حكم مرتكب الكبيرة

صفحة 70

حكم مرتكب الكبيرة

قوله: (والعاصون من أمة محمد عليه السلام كلُّهم مؤمنون) اختلف الناسُ ف مُقترِف الكبيرة عَمداً غيرَ مستَحِلٍّ لها ولا مستَخِفٍّ بمَن نهى عنها، هل يبقى مؤمناً أو لا؟

فذهب أهلُ السنة إلى أنه لا يخرج من الإيمان لبقاء التصديق، والعاصي إذا مات بغير توبةٍ فهو في مشيئة الله، إن شاء عفا عنه وأدخَلَه الجنَّةَ بفضلِه وكَرَمِه، أو ببركةِ ما معه من الإيمان والطاعات، أو بشفاعةِ بعض الأخيار، وإن شاءَ عذَّبَه بقدرِ ذنبِه صغيرةً كان أو كبيرةً، ثمَّ عاقبة أمْرِهِ الجنَّةُ، ولا يُخلَّد في النار.[1]

وكان أبو حنيفة رحمه الله تعالى يُسمَّى مرجئاً لتأخيره أمرَ صاحب الكبيرة إلى مشيئة الله تعالى، والإرجاءُ هو التأخيرُ، وكان يقول: إني لأرجو لصاحب الذنب

صفحة 71

الصغير والكبير، وأخافُ عليهما.

وذهب الخوارجُ إلى أن مَن عصى صغيرةً أو كبيرةً فهو كافرٌ مخلَّدٌ في النار، لقوله تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا} [النساء: 14]، والذنوبُ كلّها في تحقيق اسم العِصيان واحدةٌ، وقال تعالى: {وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [آل عمران: 131]، فلمَّا كانت للكافرين فكُلُّ مَن أُوعِدَها فهو كافرٌ، فثبتَ بمجموع الآيتَين أن العاصي كافرٌ، وحُكمُه الخلودُ في النار.

وقالت المعتزلةُ: إن كانت المعصيةُ كبيرةً فاسمُ مقترفِها الفاسقُ لا المؤمن ولا الكافر، فيخرجُ بها عن الإيمان ولا يدخلُ في الكفر، فيكون له منزلةٌ بين منزلِتَين، لأن الناس اختلفوا في تسميته، فالسُّنيَّةُ قالوا: إنه مؤمنٌ بما معه من التصديق فاسقٌ بما اكتسب من الذنب. والخوارج قالوا: إنه كافرٌ وهو فاسقٌ، والحسنُ البصريُّ قال: إنه منافقٌ لمخالفةِ فِعلِه قولَه، ولقوله صلى الله عليه وسلم: (ثلاث من علامات النفاق: إذا اؤتُمِنَ خان، وإذا وعد أخلف، وإذا حدَّث كذب)،[2] وهو فاسق، فاتَّفق

صفحة 72

الكلّ على إطلاق اسم الفاسق، واختلفوا فيما وراء ذلك، فأخذنا بالمتَّفَقِ عليه، وتركنا المُختَلَفَ فيه، وحكمُه أنه يُخلَّد في النار إن مات بغير توبةٍ، لقوله تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا} [النساء: 93].

وإن كانت المعصيةُ صغيرةً واجتنبَ الكبائرَ لا يجوز التعذيبُ عليها، لقوله تعالى: {إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا} [النساء: 31].

والصحيحُ ما ذهبَ إليه أصحابُنا أهلُ السُّنَّة، لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} [البقرة: 178]، فسمَّى قاتلَ النفسِ عمداً مؤمناً مع أنه كبيرة، وأبقى الأُخُوَّةَ الثابتةَ بالإيمان بقوله: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيْهِ شَيْءٌ} [البقرة: 178]، وما أخرج من استئهال التخفيف والرحمة بقوله: {ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ} [البقرة: 178]، والاستدلال بهذه الوجوه مرويٌّ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.

ولأن الله تعالى قال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [التحريم: 8]، وقال: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا} [النور: 31]، والأمرُ بالتوبة لِمَن لا ذنبَ له محالٌ، والصغائرُ مع اجتناب الكبائر مغفورةٌ عندهم، فدلّ أنها في أصحاب الكبائر.

صفحة 73

ولأن الإيمانَ هو التصديقُ، والكفرَ هو التكذيبُ، ومَن ارتكبَ كبيرةً كان التصديقُ معه باقياً، وما دام التصديقُ موجوداً كان التكذيبُ معدوماً لتضادِّهما، فبطلَ القولُ بكفرِه والتكذيبُ معدومٌ، أو بزوالِ الإيمان والتصديقُ موجودٌ، أو بثبوتِ النِّفاق والتصديقُ في القلب باقٍ، ولأنَّ الفِسقَ في اللغة الخروجُ، فمَن خرجَ عن ائتمارِ أمرٍ من أوامر الله تعالى يكون فاسقاً، والعِصيانُ مخالفةُ الأمرِ فِعلاً لا جُحوداً وتكذيباً، وليس من ضرورةِ مخالفة الأمر والخروجِ عن الائتمار التكذيبُ، فكان التصديقُ باقياً، فكان مؤمناً ضرورةً، والأخذُ بالمُتَّفق عليه وتَرْكُ المختلف فيه[3] خروجٌ عن جميع أقاويل السلف فكان باطلاً.

وإذا ثبت بقاءُ الإيمان فنقول: إنه يدخل الجنَّةَ لا محالةَ لقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا} [الكهف: 107]، وصاحبُ الكبيرة مؤمنٌ وقد عَمِلَ الصالحات.

والجواب عمَّا تمسَّكوا به أنَّ الأصلَ عندنا أنَّ ما وردَ من الآيات في الوعيد مقروناً بذِكرِ الخلود فهو في المُستَحلِّين لذلك، لِمَا أنهم كفروا باستِحلالِهم ذلك فأُوعِدوا على كُفرِهم في الحقيقة. وقد قيل في قوله تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً} [النساء: 39] أي: متعمِّداً لإيمانه، أي: قَصَدَ قتلَه لأجل أنه مُؤمِنٌ، ومَن هذا قَصْدُه يكون كافراً، فأما من لم يقصد لإيمانه فحكمُه ما مرَّ في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} [البقرة: 178].

  1. [1] قال العلامة الكوثري رحمه الله تعالى في تعليقه على “الفقه الأكبر” ص72: وعدّ من جعل مرتكبَ الكبيرة تحت مشيئة الله، إن شاء عفا عنه وإن شاء عذَّبه بها، من أهل الضلال، لا يكون إلا من المعتزلة أو الخوارج أو من سارَ سيرَهم وهو غيرُ شاعر.
  2. [2] أخرجه البخاري (33) و(2682) و(3749) و(6095)، ومسلم (59)، والترمذي (2631)، والنسائي 8: 116 (5021) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

    وأخرجه النسائي 8: 117 (5023) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

    وأخرجه البخاري (34) و(2459) و(3178)، ومسلم (58)، وأبو داود (4688)، والترمذي (2633)، والنسائي 8: 116 (5020) من حديث عبد الله بن عمرو بلفظ: (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً…) وزاد: (وإذا خاصم فجر).

  3. [3] تحرّف في ج وب إلى: (والأخذ بالمختلف فيه وترك المتفق عليه).
حكم مرتكب الكبيرة
 
Top