الرؤية

صفحة 132

الرؤية حق

قوله: (ولقاءُ الله تعالى لأهلِ الجنَّةِ حق) يعني أن اللهَ تعالى يصحُّ أن يُرى في الآخرة، بمعنى أنه يَنكشِفُ[1] لعباده المؤمنين في الآخرة انكشافَ البدرِ المرئيِّ خلافاً للمعتزلة.

قوله: (بلا كيفيَّةٍ ولا تشبيهٍ ولا جهةٍ) يعني من غيرِ ارتسامِ صورةِ المرئيِّ في العين أو اتِّصالِ شُعاعٍ خارجٍ من العين إلى المرئيِّ وحصول مواجَهَةٍ، خلافاً للمشبِّهةِ

صفحة 133

والكرَّاميَّة، فإنهم جوَّزوا الرؤيةَ لاعتقادِهم كونَه تعالى في الجهة والمكان، تعالى اللهُ عن ذلك عُلُوّاً كبيراً. واعتمادنا في ذلك على الأدلة السمعيَّةِ، ونشتغلُ بالمعقول في دفعِ شُبَهِهم.

أما الأول – وهو صحَّةُ الرؤية – فيدلّ عليه وجوه:

الأول: أن موسى صلواتُ الله تعالى عليه وسلامُه سأل الرؤية، فلو استحالتِ الرؤيةُ لكانَ سؤالُ موسى جهلاً وعبثاً.

الثاني: أن الله تعالى علّقَ الرؤيةَ باستقرارِ الجبل، واستقرارُ الجبل من حيث هو ممكنٌ، فكذا المعلَّق باستقرار الجبل أيضاً ممكنٌ، فالرؤيةُ ممكنةٌ.

الثالث: قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذ نَّاضِرَةٌ . إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22-23]، وجهُ الاحتجاج أن النظرَ إما أن يكون عبارة عن الرؤية، أو عن تقليب الحَدَقة نحوَ
المرئيِّ طلباً للرؤية، والأول هو المطلوب، والثاني تعذَّرَ حملُهُ على ظاهره، فيُحمَل على الرؤية التي هي كالمسبَّبِ للنظر بالمعنى الثاني، وإطلاقُ السبب وإرادة المسبَّب من أحسن وجوه المجاز.

الرابع: قوله تعالى: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} [المطففين: 15]، وجهُ الاحتجاج أنه تعالى أخبَرَ عن الكفار على سبيل الوعيد أنهم عن ربِّهم يومئذ
لمحجوبون، وذلك يدلُّ على أنَّ المؤمنين يومئذٍ غيرُ محجوبين عن ربِّهم، وإلا لم يكن للإخبارِ عن الكفار على سبيل الوعيد أنهم عن ربِّهم يومئذ لمحجوبون فائدةٌ، وإذا لم يكن المؤمنون يومئذٍ عن ربِّهم محجوبين فيَرونَه.

وفي هذه الوجوه كلّها سؤالاتٌ وأجوبةٌ تُطْلَبُ في المطوَّلات.

صفحة 134

وأما الثاني – وهو أنه يُرى بلا تشبيهٍ ولا ارتِسامِ صورةِ المرئيِّ في العين أو اتصالِ الشُّعاعِ إلى المرئيِّ أو حصولِ المواجَهَةِ – فلِمَا عُرِفَ أن الله تعالى مُنَزَّهٌ عن الجهة مقدَّسٌ عن المكان مُتعالٍ عن المواجهةِ.

واحتجَّتِ المعتزلةُ بوجوه:

منها قولُه تعالى: {لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} [الأنعام: 103]، فإنه يقتضي أنْ لا تُدركَه الأبصارُ في شيءٍ من الأوقات، لأن قولَنا: (تدركه الأبصار) يُناقِضُ قولَنا: (لا تدركه الأبصار)، بدليل استعمال كلّ من القولَينِ في تكذيبِ الآخرِ، وصِدْقُ أحدِ النقيضَين يستلزِمُ كذبَ الآخرِ، وصِدْقُ قولِه تعالى: {لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} يُوجِبُ كَذِبَ قولِنا: (تدركه الأبصار)، وكذبُه يستلزمُ كذبَ قولِنا: (يدركه بصرٌ واحدٌ أو بصران)، إذ لا قائلَ بالفرق.

وأُجيبَ: بأن الإدراكَ هو الإحاطةُ، وهي رؤيةُ الشيء من جميع جوانِبِه، لأن أصلَه من اللحوق، والإحاطةُ إنما تتحقَّقُ في المرئيِّ الذي يكون له جوانبُ، فمعنى الآية: نفيُ الرؤية على سبيل الإحاطة، ولا يلزمُ من نفي الرؤية على سبيل الإحاطة نفيُ الرؤية، فإنّ نفيَ الرؤية على سبيل الإحاطة أخصُّ من نفي الرؤية مطلقاً، ولا يلزم من نفي الأخصِّ نفيُ الأعمِّ.[2]

وأيضاً معنى الآية: لا تُدْرِكُهُ جميعُ الأبصارِ، وذلك لأن الأبصارَ جمعٌ مُعرَّفٌ باللام مفيدٌ للعموم، فلا يُناقِضُ إدراكَ بعضِ الأبصار.[3]

صفحة 135

ومنها قوله تعالى لموسى عليه السلام: {لَن تَرَانِي} [الأعراف: 143]، وجهُ الاستدلال أن كلمة (لن) لتأبيد النفي بدليل قوله: {قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا} [الفتح: 15]، فنفيُ الرؤيةِ على سبيل التأبيد في حقِّ موسى عليه السلام يستلزِمُ نفيَها في حقِّ غيره، إذ لا قائِلَ بالفرقِ.

وأجيب: بأنَّا لا نُسلّمُ أن كلمة (لن) لتأبيد النفي، بل لتأكيد النفي، بدليل قوله تعالى: {وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} [البقرة: 95]، فإنه قيَّد بقوله: {أَبَدًا}، ومع هذا لم يستلزم تأبيد النفي، لأنهم يتمنَّونَ في الآخرة،[4] على أن نفيَ الرؤية على التأبيد لا يقتضي نفيَ صحَّةِ الرؤية.

ومنها أن الإبصارَ في الشاهد تجب له شروطٌ ثمانيةٌ: سلامةُ الحواسِّ لأن عند عدمها لا تجب الرؤية، وكونُ الشيءِ جائزَ الرؤية، والمقابَلَةُ المخصوصة بين الرائي والمرئيِّ كالجسم المحاذي للرائي، وكونُ المرئيِّ في حُكم المُقابِل كالأعراض القائمة بالجسم المُقابِل فإنها في حكم محالِّها المقابِلة، وعدمُ القُربِ المُفرِط وبُعدِه، وأن لا يكون المرئيُّ في غاية اللطافة، وأن لا يكون في غاية الصِّغَر، وأن لا يكون بينهما حِجابٌ. لأنَّا نعلمُ بالضرورةِ أننا لا نُبصِر الشيءَ عند عدم أحدِ هذه الشروط، ونُبصِرُه إذا حصل هذه الشروط، وإن لم تجب الرؤية إذا حصل هذه الشروط جاز أن يكون بحضرتِنا جبالٌ وأشخاصٌ لا نراها.

والشروط الستة الأخيرة – أي: المقابَلة، وما في حُكمها، وعدم غاية القُربِ والبُعدِ، وعدم غاية اللطافة، وعدم غاية الصِّغَر، وعدم الحجاب – لا يُمكن اعتبارُها

صفحة 136

في رؤية الله تعالى، لأن هذه الستة إنما تُعْتَبَرُ فيما شأنُه أن يكون في جهةٍ وحيِّزٍ، واللهُ تعالى منزَّهٌ عن الجهة والحيِّز.

بقي شرطان: سلامة الحاسَّة وجواز الرؤية، وسلامة الحاسَّة حاصلةٌ الآن، فلو صحَّ رؤيتُه وجبَ أن نراه تعالى لحصول الشرطين، واللازمُ باطلٌ فالملزومُ مثلُه.

والجواب: بأن الغائبَ عن الحِسِّ – وهو الله تعالى وتقدَّسَ – ليس كالشاهد، فلعلّ رؤيتَه تتوقَّفُ على شرطٍ لم يحصل الآن، وهو ما يخلقُه اللهُ في الأبصار ما تقوى به على رؤيته، أو بأنه لم تكن الرؤيةُ واجبةَ الحصول عند تحقُّقِ هذه الشرائط، فإن الرؤية بِخَلْقِ الله تعالى، والشروط الثمانية معدَّات، ولا تجب الرؤيةُ عند وجود معدَّاتِها.

  1. [1] علق هنا في حاشية (ب) على قوله (ينكشف) فقال: صوابه: أن الله يكشِفُ الحِجابَ عن المؤمنين فيرونه كما يرون القمر، لأن التغيُّر واقعٌ بالمخلوق لا على الله. اهـ.
  2. [2] وقع في هذا الجواب اختلاف بين النسخ لا يؤثر على المعنى، والمثبت من (ب)، وهو أتمُّ ما في النسخ وأجوده.
  3. [3] فتكون الآية من باب سَلْبِ العموم لا عموم السَّلب.
  4. [4] أفاد على حاشية (ب) دليلاً آخر على أن (لن) لا تفيد تأبيد النفي، وهو وقوع الغاية بعدها كما في قوله تعالى: {قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ} [طه: 91].[
الرؤية
 
Top