مقدمة التحقيق

صفحة 5

مقدمة التحقيق

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي دلّت بدائعُه على حكمته، وشهدت صنائعُه بعزَّته وعظمته، فكل مفطور شاهد بوحدانيَّته، وكل مخلوق دال على إلاهيَّته وربوبيَّته، سبحانه هو المتوحِّد بصفات العلوِّ والتوحيد والتعظيم في أزله، المنفرد بأسمائه الحسنى في قدسه، المقدَّس عن الحاجات، المبرَّأ عن العاهات، المنزَّه عن وجوه النقص والآفات، المتعالي عن أن يوصف بالجوارح والآلات، والحدود والغايات، والسُّكون والحركات، والدواعي والخَطَرات، الموجود بلا حد، الموصوف بلا كيف، المذكور بلا أين، المعبود بلا شبه، لا تتصوَّره الأوهام، ولا تَقدُرُه الأفهام، ولا يحيط بكُنه عظمته الدلائل والأعلام،[1] والصَّلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، وسيّد الخلق أجمعين، سيِّدنا محمَّد المبعوث رحمةً للعالمين، وعلى آله الطاهرين المطهَّرين، وصحبه الغرِّ الميامين، أما بعد:

فهذا شرح العلامة الفقيه الأصوليِّ المُتكلِّم النَّظَّار الإمام أكمل الدِّين محمَّد بن محمَّد البابرتيِّ الحنفيِّ، المتوفى سنة ٧٨٦، رحمه الله تعالى، على وصية الإمام

صفحة 6

الأعظم أبي حنيفة النعمان بن ثابت رضي الله عنه وأرضاه، وهو شرح مفيد مختصر في بيان بعض عقائد أهل السنة، ففي الوصية اثنتا عشرة مسألة من مسائل العقيدة، هي:

  1. تعريف الإيمان وزيادته ونقصانه والاستثناء فيه وحكم مرتكب الكبيرة.
  2. الأعمال فرائض وفضائل ومعاص.
  3. الاستواء حق من غير أن تكون لله حاجة إلى العرش واستقرار عليه.
  4. القرآن كلام الله غير مخلوق.
  5. أفضل الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي.
  6. خلق أفعال العباد.
  7. الرزق.
  8. استطاعة العبد على الفعل معه لا قبله ولا بعده.
  9. المسح على الخفَّين ثابت والقصر والإفطار في السفر رخصة.
  10. القلم حق.
  11. عذاب القبر والجنة والنار والميزان وقراءة الكتب حق.
  12. البعث والرؤية والشفاعة وبراءة السيِّدة عائشة رضي الله عنها وخلود أهل الجنة والنار حق.

وقد طبعت الوصية مرات، وطُبع شرح مُلَّا حسين إسكندر الرومي – المتوفى نحو سنة 1084 – عليها المسمى “الجوهرة المنيفة” في الهند ثم في قطر، وعُمدته فيه شرح البابرتي هذا كما صرَّح في مقدمته، ولا نعلم شرحَ البابرتي مطبوعاً

صفحة 7

من قبل، فرأينا نشره إسهاماً منَّا في إعادة نشر عقائد أهل السُّنَّة، خصوصاً السادة الماتريديَّة أعلى اللهُ منارَهم، فإنَّ لهم كتباً عظيمةً فريدةً في التوحيد والعقائد وعلم الكلام، لم يُنشر منها إلا القليل، وما نُشر منها لم يلقَ العنايةَ التي تليق به.

وهذا – نعني نشرَ عقائد أهل السُّنَّة – واجبٌ لا يَلتفت إليه كثيرٌ من أهل العلم في عصرنا، ظنّاً منهم أنَّ مثل هذه الكتب تُفرِّق بين المسلمين، وتَبذُرُ الخلِافَ بينهم، ونسي أولئك أنه قد كَثُرَ تبديعُ أهل الحق وتفسيقُهم وتضليلُهم في كتبِ خُصومهم، وقد طُبِعَت تلك الكتب مرَّات، وما زالت تُطبَعُ، وأكثرها يُوزَّعُ مجَّاناً،
حتى صار الحقُّ باطلاً والباطلُ حقاً، وصار الانتسابُ إلى الأشاعرة أو الماتريديَّة تُهمةً عند بعض المبتدئين، حتى رأينا كبارَ أهل العلم من الفقهاء والمحدِّثين والمفسِّرين يحاكَمون في عقائدهم من قِبَل طلبة الدراسات العليا بميزان كتب بعض المتأخِّرين، ويُرمَون بالتجهُّم والتعطيل بلا حياء ولا خجل، ويجري هذا
وأمثاله تحت شعار نشر العقيدة الصحيحة عقيدة السَّلف وأهل الحديث.

ومن الملاحظ – بعد قراءة هذا الشرح ومقارنته بكتب مَن تقدَّم البابرتي من الماتريدية – أن الشارح قد استفاد في كثير من مباحثه من كتاب “تبصرة الأدلة” للإمام أبي المعين النسفي رحمه الله تعالى، بل كان أحياناً ينقل عبارته بحروفها، وكتاب “تبصرة الأدلة” هذا كتابٌ لا يستغني عنه باحثٌ في العقائد، وفيه من الفوائد ما لا تجده في غيره. وقد استفاد البابرتي أيضاً من كتاب “التوحيد” لإمام الهدى أبي منصور الماتريدي رضي الله عنه ما نصه: واستفاد أيضاً من “شرح العقائد النسفية” للعلامة المُحقِّق سعد الدين التفتازاني رحمه الله تعالى.

صفحة 8

هذا وقد أفردنا ترجمة الشارح هنا، وتوسَّعنا فيها بعض الشيء؛ لأننا لم نطَّلع على ترجمة مستوعبة له، ثم أتبعناها بكلمة عن “الوصية” ونسبتها إلى الإمام أبي حنيفة، ثم الكلام على إسناد “الوصية”، ووصف الأصول الخطية المعتمدة.

واللهَ سبحانه نسأل أن يتقبَّل منَّا هذا العمل، وأن يرزقنا الإخلاصَ في القول والعمل، ويُجَنِّبَنا الخطأَ والغلطَ والوهم والزَّلل.

  1. [1] هذه الخطبة مقتبسة من الخطبة التي بدأ بها الإمام أبو بكر ابن فورك رحمه الله تعالى كتابه “مشكل الحديث وبيانه” بتصرف يسير.
مقدمة التحقيق
 
Top