متن وصية الإمام أبي حنيفة

صفحة 141

متن وصية الإمام أبي حنيفة

اعلموا يا أصحابي وإخواني أنَّ مذهبَ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ على اثنَتَي عشرةَ خَصلةً، فمَن كانَ يَستَقيمُ على هذه الخِصالِ لا يكونُ مبتَدِعاً، ولا صاحِبَ هوىً، فعليكم بهذه الخِصالِ حتى تكونوا في شفاعةِ سيِّدنا محمَّدٍ عليه الصلاة والسلام.

الأولى: الإيمانُ إقرارٌ باللسان وتصديقٌ بالجَنان، والإقرارُ وحدَه لا يكونُ إيماناً، لأنه لو كان إيماناً لكانَ المنافقونَ كلّهم مُؤمِنين، وكذلك المعرفةُ وحدَها لا تكونُ إيماناً، لأنها لو كانت إيماناً لكانَ أهلُ الكتابِ كلّهم مؤمِنين، قال اللهُ تعالى في حقِّ المنافقين: {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [المنافقون: 1] وقال تعالى في حقِّ أهلِ الكتاب: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} [البقرة: 146].

والإيمانُ لا يزيدُ ولا ينقُصُ؛ لأنه لا يُتصوَّرُ نقصانُه إلا بزيادةِ الكُفرِ، ولا تُتصوَّرُ زيادتُه إلا بنُقصانِ الكُفرِ، وكيف يجوزُ أن يكونَ الشخصُ الواحدُ في حالةٍ واحدةٍ مؤمناً وكافراً؟!

والمُؤمِنُ مؤمِنٌ حقَّاً، والكافِرُ كافِرٌ حقَّاً، وليسَ في الإيمانِ شكّ، كما أنه ليس في الكُفرِ شكّ، لقوله تعالى: {أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} [الأنفال: 4]، و{أُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ حَقًّا} [النساء: 151]، والعاصون من أمَّةِ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم كلّهم مؤمنون وليسوا بكافرين.

صفحة 142

والعملُ غيرُ الإيمانِ، والإيمانُ غيرُ العملِ، بدليلِ أنَّ كثيراً من الأوقاتِ يَرتفِعُ العملُ عن المؤمن، ولا يجوزُ أن يُقال: ارتَفعَ عنه الإيمانُ، فإنَّ الحائضَ رَفع اللهُ سبحانه وتعالى عنها الصَّلاةَ، ولا يجوز أن يُقال: رَفع عنها الإيمانَ وأَمَرَهَا بِتَرْكِ الإيمانِ، وقد قالَ لها الشَّارعُ: دَعي الصَّومَ ثمَّ اقضيه، ولا يجوزُ أن يُقال: دعي الإيمان ثمَّ اقضيه، ويجوزُ أن يُقال: ليس على الفقير الزَّكاة، ولا يجوزُ أن يُقال: ليس على الفقير الإيمانُ.

وتقديرُ الخيرِ والشرِّ كلِّه من اللهِ تعالى؛ لأنه لو زعمَ أحدٌ أنَّ تقديرَ الخيرِ والشَّرِّ مِنْ غيرِه لصارَ كافراً بالله تعالى وَبَطَلَ توحيدُه.

والثاني: نُقِرُّ بأنَّ الأعمالَ ثلاثةٌ: فريضةٌ وفضيلةٌ ومعصيةٌ، فالفريضةُ بأمرِ الله ومشيئتِه ومحبَّتِه ورِضاه وقضائِه وقَدَره وتخليقِه وحُكمِه وعِلمِه وتوفيقِه وكتابتِه في اللوح المحفوظ.

والفضيلةُ ليست بأمرِ الله تعالى، ولكن بمشيئتِه ومحبَّتِه ورِضاه وقضائِه وقَدَرِهِ وحُكمِه وعِلمِه وتوفيقِه وتخليقِه وكتابتِه في اللوح المحفوظ.

والمعصيةُ ليست بأمرِ الله، ولكنْ بمشيئتِه لا بمحبَّتِه، وبقضائِه لا برضاه، وبتقديرِه لا بتوفيقِه، وبخِذلانِه وعِلمِه وكتابتِه في اللوح المحفوظ.

والثالث: نُقِرُّ بأنَّ اللهَ تعالى على العَرْشِ استَوى من غيرِ أن تكونَ له حاجةٌ واستقرارٌ عليه، وهو حافِظُ العَرشِ وغيرِ العرشِ من غير احتياج، فلو كان مُحتاجاً لَمَا قَدَرَ على إيجادِ العالَمِ وتدبيرِه كالمخلوقين، ولو كان محتاجاً إلى الجلوس والقرار فقبلَ خَلْقِ العرشِ أين كانَ اللهُ؟ تعالى اللهُ عن ذلك علوّاً كبيراً.

صفحة 143

والرابع: نقرُّ بأنَّ القرآنَ كلامُ الله غيرُ مخلوق ووحيُه وتنزيلُه، لا هو ولا غيرُه، بل هو صفتُه على التحقيق، مكتوبٌ في المصاحف، مقروءٌ بالألسنة، محفوظٌ في الصُّدور، غيرُ حالّ فيها، والحِبْرُ والكاغَدُ والكِتابةُ كلّها مخلوقةٌ لأنها أفعالُ العباد، وكلامُ الله سبحانه وتعالى غيرُ مخلوق، لأنَّ الكتابةَ والحروفَ والكلماتِ والآياتِ دلالةُ القرآن لحاجةِ العِبادِ إليها، وكلامُ الله تعالى قائمٌ بذاته، ومعناه مفهومٌ بهذه الأشياء، فمَن قال بأنَّ كلامَ الله تعالى مخلوقٌ فهو كافرٌ بالله العظيم، واللهُ تعالى معبودٌ لا يزال عمَّا كان، وكلامُه مقروءٌ ومكتوبٌ ومحفوظٌ من غير مزايلةٍ عنه.

والخامس: نقرُّ بأنَّ أفضلَ هذه الأمَّةِ بعدَ نبيِّنا محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم: أبو بكرٍ الصِّدِّيقٌ، ثم عمرُ، ثم عثمانُ، ثم عليٌّ رضوان الله عليهم أجمعين، لقوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ . أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ . فِي جَنَّات النَّعِيم} [الواقعة: 10-12]، وكلّ مَن كان أسبَقَ فهو أفضَلُ، ويُحبُّهم كلّ مؤمنٍ تقيٍّ، ويُبغِضُهم كلّ منافقٍ شقيٍّ.

السادس: نقرُّ بأنَّ العبدَ مع أعمالِه وإقرارِه ومعرفتِه مخلوقٌ، فلمَّا كان الفاعلُ مخلوقاً فأفعالُه أولى أن تكون مخلوقةً.

والسابع: نقرُّ بأنَّ اللهَ تعالى خلقَ الخلقَ ولم يكن لهم طاقةٌ، لأنهم ضعفاءُ عاجِزون، واللهُ خالِقُهم ورازِقُهم، لقوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} [الروم: 40]، والكَسْبُ حلالٌ، وَجَمْعُ المالِ من الحلال حلالٌ، وجمعُ المالِ من الحرام حرامٌ. والناسُ على ثلاثة أصنافٍ: المؤمِنُ المُخلِص في إيمانه، والكافِرُ الجاحِدُ في كُفرِه، والمُنافِقُ المُداهِنُ في نِفاقِه. واللهُ تعالى فرضَ

صفحة 144

على المُؤمن العملَ، وعلى الكافرِ الإيمانَ، وعلى المُنافقِ الإخلاصَ، لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ} [النساء: 1]، يعني: أيُّها المؤمنون أطيعوا، وأيُّها الكافرون آمِنوا، وأيُّها المنافقون أخلِصوا.

والثامن: نقرُّ بأنَّ الاستطاعةَ مع الفِعْلِ، لا قبلَ الفِعْلِ ولا بعدَ الفعل، لأنه لو كان قبلَ الفعل لكان العَبْدُ مُستغنياً عن الله تعالى وقتَ الحاجة، وهذا خِلافُ حكمِ النص، لقوله تعالى: {وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ} [محمد: 38]، ولو كان بعدَ الفعل لكان من المُحال؛ لأنه حصولٌ بلا استطاعةٍ ولا طاقةٍ.

والتاسع: نقرُّ بأنَّ المسحَ على الخُفَّين واجِبٌ للمُقيم يوماً وليلةً، وللمسافر ثلاثةَ أيامٍ ولياليها، لأنَّ الحديثَ ورد هكذا، فمَن أنكره يُخشى عليه الكفرُ، لأنه قريبٌ من الخبر المُتواتر. والقَصْرُ والإفطارُ في السَّفَرِ رُخصةٌ بنصِّ الكتاب، لقوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} [النساء: 101]، وفي الإفطار قوله تعالى: {مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184].

والعاشر: نقرُّ بأنَّ اللهَ تعالى أمرَ القَلَمَ بأن يَكتُب، فقال القلمُ: ماذا أكتُب يا ربّ؟! فقال اللهُ تعالى: اكتُب ما هو كائنٌ إلى يومِ القِيامة، لقوله تعالى: {وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ . وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ} [القمر: 52-53].

والحادي عشر: نقرُّ بأن عذابَ القبرِ كائنٌ لا محالة، وسؤالَ مُنكَرٍ ونكيرٍ حقّ لورود الأحاديث، والجنَّةَ والنارَ حقّ، وهما مخلوقتان لأهلهما، لقوله تعالى في حقِّ المؤمنين: {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133]، وفي حق الكفرة: {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ}

صفحة 145

[البقرة: 24، آل عمران: 131]، خلقهما اللهُ للثواب والعقاب، والميزانَ حقّ لقوله تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} [الأنبياء: 47]، وقراءةَ الكُتُبِ حقّ لقوله تعالى: {اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} [الإسراء: 14].

والثاني عشر: نقرُّ بأنَّ اللهَ تعالى يُحيي هذه النُّفُوْسَ بعدَ الموتِ، ويَبعَثُهم في يومٍ كان مِقدارُه خمسينَ ألفَ سنةً للجزاءِ والثوابِ وأداءِ الحقوقِ، لقوله تعالى: {وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ} [الحج: 7].

ولقاءُ الله تعالى لأهلِ الجنَّةِ حقّ بلا كيفيَّةٍ ولا تشبيهٍ ولا جِهَةٍ.

وشفاعةُ نبيِّنا محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم حقّ لكلّ مَنْ هو مِنْ أهلِ الجنَّةِ، وإنْ كانَ صاحبَ الكبيرة.

وعائشةُ بعدَ خديجةَ الكبرى رضي الله تعالى عنهما أفضلُ نساءِ العالَمِين، وأمُّ المؤمنين، ومطهَّرةٌ عن الزِّنا بريئةٌ عمَّا قالت الروافضُ، فمَن شهدَ عليها بالزِّنا فهو وَلَدُ الزِّنا.

وأهلُ الجنَّةِ في الجنَّةِ خالدونَ، وأهلُ النَّارِ في النَّارِ خالدونَ، لقوله تعالى في حَقِّ المؤمنين: {أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 82]، وفي حق الكفّار: {أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 39].

متن وصية الإمام أبي حنيفة
 
Top