الإقرار لا يكفي وحده في الإيمان

صفحة 59

الإقرار وحده لا يكفي في الإيمان

قال: (والإقرارُ وحدَه لا يكونُ إيماناً، لأنه لو كان إيماناً لكانَ المنافقونَ كلّهم مُؤمِنين، وكذلك المعرفةُ وحدها لا تكون إيماناً، لأنها لو كانت إيماناً لكان أهلُ

صفحة 60

الكتابِ كلهم مؤمنين، قال الله تعالى في حقِّ المنافقين: {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [المنافقون: 1]، وقال تعالى في حق أهل الكتاب: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} [البقرة: 146].

أقول: إذا عُرِفَ أنَّ الإيمانَ عبارةٌ عن التصديق،[1] فمَن جعله عبارةً عن مجرَّد الإقرار كالكرَّاميَّة، أو عن الإقرار بشرط المعرفة والتصديق كعبد الله بن سعيد القطَّان،[2] أو عن المعرفة وحدها كجهم بن صفوان والمعتزلة،[3] فقد صَرَفَ الاسمَ عن المفهوم اللغويِّ بلا ضرورةٍ، ولو جاز ذلك لجاز في كلِّ اسمٍ لغويٍّ، وفيه إبطالُ اللغاتِ ورَفْعُ الوصولِ إلى الدلائل السمعيَّة، وأيضاً فإن الدلائلَ تدلُّ على ذلك.

أما على أن الإقرارَ ليس وحده بإيمان، فيدلّ عليه قولُه تعالى في حقِّ المنافقين: {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [المنافقون: 1]، أثبت لهم الكذبَ، ولا شكَّ في قيام الإقرار بهم، وقوله تعالى: {إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ}

صفحة 61

[النحل: 106] فإنه يدل على أن موضِعَ الإيمان القلبُ لا اللسانُ، وكذلك قوله تعالى: {وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14]، وقوله: {أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ} [المجادلة: 22].

وكأنَّ الكرَّاميَّةَ إنما قالوا ذلك لِما رأوا من إجراء أحكام الإسلام على الذين شهِدوا باللسان، ولا كلام فيه، وإنما الكلامُ في اعتباره في حقِّ أحكام الآخرة، وهم في أحكام الآخرة كفَّارٌ، لقوله تعالى: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} [التوبة: ٨٠]، وقوله: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} [النساء: ١٤٥]، وقد قال تعالى في حقِّهم: {مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ} [المائدة: ٤١]، ولو لم يكن بالقلب إيمانٌ لم يكن لهذا القول فائدةٌ، كمَن يقول لآخر: لم تُؤمِن يدك أو رجلك.

وأما أنه ليس المعرفةُ وحدها، فيدلّ عليه قوله تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} [البقرة: 146، الأنعام: 20] فإنَّ أهلَ الكتاب كانوا يعرفون النبيَّ صلى الله عليه وسلم بنَعتِه ومَبعَثِه واسمِه معرفةً جليَّةً يُميِّزون بينه وبين غيره بالوَصْفِ المعيّن المشخّص، كما يعرفون أبناءهم لا يَشتَبِهُ عليهم أبناءُهم من بين الصِّبيان.

وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: لمَّا قدم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المدينةَ، قال عمرُ بنُ الخطَّاب رضي الله تعالى عنه لعبد الله بن سَلَام: قد أنزل اللهُ عزَّ وجلَّ على نبيه صلى الله عليه وسلم: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} [البقرة: ١٤٦، الأنعام: 20] فكيف – يا عبدَ الله – هذه المعرفةُ؟ فقال عبدُ الله بنُ سلام: يا عمرُ، لقد عرفتُه حين رأيتُه كما أعرف ابني إذا رأيتُه مع الصِّبيان يلعب، وأنا أشدُّ معرفةً بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم

صفحة 62

منِّي بابني. فقال عمر رضي الله تعالى عنه: وكيف ذلك يا ابنَ سلام؟ قال: لأني أشهدُ أن محمَّداً رسولُ الله حقَّاً ويقيناً، وأنا لا أشهَدُ بذلك على ابني، لأني لا أدري ما أحدث النِّساءُ، فلعلَّ والدته قد خانَتْ. فقبَّلَ عمرُ رضي الله تعالى عنه رأسَهُ، وقال: وفَّقَك اللهُ يا ابن سلام، فقد صدقتَ وأصبْتَ.[4] ومع ذلك ما كانوا مؤمنين حيثُ لم يُصدِّقوا. وقال تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ} [النمل: 14] وقال: {فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ۚ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} [البقرة: 89].

واعلم أنَّ تحقيقَ معنى قولِنا: (الإقرار شرط إجراء الأحكام) هو أن الله تعالى خلقَ الإنسانَ ضعيفاً لا يستقلّ بأمرِ مَعاشِه، محتاجاً إلى تعاضُدٍ وتعارُضٍ وتعاوُنٍ وتعاوُضٍ،[5] ولا يتيسَّر إلا بتعريف ما في نفسه من المقاصد والحاجات لصاحبه بطريقٍ، كإشاراتٍ أو أمثلةٍ أو كتابةٍ أو ألفاظٍ تكونُ علاماتٍ للمقاصد الباطنة، وكانت الألفاظُ أسهلَ، لأنها أصواتٌ مقطَّعةٌ هي كيفيَّاتٌ مسموعةٌ حادثةٌ من إخراج النَّفَس الضروريِّ المُمتدِّ من آلةِ التَّنَفِّسِ دونَ تكلّفٍ اختياريٍّ يحدث عند
الحاجة ويَنعَدِمُ عند عَدَمِها، وأفيَدَ لأنها يُعبَّرُ بها عن الموجود والمعدوم والمعقول

صفحة 63

والمحسوس والغائب والشاهد، بخلاف الإشارة والمثال، إذ لا تمكنُ الإشارةُ إلى المعدوم والمعقول والغائب، وليس لكلِّ شيءٍ مثالٌ. فأنعمَ اللهُ تعالى على العباد ولَطَفَ بهم بإحداث الموضوعات اللغويَّة بأن وضع الألفاظَ بإزاءِ المعاني ووقَّفهم[6] عليها أو بإحداث قُدرتِهم عليها على اختلاف الرأيين، ليتوصَّلوا بها إلى تحصيل مقاصدهم.[7]

وكان حقيقةُ الإيمان – وهو التصديق القلبيُّ – أمراً باطناً لا يطَّلِعُ عليه، وقد رتَّبَ اللهُ تعالى للعباد عليها مصالح، كالإرث والتزويج والابتداء بالتسليم وردِّه وحَقْنِ الدماء والأموال وغير ذلك، فجُعِلَ الإقرارُ دليلاً على ما في الباطن ليُعلَمَ به وتترتَّب عليه المصالحُ المتعلِّقةُ بوجوده. وهذا ما وعدناه فيما تقدَّم من تقريره.[8]

  1. [1] في (ج): عبارة عن إقرار باللسان وتصديق بالجنان، والمثبت من (ص) و(ف) و(ب).
  2. [2] هو عبد الله بن سعيد بن محمد بن كلَّاب القطان البصري، أحد المتكلمين في أيام المأمون, قيل إنه أخو يحيى بن سعيد القطان كبير المحدثين، وغلّطه الحافظُ ابنُ حجر في “اللسان” (رقم 4256 – بتحقيق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة) وقال: إنه من توافُقِ الاسمين والنسبة. توفي بعد الأربعين ومئتين.

    قلنا: وهو معدود من متكلمي أهل السنة، وانظر عقيدته في “مقالات الإسلاميين” للإمام الأشعري ص169 وما بعدها. وقال التاج السبكي في “طبقات الشافعية” 2: 78: كان من كبار المتكلمين ومن أهل السنة، وبطريقته وطريقة الحارث المحاسبي اقتدى أبو الحسن الأشعري.

  3. [3] المثبت من (ج)، وفي (ص) و(ب): من المعتزلة.
  4. [4] أخرجه الثعلبي كما في “الدر المنثور” للسيوطي 1: 357 -من طريق السدي الصغير، عن الكلبي عن ابن عباس. قلنا: والسُّدِّي الصغير – واسمه محمد بن مروان – والكلبي – وهو محمد بن السائب – متهمان بالكذب، وبين الكلبي وابن عباس مفاوز.

    وأخرج الطبري في تفسيره 7: 165 عن ابن جُريج قال: زعم أهلُ المدينة عن أهل الكتاب ممَّن أسلم أنهم قالوا: والله لنحن أعرفُ به من أبنائنا من أجل الصِّفة والنَّعت الذي نجدُه في الكتاب، وأما أبناؤنا فلا ندري ما أحدَثَ النِّساءُ.

  5. [5] التعاضد: إعانة البعض بعضاً وإعطاء القوة، والتعارض: طلب المعارضة وفعلها وهو ضد التسليم، والتعاون: المساعدة، والتعاوض: إعطاء العِوَض. اهـ من حاشية (ب).
  6. [6] المثبت من (ص) و(ب)، وتحرفت في (ف) إلى: ووفّقهم.
  7. [7] وفيه أن اللغات سواء كانت توقيفية أو وضعية إنما يحتاج إليها المُتكلم للتعبيرعمَّا يُريد أن يتكلم به، وهذا من سِمات الاحتياج وعلامات الضَّعف التي يجب أن يُنزَّه عنها الخالقُ سبحانه وتعالى.
  8. [8] قال في حاشية (ص) بياناً لقوله: (فيما تقدم تقريره) – وقال نحوه على حاشية (ب) أيضاً -: وهو قوله: (أجيب بأن التصديق القلبي لمّا كان أمراً باطناً لا يُطَّلعُ عليه، وكان الإقرار باللسان دليلاً على ذلك كما سيجيء تقريره قُدِّم على التصديق). وقد سلفت هذه العبارة المحال إليها ص54.
الإقرار لا يكفي وحده في الإيمان
 
Top