلَمُ أن الفجر قد طَلَع.

وقد عمِلْتُ أنا _المتكلِّمُ القرافي_ هذا الشمعدان، وزدتث فيه أن الشمعة يَتَغَيَّرُ لونُها في كل ساعة، وفيه أسَدٌ تتغيَّرُ عيناه من السواد الشديد، إلى البياض الشديد، إلى الحُمْرَة الشديدة، وفي كل ساعة لها لون، وتَسقُطُ حَصاتان من طائِرَين، وَيَدخُلُ شخصٌ ويَخرُج شخصٌ غَيْرُه، ويُغلَقُ بابٌ ويُفْتَحُ باب، فإذا طَلَع الفجر، طلع الشخص على أعلى الشمعدان، وإصبَعُهُ على أذُنِه يشيرُ إلى الأذان، ولكني عَجَزْتُ عن صَنْعَةِ الكلام، ثم صنعْتُ صورةَ حَيَوانٍ يَمْشيْ ويَتَلَفَّتُ يميناً ويساراً، ويُصَفِّرُ ولا يَتَكَلَّم)). انتهى.

وهذا ذكاءٌ خارقٌ عجيبٌ فريد من الإمام القَرَافي، في اليَدِ الصَّناعِ، والذِّهْن المِبْداع، معَ الإمامَةِ في أصعب العلوم: الأصول والفِقْهُ، رحمة الله تعالى عليه[10].

4- وحدثني شيخنا وأستاذُنا العلامة الكبير، والفقيه النابغُ الأَلْمَعِيُّ الشيخُ

صفحة 29

مصطفى الزرقاء أكثرَ من مرة بِخبرٍ من عجائبش الأخبار أُسَجِّلُهُ هنا، قال حفظه الله تعالى ورعاه وأمتَعَ به: إنه سَمع من والده العلامةِ الفقيه الأديبِ والمحققِ الكبيرِ، شيخِنا أحمد الزرقاء رحمه الله تعالى، ما شاهده بأُم عينَيه في مدينة حلب التي هي بلدُه، وفيها منشأُه ومولدُه، وهو ما يلي:
قال الشيخ أحمد: شاهدت رَجلاً يمشي في الأسواق، وينُادِي بصَوتِه أنه يستطيع أن يُمْسك البُرْغُوْثَ _الحيوانَ الصغيرَ القارِصَ، الذي هو بِحَجْمِ السِّمْسِمَةِ_ بإصبعَي يَدٍ، والشعرةَ بإصبعَي يدٍ، ويقلبَ يديه إلى خَلْفِهِ وراءَ ظَهرِهِ، ويعقدَ الشعرةَ على البُرْغُوْثِ مُقَيَّداً يَنُطُّ، وكذلك يمكن أن يَفُكَّهُ هكذا.

قال الشيخُ الدَّرَّاكَةُ الوَاعِيَةُ الجليلُ: فأخرجَ الرجلُ من قِنِّيْنَةٍ مَعَهُ بُرْغُوْثاً، وَأَمْسَكَهُ بِإصْبَعَيْ يَدِهِ: السبابةِ والإبْهامِ، ثم جاء بشعرةٍ طويلةٍ وأمسكها بإصبَعَيْ يدِهِ الأُخرَى، وَلَوَى يدَيْهِ خلْفَ ظَهْرِهِ فتْرَةً مَّا، وعَقَدَ الشعرةَ على البُرْغُوْثِ، ثم أعادَ يَدَيْهِ إلى الأمامِ، ورأسُ الشعرةِ بين إصبعَيْهِ وهِيَ مُدَلَّاةٌ، والبُرْغُوْثُ معلَّقٌ فيها مربوطاً يَنُطُّ، وجَعَلَ الرجلُ يَلعبُ بِهِ والناسُ يَشْهَدُوْنَهُ مُجْتَمِعِيْنَ عَلَيْهِ، ويَعْجَبُوْنَ مِنْ مَهارتِه وحَذاقَتِهِ الخارِقَةِ. انتهى.

وَقَدْ وقع لِيْ في أوَّلِ حياةِ الدِّراسةِ والطَّلَبِ، أنَّنِيْ كنتُ أقِفُ في كُتُبِ فقهائِنا المتأخرين رحِمَهُمُ اللهُ تعالى، على فروعٍ فِقْهِيَّةٍ، بَيَّنُوا فيها الأَحكامَ لِصُوَرٍ مِنَ الغَرائِبِ الخَلْقِيَّةِ، التي تَقَعُ لِبَنِيْ الإنسانِ على مرور الزمان، وحَكَوْا فيها بعضَ الأشكالِ الغريبةِ النادرةِ، فكانَ يُسَاوِرُنِيْ ردُّها والعَتَبُ على ذاكِرِيْها، وكنتُ أَحْكُمُ عليهِمْ أنهُمْ أوْغَلُوْا فِيْ الخَيَالِ والتَصَوُّرِ والإغْرَابِ الى ما لا يُتَصَوَّرُ وقوعُه.

وكنتُ أثناء الطلبِ جَمَعْتُ طائفةً منها، من كتبِ فقهِ السادةِ الحَنَفِيَّةِ والشافِعِيَّةِ والمالِكِيَّةِ، ثم وقَفْتُ عن جمعِها، لَمَّا تَبَيَّنَ ليْ أنَّ ما يذكُرُهُ الفُقَهاءُ مِنْ ذلك، إنما وَقَعَ نادِراً، ومُتَفَرِّقاً وفي عُهودٍ وأزمانٍ مُتباعِدَةٍ، وأماكنَ متَبَايِنَةٍ، ولكِنْ نحنُ وَقَفْنا عليهِ قَرِيباً بعضُه من بعض، فكان في نَظَرِنا كَثِيْراً وغَرِيْباً، مَسْتَبْعَدَ الحُدُوْثِ والوُقُوْع.

ولما وَقَفْتُ على كتاب ((عجائب المخلوقات)) لِجُرْجِيْ زيدان، فرأيتُ فيه الصُّوَرَ

صفحة 30

لِتلْكَ المخلوقاتِ الإنسانِية العجيبة، التي سجَّلَتْها عَدَسَةُ التصويرِ فألْزَمَتْ بِقَبُوْلِها وتصديقِها، فيها ما هُوَ أعظَمُ وأَدْهَشُ مِمّا ذَكَرَهُ فقهاؤنا عليهِمُ الرحمَةُ والرِّضْوَان: زالَ مِنْ خاطِرِي العَتْبُ عَلَيْهِمْ, وخلَفَهُ الإذْعانُ والتَّقْدِيْرُ لَهُمْ.
وتَفَتَّحَ أماميْ أنَّ الفقيهَ فى القُطْرِ قد تُعْرَضُ عليه الحادثةُ الغريبة، تَقَعُ فى الناس بين الأزمان والأزمان، فيُسَجِّلُهَا ويُبَيِّنُ حُكْمَها، فاذا جَمعَ جامعٌ بين تلك الغرائب في تلك الكُتُبِ، التي دُوِّنَتْ على مرورِ الأجيال، ونَظَرَ إلَيْها نظرةً واحدً قاصرةً، وغَفَلَ عن الأزْمان والأجيالِ التى وَقَعَتْ فيها، قامَ فيْ نفسِهِ الاستبعادُ لها، والميلُ عن قَبُوْلِها بِدافِعِ عَدَمِ الإلْفِ وانتفاءِ المُشاهَدَةِ لَها، وإنَّما أُتِيَ مِنْ غَفْلَتِهِ وقِصَرِ نَظْرَتِه.
وليس معنى هذا: أنه يَلْزَمُ الإنسانَ أن يُصَدِّق بِكُلِّ ما يُنْقَلُ أو يُقالُ، لا، وإنما عليه أن يَقِيْسَ الأُمورَ إذا استَغرَبَها بِمِقْياسِها الزَمَنِيِّ البَشَرِيِّ الكبير، لا بِمِقْياسِهِ الفَرْدِيِّ الإنسانِيِّ الصغير[11]

صفحة 31
وإنما فَرَضَ بعضُ الفقهاء تلكَ الصُّوَرَ والفُرُوْعَ الغرائبَ، جرياً على عادتهم في ذكر ما يمكن أن يَقَعَ عقلاً _وإن كان لا يقع عادةً أو لا يجوزُ أن يقع شرعاً_ للتفقيه بالتفريع للمُتَفَقِّه، ولِمَعْرِفَةِ حُكْمِ ما قَدْ يَقَعُ، وإن كان ما افترضوه وتخيلوه من الحوادثِ النادرةِ قد وَقَعَ فعلاً عَبْرَ العصورِ والأزْمانِ، فَرَحِمَهُمُ اللهُ تعالى وجزاهمْ عن العلم وأهله خيراً.
هذا، وَقَدْ قَسَّمْتُ هذه الصَّفَحاتِ إلى سِتَّةِ جوانبَ مِنْ حَياةِ العُلَماء:
الجانبُ الأولُ: في أخبارهم في التَّعَبِ والنَّصَبِ والرِّحْلَةِ في طلب العِلْمِ وقَطْعِ المسافات.
الجانبُ الثانيْ: في أخبارهم في هَجْرِ النَّوْمِ والراحةِ والدَّعَةِ وسائِرِ اللَّذاذاتِ.
الجانبُ الثالثُ: في أخبارِهِمْ في الصبْرِ على شَظَفِ العَيْشِ ومَرارةِ الفقر وبيعِ المَلْبُوْساتِ أو الْمَفْرُوْشات.
الجانبُ الرابعُ: في أخبارِهِمْ في الجُوعِ أو العَطَشِ في الهَواجرِ الأيّامَ والساعاتِ.
الجانبُ الخامسُ: في أخبارِهِمْ في العُرْيِ الدائِمِ ونَفادِ المال والنَّفقاتِ في الغُرُبات.

صفحة 32

الجانبُ السادسُ: في أخبارِهِمْ في فَقْدِ الكُتُبِ أو المُصابِ بها بَيْعِها والخروجِ عنها أو نحوِ ذلك عِندَ المُلِمَّات.
خاتمةٌ: استخلَصْتُ فيها ما يُستفاد مِنْ هذه الصَّفَحات، من الحَقائِقِ والنَّصائِحِ والعِظاتِ البالغات.
وهناك جانبٌ هامٌّ جداً كان يَنْبَغِي أنْ يُدخَلَ فى هذه الصَّفَحات، ولكنّي لم أُدْخِلْهُ فيها لأنَّهُ تاريخٌ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِه، وهو جانبُ الشدائدِ التي لَحِقَتْ العلماءَ مِنَ الحُكّامِ الظُّلّامِ، فآلَتْ بِهِمْ إلى غَيَاهِبِ السُّجُونِ، وحَجْزِ الحُرِّيَّاتِ والنُّفوس، وهو جانبٌ هامٌّ واسع، جديرٌ أن تَسْتَقِلَّ به صَفَحاتٌ ضافِيَةٌ، بل إنَّ أخبارَهُمْ المُشَرِّفةَ في هذا الجانبِ تَخْرُجُ في مُجَلَّدٍ ضَخْمٍ كبيرٍ لِمَنْ تَتَبَّعَها.
وهذا التقسيمُ الذي أشرتُ إلَيْه، إنَّما هُو تقريبيٌّ تَنْظِيْمِيّ، فإنَّنا سَنَرَى أن أخبارَهُمْ في هذه الجَوانِبِ يَتَداخَلُ بَعْضُها في بَعْضٍ، ويَجْتَمِعُ في الخَبَرِ الواحد الذي أُوْرِدُهُ مثلاً (فى أخبارهم في نَفادِ النفقة)، يَجْتَمِعُ فيه إلى نَفادِ النَّفَقَةِ: العُرْيُ والجُوْعُ والصَّبْرُ على خُشُوْنَةِ الحَياة…، هكذا سَنَرى كُلَّ جانبٍ معهُ جَوانِبُ أُخرى، لأنَّ حَياةَ الإنسانِ مُتَشابِكَةُ الأطرافِ، فالعِلَّةُ إذا نَزَلَتْ في جانبٍ مِنْ جِسْمِهِ، أصابَتْ جانِباً آخَرَ بِآثارِها وَمُخَلَّفاتِها ولاريب.
وفي الخِتامِ: أسألُ اللهَ أنْ يَتَقَبَّلَ هذه الصَفَحاتِ ويَنْفَعَ بِها، وهُوَ وَلِيُّ الهِدَايَةِ والتَّوْفِيْق.

في بيروت 15 من جمادى الاخرة 1391
وكتبه عَبْدُالفَتَّاحِ أَبُوْغُدَّة

 

  1. [1] وألقيتها محاضرة في ليلة الأحد 23 من المحرم سنة 1391، في قاعة المحاضرات العامة في كلية الشريعة بالرياض
  2. [2] 5:92 بشرح ((فتح الباري)) للحافظ ابن حجر، في أول كتاب الشركة، في (باب الشركة في الطعام والنِّهد)، وفي 8:61 في كتاب المغازي، في (باب غزوة سيف البحر…)، وفي 9:531 في كتاب الذبائح والصيد، في (باب أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم).
  3. [3] 13:84 بشرح الإمام النووي في كتاب الأطعمة، في (باب إباحة ميتات البحر).
  4. [4] قال الأستاذ محمد فؤاد عبدالباقي رحمه الله تعالى، في آخر المجلد الخامس الذي فيه (فهارس صحيح مسلم) للطبعة التي قام بخدمتها، وطبعت بالقاهرة بمطبعة عيسى البابي الحلبي سنة 1375 في خمس مجلدات، ثم صُوِّرَتْ في بيروت من قِبَل (دار إحياء التراث العربي)، قال في المجلد الخامس المذكور 585-586، عقِب ذكر طَرَفٍ من هذا الحديث الشريف حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنه:

    صدقَ سيدُنا جابرُ بن عبدالله رضي الله عنه، وصدق أصحابُ رسول الله رضي الله عنهم، وصدق رواةُ أحاديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، رضي الله عنهم، فقد جاء نظيرُ هذا في هذا العصرِ القريبِ جِداً.

    جاء في جريدة الأهرام، في العدد 24419، بتاريخ 27/9/1953، ص2 عمود7:
    حُوْتُ يُوْنُس
    اجتازتْ شوارعَ باريس أمسِ سيارةُ نقلٍ طولُها 30 متراً، يقالُ إنها أطول سيارةِ نقلٍ في العالم، وكانت تُقل (يُوْنُس)، وهو حوتٌ ضخم، عمره 18 شهراً، وطوله 20 متراً، ووزنُه 8000 كيلو جرام، وقد حَنَّطَه أصحابُه، وقاموا بعرضه على النظَّارةِ في النرويج والسويد والدانِمارْك والنمسا وألمانيا، وسيعرض في باريس هذا الأسبوع لقاءَ أجْرٍ معلوم، وقد أُضِيءَ باطنُه بالمصابيح الكهربائية ليتسنى للنظارة رؤيةُ جوفه (ر).

    وجاء في جريدة الأخبار الجديدة، في العدد 396، بتاريخ 27/9/1953، ص2 عمود 1 و2
    حوتٌ طوله 20 متراً، ووزنه 8 أطنان، الناس يدخلون بطنه، عشرةً كلَّ دَفعة
    باريس في 26-ر:
    دخل صباح اليوم ((أُوْنَا)) باريسَ دخولَ الفاتحين، يحرُسُه عشراتٌ من رجال البوليس الراكب والراجل. أما ((أُوْنَا)) هذا فهو حوت نِرْوِيْجِيٌّ ضخم محنط، وزنه 8000 كيلو، وكان محمولاً على عشرة جرارات مربوطة بسيارة نقل نقل ضخمة، وسيُعرض الحوت لمدة شهر، ويُسمح للناس بدخول كَرِشِهِ المضاء بالكهرباء، ويستطيع عشرة أشخاص أن يدخلوا بطنه مرة واحدة.

    ولكن المشرفين على معرض ((أونا)) وبوليس المدينة، لم يتفقوا على المكان الذي يوضع فيه الحوت، وهم يخشون وضعه فوق محطة القطار الأرضي، خشية أن ينهار الشارع. وبرغم أن سن هذا الحوت لا يزيد على 18 شهراً، فإن طوله 20 متراً، وقد صِيْدَ في شهر سبتمبر من العام الماضي في مياه النرويج. وقد صُنِعَت له عربةُ قطار خاصةٌ لنقله في جولة عبر أوروبا، لكنها انهارت تحته! فصنعت له سيارةُ جَرٍّ خاصةٌ، طولها 30 متراً)).

  5. [5] أضفت هذا الخبر إلى مقدمة الطبعة الأولى، عند طبع الكتاب للمرة الثالثة.
  6. [6] ص122
  7. [7] ص490
  8. [8] ص518
  9. [9] في الجزء 1:108 من النسخة المخطوطة، المحفوظة بدار الكتب المصرية بالقاهرة.
  10. [10] وقد حكى هذه الواقعة الأستاذ أحمد تيمور باشا رحمه الله تعالى، في كتابه: ((التصوير عند العرب)) ص79 و104، عن ابن طولون الدمشقي في رسالته ((قَطَراتُ الدَمْع فيما وَرَدَ في الشمع)) ناقلا لها عن القَرَافي، وللأستاذ عبدالمجيد وافي مقالٌ بعنوان ((علماء فَنّانون: الإمام القَرَافي))، في ((مجلة الوعي الإسلامي)) الصادرة في الكويت، في عددها 40 من سنتها الرابعة سنة 1388=1968، ص54-59، نَقَل فيه خبر الإمام القَرافي أيضا عن كتابه المذكور المحفوظ بدار الكتب المصرية، وقد سبقت الإشارةُ إليه.
  11. [11] 

    ومن لطيفِ ما وَقفتُ عليه من أخبار الغرائبِ في الخِلْقَة، والعجائبِ في كَثْرَةِ الأولاد في البطن الواحد، ما حكاه الحافظُ المُحَدِّثُ المُعَمَّرُ أبو طاهرٍ السِّلَفِيُّ (أحمد بن محمد)، المَوْلُوْدُ بِأصْبَهانَ سنة 472، والمتوفى بالإسْكَنْدَرِيَّةِ سنة 576، فى كِتابِهِ: ((معجَم السفَر))، فقد جاء فى القِسْمِ الذى استخرجَهُ منه الدكتور إحسان عباس، وطُبع في بيروت سنة 1963 بعنوان ((أخبار وتراجم أندلسية مستخرجة من معجَم السفَر للسِّلَفِيّ)):

    جاء في هذا القِسْمِ المذكورِ فىي ص59 قولُ الحافظ السِّلَفِيِّ رحمه الله تعالى: ((سمعتُ أبا محمدٍ عبدَاللهِ بنَ تُوَيْت بنِ الوَرَانِ اللَّمْتُوْنِيّ بالثغر _يعنى بالاسكندرية حيثُ كان يُقِيْمُ السِّلَفِيُّ _يقول_ وَجَرَّبْتُهُ وكان ثِقَةً يَتَحَرَّى الصِّدْق_: سمعت أخِيْ الأميرَ أبا يعقوب يَنْتان بنَ تُوَيْت الفَقِيْه وغيرَه من المرابطينَ الثقاتِ بالمغرب يقولون ولد:

    في بَنِيْ نُوَرْت _بَطنٌ من المُلَثَّمِيْن_ جِسْمان كاملان برأس واحد، فعاشا زماناً، ثم مات أحدُهما وَثَقُلَ الآخَرُ، فراموا قطعةً منه، فشاوروا الفقهاء، فقيل لهم: يَصْبِرُ أياماً، فَلَمْ يَمْضِ قَلِيْلٌ حتى مات الآخر.

    قال أبو محمد: وَوُلِدَ بالأندلس في أيامنا مولودٌ برأسين، وكان ابنُ غَلَّاب السُّوسِيُّ حاضراً، فقال: الذى بَلَغَنا أنه وُلِدَ بالمغرب مولودٌ بِرَأسٍ واحدٍ له وجهان.
    قال أبو محمد: وقد رأيتُ بِحِمْصِ الأندَلُسِ امرأةً وَلَدَتْ أولَ ولادتِها: ولداً، ثم في المرَّة الثانية: ولدَينِ، وفي الثالِثَةِ: ثلاثةً، وفي الرابِعَةِ: أربعةً، وفي الخامِسَةِ: خمسةً، وفي السادسة: ستةً، وفي المرَّةِ السابعة: سبعةً في بطنٍ واحد! وآيست من رُوحِها! وأشرَفَتْ على الهلاك، ثم امتنعت عن زوجها وأبت أن تطاوِعَهُ، واشتهر أمرُها عند الناس بأقطار الأندلس. وأبو محمد هذا: رجلٌ صالِحٌ مِنْ أُمَرَاءِ الْمُرابِطين)). انتهى.
    فتكونُ هذه المرأةُ وَلَدَتْ 28 ولداً في سَبْعَةِ بُطون، وإنها لَمِنَ العجائب، ولكن {اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ}. سبحانه.

    وجاء في ((الطَبَقات الكبرى)) لابن سَعْد 7:193، في تَرْجَمَةِ التابعِيِّ الجليلِ، والعابدِ الفقيهِ، المُحَدِّثِ النَّبِيْلِ، الإمامِ (محمد بنِ سِيْرِيْن) البصريّ، المَوْلُوْدِ سنة 33، والمُتَوَفَّى سنة 110، رحمه الله تعالى: ((أخبرنا بَكّارُ بنُ محمدٍ، قال: وُلِدَ لمحمد بنِ سيرين ثلاثونَ وَلَداً من امرأةٍ واحدةٍ، لمْ يَبْقَ منهمْ غيرُ عبدِالله)). انتهى. وحَكَى القاضِيْ ابن خَلِّكان هذا الخبرَ في ((الوفيات)) 1:453، في ترجمةِ (محمدِ بن سيرين)، وجاء نصُّهُ هكذا: ((وَوُلِدَ له ثلاثونَ ولداً من امرأة وإحدى عشرةَ بنتاً، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ غيرُ عبدِالله)).

صفحات من صبر العلماء على شدائد العلم والتحصيل*
مقدمة المؤلف
 
Top