البعث والمعاد

صفحة 129

البعث والرؤية والشفاعة حق وتفضيل عائشة رضي الله عنها وبراءتها عما قيل فيها وخلود أهل الجنة وأهل النار فيهما

قال: (والثاني عشر: نقرُّ بأنَّ اللهَ تعالى يُحيي هذه النُّفُوسَ بعدَ الموتِ، ويَبعَثُهم في يومٍ كان مِقدارُه خمسينَ ألف سنة للجزاءِ والثوابِ وأداءِ الحقوقِ، لقوله تعالى: {وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ} [الحج: 7]. ولقاءُ الله تعالى لأهلِ الجنَّةِ حقٌّ بلا كيفيَّةٍ ولا تشبيهٍ ولا جِهَةٍ. وشفاعةُ نبيِّنا محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم حقّ[1] لكلّ مَن هو مِن[2] أهلِ الجنَّة، وإنْ كانَ صاحبَ الكبيرة. وعائشةُ بعدَ خديجةَ الكبرى رضي الله تعالى عنهما أفضلُ نساءِ العالَمِين، وأمُّ المؤمنين، ومطهَّرةٌ عن الزنا بريئةٌ عمَّا قالت الروافضُ، فمَن شهدَ عليها بالزنا فهو ولدُ الزنا. وأهلُ الجنَّةِ في الجنَّةِ خالدونَ، وأهلُ النَّارِ في النَّارِ خالدونَ، لقوله تعالى في حقِّ المؤمنين: {أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 82]، وفي حق الكفار: {أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 39].

أقول: اختلفَ الناسُ في المعادِ، فأطبَقَ المِلِّيُّون على المعادِ البَدَنيِّ، بعد اختلافِهم في معنى المعاد، فمَن ذهب إلى إمكان إعادة المعدوم قال: إنَّ اللهَ تعالى يُعْدِمُ المُكلَّفينَ ثمَّ يُعيدُهم. ومَن ذهب إلى امتناع إعادة المعدوم قال: إنَّ اللهَ تعالى يُفرِّقُ أجزاءَ أبدانِهم الأصليَّة، ثم يُؤلِّفُ بينها ويخلقُ فيها الحياة.

صفحة 130

وأما الأنبياء عليهم السلام الذين سبقوا على نبيِّنا محمَّدٍ عليه السلام فالظاهر من كلام أُمَمِهم أنَّ موسى عليه السلام لم يذكر المعادَ البدنيَّ، ولا أُنزِلَ عليه في التوراة، لكن جاء ذلك في كتب الأنبياء عليهم السلام الذين جاءوا بعده كحِزقيل وشعيباً عليهما السلام، ولذلك أقرَّ اليهود به.

وأما في الإنجيل فقد ذُكِرَ أن الأخيارَ يصيرون كالملائكة، وتكونُ لهم الحياةُ الأبديَّة والسعادةُ العظيمة، والأظهرُ أن المذكور فيه المعادُ الروحانيُّ.

وأما القرآن الكريم فقد جاء فيه المعادُ الروحانيُّ والجسمانيُّ، أما الروحانيُّ فقوله تعالى: {فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [السجدة: 17]، وقوله تعالى: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26]، وأما الجسمانيُّ فقد جاء في القرآن العظيم أكثرَ من أن يُحصى، وأكثرُه ممَّا لا يقبل التأويل، كقوله تعالى: {مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ . قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} [يس: 78-79]، وقوله تعالى: {فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ} [يس: 51]، وقوله تعالى: {وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا} [فصلت: 21]، وقوله تعالى: {أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ} [العاديات: 9]، وما استدلَّ به في المتن من قوله تعالى: {وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ} [الحج: 7] إلى غير ذلك ممَّا لا يُحصَى.

وإذا عُرِفَ هذا فنقولُ: أجمعَ المسلمون على أن الله تعالى يُحيي الأبدانَ بعدَ موتِها وتفرُّقِها لأنه ممكنٌ عقلاً، والصادقُ أخبَرَ به فيكون حقَّاً.

أما إمكانُه فلأنه إنما يثبتُ بالنظر إلى القابل والفاعل: أما بالنظر إلى القابل فلأن أجزاءَ الميت قابلةٌ للجمعِ والحياة، وإلا أي: إن لم تكن قابلةً للجمع والحياة لم تتَّصِف بالجمع والحياة أولاً، وهو باطلٌ.

صفحة 131

وأما بالنظر إلى الفاعل، فلأن الله تعالى عالمٌ بأعيان أجزاء كلِّ شخصٍ على التفصيل، أصليَّةً كانت أو فضليَّةً، لكونه عالماً بجميع الجزئيَّات، وقادراً على جمعِ الأجزاء الأصليَّة لكل واحدٍ وإيجادِ الحياة فيها لشمول قدرتِه كلّ الممكنات، وإذا كان كذلك وجبَ أن يكون إحياءُ الأبدان ممكناً.

وأما إخبار الصادق به فلأنه ثبت بالتواتر أن النبيَّ عليه السلام كان يُثبِتُ المعادَ الجسمانيَّ، وقد تُلِيَ عليك الآن بعضُ ما جاء في الكلام العزيز.

فإن قيل: كلام الإمام رحمه الله في المتن لا يدلّ على المعاد الجسمانيِّ، لأنه ذكر أن اللهَ تعالى يُحيي هذه النفوسَ بعدَ الموت، وهو لا يُفيدُ إعادة البدن.

أجيب: بأن المرادَ منه البدنُ بدليل الدليل، وهو قوله تعالى: {وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ} [الحج: 7] إذ لا خفاءَ أنَّ ما في القبور هو البدنُ، ويُمكنُ أن يكونَ اختيارُه هذه اللفظةَ نفياً لقولِ مَنْ ينفي المعادَ الروحانيَّ والجسمانيَّ، فقال: (هذه النفوس) إشارة إلى حَشرِ الأرواح، وأشار بالدليل إلى حشر الأجساد.

ومن الناس مَنْ أنكرَ الحشرَ الجسمانيَّ، واستَدلَّ بوجوه:

الأول: أنه لو ثبت المعادُ الجسمانيُّ، فإما أن يكون وصولُ الثواب والعقاب في الأفلاك أو في العناصر،[3] والثاني هو التناسُخُ، والأولُ يُوجِبُ انخراق الأفلاك، ويلزم أيضاً حصول الجنَّةِ فوق الأفلاك، لأن وصولَ الثواب إلى المكلَّف في الجنة، والجنةُ في السماء على تقدير ثبوتها، فيلزم عدم كُريَّة الأفلاك، وأيضاً يلزم دوام الاختراق مع دوام الحياة، وهو ممتنع، وأيضاً يلزم تولّد البَدَن من غير التوالُد، وهو

صفحة 132

ممتنعٌ، وأيضاً يلزم أن تكون القوَّةُ الجسمانيَّةُ غيرَ متناهيةِ التحريك، لأن وصولَ الثواب دائماً ووصولَ العقاب بالنسبة إلى البعض دائماً يُوْجِبُ التحريكات غير المتناهية.[4]

وأُجيبَ عن هذه الوجوه بأنها استبعاداتٌ، ولا امتناعَ في شيءٍ ممَّا ذكروا، وأيضاً الأفلاك حادثةٌ لِمَا ذُكِرَ أن ما سوى الله حادثٌ، فيكون عدمُها جائزاً، وحينئذ جاز انخراقُها أيضاً، وحصول الجنة في الأفلاك جائزٌ، وكُريَّتُها ممنوعةٌ، ولئن سُلِّمَ فلا تنافي، ودوام الحياة مع دوام الاختراق ممكنٌ، لأن الله تعالى قادرٌ على كلِّ مقدورٍ، والتولّدُ ممكنٌ كما في حقّ آدم،[5] والقوَّةُ الجسمانيَّةُ قد لا تتناهى انفعالاتُها[6] وكذا فِعلُها بواسطةٍ، فكانت الضرورةُ قاضيةً بثبوت المعاد الجسمانيِّ من دين محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم.

  1. [1] لفظة (حق) لم ترد في (ص) و(ف) و(ب) ولا في الطبقات السنية، وأثبتناها من (ج) و(ز).
  2. [2] في (ز): (لكل مَن هو مؤمنٌ من…).
  3. [3] العنصر أصل كل شيء، ويُراد به الحرارة والرطوبة واليبوسة والبرودة. اهـ من حاشية النسخة (ب).
  4. [4] في الأصول الخطية: (الغير متناهية)، وهو خطأ، فلا يجوز تعريف (غير) في اللغة.
  5. [5] في (ف) وحدها: (خلق آدم).
  6. [6] بمعنى أن الله يُمدُّها بالقوى كما أمدَّها في الدنيا، وإنما انقطع قواها في الدنيا لِقَطعِ إمداد الله عنها، وأما في الآخرة لا يُقطَعُ عنها الإمداد. اهـ من حاشية النسخة (ب).
البعث والمعاد
 
Top