العمل شرط كمال في الإيمان وليس جزءاً منه

صفحة 74

العمل ليس جزءاً من الإيمان

قال: (العمل غير الإيمان، والإيمان غير العمل، بدليلِ أنَّ كثيرًا من الأوقاتِ يَرتفعُ العملُ عن المُؤمِن، ولا يجوز أن يقال: ارتَفع عنه الإيمان، فإنَّ الحائِضَ رَفع[1] اللهُ سبحانه وتعالى عنها الصَّلاةَ، ولا يجوزُ أن يُقال: رفع عنها الإيمان وأمرها بتَركِ الإيمان، وقد قالَ لها الشَّارعُ: دَعِي الصَّومَ ثمَّ اقضِيه، ولا يجوزُ أن يُقال: دعي الإيمانَ ثمَّ اقضيه، ويجوزُ أن يُقال: ليس على الفقير الزكاة، ولا يجوزُ أن يُقال: ليس على الفقير الإيمانُ. وتقديرُ الخيرِ والشرِّ كلِّه من اللهِ تعالى؛ لأنه لو زعمَ أحدٌ أنَّ تقديرَ الخيرِ والشَّرِّ مِن غيره لصار كافرًا بالله تعالى وبَطَل توحيدُه).

أقول: اختلف العلماء في أن الأعمال هل هي من الإيمان أم لا؟ فنفى ذلك الإمام رحمه الله، وذهب إليه أهلُ الحديث، ويُحكى ذلك عن مالكٍ والشافعيِّ والأوزاعيِّ وأهلِ الظاهر وأحمدَ بنِ حنبلٍ رحمهم الله، فإنهم قالوا: الإيمانُ هو التصديقُ بالجَنان والإقرارُ باللسانِ والعملُ بالأركانِ. ونُقل أن المعتزلة جعلوا الإيمانَ اسماً للتصديق بالله وبرسوله وللكَفِّ عن المعاصي.

ثم القائلون بأن الأعمالَ داخلةٌ تحت اسم الإيمان اختلفوا: فقال الشافعيُّ رحمه الله: الفِسقُ لا يُخرج عن الإيمان، وهذا في غاية الصعوبة، لأنه إذا كان اسماً لمجموع أمورٍ فعند فوات بعضِها يفوتُ ذلك المجموعُ، إذ المجموع ينتفي بانتفاءِ

صفحة 75

جزئِه، فوجب أن ينتفي الإيمان.[2]

وأما المعتزلة فأصلهم مُطَّرِدٌ لأنهم قالوا: إن الفاسقَ يخرجُ من الإيمان ولا يدخلُ في الكفر كما تقدَّم، وتشبَّثوا على مدَّعاهم بقوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: 143]، ووجهُ الاستدلال أنه لو لم يكن العملُ من مفهوم الإيمان لم يكن العملُ نفسَ مدلولِ الإيمان ولا جزءَ مدلولِه ولا لازمَ مدلولِه، فلم يصحَّ إطلاقُ الإيمان عليه، لكن أطلقَ اللهُ الإيمانَ عليه بقوله: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: 143] أي: صلاتَكم إلى بيت المَقدس بالنَّقل عن المفسِّرين، فيكونُ العملُ إيماناً.

والجواب: أنّا لا نُسلِّمُ أنه أطلق الإيمانَ على الصَّلاة، بل معناه التصديقُ أيضاً، أي: ما كان اللهُ لِيُضيعَ إيمانكم بالصَّلاة إلى بيت المَقدس، فلم يُطلِقِ الإيمانَ على العمل.

وأيضاً هذا الدليلُ مقلوبٌ بأن يُقال: لو كان العملُ جزءَ مفهومِ الإيمان لم يَصحَّ إطلاقُ الإيمان عليه، وقد أُطلق. لا يُقال: لا نُسلِّم أنه لو كان العملُ جزءَ

صفحة 76

مفهومِ الإيمان لم يصحَّ إطلاقُه عليه، فإنه يصحُّ إطلاقُ اسمِ الكلِّ على الجزء مجازاً، لأنا نقول حينئذ يكون حَمْلُ الإيمان على الصلاة وحدها بطريق المجاز، والأصلُ عدمُه، فالترجيحُ معنا لِمَا فيه من مراعاة معنى اللغة، لأنه في اللغة التصديقُ لا العبادة.

ولنا أن الأعمال عُطِفَت على الإيمان في غير موضعٍ، قال الله تعالى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ} [البقرة: 3]، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [البقرة: 277]، وأمثالهما كثيرة، والمعطوفُ يُغايرُ المعطوفَ عليه.

فإن قيل: العملُ جزءٌ لمفهوم الإيمان، والجزءُ مغايرٌ للكلِّ، فلا يلزمُ من عطفِ العمل على الإيمان خروجُ العمل عن مفهوم الإيمان.

أجيب: بأنا لا نُسلِّمُ أن الجزء مغايرٌ للكل، فلو سُلِّمَ فلو لم يكن[3] العملُ خارجاً عن الإيمان لَزِمَ تكرارٌ بلا فائدة، ولأنه شرطٌ لصحَّةِ الأعمال، قال الله تعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ} [طه: 112]، والشرطُ يغايرُ المشروطَ، وقد خاطبَ اللهُ تعالى باسم الإيمان ثمَّ أوجَبَ الأعمالَ فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ} [البقرة: 178 و 183]، وذا دليلُ التغايُرِ وقَصر اسمِ الإيمان على التصديق، ولهذا فَزِعَ أعداءُ الله لمَّا عاينُوا العذابَ إلى التصديق دون غيره من الأعمال، نحو قول الله تعالى حكايةً عن فرعون حين أدرَكَهُ الغرقُ: {آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ} [يونس: 90]، وعن قوم يونس: {آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ} [غافر: 84].

صفحة 77
وقد استدلَّ الإمامُ رحمه الله تعالى في المتن بجواز ارتفاعِ الأعمال عن المؤمن كارتفاع الصلاةِ عن الحائض والصومِ عنها، وسقوطِ الزكاة والحجِّ عن الفقير، والصلاةِ عن المريضِ العاجِزِ عن الإيماءِ، مع عدم ارتفاعِ الإيمان عنهم، فلو كان العملُ إيماناً لم يكن الفقراءُ كلُّهم مؤمنين، وهذا خَلْفٌ من القول.

  1. [1] في نسخ الشرح (ص) و(ف) و(ج) و(ز): (يرفع)، والمثبت من الطبقات السنية و(ب)، وهو الأحسن والأجود.
  2. [2] لم يقل الشافعي رضي الله عنه بأن العملَ جزءٌ من ماهية الإيمان حتى يُلزَم بهذا، قال الإمام الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في فتح الباري 1: 46: السلف قالوا: الإيمان اعتقاد بالقلب ونطق باللسان وعملٌ بالأركان، وأرادوا بذلك أنّ الأعمالَ شرطٌ في كماله. وقال العلامة علي القاري رحمه الله في شرح بدء الأمالي ص32 بعد أن نقل عن مالك والشافعي والأوزاعي أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، قال: والظاهر – كما قال بعضُ المحقِّقين – أن مُرادهم أنها داخلةٌ في الإيمان الكامل، لا أنه ينتفي الإيمان بانتفائها كما هو مذهب المعتزلة والخوارج.

    قلنا: فاعتراض المصنف متَّجهٌ على الخوارج وعلى بعض أهل الحديث ممن لا عناية لهم بالفقه الذين يقولون بأن العمل جزءٌ من حقيقة الإيمان لا من كماله فحسب، ويُسمُّونَ من يقول بأن العمل ليس ركناً من الإيمان مرجئاً.

  3. [3] في (ص) و(ج) و(ب): (أجيب بأنه لو لم يكن…)، والمثبت من (ف).
العمل شرط كمال في الإيمان وليس جزءاً منه
 
Top