الشفاعة

صفحة 136

الشفاعة حق

قوله: (وشفاعةُ نبيِّنا محمَّدٍ عليه السلام… إلخ) شفاعة نبيِّنا محمَّدٍ عليه السلام لأهل الكبائر قبلَ التوبة حقٌّ، لأنه تعالى أمرَ النبيَّ بالاستغفار لذنوب المؤمنين بقوله: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [محمد: 19]،[1] وصاحبُ الكبيرة مؤمنٌ

صفحة 137

لِمَا سبقَ، فيَستَغفِرُ له امتثالاً لأمرِه تعالى وصيانةً لِعِصمته صلى الله عليه وسلم عن مخالفة أمرِه، وإذا استغفرَ النبيُّ عليه السلام لصاحبِ الكبيرة قبلَ توبتِه، يقبلُ اللهُ شفاعتَه عليه السلام تحصيلاً لمرضاته عليه السلام لقوله تعالى: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ} [الضحى: 5]، ولقوله تعالى: {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَٰنِ وَفْدًا . وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْدًا . لَّا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَٰنِ عَهْدًا} [مريم: 85-87]، وصاحبُ الكبيرةِ اتَّخذ عند الرَّحمن عهداً فيكون داخلاً تحت هذه الآية، وقوله تعالى: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ} [الأنبياء: 28]، وصاحب الكبيرة مرتضىً بحسب إيمانِه وطاعتِه، والاستثناءُ من النفي إثباتٌ، فوجبَ ثبوتُ الشفاعة له، وقوله صلى الله عليه وسلم: (شفاعتي لأهلِ الكبائرِ مِنْ أُمَّتي)[2] وهو حديثٌ مشهورٌ دالّ على أنَّ شفاعةَ النبيِّ ثابتةٌ لأهل الكبائر، سواء كان قبل التوبة أو بعدها.

وذهبت المعتزلةُ إلى أنَّ شفاعةَ النبيِّ لا أثرَ لها في إسقاط العذاب، واحتجُّوا بآيات:

منها قولُه تعالى: {وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً} [البقرة: 48 و123]، دلَّت الآيةُ على أنه لا تجزي نفسٌ عن نفسٍ شيئاً على سبيل العموم، فإن النكرةَ في سياقِ النفي تعمُّ، وتأثيرُ شفاعة النبيِّ عليه السلام مُنافٍ لمقتضى الآية، فلا يثبتُ التأثير.

صفحة 138

ومنها قولُه تعالى: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ} [غافر: 18]، نفى اللهُ سبحانه وتعالى الشفيعَ للظالمين على سبيل العموم، والعُصاةُ ظالِمون، فلا يكون لهم شفيعٌ أصلاً.

ومنها قولُه تعالى: {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ} [البقرة: 254]، دلَّت الآيةُ على سبيل الظهور على نفي الشفاعة على الإطلاقِ، فيلزمُ نفيُ شفاعةِ النبيِّ عليه السلام في حقِّ العُصاة.

وأُجيبَ عن الكلِّ بأنها غيرُ عامَّةٍ في الأعيان والأزمان، فلا تتناول محلّ النِّزاع، ولئن سُلِّمَ أنها عامَّةٌ في الأعيان والأزمان، حتى تكون متناولةً لِمحلِّ النِّزاع، فمخصوصةٌ بما ذكرنا من الآيات الدالَّة على ثبوت الشفاعة في حقِّ العُصاة، فتُأوَّلُ الآياتُ بتخصيصها بالكفار جمعاً بين الأدلة.

  1. [1] على حاشية (ب) هنا فائدة لطيفة في معنى قوله: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ} والتوفيق بينه وبين ثبوت العصمة له صلى الله عليه وسلم، ورأينا أنه لا بأس بذِكرها هنا، وهي:

    (قيل إنه خطابٌ له والمرادُ أمَّتُه، ويحتمل أن يكون أُمِرَ بذلك على سبيل التعبُّد المحض، وهو العبادة بمقتضى الأمر مع ترك النَّظر عن البحث في الحقيقة والحِكمة، ولعل حِكمتَها لتكون زيادةً له في رفع الدرجات وتذكيراً لنعمة العِصمةِ بطلب دوامها وإشارةً إلى أنها محضِ فضلٍ بلا وجوب ولا استحقاق، ونكتةُ إضافة الذنب إليه تقريرُ النِّعمة عليه بأنَّ هذا الذنبَ الذي عُصِمَ منه هو ذنبٌ له بحسب الإمكان العقلي والقبول البشري بقطع النظر عن النبوة، وفي العصمة من ذلك من المِنَّة عليه ما لا يخفى. اهـ ملخَّصاً من “شرح صغرى الصغرى” للسنوسي رحمه الله).

    قلنا: وللعلامة المحدِّث الشيخ عبد الله بن الصِّدِّيق الغُماري رحمه الله كلامٌ مفيدٌ حول قوله تعالى: {لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} ذكره في “خواطر دينية” ص176-179 نذكر ملخَّصَه هنا للفائدة، فقلَّ مَن يتنبَّه إلى مثله في مثل موضعه، وهو أن الغفران معناه الستر، والستر نوعان: ستر بين العبد وبين وقوع
    الذنب، وهو موافق لمعنى العصمة، وستر بين العاصي وبين العقاب على ذنبه، والمراد في الآية الأول، وعبَّر بالمغفرة عن العصمة لأن المقام مقام امتنان، فيكون معنى الآية: لِيُظْهِرَ اللهُ عِصْمَتَكَ للناس.

  2. [2] أخرجه أبو داود (4739)، والترمذي (2435) من حديث أنس رضي الله عنه. وإسناده صحيح. وأخرجه الترمذي (2436) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.
الشفاعة
 
Top