الرزق

صفحة 109

الرزق

قال: (والسابع: نقرُّ بأنَّ اللهَ تعالى خلقَ الخلقَ ولم يكن لهم طاقةٌ، لأنهم ضعفاءُ عاجِزون، واللهُ خالِقُهم ورازِقُهم، لقوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} [الروم: 40]، والكَسْبُ حلالٌ، وجَمْعُ المالِ من الحلال حلالٌ، وجمعُ المالِ من الحرام حرامٌ. والناسُ على ثلاثة أصنافٍ: المؤمِنُ المُخلِصُ في إيمانه، والكافِرُ الجاحِدُ في كُفرِه، والمُنافِقُ المُداهِنُ في نِفاقِه. واللهُ تعالى فرضَ على المُؤمِنِ العملَ، وعلى الكافرِ الإيمانَ، وعلى المُنافقِ الإخلاصَ، لقوله تعالى:

صفحة 110

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ} [النساء: 1]، يعني: أيها المؤمنون أطيعوا، وأيها الكافرون آمِنوا، وأيها المنافقون أخلِصوا).[1]

أقول: الخلقُ والإيجادُ بمعنىً واحدٍ، والخلقُ بمعنى المخلوق كالضَّرب بمعنى المضروب.

صانعُ العالم أوجَدَ المخلوقاتِ كلّها وهم ضعفاء لا قدرةَ لهم على تدبير أحوالهم عاجزون عمَّا يتمُّ به قوامُ بَدنِهم، وإليه الإشارةُ بقوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ} فرزقهم وقوَّاهم وجعلَ لهم السَّمعَ والأبصارَ والأفئدةَ كما أشار إليه بقوله: {ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً} [الروم: 54]، وقال: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} [الروم: 40].

والرِّزقُ عندنا عبارة عن الغِذاء، كما جاء في قوله تعالى: {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} [هود: 6] حلالاً كان ذلك أو حراماً، وكلّ يستوفي في مدةِ حياتِه ما قدِّرَ له، قال عليه السلام: (إنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ في رُوْعي أنَّ نَفْساً لن تَمُوتَ حتَّى تَستكملَ رِزقها، ألا فاتَّقوا اللهَ وأجْمِلُوا في الطَّلب)،[2] فعلى هذا لا يُمكن أن يأكلَ أحدٌ رزقَ غيره أي غذاءَه، ولا أن يأكلَ غيرُه رزقَه.

صفحة 111

وعند المعتزلة أنه عبارةٌ عن المُلْكِ، وقد جاء به قوله تعالى: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} [البقرة: 3]، فلا يكون الحرامُ رزقاً، لأنه غير ملكٍ، ويأكلُ غيرُه رزقَه أي مُلكَه، وهو يأكلُ رزقَ غيرِه.

والشيخ أبو الحسن الرُّسْتَغْفَني[3] وأبو إسحاق الإسفرايني ما حقَّقا الخلافَ في هذه المسألة، وقالا: الخلافُ لفظيٌّ، وهو الصواب.

ولعلَّ هذا الفصلَ إلى هاهنا إشارة إلى ما ذكرنا من بحث الرِّزق، وإلا فقد عُلِمَ من الفصل المتقدِّم أن العبدَ مع أعماله ومعرفته مخلوقٌ.[4]

صفحة 112

(والمُؤمِنُ المُخلِصُ) أي: المُصدِّقُ المُقرُّ عن صميم قلبه (والكافرُ الجاحدُ) أي: المُصِرُّ (والمنافقُ المُداهنُ) أي: الذي أقرَّ بلسانه ولم يؤمن بقلبه وداهَنَ مع المؤمنين في نِفاقِه، ولم يشدَّ في إظهار الكفر والعناد كالكفار.

قوله: (واللهُ تعالى فرضَ على المؤمِنِ العملَ) يشير إلى أن التكرار ليس بواجبٍ كما هو مذهبُه أن الأمرَ المطلقَ لا يقتضي التكرارَ[5] (وعلى الكافر الإيمانَ) وهذا أيضاً على مذهبِه حيثُ لا يكونُ الكافرُ مخاطَباً بالعبادات قبل الإيمان (وعلى المُنافقِ الإخلاصَ) لأنه هو المنتفي عنه، وأما الأحكامُ فقد كانت جاريةً عليهم بواسطة الإقرار.

واستدلَّ على هذه الأمور الثلاثة بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ} [النساء: 1]، وجعل التقوى عبارة عمَّا ينبغي لكلِّ واحدٍ منهم كما فسَّره في المتن.

فإن قيل: هذا مُخالِفٌ لمذهبه لأن استعمال التقوى في هذه المعاني إما أن يكون بطريق الحقيقة أو لا، فإن كان يلزمُ عمومُ المُشتَرَك، وإن لم يكن يلزمُ الجمعُ بين الحقيقة والمجاز.

أجيب: بأن هذا عملٌ بعموم المجاز، لأن التقوى عبارة عن اجتناب الفواحش، ولا شكَّ أن كلَّ واحدٍ من هذه المعاني اجتنابٌ عن الفاحشة، فلا يكون مخالفاً.

  1. [1] زاد في “الطبقات السنية” بعد هذا: (بالعمل الصالح).
  2. [2] أخرجه ابن أبي شيبة 13: 227، وهنَّاد في الزهد (494)، والبيهقي في شعب الإيمان (10376)، والقضاعي في مسند الشهاب (1151)، والبغوي في “شرح السنة” (4112) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. وإسناده ضعيف لإبهام الراوي عن عبد الله، وقد أسقِطَ في بعض الروايات.

    وأخرجه الحاكم في المستدرك 2: 5 من وجه آخر متصل, لكن إسناده ضعيف.

    وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (7694)، وأبو نعيم في الحلية 10: 27 من حديث أبي أمامة رضي الله عنه، وإسناده ضعيف.

    وأخرجه الشافعي في مسنده 1: 233، ومن طريقه البيهقي في الشعب (1185) من حديث المطلب بن حنطب مرسلاً. وإسناده حسن.

    وأخرجه البزار 7: 315 من حديث حذيفة بن اليمان، وفي إسناده ضعف.

    وله دون النفث في الرُّوع شاهد من حديث جابر رضي الله عنه عند ابن ماجه (2144)، وصححه ابن حبان (3239). فالحديث بطرقه وشاهده صحيح، والله أعلم.

    والرُّوع بضم الراء : النَّفْس، أما الرَّوع بفتح الراء فهو الخوف والفَزَع.

  3. [3] هو أبو الحسن علي بن سعيد الرُّستغفني، من كبار أصحاب الإمام الماتريدي، ومن كبار مشايخ سمرقند، له كتاب “إرشاد المهتدي” وكتاب “الزوائد والفوائد” في أنواع العلوم. انظر ترجمته في الجواهر المضية للقرشي 2: 570، وتاج التراجم لابن قطلوبغا ص118، والفوائد البهية للكنوي ص65.

    ورُسْتَغْفَن إحدى قرى سمرقند، والضبط الذي تراه هو ضبط ياقوت الحموي في معجم البلدان، وكذا جاءت مضبوطة في (ص)، بينما ضبطها عبد القادر القرشي بضم التاء.

  4. [4] يعني أنه ذكر خلق العباد في الفقرة السادسة، وأعاده في هذه الفقرة، وزاد ذِكرَ الرزق مع الخلق فيها، فلعله قصد الرزق هنا، وذكر الخلق معه تتميماً للفكرة.
  5. [5] انظر هذه المسألة في أصول السرخسي 1: 20، وكشف الأستار عن أصول البزدوي لعلاء الدين البخاري 1: 281 وما بعدها.
الرزق
 
Top