الكلام على إسناد الوصية

صفحة 24

الكلام على إسناد الوصية:

جاء إسناد الوصية في أول نسخة خطية محفوظة بمكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت بالمدينة المنوَّرة بساكنها صلى الله عليه وسلم تحت رقم ٢٣٤، وهو من رواية شيخ الإسلام مصطفى عاشر بإسناده إلى قوام الدين أمير كاتب بن أمير عمر الإتقاني المكنى بأبي حنيفة صاحب “غاية البيان”،[1] عن مفتي الأنام حسام الدين حسين بن علي الحجاج السغناقي، عن الإمام حافظ الدين محمد بن محمد بن نصر البخاري، عن شمس الأئمة محمد بن عبد الستار بن محمد الكردري، عن الإمام الهمام برهان

صفحة 25

الدين أبي الحسن علي بن أبي بكر بن عبدالجليل الرَّشداني المَرْغِيناني صاحب “الهداية” عن الإمام ضياء الدين محمد بن الحسين النوسوخي، عن الإمام علاء الدين أبي بكر محمد بن أحمد السمرقندي، عن الإمام سيف الحق أبي المعين ميمون بن محمد بن محمد المكحولي النسفي، عن الإمام أبي طاهر محمد بن المهدي الحسيني، عن الإمام أبي يعقوب إسحاق بن منصور السيَّاري، عن الإمام أبي الفضل أحمد بن
علي السليماني، عن الإمام أبي سعيد حاتم بن عقيل الجوهري، عن الإمام محمد بن سماعة التميمي، عن الإمام أبي يوسف يعقوب الأنصاري، عن الإمام الأعظم سيدي أبي حنيفة رضي الله عنه وعنهم أنه قال في إملاء وصيته: اعلموا أصحابي وفَّقكم الله تعالى أن مذهب أهل السنة والجماعة على اعتقاد اثنتي عشرة خصلة، فمن كان يستقيم على هذه الخصال فقد هدي إلى صراط مستقيم، أولها: الإيمان… إلخ.

وهذه تراجم رجال الإسناد:

1- حسام الدين السِّغناقي: هو الحسين بن علي بن الحجاج السِّغناقي، علامة فاضل فقيه جدلي نحوي، صاحب المصنفات الجليلة، مثل “شرح الهداية” و”شرح أصول البزدوي” و”شرح التمهيد” للنسفي وغيرها، توفي سنة 710، رحمه الله تعالى.[2]

2- محمد بن محمد بن نصر البخاري: هو حافظ الدين أبو الفضل محمد بن محمد البخاري، الحافظ الثقة المتقن المُحقِّق المعروف بالرواية وجَودة السَّماع، تفقَّه

صفحة 26

على محمد بن عبد الستار الكردري وغيره، وأخذ عنه حسام الدين السِّغناقي وغيره، توفي سنة ٦٩٣، رحمه الله تعالى.[3]

3- محمد بن عبد الستار الكردري: هو شمس الأئمة محمد بن عبد الستار بن محمد العمادي الكردري البراتقيني، الإمام البارع فقيه المشرق، تفقَّه على برهان الدين المرغيناني وقاضي خان وغيرهما، وتفقَّه عليه جماعةٌ منهم حافظ الدين البخاري، توفي سنة ٦٤٢، رحمه الله تعالى.[4]

4- برهان الدين المَرْغِيناني: هو أبو الحسن علي بن أبي بكر بن عبد الجليل الرشداني الفرغاني المرغيناني، العلامة المحقق شيخ الإسلام صاحب “الهداية”، تفقَّه على جماعة منهم الإمام نجم الدين أبو حفص عمر بن محمد النسفي، وفاق شيوخه وأقرانه، وتفقَّه عليه الجمُّ الغفير، وممن انتفع به كثيراً وتخرَّج به وروى “الهداية” للناس عنه شمس الأئمة محمد بن عبد الستار الكردري، توفي سنة ٥٩٣، رحمه الله تعالى ورضي عنه.[5]

قلنا: وبهذا الإسناد يروي السِّغناقي “الهداية” عن مؤلفها، كما في الجواهر المضية، وبه من طريق السِّغناقي يرويها المتأخِّرون في أثباتهم.

5- محمد بن الحسين النوسوخي: هو ضياء الدين محمد بن الحسين بن ناصر بن عبد العزيز النوسوخي، تفقَّه على الإمام علاء الدين أبي بكر محمد بن أحمد

صفحة 27

السمرقندي مصنف “تحفة الفقهاء” شيخ الكاساني صاحب “البدائع” وروى عنه، وتفقَّه عليه المرغيناني صاحب “الهداية”، قال المرغيناني في “مشيخته” – كما في الجواهر المضية -: أجاز لي جميع مسموعاته مشافهةً بمروٍ، وكتب بخط يده سنة خمس وأربعين وخمس مئة، ومن مسموعاته كتاب “الصحيح” لمسلم، توفي سنة 545، رحمه الله تعالى.[6]

6- أبو بكر محمد بن أحمد السمرقندي: هو علاء الدين محمد بن أحمد بن أبي أحمد السمرقندي صاحب “تحفة الفقهاء”، الإمام العلامة الفاضل الجليل القدر، تفقَّه على أبي المُعين النَّسَفي، وتفقَّه عليه الكاساني صاحب “البدائع”.[7]

7- أبو المعين ميمون بن محمد النسفي: هو ميمون بن محمد بن محمد بن معبد بن مكحول، الإمام المتكلم الأصولي الفقيه الحجَّة، ولد سنة ٤١٨، وتوفي سنة ٥٠٨، رحمه الله تعالى.[8]

صفحة 28

8- أبو طاهر محمد بن المهدي الحسيني: كذا جاء هنا، والصواب: أبو طاهر المهدي بن محمد الحسيني، كما جاء في إسناد كتاب “العالم والمتعلم” لأبي حنيفة من طريق أبي المعين النسفي عن أبي طاهر هذا.[9]

ولعله المهدي بن محمد الحسيني الموسوي، ولد بأصبهان سنة ٤٨٣، ونشأ ببغداد، وسمع ابن طلحة النعالي وابن البطر،[10] قال السمعاني: كتبتُ عنه وخسف بجَنْزة[11] في سنة ٥٣٤، فهلك فيها عالَمٌ لا يُحصَون من المسلمين منهم هذا الواعظ. ذكره الحافظ الذهبي في “تاريخ الإسلام” وفي “سير أعلام النبلاء”[12] لكن كناه فيهما أبا البركات لا أبا طاهر.

9- أبو يعقوب إسحاق بن منصور السيَّاري:

كذا جاء هنا، والصواب في اسمه: أبو يعقوب يوسف بن منصور السياري، ويوسف هذا ترجمه عبد القادر القرشي واللكنوي، وذكرا أنه تفقَّه على أبي إسحاق

صفحة 29

محمد بن منصور النوقدي،[13] وذكرا في ترجمة إبراهيم بن إسماعيل بن أحمد الأنصاري الوائلي المتوفى سنة ٥٣٤[14] أنه سمع كتاب العالم والمتعلم على أبي يعقوب السياري بقراءة والده، والظاهر أنه سمعه وهو صغير فوالده توفي سنة ٤٦١.

قلت: ولم أقف على تاريخ مولده ولا وفاته، لكن سماعه من النوقدي (ت ٤٣٤) يشير إلى أن مولده كان في أواخر القرن الرابع، وسماع إبراهيم بن إسماعيل الأنصاري الوائلي (ت ٥٣٤) منه كما سلف قريباً، وسماع المهدي بن محمد الحسيني (ت ٥٣٤) منه هنا، وتلمذة أبي اليسر البزدوي (ت ٤٩٣) عليه،[15] يشير إلى أن وفاته كانت في النصف الثاني من القرن الخامس. والله أعلم.

وقد وُصِفَ في إسناد الموفق المكي الذي أشرنا إليه سابقاً بالحافظ.

10- أبو الفضل أحمد بن علي السليماني:

هو الإمام الحافظ المُعمَّر محدِّث ما وراء النهر أبو الفضل أحمد بن علي بن عمرو السُّليماني البِيكَندي البُخاري المولود سنة ٣١١، وسمع محمد بن حمدويه بن سهل المروزي (ت ٣٢٧)، وعلي بن سختويه وعلي بن إبراهيم بن معاوية، ومحمد بن إسحاق الخزاعي، ومحمد بن صابر بن كاتب، وصالح بن زهير البخاريين، وعلي بن إسحاق المادرائي، وأبا العباس الأصمّ، وعبد الله بن جعفر بن فارس، قال الذهبي:

صفحة 30

حدَّث عنه جعفر بن محمد المستغفري، وولده أبو ذر محمد بن جعفر، وجماعةٌ لا نعرفهم بتلك الديار. وتوفي سنة ٤٠٤، رحمه الله تعالى.[16]

11- أبو سعيد حاتم بن عقيل الجوهري:

هو أبو سعيد حاتم بن عقيل بن المهتدي بن إسحاق المراري اللؤلؤي،[17] ذكره السمعاني في “الأنساب”،[18] وقال: يروي عن عبد الله بن حماد الآملي (ت 269) والفتح بن أبي علوان[19] ويحيى بن إسماعيل، روى عنه القاسم بن محمد بن القاسم بن خليل، توفي في ذي القعدة سنة 333.

وذكره ابن ماكولا في “الإكمال”[20] وزاد في شيوخه: داود بن أبي العوام وعلي بن الحسين.

12- محمد بن سماعة التميمي:

هو أبو عبد الله محمد بن سماعة بن عبد الله التميمي الكوفي، قاضٍ فاضلٌ ثقةٌ، روى عن أبي يوسف ومحمد بن الحسن والليث بن سعد، وروى عنه الحسن بن

صفحة 31

محمد بن عنبر ومحمد بن عمران الضَّبِّيُّ، توفي سنة ٢٣٣ وقد جاوز المئة، رحمه الله تعالى.[21]

13- أبو يوسف:

هو الإمام الحافظ القاضي يعقوب بن إبراهيم الأنصاري المتوفى سنة ١٨٢ رضي الله عنه، وقد كُتبت عنه الكتب والدراسات والرسائل، وهو أشهر من أن يُعرَّف به هنا.

وهذا الإسناد لا يصحُّ على منهج المحدِّثين لانقطاعه بين الجوهري وابن سماعة، ولعدم جزمنا يقيناً بأن أبا طاهر الحسيني المترجم في “السير” هو نفسُه الذي في هذا الإسناد، لكن مثل هذا يُتسامح في عدم وقوفنا على ترجمته، فقد ضاعت تراجم كثيرين مثله لأنهم ليسوا من رواة الحديث، ولبُعدِ ديارِهم، وضياعِ كثير من كتب تواريخ تلك البلاد، وعدمِ اهتمام المشارقة بتراجم غير المحدِّثين من تلك الديار،[22] وتأخّر تدوين تراجم الحنفية، إضافةً إلى النظر في حال الأئمة الثقات الذين رووا هذه الرسالة بهذا الإسناد، ونقلهم إياها لِمَن بعدهم به، وتلقِّيهم لها بالقبول، بل تلقِّي الحنفيَّة جميعاً لها بالقبول كما سلف نقلُه عن الزَّبيدي بتوسع يُغني عن البحث في الإسناد عند جماعة من أهل العلم، وهذه القرائن جميعها مع هذا الإسناد توثِّق نسبة هذه الوصية إلى الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه.

صفحة 32
ثم يُقال لِمن لم يقتنع بهذا إننا ننشر شرح هذه الرسالة كعقيدة للبابرتي الذي ارتضاها فشرحها، ثم ننشره كعقيدة للحنفية الذين تواردوا على قبول ما فيها، فما في هذا الكتاب يُمثِّل عقيدة البابرتي أولاً، وعقيدة الحنفية ثانياً، سواء صحَّت نسبةُ المتن إلى الإمام الأعظم أبي حنيفة أم لم تصح. والله تعالى أعلم.

  1. [1] الفقيه الحنفي المتوفى سنة 758. انظر ترجمته في “الدرر الكامنة” 1: 414-416، و”الفوائد البهية” ص50-52، وهو في طبقة شيوخ البابرتي، وشيخه حسام الدين السغناقي هو شيخ قوام الدين الكاكي الذي هو شيخ البابرتي، فالظاهر أن رواية الوصية وقعت للبابرتي من طريق الكاكي عن السغناقي، ولذا ذكرنا الإسناد من عنده، لأن الذي يهمنا تراجم السغناقيفمن فوقه، أي تراجم رجال الإسناد إلى عصر البابرتي، فوصولها إلى البابرتي وشرحه لها يغني عن تتبع الإسناد إلى ما بعد عصره، والله أعلم.
  2. [2] له ترجمة في الجواهر المضية لعبد القادر القرشي 2: 114-116، والدرر الكامنة لابن حجر 2: 60 وهي فيه مما ألحقه السخاوي به، وقال: أهمله شيخُنا كعادته مع الحنفية، والفوائد البهية للكنوي ص62.
  3. [3] له ترجمة في الجواهر المضية 3: 337، والفوائد البهية ص199-200.
  4. [4] له ترجمة في سير أعلام النبلاء 23: 112-113، والجواهر المضية 1:627-629، والفوائد البهية ص176-177.
  5. [5] له ترجمة في سير أعلام النبلاء 21: 232، والجواهر المضية 3: 228-230.
  6. [6] له ترجمة في الجواهر المضية 3: 146-147، والفوائد البهية ص166.
  7. [7] له ترجمة في الجواهر المضية 3: 18، والفوائد البهية ص158.
  8. [8] الجواهر المضية 3: 527، والعجب من الدكتور محمد بن عبد الرحمن الخميس صاحب كتاب أصول الدين عند الإمام أبي حنيفة – وهو رسالة الدكتوراة التي قدمها إلى جامعة الإمام محمد بن سعود، وأجيزت مع مرتبة الشرف الأولى مع التوصية بالطبع والتبادل بين الجامعات، وقد درس في كتابه هذا إسناد كتب أبي حنيفة ومنها الوصية – أن يقول في كل من الكاساني والسمرقندي وأبي المعين النسفي أن مترجميهم لم يذكروا فيهم جراحاً ولا تعديلاً. أفلا يعلم أن هؤلاء ليسوا من رواة الحديث ليتكلم فيهم أهل الجرح والتعديل! وأن طلب النص على توثيق وتعديل هؤلاء مثلُ طلب النص على توثيق ابن دقيق العيد والشاطبي وابن الصلاح والنووي والسبكي وأمثالهم! وأن مَن ارتضاه الناس إماماً في الفقه وصار أحد أركان مذهب فقهي متَّبع لا يُسأل عن مثله.
  9. [9] وهذا الإسناد يروي به الموفق المكي كتاب “العالم والمتعلم”، وقد ساقه في “مناقب أبي حنيفة” 1: 86، وقد رأيناه أيضاً أول نسخة خطية من “العالم والمتعلم” مصورة في مكتبة الجامعة الأردنية عن الأصل المحفوظ في مكتبة شستربتي، وهذا الإسناد يلتقي مع إسناد الوصية من النسفي إلى الجوهري.
  10. [10] ابن طلحة النعالي: هو الحسين بن أحمد بن محمد المتوفى سنة 493. له ترجمة في “السير” 19: 101. وابن البطر: هو أبو الخطاب نصر بن أحمد بن عبد الله بن البطر المتوفى سنة 494. له ترجمة في السير 19: 46.
  11. [11] من بلاد أذربيجان. معجم البلدان لياقوت الحموي 2: 171.
  12. [12] السير 20: 52، وذكره أيضاً ابن الجوزي في المنتظم 10: 88 وزاد في شيوخه: ثابت بن بندار وأبا الحسين بن الطيوري. وقال الدكتور الخميس: لم أقف له على ترجمة.
  13. [13] الجواهر المضية 3: 641، والفوائد البهية ص233، ولم ينتبه الدكتور الخميس إلى تحريف “يوسف” إلى “إسحاق” فقال: لم أقف له على ترجمة.
  14. [14] الجواهر المضية 1: 73-75، والفوائد البهية ص9.
  15. [15] كما في ترجمة أحمد بن علي الظهير البلخي من “الفوائد البهية” للكنوي ص27.
  16. [16] ترجمته في سير أعلام النبلاء للذهبي 17: 200، وتذكرة الحفاظ له 3: 1036، والعبر له 3: 89، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي 4: 41، وشذرات الذهب 3: 172، وعنه نقولات كثيرة في كتب الجرح والتعديل المتأخرة كتهذيب التهذيب، ومع هذا قال الدكتور محمد الخميس: لم أقف له على ترجمة!
  17. [17] فيكون نسبته الجوهري إلى صناعة الجواخر بقرينة نسبته اللؤلؤي هنا.
  18. [18] 5: 248.
  19. [19] وإسناد الموفق المكي إلى العالم والمتعلم الذي أشرنا إليه سابقاً هو من رواية أبي الفضل السليماني، عن أبي سعيد الجوهري، عن الفتح بن أبي علوان. ومحمد بن يزيد. فهذا يؤكد أنه هو.
  20. [20] 7: 239، وقال الدكتور الخميس: لم أقف له على ترجمة!
  21. [21] له ترجمة في سير أعلام النبلاء 10: 646-647، والجواهر المضية 3: 168-170، والفوائد البهية ص170-171، وهو مترجم تمييزاً في تهذيب الكمال وتهذيب التهذيب وتقريب التهذيب وفيه: صدوق، مع أن حقه أن يكون ثقة.
  22. [22] وتذكّر ما قاله الحافظ الذهبي رحمه الله في السير في ترجمة الحافظ أحمد بن علي السليماني محدث ما وراء النهر: حدث عنه جماعة لا نعرفهم بتلك الديار.
الكلام على إسناد الوصية
 
Top