كلمة حول الوصية ونسبتها إلى الإمام أبي حنيفة

صفحة 18

كلمة حول الوصية ونسبتها إلى الإمام أبي حنيفة:

قال العلامة السيِّد محمد مرتضى الزَّبيدي رحمه الله تعالى في “إتحاف السادة المتقين”[1] بعد أن ذكر أن الإمام الماتريدي رضي الله عنه بنى كتبه في العقائد على نصوص الإمام أبي حنيفة، وهي في خمسة كتب نُسبَت إليه، وهي: الفقه الأكبر، والفقه الأبسط، والعالم والمتعلم، ورسالة أبي حنيفة إلى البتي، والوصية، قال رحمه الله: اختُلِف في ذلك كثيراً، فمنهم من يُنكِر عزوَها إلى الإمام مطلقاً وأنها ليست من عَمَلِه. ومنهم من ينسبُها إلى محمد بن يوسف البخاري المكنى بأبي حنيفة، وهذا قول المعتزلة لِما فيها من إبطال نصوصهم الزائغة، وادِّعائهم كونَ الإمام منهم، كما في “المناقب الكردرية”،[2] وهذا كذب منهم على الإمام، فإنه رضي الله عنه وصاحباه أوَّل مَن تكلَّم في أصول الدِّين وأتقنَها بقواطع البراهين على رأس المئة الأولى، ففي التبصرة البغدادية:[3] أول متكلمي أهل السنة من الفقهاء أبو حنيفة، ألَّف فيه “الفقه الأكبر” و”الرسالة” في نصرة أهل السنة، وقد ناظر فرقة الخوارج والشيعة والقدرية والدهرية، وكانت دعاتهم بالبصرة، فسافر إليها نيِّفاً وعشرين مرة، وفضَّهم بالأدلة الباهرة، وبلغ في الكلام إلى أنه كان المُشارَ إليه بين الأنام، واقتفى به تلامذته الأعلام. اه.

صفحة 19

وفي “مناقب الكردري” عن خالد بن زيد العمري: أنه كان أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر وحماد بن أبي حنيفة قد خصموا بالكلام الناس، أي: ألزموا المخالفين، وهم أئمة العلم.[4]

وعن الإمام أبي عبد الله الصيمري: أن الإمام أبا حنيفة كان مُتكلِّمَ هذه الأمة في زمانه وفقيههم في الحلال والحرام.

وقد عُلِمَ مما تقدَّم أن هذه الكتب من تأليف الإمام نفسه، والصحيح أن هذه المسائل المذكورة في هذه الكتب من أمالي الإمام التي أملاها على أصحابه، كحماد، وأبي يوسف، وأبي مطيع الحكم بن عبد الله البلخي، وأبي مقاتل حفص بن مسلم السمرقندي،[5] فهم الذين قاموا بجمعها، وتلقَّاها عنهم جماعةٌ من الأئمة، كإسماعيل بن حماد، ومحمد بن مقاتل الرازي، ومحمد بن سماعة، ونُصير بن يحيى البلخي، وشداد بن الحكم، وغيرهم، إلى أن وصلت بالإسناد الصحيح إلى الإمام أبي منصور الماتريدي، فمَن عزاهنَّ إلى الإمام صحَّ لكون تلك المسائل من إملائه، ومَن عزاهنَّ إلى أبي مطيع البلخي أو غيره ممن هو في طبقته أو ممن هو بعدهم صحَّ لكونها من جَمعِه.

ونظير ذلك “المسند” المنسوب للإمام الشافعي، فإنه من تخريج أبي عمرو محمد بن جعفر بن محمد بن مطر النيسابوري لأبي العباس الأصم من أصول الشافعي.

صفحة 20

ونحن نذكر لك مَن نقل من هذه الكتب واعتمد عليها، فمن ذلك فخر الإسلام علي بن محمد البزدوي قد ذكر في أول أصوله جملة من الفقه الأكبر وكتاب “العالم” و”الرسالة”،[6] وذكر بعض مسائل الكتب المذكورة في كل من شروح الكافي لحسام الدين السغناقي، والشامل للقوام الإتقاني، والشافي لجلال الدين الكولاني، وبيان الأصول للقوام الكاكي، والبرهان للبخاري، والكشف[7] لعلاء الدين البخاري، والتقرير لأكمل الدين البابرتي.

وذُكرت الرسالة بتمامها في أواخر خزانة الأكمل للهمداني، وذكرها الإمام الناطفي في الأجناس.

وذُكر كثير من مسائل كتاب العالم في المناقب للإمام نجم الدين النسفي وللخوارزمي، والكشف لأبي محمد الحارثي الحافظ، وبعضها في نكاح أهل الكتاب في المحيط البرهاني.

وذكر بعض مسائل الفقه الأكبر شيخُ الإسلام محمد بن إلياس في فتاويه، وابنُ الهمام في المسايرة.

وذكر بعض مسائل الفقه الأبسط الإمام أبو المعين النسفي في التبصرة في فصل التقليد وغيره،[8] ونور الدين البخاري في “الكفاية” في فصل التنزيه، وحافظ الدين النسفي في “الاعتماد شرح العمدة” و”كشف المنار”، والناطفي في “الأجناس”،

صفحة 21

والقاضي أبو العلاء الصاعدي في كتاب “الاعتقاد”، وأبو شجاع الناصري في “البرهان الساطع” شرح عقائد الطحاوي، وأبو المحاسن محمود القونوي في شرحها أيضاً، وشرحه الفقيه عطاء بن علي الجوزجاني شرحاً نفيساً.

وذكر الوصية بتمامها الإمامُ صارم الدين المصري في “نظم الجمان”،[9] ومن المتأخرين القاضي تقي الدين التميمي في “الطبقات السنية”،[10] والقاضي أبو الفضل محمد بن الشحنة الحلبي في أوائل “شرح الهداية”، وذكر بعضَ مسائلها ابن الهمام في “المسايرة”،[11] وشرحها الشيخ أكمل الدين البابرتي.

فقد ذكر جملاً من مسائل الكتب الخمسة منقولاً عنها في نحو ثلاثين كتاباً من كتب الأئمة، وهذا القدرُ كافٍ في تلقِّي الأمة لها بالقبول. والله أعلم. انتهى كلام السيد الزبيدي رحمه الله تعالى، وقد نقلناه بطوله لنفاسته، ويُضاف إليه شروح الكتب المذكورة من قِبَلِ أئمة الحنفية وعلمائهم، وهو دليلٌ ظاهرٌ على قبولِهم لِما فيها، وتصحيح نِسبتِها إلى الإمام تأليفاً أو إملاءً.

فقد شرح الفقه الأكبر[12] جماعةٌ من الفضلاء، منهم العلامة أبو الليث السمرقندي المتوفى سنة 373،[13] والعلامة البزدوي صاحب الكتاب المشهور في

صفحة 22

الأصول المتوفى سنة 482، والبابرتي مؤلف هذا الكتاب وسمَّاه “الإرشاد”، وإلياس بن إبراهيم السِّينوبي المتوفى سنة ٨٩١، وهو شرح مفيد، وأبو المنتهى أحمد بن محمد المغنيساوي المتوفى سنة ٩٣٩، وسمَّاه الحكمة النبوية، ومحيي الدين محمد بن بهاء الدين بن لطف الله البَيرامي المتوفى سنة ٩٥٦ شرحاً جمع فيه بين الكلام والتصوف، وأتقن المسائل وأوضحها غاية الإيضاح، سماه “القول الفصل”، والعلامة علي القاري المتوفى سنة 1014 في مجلد وسماه “منح الروض الأزهر”.[14]

واختصر “الحكمة النبوية” الحكيم إسحاق الرومي المتوفى سنة ٩٥٠.

ونظمه أبو البقاء الأحمدي سنة ٩١٨، وسمَّاه “عقد الجوهر نظم نثر الفقه الأكبر”، ونظمه إبراهيم بن حسام الجرمياني المعروف بشريفي المتوفى سنة 1016.

وشرح الفقه الأبسط إبراهيم بن إسماعيل الملطي من القرن الخامس، وعطاء بن علي بن محمد الجوزجاني من القرن السابع.

وشرح الوصية البابرتي وهو كتابنا هذا، وشرحها أيضاً علي القاري، وملا حسين بن إسكندر الرومي المتوفى حوالي سنة ١٠٨٤، وشرحه مطبوع في الهند ثم في قطر، وعمدته فيه شرح البابرتي كما صرح في مقدمته، وشرحها الإمام الحُصُوني واسمه “ظهور العطية”، وشرحها نور الدين إبراهيم بن حسن أفندي الأُسْكُداري المتوفى سنة 1260، وشرحه مطبوع بإستانبول، ولها شرح مسمى بـ”خلاصة الأصول”، وآخر بـ”تلخيص خلاصة الأصول”.

صفحة 23

وشرح “العالم والمتعلم” أبو بكر محمد بن الحسن بن فُورك (ت 406).

وقال الكردري في المناقب:[15] رأيت بخط العلامة مولانا شمس الملة والدين الكردري البراتقيني العمادي هذين الكتابين – يعني الفقه الأكبر والعالم والمتعلم – وكتب فيهما أنهما لأبي حنيفة، وقد تواطأ على ذلك جماعةٌ كثيرةٌ من المشايخ.

وقال مولانا العلامة المحقق الناقد الشيخ محمد زاهد الكوثري رحمه الله في مقدمة “العالم والمتعلم”:[16] تلك الرسائل هي العمدة عند أصحابنا في معرفة العقيدة الصحيحة التي كان عليها النبيُّ صلى الله عليه وسلم وأصحابُه الغرُّ الميامين ومن بعدهم من أهل السنة على توالي السنين، وإمام الهدى أبو منصور الماتريدي رضي الله عنه وعن سائر الأئمة بنى توضيح الدلائل، على مسائل تلك الرسائل، كما جرى على ذلك الإمام المجتهد أبو جعفر الطحاوي في كتابه “بيان عقائد أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن” رضي الله عنهم المعروف بـ”عقيدة الطحاوي”،[17] فيتبيَّن من ذلك مبلغ أهمية تلك الرسائل عند الباحثين. اه.

قلت: وتلقِّي الحنفيَّة لهذه الرسائل بالقبول يغني عن البحث في الأسانيد، فقد صرَّح غير واحد من أهل العلم من المحدِّثين والأصوليين بأن الحديث النبوي إذا

صفحة 24
تلقَّته الأمةُ بالقبول وعملت به كان ذلك تصحيحاً له، وإن كان لا يصح من جهة الإسناد، منهم ابن عبد البر وأبو إسحاق الإسفراييني وابن القيم وابن حجر وابن الهمام والسخاوي والسيوطي،[18] فإذا كان هذا في الحديث النبوي، والأمر فيه شديد، فكيف بالكتب والرسائل التي لا يُعتنى بنقلها كما يُعتنى بنقل الأحاديث، بل إن بعض الكتب المشهورة التي تتوفر الدواعي على نقلها من طرق لم تصل إلينا إلا من طرق غريبة وروايات آحاد، والله تعالى أعلم.

  1. [1] 2: 13-14.
  2. [2] مناقب أبي حنيفة للكردري ص122، وانظر أيضاً ص160.
  3. [3] يعني كتاب أصول الدين للأستاذ عبد القاهر البغدادي رحمه الله، وكلامه في ص162 منه بنحو ما هنا، وانظر أيضاً ص164 منه.
  4. [4] انظر مناقب أبي حنيفة للموفق المكي ص100.
  5. [5] حماد بن أبي حنيفة هو راوي الفقه الأكبر، وأبو يوسف راوي الرسالة والوصية، وأبو مطيع البلخي هو راوي الفقه الأبسط، وأبو مقاتل هو راوي العالم والمتعلم، والكتب الخمسة مطبوعة بتحقيق العلامة الكبير الشيخ الكوثري، وأسانيدها مثبتة هناك سوى الوصية، وسنذكر إسنادها قريباً.
  6. [6] انظر أصول البزدوي 1: 35-36 مع كشف الأسرار.
  7. [7] يعني كشف الأسرار عن أصول البزدوي، وانظر منه 1: 35-38.
  8. [8] نقل النسفي عن الفقه الأكبر والعالم والمتعلم في مواضع من التبصرة، منها 1: 25.
  9. [9] وتمام اسمه “نظم الجمان في طبقات أصحاب إمامنا النعمان” للشيخ صارم الدين إبراهيم بن محمد بن دقماق الحنفي المتوفى سنة 809. كذا في كشف الظنون.
  10. [10] 1: 156-160، وقد قابلنا نص الوصية عليها، وأثبتنا الفروق في الحواشي.
  11. [11] بل نقل ابن الهمام عن الوصية صراحة في المسايرة ص378.
  12. [12] غالب المذكور هنا مستفاد من “كشف الظنون” و”تاريخ التراث العربي” لسزكين.
  13. [13] وهو مطبوع، ونُسب في بعض الطبعات إلى أبي منصور الماتريدي، وهو خطأ نبه عليه العلامة الكوثري في مقدمة العالم والمتعلم ص4.
  14. [14] وقد طبع غير مرة، وأفضلها الطبعة التي اعتنى بها العلامة الفقيه الشيخ وهبي سليمان غاوجي حفظه الله تعالى.
  15. [15] ص122.
  16. [16] ص3.
  17. [17] ومسائل هذه الرسالة متفقة مع عقيدة الطحاوي التي هي “بيان السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة، أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن رحمهم الله تعالى”، بل بعض مسائلها متفقة معها باللفظ أيضاً.
  18. [18] انظر كلامهم والأمثلة على هذه القاعدة فيما كتبه العلامة المحقق المتفنن الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله تعالى آخر “الأجوبة الفاضلة” للإمام اللكنوي رحمه الله.
كلمة حول الوصية ونسبتها إلى الإمام أبي حنيفة
 
Top