الاستثناء في الإيمان

صفحة 68

الاستثناء في الإيمان

قال: (والمُؤمِنُ مؤمِنٌ حقَّاً، والكافرُ كافرٌ حقَّاً، وليس في الإيمان شكّ، كما أنه ليس في الكُفرِ شكّ، لقوله تعالى: {أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} [الأنفال: 4]، و{أُولَٰئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا} [النساء: 151]، والعاصون من أمة محمد صلى الله عليه وسلم كلهم مؤمنون وليسوا بكافرين.

أقول: لمَّا كان الإيمانُ أمراً حقيقياً معلومَ الحدِّ، وهو تصديقُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم فيما جاء به من عند الله، والكفرُ على ضدِّ ذلك، فمَن قامَ به التصديقُ فهو مؤمنٌ حقاً، ومن قام به خلافه فهو كافرٌ حقاً، كالقعود والسواد والبياض، لمَّا كانت معاني معلومةَ الحدِّ كان الذاتُ بها قاعداً أسودَ أبيضَ إذا وُجِدَت بحقيقتها، قال الله تعالى: {أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} [الأنفال: 4] أتى بالجملة الاسميَّة مُبتدئاً باسم الإشارة مفصِّلاً بضمير الفَصْلِ معرِّفاً بالخبر مؤكِّداً بالمصدر، وقال: {أُولَٰئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا} [النساء: 151]، وكلّ ذلك يدلّ على قيام الإيمان والكفر بهم حقيقةً على ما عُرِفَ في موضعه.

قوله: (وليس في الإيمان شك) أي: لا يصحُّ أن يُقال: أنا مؤمنٌ إن شاء اللهُ، وهذا لأن هذا الكلامَ إنما يُلحَق فيما يُشكّ ثبوتُه في الحال، أو في معدومٍ على خطر الوجود، لا فيما هو ثابتٌ في الحال قطعاً.[1]

صفحة 69

وروي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه كان يقول: أنا مؤمنٌ إن شاء اللهُ.[2] وهو قول الشافعي رحمه الله، واستدلَّ بأنَّا لا نَحمِلُ هذا على الشكِّ، بل على التبرُّك، كقوله تعالى: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ} [الفتح: 27]، ولم يُرد به الشك لأنه مستحيل على الله تعالى، بل هو للتبرُّك والتعليم، أو يُحمَل على الشكِّ في المآل لا في الحال، لأن الإيمانَ المُنتفع به هو الباقي عند الموت، وكل أحدٍ شاك في ذلك، فنسأل اللهَ إبقاءَه عليه في تلك الحالة.[3]

والحقُّ أنَّ هذا الاختلافَ بنائيٌّ، لأنّ الأعمالَ لمَّا كانت من الإيمان عند الشافعي رحمه الله،[4] كان حصولُ الشكِّ في العملِ يقتضي الشكَّ في حصول الإيمان. وعند

صفحة 70
أبي حنيفة رحمه الله تعالى وأصحابه رحمهم الله تعالى لمَّا كان الإيمانُ عبارةً عن التصديق، لم يكن الشكّ في العملِ موجباً لوقوع الشكِّ في الإيمان.

  1. [1] وعبارة الإمام نجم الدين النسفي رحمه الله تعالى في “عقائده”: (ولا ينبغي أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله) وهي أدقّ من عبارة الشارح هنا: (ولا يصح)، قال العلامة المحقق سعد الدين التفتازاني رحمه الله تعالى في “شرح العقائد النسفية” ص131: لأنه إن كان للشك فهو كفرٌ لا محالة، وإن كان للتأدب وإحالة الأمور إلى مشيئة الله تعالى، أو للشك في العاقبة والمآل لا في الآن والحال، أو للتبرُّك بذكر الله تعالى، أو التبرِّي عن تزكية نفسه والإعجاب بحاله، فالأولى تركُه لَِما أنه يوهم الشك، ولهذا قال: (لا ينبغي) دون أن يقول: (لا يجوز)، لأنه إذا لم يكن للشك فلا معنى لنفي الجواز، كيف وقد ذهب إليه كثير من السلف حتى الصحابة والتابعين.
  2. [2] أخرج عبد الله بن أحمد في “السنة” (711) و(721) من طريق مغيرة الضَّبِّيِّ قال: قال رجل لأبي وائل: سمعتَ ابنَ مسعود يقول: من شهد أنه مؤمنٌ فليَشهَد أنه في الجنَّة؟ قال: نعم. وذكر الإمام أحمد أنه يذهب إلى حديث ابن مسعود في الاستثناء في الإيمان، كما في “السنة” للخلال (149) و(1056).
  3. [3] قال الإمام أبو المعين النسفي رحمه الله تعالى في “تبصرة الأدلة” 2: 816: والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه أن الله تعالى شهد بالإيمان لِمَن آمَنَ بالله ورسله بقوله تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ} [البقرة: 285]، ومدح بقطعِ القولِ الذين قالوا: {رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا} [آل عمران: 193] الآية، ولم يأمرهم بالاستثناء، وإن لم يكن لهم بالعاقبة علمٌ، وأمر أيضاً بالقول بذلك من غير الاستثناء بقوله تعالى: {قُولُوا آمَنَّا} [البقرة: 136].
  4. [4] جَعْلُ الأعمال جزءاً من ماهية الإيمان هو قول الخوارج ولا تصح نسبته إلى الشافعي رضي الله عنه، وإنما يرى الشافعي أنها من كمال الإيمان كما سيأتي قريباً، والصحيح أن الاختلاف في مسألة الاستثناء مبني على تأثير الخاتمة في الحكم بالسعادة والشقاوة في الحال، فمن يستثني في الإيمان جهلاً بخاتمته يرى أن السعيد من سيُختم له بالإيمان، والشقي من سيُختم له بالكفر، ومن لا يستثني يرى أن الحكم بالسعادة والشقاوة الآن غير مرتبط بالخاتمة، ولذا قال النسفي في “عقائده” بعد مسألة الاستثناء مباشرة: (والسعيد قد يشقى، والشقي قد يسعد، والتغيير يكون على السعادة والشقاوة دون الإسعاد والإشقاء، وهما من صفات الله تعالى، ولا تغيُّر على الله تعالى ولا على صفاته) وقد أشار شارحها العلامة التفتازني إلى ارتباط المسألتين ببعضهما.
الاستثناء في الإيمان
 
Top