الاستطاعة مع الفعل لا قبله ولا بعده

صفحة 112

الاستطاعة مع الفعل

قال: (والثامن: نقرُّ بأن الاستطاعةَ مع الفِعل، لا قبلَ الفعلِ ولا بعدَ الفِعلِ، لأنه لو كان قبلَ الفِعلِ لكان العَبدُ مُستغنياً عن الله تعالى وقتَ الحاجة، وهذا خِلافُ

صفحة 113

حُكمِ النصِّ، لقوله تعالى: {وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ} [محمد: 38]، ولو كان بعدَ الفِعلِ لكان من المحال، لأنه حصولٌ[1] بلا استطاعةٍ ولا طاقةٍ).

أقول: الاستطاعةُ والقدرةُ والقوَّةُ والطاقة[2] مُترادِفةٌ إذا أضيفت إلى العباد، وهي نوعُ حِدَّة تترتَّبُ على إرادة الفِعلِ إرادةً جازمةً، مؤثِّرةً في وجود الفعلِ، وهي عندنا مقارنةٌ للفعل، لأنها لو لم تُقارِن فإمَّا أن تقدَّمت أو تأخَّرت، والثاني باطلٌ بالإجماع؛ لأنه يلزم منه حصولُ الفعل بلا استطاعةٍ وطاقةٍ، وهو محال. وكذا لو تقدَّمت لاستحالة وجودها عند الفعلِ لأنها عَرَضٌ، وهو لا يبقى زمانَين، وإذا لم تَبْقَ القدرة إلى زمان الفِعلِ يلزمُ وقوعُه بلا قدرةٍ، وهو محالٌ، كالأخذ بلا يد، ولكان مستغنياً عن الله وقتَ الحاجة، وهو خلافُ النصِّ، لأن مقتضاه الافتقارُ إلى الله تعالى لقوله تعالى: {وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ} [محمد: 38].

وقالت المعتزلةُ وجمهورُ الكرَّاميَّة: هي سابِقةٌ على الفِعلِ، إذ لو لم تكن سابقةً على الفعل ولم تكن موجودةً حالَ عدمِ الفِعلِ لكان الأمرُ بالفِعلِ ولا استطاعةَ[3] له وقتَ الأمرِ تكليفَ العاجز، وهو محالٌ لقوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286].

قلنا: قد يُرادُ بالاستطاعة سلامةُ الأسباب والآلات، وهي المعنيَّةُ بقوله تعالى: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 97]، إذ المرادُ بها الزادُ والراحلةُ لا حقيقةُ قدرة

صفحة 114
الفِعلِ، والتكليفُ يعتمدُ ذلك، إذ العادةُ جَرَتْ بأن المكلَّفَ لو قصدَ تحصيلَ الفِعلِ عند سلامة الأسباب والآلات لحصلت له القدرةُ الحقيقيَّةُ، وإنما لا تحصل لاشتغالِه بضدِّ المأمور به مُضيِّعاً للقدرة الحقيقيَّة، والمُضيِّعُ للقدرة غيرُ معذور، فأما عند عدم سلامة الأسباب والآلات فلم يُكلّف الفعل، إذ لا تحصلُ القدرة عند قَصْدِه مُباشرة الفِعلِ، فكان ممنوعَ القدرةِ أصلاً، فكان معذوراً، وإذا كان التكليفُ معتمداً على سلامة الأسباب، وبكون الأسبابِ سالمةً لم يلزم تكليف العاجز.

  1. [1] في (ز): (لأنه يلزم حصولُ الفعل…)، والمثبت من سائر النسخ.
  2. [2] زاد في (ب) وحدها: وكذلك الوُسْعُ.
  3. [3] تحرَّفت في (ص) و(ج) إلى: (بالفعل والاستطاعة…)، والمثبت من (ف) و(ب)، وهو الصواب، فإنه يريد أن الأمرَ بالفعل حالَ عدم الاستطاعة وقتَ الأمر تكليفٌ للعاجز.
الاستطاعة مع الفعل لا قبله ولا بعده
 
Top