وجوب اعتقاد مشروعية المسح على الخفين

صفحة 114

وجوب اعتقاد مشروعية المسح على الخفين والقصر والإفطار في السفر

قال: (والتاسع: نُقِرُّ بأن المسحَ على الخُفَّينِ واجبٌ للمُقيم يوماً وليلةً، وللمسافر ثلاثةَ أيامٍ ولياليها، لأن الحديث ورد هكذا، فمَن أنكره يُخشى عليه الكفرُ، لأنه قريبٌ من الخبر المُتواتر، والقَصْرُ والإفطارُ في السَّفَرِ رُخصةٌ بنصِّ الكتاب، لقوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} [النساء: 101]، وفي الإفطار قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة:184]).

أقول: المسحُ على الخُفَّين مقدار ثلاثِ أصابِعَ واجبٌ للمقيم يوماً وليلةً، وللمسافر ثلاثةَ أيامٍ ولياليها، لِما روى عليٌّ وجماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم عن النبيِّ أنه قال: (يَمسَحُ المُقيمُ يوماً وليلةً، والمسافرُ ثلاثةَ أيامٍ ولياليهنَّ)،[1]

صفحة 115

والأثرُ اشتهر عنه عليه السلام، منه قول المغيرة، وحديث سلمان: أنه صلى الله عليه وسلم صلَّى يومَ الفَتحِ خمسَ صلواتٍ بوضوءٍ واحدٍ ومسحَ على خُفَّيهِ.[2] وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: (ما زالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يمسَحُ على الخُفَّين بعدَ نزولِ المائدةِ).[3]

وذكر في “المبسوط”[4] ثبوتَ المسح بآثارٍ مشهورةٍ قريبةٍ من التواتر، وعن الحسن البصريِّ رحمه الله: أدركتُ سبعينَ نفراً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلّهم يَرَونَ المسحَ على الخُفَّين.[5]

وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: ما قلتُ بالمسح عليهما حتى جاء في الآثار مثلَ ضوءِ النهار. وعنه: حتى رأيتُ شعاعاً كشعاع الشمس. وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى: يجوز نسخُ الكتاب بخَبَرِ المسحِ لشُهرتِه. وقال الكرخيُّ رحمه الله: مَن أنكر

صفحة 116

المسحَ عليهما نخشى عليه الكُفرَ، لأن الآثارَ جاءت في حيِّز التواتر.[6] وذكر في “المجتبى”[7] أنَّ على قياس قول أبي يوسف رحمه الله مُنكِرَه كافرٌ، لأن حديث المسح بمنزلة المتواتر عنده، ومنكِرُ المتواتر كافرٌ.

قيل: ومن الدليل على أن منكِرَ المسح ضالٌّ مُبتدِعٌ ما روى أبو حنيفة رحمه الله تعالى عن قتادة أنه لمَّا قَدِمَ الكوفةَ اجتمع به، فقال قتادة: أنت مِنَ الذين اتخذوا دينَهم شِيَعاً. فقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: أنا أُفضِّلُ الشيخين، وأحبُّ الخَتَنَين، وأرى المَسحَ على الخُفَّين. فقال له قتادة: أصبتَ فالزَم, ثلاث مرَّات.[8]

وقالت الخوارج والإماميَّة: لا يجوز المسحُ عليهما، وهو قول أبي بكر بن داود،[9] وخالَفَ أباه في ذلك.

صفحة 117

فإن قيل: ما وجه قوله: (واجب)، وقد ذكر في (الهداية) وعامَّة الكتب أنه جائز، حتى اختلفوا في الأفضليَّة، فمنهم مَن ذهب إلى أن المسحَ أفضلُ، وذهب عامَّتُهم إلى أن الغسلَ أفضلُ، ومن الصحابة مَن أنكره كابن عباسٍ وعائشة وأبي هريرة، حتى قال ابن عباس رضي الله عنهما: (والله ما مسحَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بعدَ نزولِ المائدة).[10] وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: (لَأَنْ تُقطَعَ قَدمايَ أحبُّ إليَّ مِن أنْ أمسحَ على الخُفَّين).[11]

صفحة 118

أجيب: بأن المرادَ واجبٌ اعتقادُ جوازِه، بدليل المقام، فإن أصولَ الكلام لا يُبحَثُ فيه عن الفروع بالجواز وعدمه، وإنما يُبحَثُ فيه عن الاعتقادات، وما روي من إنكار الصحابة فقد صحَّ رجوعُهم إلى قول عامَّةِ الصحابة.

وكذلك قوله: (والقَصرُ والإفطارُ في السَّفَرِ رُخصةٌ) المراد به اعتقادُ حقِّيَّة التبديل والتأخير في أحكام الشرع باعتبار مصالح العباد فضلاً من الله الرحيم الودود. وأما بيانُ أنه رخصةُ إسقاطٍ أو رخصةُ ترفيهٍ، والأخذُ بالعزيمة أولى أو بالرخصة، فموضعُه علمٌ آخر، وله مجالٌ أوسعُ من مجالنا هذا، وقد ذكرناه في “شرح المنار”.[12]

قوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ} [النساء: 101]، أي: إذا سافرتُم فلا إثمَ عليكم في قَصْرِ الصلاة.

صفحة 119

فإن قيل: دلّت الآيةُ على جواز القَصرِ في السفر مطلقاً حتى أخذ بعمومها نفاةُ القياس ولم يُقدِّروه بمدَّة، وهو مذهب داود الظاهريّ،[13] وأنتم قيَّدتُمُ النصَّ بلا دليل.

فالجواب: أن مطلقَ الضرب ليس بمرادٍ بالإجماع، فقدَّرناه بثلاثة أيام بقوله صلى الله عليه وسلم: (يمسحُ المُقيمُ…)[14] الحديث، لا يُقال: الحديث ورد في المسح فأنتم أبطلتُم النصَّ بالقياس وذلك لا يجوز، لأنا نقول: الحديث ورد لبيان مدة السفر، ولا تفاوت بينهما في ذلك.

وقوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا} [البقرة: 184] الآية، دليلٌ على جواز الإفطار في السفر.

  1. [1] أخرجه مسلم (276)، والنسائي 1: 84، وابن ماجه (552) من حديث علي كرم الله وجهه، قال: جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام…، فذكره.

    وأخرجه كذلك أبو داود (157)، والترمذي (95) من حديث خزيمة بن ثابت.

    وأخرجه أحمد 5: 214 من حديث خزيمة رضي الله عنه مرفوعًا من قوله صلى الله عليه وسلم.

  2. [2] لم نجده من حديث سلمان رضي الله عنه بهذا اللفظ، لكن أخرجه مسلم (277)، وأبو داود (172) والترمذي (61) من حديث بريدة رضي الله عنه.

    وأخرج ابن ماجه (563) عن سلمان قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على الخفّين والخمار. وإسناده ضعيف.

  3. [3] قول عائشة أخرجه الدارقطني (746)، وإسناده ضعيف.

    وأخرج البخاري (3787)، ومسلم (272)، وأبو داود (154)، والترمذي (93) و(94)، والنسائي 1: 81، وابن ماجه (543) عن جرير بن عبد الله البجلي: أنه بال ثم توضَّأ ومسحَ على خُفَّيه، ثم قام فصلى، فسُئِلَ، فقال: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم صنعَ مِثلَ هذا. قال إبراهيم النخعي: كان أصحابُ عبد الله بن مسعود يُعجِبُهم هذا الحديث، لأن إسلام جرير كان بعد نزول سورة المائدة.

  4. [4] انظر المبسوط للإمام السرخسي رحمه الله تعالى 1: 97-99.
  5. [5] نسبه ابن الهمام في فتح القدير 1: 143 لابن المنذر، وذكره ابن عبد البر في التمهيد 11: 137، وفي الاستذكار 1: 288 دون إسناد.
  6. [6] ذكر قولَ أبي حنيفة باللفظ الأول وقولَ أبي يوسف وقولَ الكرخيِّ الإمامُ السرخسيُّ في المبسوط 1: 98، وابن نُجَيم في البحر الرائق 1: 173، وابن الهمام في فتح القدير 1: 143. وذكر الكاساني في بدائع الصنائع 1: 7 قول أبي حنيفة فقط، وذكر الكردري في المناقب ص155 عن عبد الله بن المبارك عن أبي حنيفة. ورواه ابن عبد البر في الانتقاء ص165 من طريق أبي مطيع، عن أبي حنيفة.
  7. [7] لعله يريد كتاب العلامة الفقيه الأصولي أبي الرجاء مختار بن محمود الزاهدي المتوفى سنة 658 المسمى “المجتبى”، وقد ذكره العلامة اللكنوي في “الفوائد البهية” ص213، وصاحب كشف الظنون 2: 1592 باسم “المجتبى في الأصول”. ثم ذكر اللكنوي أنه طالع من كتبه “المجتبى شرح القدوري” في الفقه، وكذا سمَّاه الزركلي في الأعلام 7: 193، فليُحرَّر.
  8. [8] ذكر الكاساني في بدائع الصنائع 1: 7 أن أبا حنيفة قال في شرائط السنة والجماعة: أن تُفَضِّلَ الشيخين، وتحب الخَتَنين، وأن ترى المسحَ على الخُفَّين، وأن لا تُحرِّمَ نبيذَ التمر، يعني المثلَّث. وذكر نحوه السمرقندي في تحفة الفقهاء 3: 328، والكاساني أيضاً في البدائع 5: 117، وابنُ نجيم في البحر الرائق 1: 173، والكردري في مناقب أبي حنيفة ص149.
  9. [9] هو أبو بكر محمد بن داود بن علي بن خلف الأصبهاني المعروف بالظاهري، كان فقيهاً أديباً شاعراً ظريفاً، له كتاب سماه “الزهرة” وهو مجموع أدب أتى فيه بكل غريبة ونادرة وشعر رائق، وله في الفقه “الوصول إلى معرفة الأصول” و”الإنذار” و”الإعذار” و”الانتصار”، توفي سنة 297، وعمره 42 سنة، وأبوه داود الظاهري معروف. انظر ترجمته في وفيات الأعيان 4: 259-261.
  10. [10] أخرج ابن أبي شيبة 1: 180 من طريق عكرمة، عن ابن عباس، قال: سبق الكتابُ الخُفَّين. وأخرج أيضاً من طريق سعيد بن جبير، عنه، قال: ما أبالي مسحتُ على الخُفَّين أو مسحتُ على ظهر بُختي هذا. وأخرج ابن أبي شيبة أيضاً والبيهقي 1: 273 من طريقين عن فطر قال: قلت لعطاء: إن عكرمة يقول: قال ابن عباس: سبق الكتابُ المسحَ على الخُفَّين. فقال عطاء: كذب عكرمةُ، أنا رأيتُ ابنَ عباس يمسحُ عليهما.

    وأخرج البيهقي 1: 273 من طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج، أخبرني خصيف، أن مِقسَم مولى عبد الله بن الحارث أخبره، أنَّ ابنَ عباس أخبره، قال: كنتُ أنا عند عمر حين سأله سعدٌ وابنُ عمر عن المسح على الخُفَّين، فقضى لسعد. قال: فقلت لسعد: قد علمنا أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مسحَ على خُفَّيه، ولكن أقَبْلَ المائدة أم بعدَها؟ لا يُخبِرُك أحدٌ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مسحَ بعدَ المائدة. فسكت عمر. وهذه الرواية أقرب الروايات إلى لفظ المصنف.

    وأخرج عبد الرزاق (768)، وابن أبي شيبة 1: 180 مختصراً، والبيهقي 1: 273 من طريقين عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس أنه قال في خبر سعد: لو قلتُم بهذا في السفر البعيد والبرد الشديد! قال البيهقي: فهذا تجويزٌ منه للمسح في السفر البعيد والبرد الشديد بعد أن كان يُنكِرُه على الإطلاق، وقد روي عنه أنه أفتى به للمقيم والمسافر جميعاً. ثم أخرج من طريق شعبة، عن قتادة، سمعت موسى بن سلمة قال: سألتُ ابنَ عباس عن المسح على الخُفَّين، فقال: للمسافر ثلاثة أيام وليالهنّ، وللمقيم يوم وليلة. وهذا إسناد صحيح.

  11. [11] أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه 1: 179 بإسناد صحيح عن القاسم بن محمد، عن عائشة قالت: لأن أحزَّهما بالسكاكين أحبُّ إلي من أن أمسح عليهما.

    وأخرج أيضاً 1: 180 بإسناد صحيح عن عروة بن الزبير، عن عائشة قالت: لأن أحزَّ أواخر أصابعي بالسكين أحب إلي من أن أمسح عليهما.
    قال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير 1: 158: وروى الدارقطني من حديث عائشة إثباتَ المسح على الخُفَّين، ويؤيِّد ذلك حديثُ شريح بن هانئ في سؤاله إياها عن ذلك، فقالت له: سل ابنَ أبي طالب. وفي رواية أنها قالت: لا عِلمَ لي بذلك.

    قلنا: رواية الدارقطني تقدَّمت قريباً، وإسنادها ضعيف. أما إحالتها السائل على علي فهو في صحيح مسلم (276)، فلعلها كانت تُنكِرُ المسح، فروجِعَت بفعل النبي صلى الله عليه وسلم، فأحالت بعد ذلك مَن يسألها على عليّ لعِلمِه بذلك دونها. والله أعلم.

    أما أبو هريرة فقد أخرج ابن أبي شيبة 1: 180 عنه قال: ما أبالي على ظَهرِ خُفَّيَّ مسحتُ أو على ظهر حمار. وإسناده قوي، وقال الإمام أحمد كما في التلخيص الحبير 1: 158: لا يصحُّ حديثُ أبي هريرة في إنكار المسح، وهو باطل!

  12. [12] “منار الأنوار” للإمام أبي البركات عبد الله بن أحمد النسفي المتوفى سنة 710، رحمه الله، وهو متن معتمد في أصول الفقه عند الحنفية، ولهم به اعتناء خاص، فتناولوه بالشرح والتحشية والاختصار والنظم والتدريس. وانظر في ذلك “كشف الظنون”.
  13. [13] انظر “المحلى” لابن حزم 5: 19، وقد ذكر أن أقل ما يُطلق عليه اسم السفر هو مسافة ميل، والميل ألفا ذراع.
  14. [14] سلف تخريجه قريباً.
وجوب اعتقاد مشروعية المسح على الخفين
 
Top