زيادة الإيمان ونقصانه

صفحة 63

زيادة الإيمان ونقصانه

قال: (والإيمان لا يزيد ولا ينقص؛ لأنه لا يُتصوَّر نقصانه إلا بزيادة الكفر، ولا تتصور زيادته إلا بنقصان الكفر، وكيف يجوز أن يكون الشخص الواحد في حالة واحدة مؤمناً وكافراً؟!)

صفحة 64

أقول: إذا ثبت أن الإيمانَ عبارةٌ عن تصديق العبد، وهو لا يتزايَدُ في نفسه، دلَّ أن الإيمانَ لا يزيدُ بانضمام الطاعات إليه، ولا ينقُصُ بارتكاب المعاصي، لأن التصديقَ قائمٌ في الحالَين كما كان قبلهما، واستدل الإمام رحمه الله على هذا بأن زيادةَ الإيمان لا تتصوَّر إلا بنقصان الكفر، ونقصانه إلا بزيادة الكفر، واجتماعَهما في ذاتٍ واحدةٍ في حالةٍ واحدةٍ محالٌ، وهذا لأن الكفرَ ضدُّ الإيمان، وهو التكذيب والجحود، ولهذا قابل اللهُ تعالى الكفر بالإيمان في قوله: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ} [البقرة: ٢٥٦]، والمرادُ بهما التصديقُ والتكذيبُ، واجتماعُ الضِّدَّين في محل واحد في حالة واحدة محال. وأشار إلى هذا بقوله: (وكيف يجوز أن يكون الشخص الواحد مؤمناً وكافراً في حالة واحدة).

وذهب الشافعيَّةُ وأصحاب الظاهر[1] إلى أن الإيمانَ يزيد وينقص، مستدلِّين بقوله تعالى: {زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} [الأنفال: 2]، وقوله: {لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ} [الفتح: 4] وأمثالِهما، وبقوله صلى الله عليه وسلم: (الإيمان بضع وسبعون شعبة)[2] الحديث، قالوا: إنا نعلم بالضرورة أن التصديقَ وحدَه لم يكن كذلك، فدلَّ أن الإيمانَ يزيدُ ويتشعَّبُ بانضمام الطاعات.[3]

صفحة 65

والجوابُ: أن المرادَ من الزيادة في الآيتين الزيادة بتجدُّد الأمثال، فإن بقاءَ الإيمان لا يُتصوَّر إلا بهذا الطريق، لأنه عَرَضٌ، وهو لا يبقى زمانين، فكان بقاءُه بتجدُّد أمثالِه كسائر الأعراض.[4]

أو يكون المرادُ الزيادةَ من حيث ثمراتُ الإيمان وإشراقُ نورِهِ وضيائه في القلوب بالأعمال الصالحة، إذ الإيمانُ له نورٌ وضياءٌ، قال الله تعالى: {أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ} [الزمر: 22].[5]

وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وأبي حنيفة رحمه الله تعالى: أنهم كانوا آمنوا في الجملة ثم يأتي فرضٌ بعد فرضٍ فيؤمنون بكلِّ فرضٍ خاصٍّ، فزادهم إيماناً بالتفصيل مع إيمانهم في الجملة.[6]

صفحة 66

وأما الجوابُ عن الحديث فبأنَّ معنى الحديث: شُعَبُ الإيمان بِضعٌ وسبعون شُعبةً، لا أن الإيمان نفسَه بضعاً وسبعين شعبة،[7] إذ لو كان الإيمانُ نفسُه بضعاً وسبعين شُعبةً لكانت إماطةُ الأذى من الطريق داخلةٌ فيه، وليس كذلك بالاتفاق.[8]

واعلم أنَّ إيمانَنا مثلُ إيمان الملائكة والرُّسُل عليهم السلام، نصَّ عليه أبو حنيفة رحمه الله تعالى في “العالم والمتعلم”، لأنَّا صدَّقنا وحدانيَّتَه وربوبيَّتَه وقُدرَتَه كما صدَّقَ الأنبياءُ والرُّسلُ عليهم السلام.[9]

صفحة 67
والإيمان مخلوق، لأن العبدَ بجميع أفعاله مخلوق، ولا يجوزُ أن يكون الإيمانُ اسماً للهداية أو التوفيق وإن كان لا يوجدُ إلا بهما كما زعم من قال إنه غير مخلوق، لأنه مأمور به، والأمرُ إنما يكون بما هو داخلٌ تحتَ قدرتِه، وما كان كذلك كان مخلوقاً.[10]

  1. [1] قوله: (وأهل الظاهر) أثبتناه في ف وب، ولم يرد في ص وج، والظاهرية يقولون بزيادة الإيمان ونقصانه.
  2. [2] سلف تخريجه قريباً.
  3. [3] الخلاف في هذه المسألة عند التحقيق خلاف لفظيٌّ، فمن قال بعدم زيادة الإيمان ونقصانه أراد أصل الإيمان وأساسه، وهو أقل قدر يصير به المؤمن مؤمناً، وهو “مطلق الإيمان” الذي هو التصديق، ومن قال بزيادة الإيمان ونقصانه أراد كمال الإيمان، أي “الإيمان المطلق” الذي يدخل فيه العمل والإقرار، وهو الذي نفاه النبي صلى الله عليه وسلم عن الزاني وشارب الخمر والسارق في قوله: (لا يزني الزاني وهو مؤمن) الحديث الذي أخرجه البخاري (2475)، ومسلم (57)، وعليه فالإيمان المطلق يمنع دخول النار، ومطلق الإيمان يمنع الخلود. وانظر “الكليات” لأبي البقاء لكفوي ص212، و”الإرشاد” لإمام الحرمين ص396، و”شرح العقائد النسفية” للسعد التفتازاني ص128، و”المسايرة” للكمال ابن الهمام ص367 مع شرح ابن أبي شريف وحاشية ابن قطلوبغا.
  4. [4] وهو من الإدراكات الكُليَّة القلبيَّة وهي خمسة: التفكيرات والعلوم والاعتقادات والظنون والجهالات، والأولى أن يُطلَق على الإيمان أنه صفة كالعلم، وليس عَرَضاً.
  5. [5] زاد على حاشية (ص) ما نصُّه: وعنه صلى الله عليه وسلم: (إذا دخل النور القلب انشرح وانفسح. قيل: فما علامة ذلك يا رسول الله؟ قال: الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والتأهُّب للموت قبل نزوله). اهـ والحديث أخرجه ابن أبي شيبة 13: 221 بنحوه، والطبري في تفسيره 8: 27، والبيهقي في الزهد الكبير (974) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.

    وأخرجه ابن المبارك في الزهد (315)، وابن أبي شيبة 13: 221، والطبري في تفسيره 8: 26 من حديث أبي جعفر رجل من بني هاشم – وليس محمداً الباقر – مرسلاً.

  6. [6] انظر: شرح العقائد النسفية للتفتازاني ص129. وأخرج الطبري في تفسيره 11: 85-86 عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَٰذِهِ إِيمَانًا} [التوبة: 124] قال: كان إذا نزلت سورةٌ آمنوا بها، فزادهم الله إيماناً وتصديقاً، وكانوا يستبشرون. وأخرج الطبري أيضاً 26: 84، والطبراني في المعجم الكبير (13028) عنه في قوله تعالى: {لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ} [الفتح: 4] قال: إن الله بعث نبيه صلى الله عليه وسلم بشهادة أن لا إله إلا الله، فلما صدَّقوا بها زادهم الصلاة، فلما صدقوا بها زادهم الزكاة، فلما صدقوا بها زادهم الصيام، فلما صدقوا به زادهم الحج، فلما صدقوا به زادهم الجهاد، ثم أكمل لهم دينهم، فقال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]، قال ابن عباس: فأوثق إيمان أهل السماء وأهل الأرض وأصدقه وأكمله شهادة أن لا إله إلا الله. وذكره السيوطي في الدر المنثور 7: 514 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في “دلائل النبوة”.
  7. [7] من قوله: (لا أن) إلى هنا أثبتناه من ف وب، وسقط من ص وج.
  8. [8] قال العلامة الكوثري رحمه الله تعالى في تعليقه على “الفقه الأبسط” ص47: مهما كان الإيمان هو العقد الجازم لا يمكن فيه احتمالٌ للنقيض أصلاً، فيكون إيمانُ المؤمنين على حدٍّ سواء، فالتفاضلُ بينهم بالأعمال التي هي من كمال الإيمان، وأما من جعل العملَ ركناً من الإيمان فلا يُمكنُه التملّص مما وقع فيه الخوارج أو المعتزلة. اهـ.
  9. [9] انظر العالم والمتعلم ص18.

    وعلى حاشية النسخة (ب) هنا فائدة، وهي قوله: المثلية تقتضي المساواة في كل الصفات، والتشبيه لا يقتضيه، بل يكفي لإطلاقه المساواة في بعضها… قال في “مختصر الحكمة النبوية”: وفي كتاب “الخلاصة”: قال محمد: أكره أن تقول: إيماني كإيمان الملائكة. قلت: يُحمَل قول محمد من جهة القوة والضياء والنور، فإن إيماننا لا يُساوي ذلك، ويُحمَل قول أبي حنيفة من جهة أن المُؤمَن به مُتَّحد كإيمانهم. اهـ.

    وقال العلامة الغنيمي في شرح العقيدة الطحاوية ص100: (وروي عن أبي حنيفة أنه قال: أقول: إيماني كإيمان جبريل، ولا أقول: مثل إيمان جبريل، لأن المثلية تقتضي المساواة في كل الصفات، والتشبيه لا يقتضيه، فلا أحد يُسوِّي بين إيمان آحاد الناس وإيمان الملائكة والأنبياء، بل يتفاوت…) ثم بيَّن العلامة الغنيمي وجه تفاوته، فانظره.

    وقال الإمام الكوثري رحمه الله تعالى في “تأنيب الخطيب” ص99: (لا يتصور تفاوُتٌ أصلاً بين إيمان المؤمنين من جهة الجزم والتيقُّن، وإنما يتفاوت إيمان الأنبياء وإيمان العلماء وإيمان العوام، من جهة ما يحتمل الزوال منها وما لا يحتمله، واحتمال الزوال أو عدم احتماله ناشئ من أمر خارج، وذلك من تفاوُت طرق حصول الجزم عندهم، لا من التفاوت في ذات الإيمان، فالإيمان عند الأنبياء لا احتمال لزواله منهم، لأن حصوله عن مشاهدة ووحي قاهر، وإيمان العلماء يحتمل الزوال بطروء بعض شُبَهٍ على أدلة الإيمان عندهم، ولو احتمالاً ضعيفاً، وأما إيمان العوام فربما يزول بأيسر تشكيك…)

  10. [10] من قال بأن الإيمان مخلوق أراد به فِعل العبد ولفظه، وهو صريح كلام الإمام هنا، ونقله ابن الهمام في “المسايرة” ص376 عن مشايخ سمرقند من الحنفية، وابنُ أبي شريف في “المسامرة” ص380 عن المحاسبي وجعفر بن حرب وابن كُلّاب وعبد العزيز المكي. ومن قال بأنه غير مخلوق وهو ما نقله ابن الهمام عن مشايخ بخارى وفرغانة من الحنفية، وابنُ أبي شريف عن أحمد وجماعة من أهل الحديث، واختاره الكفويُّ في “الكليات” أراد به كلمة الشهادة، لأن الإيمان هو التصديق، أي الحكمُ بالصِّدق، وهو إيقاع نسبة الصِّدق إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالاختيار. وحقيقةُ الخلاف لفظيٌّ كما هو ظاهر. وقد احتج ابنُ الهمام على البخاريين بكلام الإمام في الوصية، فدل على أنها معتمدة عنده.
زيادة الإيمان ونقصانه
 
Top