ماهية الإيمان

صفحة 50

ماهية الإيمان وطريق وجوبه

قال الإمام الأعظم رضي الله عنه: (الإيمانُ إقرارٌ باللسان وتصديقٌ بالجَنان).[1]

صفحة 51

أقول: الكلام ها هنا في ماهيَّة الإيمان وطريق وجوبه:

أما الأول فإنه في اللغة عبارة عن التصديق، قال الله تعالى خبراً عن إخوة يوسف عليه السلام: {وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا} [يوسف: 17]، أي: بمُصدِّق. وعند المتكلِّمين: هو تصديقُ محمد صلى الله عليه وسلم فيما جاء به من عند الله. فإنَّ فيه تصديقَ ما يجب التصديقُ به، كالإيمان بالله وملائكته وكتُبه ورسله واليوم الآخر وغير ذلك ممَّا يجب الإيمانُ به على التفصيل، فمن صدَّق الرسولَ فيما جاء به من عند الله فهو مؤمنٌ بينه وبين الله تعالى،[2] والإقرارُ شرط إجراء أحكام الإسلام عليه، هذا هو المرويُّ عن أبي حنيفة رحمه الله،[3] وإليه ذهب الشيخُ أبو منصور الماتريدي، وأبو الحسن الأشعري،[4] والقاضي أبو بكر الباقلاني، وأبو إسحاق الإسفرايني. وإن

صفحة 52

كان ظاهر كلامه في هذا الكتاب يدل على أن الإيمان مجموع الجزأين: الإقرار والتصديق.

فإن قيل: على كلا التقديرين، شطراً كان أو شرطاً، لِمَ قَدَّم الإقرارَ على التصديق، فإنَّ الإقرارَ وإن كان جزءاً لكنه يحتملُ السقوطَ بعذر الإكراه، والتصديقُ لا يحتمله؟

أجيب: بأن التصديق القلبيَّ لمَّا كان أمراً باطناً لا يُطَّلعُ عليه، وكان الإقرارُ باللسان دليلاً على ذلك كما سيجيء تقريره،[5] قُدِّم على التصديق، ويمكن أن يكون

صفحة 53

هذا مَحمَلَ قوله صلى الله عليه وسلم: (الإيمان بضع وسبعون شُعبة، أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)،[6] لم يذكر التصديق وإن كان هو الأصل.

وأما وجوبُه فقد اختلفوا في طريقه، هل هو واجبٌ عقلاً أو سَمعاً، فذهبت المعتزلةُ إلى الأول، والأشاعرةُ إلى الثاني.

واختلفوا أيضاً في أنه هل يُعرف حسن الإيمان وشُكرُ المُنعِم وقُبحُ الكفر عقلاً أو لا؟ فقالت الأشاعرة والمشبِّهة والخوارج والملاحدة والرافضة: لا يجب بالعقل شيءٌ، ولا يُعرف به حسنُ الإيمان وقُبح الكفر، وإنما يُعرف بالشرع.[7]

وقالت المعتزلة: العقلُ يوجِبُ الإيمانَ وشكرَ المُنعِم وقُبحَ الكفر، ويَعرفُ بذاته حسنَ الأشياء، ويُثبِتُ الأحكام [حسب][8] ما يقتضيه صلاحُ الخلق.

صفحة 54

وقال أصحابنا رحمهم الله تعالى: العقلُ آلةٌ يعرفُ حُسنَ بعضِ الأشياءِ وقُبحَه، ووجوبَ الإيمانِ وشكرِ المُنعِم.[9]

صفحة 55

والفرق بين قولنا وقول المعتزلة أنهم يقولون: العقلُ موجِبٌ لذاته، لأنهم يقولون: إنّ العبد موجِدٌ لأفعاله. وعندنا العقلُ آلةٌ للمعرفة، والموجِبُ هو اللهُ تعالى لكن بواسطة العقل،[10] كما أن الرسول مُعرِّفٌ للوجوب، والموجِبُ هو اللهُ تعالى حقيقةً، لكنْ بواسطة الرسول.

ووجوبُ الإيمان بالعقل مرويٌّ عن أبي حنيفة رحمه الله، فقد ذكر الحاكمُ الشهيدُ في “المنتقى”[11] أنَّ أبا حنيفة رحمه الله قال: لا عُذرَ لأحدٍ في الجهلِ بخالِقِه لَِما يرى من خَلقِ السماواتِ وخلق نفسه وغيره. وروي أنه قال: لو لم يُبعث رسولٌ لوَجب على الخلقِ معرفتُه بعقولهم. وعليه مشايخنا.[12]

صفحة 56

وقال الشيخ أبو منصور في الصبيِّ العاقل: إنه تجبُ عليه معرفةُ الله تعالى، وهو قولُ كثير من مشايخ العراق، لأن الوجوبَ على البالغ باعتبار العقل، فإذا كان الصبيُّ عاقلاً كان كالبالغ في وجوب الإيمان عليه، وإنما التفاوتُ بينهما في ضعف البِنية[13] وقوَّتها، فلا جَرَمَ يفترقانِ في عمل الأركان فيما لا يتعلَّقُ بالجَنان.

وذهب كثيرٌ من مشايخنا إلى أنه لا يجبُ على الصبيِّ شيءٌ قبلَ البلوغ لقوله صلى الله عليه وسلم: (رُفع القلم عن ثلاثٍ: عن الصبي حتى يحتلم)[14] الحديث. وحَمَلَهُ الشيخُ أبو منصور على الشرائع. ولا خلاف بين أصحابنا في صحة إيمان الصبي العاقل.[15]

صفحة 57

احتجَّت المعتزلةُ على أن الإيمانَ حَسَنٌ عقلاً بوجوه، وأنا أُورِدُها هنا وجهين اختصاراً:

أحدهما: أنَّ شكرَ الله واجبٌ عقلاً، ودَفْعَ الخوفِ عن نفسِه واجبٌ كذلك، وشُكْرَ المُنعِم ودفعَ الخوفِ العقليَّين متوقِّفان على معرفة الله تعالى فتكون معرفةُ الله واجبةً بالعقل.

والثاني: لو ثبتَ الحُسنُ والقُبحُ شرعاً لَزِمَ انتفاؤهما مطلقاً، لأنهما لو ثبتا بالشَّرع لم يحكم العقلُ بقُبحِ الكذب، فجاز وقوعُه من الشارع، فإذا حَكَمَ الشَّرعُ بقُبحِ شيءٍ لم يُجزَم بقُبحِه لجواز صدور الكذب حينئذ من الشارع، فلم يَثبُت الحُسنُ والقُبحُ أصلاً.

وقالت الأشاعرةُ: الحَسَنُ والقبيح يُطلقان على أمور: منها ما يكون صفةَ كمالٍ أو صفةَ نقصٍ، يُمدَح بها أو يُذمُّ. ومنها ما يكون ملائماً للطَّبعِ أو مُنافِراً له. ومنها ما يتعلَّق به في الآجِلِ ثوابٌ أو عقابٌ.

صفحة 58

فإن كان المرادُ بالحَسَن ما يكون صفةَ كمالٍ، وبالقبيح ما يكون صفةَ نقصٍ، أو كان المرادُ بالحَسَن ما يكون ملائماً للطبع، وبالقبيح ما يكون منافِراً له، فلا خلاف في كونهما عقليَّين.

وإن كان المرادُ بالحَسَن والقبيح ما يُثابُ به في الآجِلِ أو يُعاقَبُ عليه، فالعقلُ لا مجال له في إدراك ذلك، لقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} [الإسراء: ١٥]، نَفَى التعذيبَ إلا ببعثة الرُّسُل، فلو كان الفِعلُ قبيحاً بالعقل لَزِمَ وقوعُ التعذيبِ وإن لم يُوجَد الرسل.

ولأن شُكر المُنعم لو وَجَبَ لوجب لفائدة، وإلا لكان عَبَثاً وهو قبيح. والفائدة إما أن تعودَ إلى الربِّ وهو منزَّهٌ عنها، أو إلى العبد، إما في الدنيا أو في العُقبى، والأولُ ممنوعٌ لأنه إتعابُ النفسِ بلا فائدة، وكذا الثاني لأنه لا مجال للعقل في دَرْكِ أحوالِ الآجِل، وكذا دفعُ الخوفِ عن نفسه.

ولقائل أن يقول: احتمالُ العقابِ بعدم الشُّكرِ قائمٌ، ودفعُ الخوفِ عن ذلك من أجلّ الفوائد، لأن احتمال العقاب إما أن يكون واقعاً في نفس الأمر أو لا، فإن كان واقعاً فدفعُه من الفوائد، وإن لم يكن واقعاً لَزِمَ ورودُ الشرع على خلاف الواقع، وهو محال.

والجواب عما تلوا[16]: أنه محمولٌ على عذاب الدنيا كما جرى للمتقدِّمين من مُكذِّبي الرسل، أو هو محمولٌ على الشرائع.

صفحة 59

واعلم أن أصحابنا قد ذكروا أنا لا نعني بوجوب الإيمان بالعقل أنه يستحقُّ الثوابَ بفعلِه والعقابَ بتَرْكِه، إذ هما يُعرَفان بالسَّمع، وإنما نعني به أن يُثبَت بالعقل نوعُ رجحانٍ للإتيان بالإيمان،[17] بحيث لا يَحكُمُ العقلُ أنَّ التَّرْكَ والإتيانَ فيهما سيَّان، بل يحكم بأنَّ الإيمانَ يوجبُ نوعَ مدحٍ، والامتناعَ عنه نوعَ ذمٍّ، فعلى هذا لا خلافَ بيننا وبين الأشاعرة في هذه المسألة.

  1. [1] هكذا في (ز) والنسخ الخطية للشرح، وفي نسخة المتن المكية ونسخته الأزهرية و”الطبقات السنية” 1: 156 قبل هذا ما نصه: (اعلموا يا أصحابي وإخواني أنَّ مذهب أهل السنة والجماعة على اثنتي عشرة خصلة، فمَن كان يستقيمُ على هذه الخصال لا يكونُ مبتدِعاً، ولا صاحبَ هوىً، فعليكم بهذه الخصال حتى تكونوا في شفاعة سيِّدنا محمَّد عليه الصلاة والسلام: الأولى: الإيمان…)، وهذه الزيادة ثابتة أيضاً في نسخة دار الكتب المصرية للمتن فيما ذكر الأستاذ عناية الله إبلاغ في كتابه “الإمام الأعظم أبو حنيفة المتكلِّم” ص124.
  2. [2] وليس المراد بالتصديق هنا العلم بصدق الخبر أو المخبِر من غير إذعان وقبول، وإلا لزم أن يكون كل عالم بصدق النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به، وليس الأمر كذلك، لأن كثيراً من الأحبار والرُّهبان وغيرهم كانوا يعلمون صدق نبينا صلى الله عليه وسلم، ولكنهم لم يُذعنوا ويُسلِّموا لَِما جاء به من عند الله، فلم يؤمنوا، بل إن إبليس كان مصدِّقاً، ومع ذلك فهو كافر جزماً، فالإيمان مجموع أمرين: الأول: العلم بصدق الخبر أو المُخبر، والثاني: الإذعان والقبول للخبر أو المُخبر، وعليه يكون الإيمان من باب العلم ومن باب الكيفيات النفسانية. وانظر “المسامرة بشرح المسايرة” لابن أبي شريف ص352-353.
  3. [3] ذكر الإمام نحو هذا في “العالم والمتعلم” ص16، وذكر نحو ما في الوصية والفقه الأكبر ص65، والأول – أي: ما في العالم والمتعلم – مبيَّن، والثاني – أي: ما في الوصية والفقه الأكبر – مُجمَل، والمجمل محمول على المبيَّن، ولهذا اعتمد السادة الماتريدية ما في العالم والمتعلم.
  4. [4] واسمه علي بن إسماعيل بن إسحاق، ولد بالبصرة سنة ٢٦٠هـ، ومن المشهور أنه بقي على مذهب المعتزلة إلى سن الأربعين، ثم رجع إلى مذهب أهل السنة ورد على المعتزلة حتى صار إماماً لأهل السنة، وعُرف أتباعه بالأشاعرة، توفي رضي الله عنه ببغداد سنة ٣٢٤هـ.

    أما ما يُقال من أنه تراجع في آخر حياته في كتاب “الإبانة” عن معتقده الذي سار عليه الأشاعرة من بعده فغير صحيح بمعيار النقد العلمي، لأسباب منها: أننا نكاد نجزم بأن كتاب “الإبانة” الذي صنفه الأشعري ليس مطابقاً للذي بين أيدينا كما بيَّنه العلامة الشيخ وهبي سليمان غاوجي في رسالته “نظرة علمية في نسبة كتاب الإبانة إلى الأشعري”، على أنه مختلفٌ فيه أيضاً من حيث زمن تأليفه: هل كان أول رجوعه عن مذهب المعتزلة أم كان آخر حياته، والراجح عندنا أنه ألفه أول رجوعه عن مذهب المعتزلة عندما التقى بالبربهاري، وهو ما رجّحه الإمام الكوثري في مقدمة “تبيين كذب المفتري” وتابعته عليه الدكتورة فوقية حسين في تحقيقها للإبانة ص٧٨.

    ثم إنه ليس من المنهج العلمي الرصين أن نُغفل ما اشتهر عن الأشعري واستفاض، ونتعلق بكتاب لم تثبت مجموع رواياته على نص واحد، لأن المنهج العلمي في التعامل مع الروايات المختلفة عن أي إمام هو البحث عن المعتمد في مذهبه.

    كما أن ما في الإبانة مخالفٌ لَِما نقله الإمام أبو بكر ابن فورك رحمه الله تعالى عن الأشعري في كتابه “مجرد مقالات أبي الحسن الأشعري”، ومعلوم أن ما نقله ابن فورك هو ما استقر عليه الأشعري لاطلاعه على جميع كتبه أولاً، ولتلقِّيه هذه الأقوال عن أبي الحسن الباهلي عن الأشعري ثانياً.

    ومن الدليل على أن الإبانة ليست آخر مؤلفات الأشعري أن فيها تكفيراً لبعض المخالفين، وهو خلاف ما رواه البيهقي – كما في سير أعلام النبلاء 15: 88 – قال: سمعت أبا حازم العبدوي، قال: سمعت زاهر بن أحمد السرخسي يقول: لما قَرُب حضورُ أجل أبي الحسن الأشعري في داري ببغداد دعاني فأتيتُه، فقال: اشهد علي أني لا أكفّر أحداً من أهل القبلة، لأن الكلّ يشيرون إلى معبود واحد، وإنما هذا كله اختلافُ العبارات.

  5. [5] انظر ما سيأتي ص66-67.
  6. [6] أخرجه البخاري (9)، ومسلم (35)، وأبو داود (4676)، والترمذي (2614)، والنسائي 8: 110 (5004) و(5005)، وابن ماجه (57) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وفي بعض ألفاظه: (بضع وستون)، وفي بعضها: (بضع وستون أو سبعون) على الشك.
  7. [7] يرى الأشاعرة أنه ليس للفعل نفسه حُسنٌ وقبحٌ ذاتيان، ولا لصفة تُوجبهما، بل حُسنُ الفعل هو ورود الشرع بإطلاقه، أي الأذن لنا فيه، وقُبحه ورود الشرع بمنعه.

    والعقل عندهم لا يحكم بحكم تكليفيٍّ من الوجوب والندب والإباحة والكراهة والحرمة، لقوله تعالى: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: ١٦٥]، فلو كان العقلُ حجَّةً على الناس في الأحكام لما علّق الله الحجَّة على الرسل.

    واستدلوا أيضاً بقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} [الإسراء: 15]، وجه الاستدلال: أن العذاب لا يقع إلا على مَن بلغته دعوةُ الرسول، فلو وجب الإيمانُ بالعقل لوجب قبل البعثة وفي كل زمان وترتَّب عليه العقاب، لأنه لا معنى للوجوب إلا هذا، ولكن لا يترتب العقاب على من لم يؤمن قبل البعثة بنص الكتاب العزيز، فبطل الوجوب بالعقل، لأنه إذا بطل الوجوبُ العقليُّ في زمن، بطل في غيره، لأن ما كان واجباً عقلاً لا ينقلب ولا يتغير، وإلا انقلبَ الواجبُ ممكناً، وهو محال.

  8. [8] كلمة “حسب” ليست في أصولنا الخطية، وأضفناها لتوضيح المعنى.
  9. [9] قال العلامة قاسم بن قطلوبغا رحمه الله في حاشيته على “المسايرة” ص176: مذهب الماتريدية يخالف مذهب المعتزلة من وجوه:

    أحدها: أن المعتزلة قد قرروا أن العقل يُدرك الحسن أو القبح في الفعل، ويُدرِك الحكمَ المترتِّب على أحدهما من غير توقّف على الشرع، والماتريدية قالوا: العقل يدرك الحسن أو القبح، ولا يقضي في شيء بمقتضى ما أدركه، بل ينتظر ورود الشرع بهذا القضاء، فالعقل عند المعتزلة حاكم، وعند الماتريدية آلة للبيان وسبب الحكم.

    الوجه الثاني: أن الماتريدية لم يقولوا بما قال به المعتزلة مما استلزمه كلامهم [يعني وجوب فعل الأصلح والرزق والثواب على الطاعة والعقاب على المعصية على الله، وبيانه – كما في حاشية النسخة (ب) -: أن العقل عند المعتزلة إذا أدرك الحُسنَ والقُبحَ يُوجب بنفسه على الله تعالى وعلى العباد مقتضاهما، وعند الحنفية الموجِبُ هو الله، والعقلُ آلةٌ يُعرف به ذلك الحكمُ بواسطة إطلاعه على الحُسن والقُبح الكائنين في الفعل].

    الثالث: أن العقل مدركٌ للحسن والقبح في جميع الأفعال عند المعتزلة على الوجه الذي قررناه، وعند الماتريدية لا يدركهما في جميع الأفعال، وإنما يدركهما في بعضها دون البعض.

    وقال ص١٧٩: والفرق بين مذهبنا ومذهب الأشاعرة من وجهين: أنه قد يعرفهما العقل بخلق الله تعالى العلمَ بعد توجُّهه بلا كسب أو معه، وإن لم يرد الشرع، ومن الواجب القول بذلك فيما يتوقف الشرع عليه كوجوب تصديق النبي، وإن كان في أول أقواله مثلاً، وحرمة تكذيبه، وإلا لزم الدور أو التسلسل. وأنه بعد ورود الشرع آلةٌ لمعرفة حُسنِ ما ورد به الشرعُ أو قُبحه، لا فهم الخطاب وصدق الناقل فقط، فالعقل ليس بمعتبر كل الاعتبار في مواجب التكليف، لأن الأفعال مسندة إلى الله خلقاً، ولأن الوهم يعارضه كثيراً، فلا يُكلَّف بالإيمان العاقل قبل البلوغ ولا من نشأ في شاهق جبل قبل إدراك الدعوة وزمان التجربة، فلا يُعذَّبان إن لم يعتقدا كفراً ولا إيماناً خلافاً للمعتزلة.

    واقتصر العلامة ابن أبي شريف رحمه الله في “المسامرة في شرح المسايرة” ص١٨٣ على الوجه الأول إلا أنه زاده توضيحاً فقال: والفرق بين الأشاعرة والماتريدية: أن الأشاعرة قائلون بأن العقل لا يعرف حكماً من الأحكام إلا بعد بعثة نبي، أما الماتريدية فيقولون إن العقل قد يعرف بعض الأحكام قبل البعثة بخلق الله تعالى العلمَ به: إما بلا كسب كوجوب تصديق النبي وحرمة الكذب الضار، وإما مع كسب النظر وترتيب المقدمات، وقد لا يُعرف إلا بالكتاب والنبي كأكثر الأحكام.

  10. [10] الباء في قوله: “بعقولهم” باء السببية، أي: معرفةُ الله واجبةٌ على الخلق بسبب عقولهم، والمُوجِبُ هو الله حقيقةً. والسبب عند الأشاعرة والماتريدية سبب عادي، لا مولِّد كما عند المعتزلة. أفاده العلامة المحقق ابن أبي شريف في “المسامرة” ص183.
  11. [11] الحاكم الشهيد: هو محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن عبد المجيد المروزي السلمي الوزير الشهيد، أبو الفضل البلخي، قاضي بخارى وإمام الحنفية في عصره، كان فقيهاً محدِّثاً، قال السمعاني: كان يحفظ ستين ألف حديث، وتصانيفه تدل على كمال فضله كـ”الكافي” و”المنتقى”. وقال الحاكم في “تاريخ نيسابور”: ما رأيتُ في جملة مَن كتبتُ عنهم من أصحاب أبي حنيفة أحفظَ للحديث وأهدى إلى رسومه وأفهمَ منه. قُتِل شهيداً سنة ٣٣٤ رحمه الله تعالى. قال الكفوي (ت ٩٩٠هـ) في “كتاب الأخيار”: “الكافي” و”المنتقى” أصلان من أصول المذهب بعد كتب محمد، ولا يوجد “المنتقى” في زماننا. انظر ترجمته في الجواهر المضية للقرشي: 3: 313-315، والفوائد البهية للكنوي ص185.
  12. [12] أي: عامَّتُهم، وهو المشهور عن الإمام أبي حنيفة. قال الإمام ابن الهمام رحمه الله في “المسايرة” ص185: قال أئمة بخارى: لا يجب إيمانٌ ولا يحرم كفرٌ قبل البعثة كقول الأشاعرة، وحملوا المرويَّ عن أبي حنيفة على ما بعد البعثة، وهو ممكنٌ في العبارة الأولى دون الثانية. وقال في “التحرير في أصول الفقه”: وحينئذ فيجب حمل الوجوب في قوله: (لوجب على الخلق معرفته بعقولهم) على معنى: ينبغي، أي: الذي ينبغي أن يُفعَل.
  13. [13] في (ج) وحدها: (البيِّنة)، والافتراق في عمل الأركان مبني على البِنية لا على البيِّنة.
  14. [14] أخرجه أبو داود (4399-4403)، والترمذي (1423)، والنسائي في السنن الكبرى (7305-7307)، وابن ماجه (2042) من حديث علي كرم الله وجهه. وقد روي مرفوعاً وموقوفاً، ورجح النسائي الموقوف.

    وأخرجه أبو داود (4389)، والنسائي 6: 156 (3432)، وابن ماجه (2041) من حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعاً. فالحديث صحيح مرفوعاً، والوقف لا يُعله.

  15. [15] وبه قال المالكية والحنابلة، وعند الشافعية خلافٌ في صحَّة إسلام الصبيِّ محلّه بالنسبة إلى تعلّق أحكام الدنيا به، أما بالنسبة إلى أحكام الآخرة فلا خلاف في صحَّة إسلامه. انظر “روضة الطالبين” للإمام النووي 5: 429 و432 و434 و8: 281، و”المسامرة بشرح المسايرة” للعلامة ابن أبي شريف ص193-194.

    قلنا: وذلك لأن الصحة يتعلق بها أمران: الأول: اعتبار الشيء، والثاني: ترتّب الأحكام عليه، والخلاف في الثاني لا في الأول، لأن الإيمان هو التصديق المقطوع به، ومن قواعد الشريعة أنّ الأمرَ القطعيَّ لا يجوز إسقاطُه ولا إهمالُه، وعليه فلا يجوز عدمُ اعتبار صحة إسلام الصبي، وإنَّما الخلافُ في ترتّب أحكام الدنيا من توارُثٍ وغيره.

    وبذلك يُعلم أن قول ابن تيمية في “منهاج السنة” 8: 286 في كلامه عن علي كرم الله وجهه الذي أسلم صبياً: (مذهب الشافعي أن إسلام الصبي غير مخرج له من الكفر) ليس بصحيح، فضلاً عمَّا فيه من إساءة الأدب مع سيدنا علي، وكون الرافضي المردود عليه أساء الأدب في حق الخلفاء الثلاثة رضوان الله عليهم لا يُسوِّغ مقابلته بمثل صنيعه.

    وعلى حاشية النسخة (ب) هنا فائدة وهي: (ارتدادُ الصبيِّ العاقل صحيحٌ كإسلامه عندهما، وقال أبو يوسف: ارتدادُه ليس بصحيح، ويُجبَر الصبيّ على الإيمان، ولا يُقتَل إن أبى، والجبرُ أعمُّ من الحبس والتهديد ونحوه. ملخصاً من ملا مسكين. قوله: (لا يُقتل) لأنه ليس مخاطباً بالفروع التي عُلِمَت بمجيء الرسول، وهذا يتمشَّى على قول مشايخ العراق بأن وجوب الإيمان بالعقل، ووجوب الفروع بالرسول. وعند مشايخ بخارى وجوب الإيمان مع الفروع بالشرع مطلقاً، والصبي ليس بمخاطب لحديث: (رُفع القلم) فلا يُحكم بكفره على قولهم). اهـ.

  16. [16] أي استدلالهم بقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً}.
  17. [17] قوله: (نوع رجحان) أي: أن يترجَّح بالعقل وقوع الفعل على عدم وقوعه، أو أن يترجَّح عدم وقوعه على وقوعه، فالأول هو الحسن، والثاني هو القبيح، من غير أن يترتب بالعقل الثوابُ على الأول والعقابُ على الثاني. ومعنى الوجوب هو رُجحان الوقوع على عدم الوقوع مع ترتُّب الثواب على الفعل والعقاب على عدمه، والندب هو نفسه مع عدم ترتّب العقاب على فعله، والحرمة رجحان عدم الوقوع على الوقوع مع ترتب العقاب على فعله والثواب على تركه امتثالاً، والكراهة نفسه مع عدم ترتب العقاب على فعله، فالرجحان مع هذه الترتبات لا يكون عند الأشاعرة والماتريدية إلا بالشرع.

    أما حصول الرجحان بالعقل من غير الترتبات المذكورة – وهو ما سماه الشارح (نوع الرجحان) – فقد يكون بالعقل أيضاً، كملائمة الشيء للطّباع أو منافرته لها، فليس هو رجحاناً مطلقاً، لأن الرجحان المطلق يستلزم هذه الترتبات.

    فإن قيل: كيف يُدرِكُ العقلُ هذا الرجحانَ ولا يترتَّبُ الثوابُ والعقابُ عليه؟ قلنا: لأن هذا الرجحان ليس ذاتياً، وإنما هو رجحانٌ نسبيٌّ، فالحكم بوجوب وقوعها أو عدمه لا بد معه من طلاقة في الصفات، وهذا ما لا يتحقّق لمخلوق أبداً، ولذلك قال تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} [الأنعام: 57]، فصار عندنا ثلاثة أمور: الأول: إدراك الشيء من حيث كونه صفة كمال أو نقص. والثاني: رجحان الوقوع أو عدم الوقوع. الثالث: ترتّب الثواب والعقاب. والعقل له حكم في الأول والثاني دون الثالث. والله تعالى أعلم.

ماهية الإيمان
 
Top