خلود أهل الجنة وأهل النار فيهما

صفحة 139

خلود أهل الجنة وأهل النار فيهما

قوله: (وأهلُ الجنَّةِ في الجنَّةِ خالدونَ… إلخ) إشارة إلى أن العفوَ عن الكفرِ لا يجوز عقلاً عندنا خلافاً للأشعريِّ، وتخليدُ المؤمنين في النار وتخليدُ الكافرين في الجنَّة عنده يجوزُ عقلاً أيضاً، إلا أن السَّمْعَ وردَ بخِلافِه، له أنه تصرُّفٌ في مُلكِهِ، فلا يكون ظُلماً، إذ الظلمُ تصرُّفٌ في مُلْكِ الغير. وعندنا لا يجوز؛ لأن الحِكمةَ تقتضي التَّفْرِقَةَ بين المُحسِنِ والمُسيءِ، ولهذا استبعدَ اللهُ تعالى التَّسويةَ بينهما بقوله: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} [ص: 28]، {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ۚ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الجاثية: 21]، {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ . مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [القلم: 35-36]، وتخليدُ المُؤمِن في النَّار، وتخليدُ الكافر في الجنَّةِ ظُلمٌ، لأنه وَضْعُ الشيءِ في غير مَوضِعِه، والإساءةُ في حقِّ المُحسِن، والإكرامُ في حقِّ المُسيءِ وضعُ الشيء في غير مَوضعِه،[1] فكان ظلماً، تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً.

صفحة 140

والتصرُّفُ في مُلكِه إنما يجوزُ إذا كانَ على وجه الحِكمة، وأما على خِلاف الحِكمة يكون سَفَهاً، فثبتَ أن أهلَ الجنَّة في الجنَّة خالدونَ، وأهلَ النَّار في النَّار خالدون، كما قال الله تعالى في حقِّ أهل الجنة: {أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 82]، وفي حقِّ أهل النار: {أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 39].

ذكر الشيخُ أبو منصورٍ الماتريديُّ رحمه الله في “التوحيد”[2] في الفرق بين الكفرِ وما دونه من الذنوب في جوازِ العَفْوِ عمَّا دونَ الكفرِ وامتناعِه فيه: أنَّ الكفرَ مذهبٌ يُعتقَدُ، والمذاهبُ تُعتقدُ للأبد، فعلى ذلك عقوبتُه. وسائرُ الكبائر لا تُفْعَلُ للأبد، بل[3] في أوقاتِ غلبةِ الشهواتِ، فعلى ذلك عقوبتُها. ولأن الكفرَ قبيحٌ لعينه لا يحتمل الإطلاقَ ورَفْعَ الحرمة عنه، فعلى ذلك عقوبتُه لا تحتملُ الارتفاعَ والعفوَ عنه في الحكمة، وسائر المآثِمِ يجوزُ رفعُ الحرمة عنها في العقل، فكذا عقوبتُه، ولأن العفوَ عن الكافر [عفوٌ] في غير موضع العفو، لأنه يُنْكِرُ المُنْعِمَ ويرى ذلك حقاً، ولا كذلك سائرُ المآثم فصاحبُها يعرِفُ المُنْعِمَ والعفوَ، فيجوزُ العفوُ عنه في الحكمة.

وهذا آخر ما أردنا إيراده في شرح هذه الوصية المباركة، جعله الله نافعاً لطالبيه، وشافعاً لمؤلفه وناظريه، والحمد لله وحده، وصلى الله على محمَّد وآله.[4]

  1. [1] من قوله: (والإساءة) إلى هنا سقط من (ج).
  2. [2] انظر ص362 منه، وما ستراه بين حاصرتين مستدرك منه.
  3. [3] تحرَّف في (ص) و(ج) إلى: (لا تفعل إلا بدليل في) والمثبت من (ف) و(ب)
  4. [4] وكان الانتهاء – بعون الله تعالى وتوفيقه وفضله وكرمه – من خدمة هذا الشرح المفيد وتخريج أحاديثه والتعليق عليه على حسب الطاقة بعد غروب يوم الأحد الحادي عشر من شهر شعبان من شهور سنة 1426 من هجرة سيد الأنام، عليه الصلاة والسلام، سائلين الله سبحانه أن يتقبَّلَه منَّا وَيَغْفِرَ لنا ولمؤلِّفه وللمُستفيدين منه بجاه سيِّدنا محمَّد سيِّد الأولين والآخرين. والحمد لله رب العالمين.
خلود أهل الجنة وأهل النار فيهما
 
Top