الأعمال ثلاثة: فرائض وفضائل ومعاص

صفحة 78

الأعمال فرائض وفضائل ومعاص

قال: (والثاني: نُقِرُّ بأنَّ الأعمالَ ثلاثةٌ: فريضةٌ وفضيلةٌ ومعصيةٌ.[2]

أقول: أراد بالأعمال ما يتعلّقُ بالآخرةِ يُثابُ به أو يُعاقَبُ عليه، وإلا فالأعمال ليست مُنحصِرةً في ثلاثة.

والفريضةُ مشتقَّةٌ من الفَرْضِ، وهو القَطعُ والتقديرُ، قال الله تعالى: {سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا} [النور: 1] أي: قدّرنا وقطعنا الأحكام فيها، وكلّ ما ثبتَ بدليلٍ قطعيٍّ لا شُبهةَ فيه يُسمَّى فَرْضاً وفريضةً، لأنه مقطوعٌ علينا، فيكفرُ جاحِدُهُ ويفسقُ تاركُه.

والفضيلةُ من الفضل، وهو الزيادة، والمرادُ به السُّنَن والنوافل، والسُّنَّةُ وتاركُها يستوجب إساءةً، كالجماعة والأذان. والزوائدُ وتاركها لا يستوجبُ إساءةً، كسير النبيِّ عليه السلام في لباسه وقيامه وقعوده.

والنَّفلُ: ما يُثابُ على فِعله ولا يُعاقَبُ على تَرْكِهِ.

فإن قيل: هذا التقسيم ينبِئ أنَّ المشروعاتِ عند الإمام أيضاً ثلاثةٌ، كما هي عند الشافعيِّ، لأنه ما ذكر الواجب. أجيب: بأنه يمكن أن يكون الواجب داخلاً تحت الفريضة، لأنه فرضٌ عنده عملاً.[3]

صفحة 79

والمعصية: فِعلٌ قبيحٌ منهيٌّ عنه يُعاقَبُ بإتيانه.

قال: (فالفريضة بأمرِ الله ومشيئتِه ومحبَّتِه ورِضاه وقضائِه وقَدَرِه وتخليقِه وحُكمِه وعِلمِه وتوفيقِه وكتابتِه في اللوح المحفوظ،[4] والفضيلةُ ليست بأمرِ الله تعالى، ولكن بمشيئتِه ومحبَّتِه ورضاه وقضائِه وقَدَرِه وحُكمه وعلمه وتوفيقه وتخليقه وكتابتِه[5] في اللوح المحفوظ.ز[6]

أقول: اتفق المسلمون على أن الفرض إنما هو بأمر الله تعالى، لكنهم اختلفوا في مدلول الأمر، فذهبت المعتزلةُ إلى أن مدلولَ الأمرِ هو الإرادةُ، فكلّ ما أمرَ اللهُ به أرادَ وجودَه، وكلّ ما لم يردْ لم يأمُرْ به.

وذهب أهلُ السنَّة إلى أن الأمرَ قد ينفكُّ عن الإرادة، كالحاكم إذا قَتَلَ ابنُه رجلاً عمداً فإنه يأمُرُ بقَتله ولا يكون مريداً له، والمُنازِعُ مكابِرٌ مقتضى الوجدان.

وعرَّفوه[7] بأنه قول القائل لغيره على سبيل الاستعلاء: افعَلْ.

صفحة 80

والمشيئةُ والإرادةُ واحدةٌ عند المتكلِّمين خلا الكرَّاميَّة[8] فإنهم قالوا: المشيئة: صفة أزليَّة واحدة لله تعالى، وإرادته حادثة في ذاتِه متعدِّدة على عدد المُرادات، يُحدث كلَّ إرادةٍ منها قبلَ حدوثِ ما هو المرادُ بها، ثم يُعقِبُها حدوثَ ما هو المرادُ بها، وهو باطلٌ، لأن الإرادة لو حدثت في ذات الباري لكان محلَّاً للحوادث، وهو يؤدِّي إلى القول بحدوث الباري، وهو باطلٌ بالاتفاق.

وذهبت المعتزلةُ إلى أن إرادته قائمةٌ بذاتها حادثةٌ لا في محلّ، وهو محالٌ، لأن وجود كلِّ مُحْدَثٍ موقوفٌ على تعلُّقِ الإرادة به، فلو كانت الإرادةُ مُحدَثةً احتاجت إلى إرادة أخرى ولَزِمَ التَّسلسل. وأيضاً فإن الإرادةَ الحادثةَ صفةٌ، وقيامُ الصفة بنفسها غيرُ معقول.

وفسَّرها الكعبيُّ[9] بأنه إذا وُصِفَ اللهُ تعالى بالإرادة، فإنْ كانَ ذلك فِعْلَه فمعناه أنه فَعَلَ وهو غيرُ ساهٍ ولا مُكرَهٍ ولا مضطر، وإن كان فِعل غير الله فمعناه أنه أمر به. وهو مبنيٌّ على أن الإرادةَ مدلولُ الأمرِ، وقد مرَّ بطلانُه.

وقال النجَّار:[10] إنه غيرُ مغلوبٍ ولا مُستكرَهٍ. وهو فاسدٌ، لأن الجمادَ غيرُ مغلوبٍ ولا مستكرَهٍ، مع أنه ليس بمُريد.

وعندنا هي صفةٌ توجِبُ تخصيصَ المفعولاتِ بوجهٍ دون وجهٍ ووقتٍ دون وقتٍ. إذ لولا الإرادة لوقعت المفعولاتُ كلُّها في وقتٍ على صفة واحدة، لا سيَّما عند تجانُسِ المفعولات، وَلَمَا كان وقتٌ لوجودِه أولى من وقتٍ، ولا كيفيَّةٌ ولا كميَّةٌ أولى مما سواهما، فإذا خَرَجَت على الترتيب والتوالي على حسب ما تقتضيه الحكمةُ البالغةُ كان ذلك دليلاً على اتِّصاف الفاعل بالإرادة، قال الله تعالى: {وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} [إبراهيم: 27]، وقال: {يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ} [المائدة: 1]، وقال: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ} [البقرة: 185]، فيبطل به قولُ مُنكِرِها.

والرِّضا من الله: هو إرادةُ الثوابِ على الفِعلِ أو تَرْكُ الاعتراض. والمحبَّةُ قريبٌ منه.

والقضاءُ: عبارةٌ عن وجودِ جميعِ المخلوقات في الكتاب المبين واللوح المحفوظ مُجتمعةً ومُجمَلةً على سبيل الابتداع.

والقَدَرُ: عبارةٌ عن وجودها منزَّلةً في الأعيان بعدَ حصولِ شرائطِها مفصَّلةً واحداً بعد واحدٍ على سنن القضاء. وإلى هذا أشار بقوله تعالى: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} [الحجر: 21].[1]

صفحة 82

والتخليق: هو التكوين، وهو عندنا صفةٌ غيرُ القدرة، خلافاً للأشعريَّة،[11] وقد استخرجه علماءنا من قوله تعالى: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [النحل: 40]، والحاصِلُ من مفهومه أن القدرةَ نِسبتُها إلى جانب الوجودِ والعدم سواء،[12] والتكوينُ إنما هو باعتبار النَّظَر إلى جانب الوجود.

وحُكمُه وعِلمُه وتوفيقُه كلُّها صفاتٌ أزليَّةٌ ثابتةٌ لذاته تعالى وتقدَّس، والفريضةُ مستلزِمةٌ لها كلِّها.

والفضيلةُ ليست بأمرِ الله،[13] وإلا لكانت فريضةً، لكنها بمشيئتِه ومحبَّتِه ورضائِه وقضائِه وقَدَرِه وحكمِه وعلمِه وتوفيقِه بإعطاء سلامةِ الأسبابِ والاستطاعةِ المقارِنةِ وتخليقِه أي تكوينِه، لأن الله تعالى خالِقُ أفعال العباد كما سيجيء البحث في ذلك، وكتابتِه في اللوح المحفوظ.

قال: (والمعصيةُ ليست بأمرِ اللهِ ولكنْ بمشيئتِه لا بمحبَّتِه، وبقضائِه لا برِضاه، وبتقديرِه لا بتوفيقِه، وبخُذلانِه وعِلمِه وكتابتِه في اللوح المحفوظ).

صفحة 83

أقول: اختلفوا في أن المعصية هل هي بإرادة الله تعالى أو لا؟ فذهب أهلُ السُّنَّة إلى الأول، والمعتزلةُ إلى الثاني، ثم اختلفوا في المباحات، فمنهم مَن زعم أنه تعالى مريدٌ لها، ومنم من زعم أنه تعالى غيرُ مريدٍ لها، والحاصل أنَّ عند المعتزلة: كل ما أمر اللهُ تعالى به أرادَ وجودَه وإن علمَ أنه لا يوجَد، وكلّ ما نهى عنه كره وجوده وأراد أن لا يوجد وإن علم أنه يوجد.

وعندنا كل ما علم اللهُ تعالى أنه يوجد أراد وجوده، سواء أمرَ به أو لم يأمر، وما عَلم أنه لا يوجد لم يُرد وجوده، سواء أمر به أو لم يأمر، فاللهُ سبحانه أرادَ الكفرَ مِنَ الكافر كسباً له قبيحاً مذموماً، وكذا في غيره من المعاصي. وإليه ذهب الأشعري.

تمسَّك المعتزلة بقوله تعالى: {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ} [غافر: 31]، فإنه نصٌّ في نفي إرادة الظلم، وعندكم هو مريدٌ للكلّ ظُلماً كان أو غيرَه، وبأنّ إرادةَ السَّفَه وما لا يرضى به والأمرَ بما لا يريدُ سَفَهٌ في الشاهد فكذا في الغائب.

ولنا قوله تعالى: {فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ۖ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا} [الأنعام: 125]، أخبر أنه يريدُ ضلالَ بعضٍ ويجعلُ ما به يحصل ضلالُه، وهو ضيق القلب. وقوله تعالى حكاية عن نوح عليه السلام: {وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ} [هود: 34]، فإنه نصٌّ في إرادة الإغواء. وقوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا} [الأنعام: 107]، {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا} [يونس: 99]، فعندهم اللهُ شاءَ عدمَ شِركهم ومع ذلك أشركوا، وشاء إيمانَ من في الأرض وما آمنوا، وهو تكذيبٌ لله تعالى في خَبَرِه، وهو كفرٌ.

صفحة 84

والجواب عما تمسَّكوا به من الآية أن أهلَ اللغة قالوا: إذا قيل: لا أريدُ ظُلمَك، فمعناه: لا أريدُ أن تُظلمَ أنت من غير تعيين الفاعل، وإذا قيل: لا أريدُ ظلمًا لك، فمعناه لا أريد أن أظلِمَك، ونحن نقول: لا يريد اللهُ أن يظلم أحداً، فهذا اللفظ وإن احتمل المعنيين، فنحن نُعَيِّنُ أحدَهما، وهو أن المراد: لا أريد أن أظلمك، بما مرَّ من الدلائل، فيكون معنى الآية: وما اللهُ يريد أن يظلمَ عباده فيُعذِّبَهم بغير ذنبٍ، أو يزيدَ على قدرِ ما يستحقُّون من العذاب.

وعن المعقول أن إرادة السَّفه وما لا يرضى به حكمةٌ إذا تعلَّقت به حميدةٌ، وهي تحقيقُ ما عَلِمَ على ما عَلِمَ، والأمرُ بما لا يريدُ ليتحقَّقَ به علمُه، وهو واقعٌ، فإن إبراهيم عليه السلام أُمِرَ بذبح الولد بدليل: {يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ} [الصافات: 102]، وإرادةُ الله تعالى أنْ لا يوجَد ذبحُ ولده، بل ذبحُ الكبشِ. على أن السَّفَه عند الأشعريِّ ما نُهِيَ عنه، ولا نهيَ لأحدٍ على الله تعالى، فلا يُتصوَّرُ في فِعلِه السَّفَه.

روي أن جماعةً من القدريَّة دخلوا على أبي حنيفة رحمه الله تعالى شاهِرِين سُيوفَهم، فقالوا: أنت الذي يقول: إن اللهَ تعالى شاءَ الكُفرَ من عباده، ثم يُعاقبُهم على ذلك؟ فقال رحمه الله تعالى: أتُحارِبونَ بسيوفكم أم تُناظِرون بعقولكم؟ فقالوا: نُناظِرُ بعقولنا، وغمدوا سيوفهم، فقال: أخبِرُوني، هل عَلِمَ اللهُ في الأزل ما يوجد من هؤلاء أم لا؟ قالوا: نعم، قال: فإذا علم اللهُ منهم الكفرَ، فهل شاءَ أن يُحقِّقَ عِلمُه كما علم أم شاءَ أن يصيرَ علمه جهلاً. فعرفوا صحَّةَ كلامه وبُطلانَ مذهبِهم، فرجعوا عن ذلك وتابوا.

فإن قيل: لو كان الكُفرُ مراداً لوجب الرِّضا به، والرِّضا بالكُفرِ كفرٌ، وأيضاً لو كان الكفرُ مراداً لكان الكافرُ مطيعاً بكُفره، لأن الطاعةَ تحصيلُ مرادِ المُطاع.

صفحة 85

فالجواب عن الأول: أن الرِّضا بالكفر من حيثُ هو قضاءُ الله طاعةٌ، والرِّضا بالكفر من هذه الحيثيَّة ليس بكفر.

وعن الثاني: أن الطاعةَ موافَقَةُ الأمر، والأمرُ غيرُ الإرادة، فالطاعةُ تحصيلُ المأمور به لا تحصيلُ المراد.

قيل في بيان كيفيَّة وقوع الشرِّ في قضائه تعالى أن الأمور الممكنةَ في الوجود، منها أمورٌ يجوز أن يتعرَّى وجودُها عن الشرِّ أصلاً كالملائكة، ومنها أمورٌ لا يُمكِنُ أن تكون فاضلةً فضيلتَها اللائقةَ بها إلا وتكون بحيث يَعرِضُ منها شرٌّ عند ملاقاتها لَِما ُ يخالِفُها، وذلك مثل النار، فإنها لا تفضلُ فضيلتها ولا تكمُلُ معاونتُها في تكميل الوجود، إلا أن تكونَ تؤذي وتُؤلِم ما يتَّفِقُ لها مصادَمَتُه من أجسام حيوانيَّةٍ، وتكون بحيث يَعرِض منها تفريقُ أجزاءِ بعضِ المركَّبات بالإحراق.

والأشياء باعتبار الشرِّ وعدمِه تنقسم إلى: ما لا شرَّ فيه، وإلى ما يغلبُ الخيرُ فيه على شرِّه وهما قد ذكرناهما، وإلى ما يكون شرّاً على الإطلاق، وإلى ما يكون الشرُّ فيه غالباً، وإلى ما يتساوى فيه الخيرُ والشرُّ.

وإذا كان الجودُ المحضُ الإلهيُّ مبدأً لفيضان الوجود الخيريّ الصواب، كان وجود القسم الأول واجباً فيضانُه، مثل وجود الجواهر العقلية، وكذا القسم الثاني يجب فيضانُه, فإنّ تركَ الخيرِ الكثير تحرُّزاً من شرٍّ قليلٍ شرٌّ كثيرٌ، وذلك مثل النار والأجسام الحيوانيَّة، فإنه لا يمكنُ أن تكون لها فضيلتُها إلا أن تكون بحيث يمكن أن تتأدَّى أحوالها في حركاتها وسكناتها اجتماعاتٍ ومصادماتٍ مؤذيةٍ، وأن تتأدّى أحوالها وأحوال الأمور التي في العالم إلى أن يقعَ لها خطأُ عقدٍ ضارّ في المعاد أو في الحق أو فرطِ هيجانٍ غالبٍ عاجلٍ من شهوةٍ أو غضبٍ ضارٍّ في أمر المعاد، وتكون

صفحة 86

القوى المذكورة لا تغني غناها، إلا أن تكون بحيث لها عند التلاقي مثلُ هذه الأشياء، ويكون ذلك[14] في أشخاصٍ أقلَّ من أشخاص السالمين وأوقاتٍ أقلَّ من أوقات السلامة، ولأن هذا معلومٌ في العناية الأولى، فهو كالمقصود بالعَرَض، فالشرُّ داخلٌ في القدرة بالعَرَضِ، كأنه مرضيٌّ به بالعرض.

وفي الجملة الحاصِلُ في المذهب أن كلَّ حادثٍ كان بإرادة الله على أيِّ وصفٍ كان، إلا أن الطاعةَ بمشيئته وإرادتِه ورضاه ومحبَّتِه وأمرِه وقضائِه وقَدَرِه، والمعصيةَ بقضائه وقدرتِه وإرادتِه ومشيئتِه، وليس بأمرِه ورضاه ومحبَّتِه، لأن محبَّتَه ورضاه يَرجِعان إلى كونِ الشيء مُستَحسناً، وذا يَليقُ بالطاعات دون المعاصي.

وعند الأشعريّ المحبَّةُ والرِّضا بمعنى الإرادة، فيَعُمَّان كلَّ موجود كالإرادة،[15] وأوَّلَ قولَه تعالى: {وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} [الزمر: 7] بعباده المؤمنين بدليل الإضافة إليه. والحق ما ذكرناه.

  1. [1] هذا قول السادة الماتريدية، وأما السادة الأشاعرة فالقدرُ عندهم: إيجادُ الله تعالى الأشياءَ على قدرٍ مخصوصٍ ووجهٍ معيَّنٍ أراده تعالى. فيرجع عندهم لصفة فعل، لأنه عبارة عن الإيجاد، وهو من صفات الأفعال. والقضاءُ عندهم: إرادةُ الله الأشياءَ في الأزل على ما هي عليه فيما لا يزال، فهو من للعلامة صفات الذات عندهم. فالقدرُ حادثٌ والقضاءُ قديمٌ عند الأشاعرة. وانظر “تحفة المريد” للعلامة الباجوري 2: 17، ط مصر.
  2. [2] ذكرُ الإمام رضي الله عنه لهذه الأحكام الشرعية، مع أن كلامه في العقائد ليس ذكراً أصيلاً، وإنما هو تمهيدٌ ومقدمةٌ لبيان تعلقات مشيئته تعالى بها، وهذا لا يُعاب في العلوم، كما أنه سيذكر في آخر هذا المتن بعضَ القضايا الفقهية لا بالنظر إليها من جهة كونها أعمالاً، وإنما من جهة طريق ثبوتها.
  3. [3] قال العلامة الشيخ عبد الغني النابلسي رحمه الله تعالى في “كشف الستر عن فرضية الوتر” ص5: والفرض على نوعين: فرضٌ عمليٌّ، وفرضٌ اعتقاديٌّ. والفرضُ العمليُّ لا يكفر جاحدُه، والفرض الاعتقاديُّ يكفر جاحدُه. ومعنى كونه فرضاً عَملياً أنه من جهة العمل فقط محكومٌ عليه بأنه فرضٌ لا من جهة الاعتقاد.
  4. [4] سقطت من الطبقات السنية الألفاظ: ومحبته وقضائه وحكمه وعلمه وتوفيقه.
  5. [5] سقطت من الطبقات السنية الألفاظ: وقضائه ورضاه وحكمه وعلمه وتوفيقه.
  6. [6] اد في (ز) بعد هذا: وإلا لكانت فريضةً، لكنها بمشيئتِه ومحبَّتِه ورضاه وقدره وقضائه وحكمه وعلمه وتوفيقه بإعطاء سلامة الأسباب والاستطاعة المقارنة وتخليقه أي تكوينِه، لأن الله خالِقُ أفعال العباد كما سيجيء البحث في ذلك، وكتابتِه في اللوح المحفوظ. وستأتي هذه الفقرة في الشرح قريباً، وكونُها من الشرح لا من المتن ظاهرٌ.
  7. [7] أي: الأمر.
  8. [8] في (ج) و(ب): (خلافاً للكرامية)، والمثبت من (ص) و(ف).
  9. [9] هو أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن محمود البلخي الكَعبي (ت 319)، وإليه تُنسب الكَعبيَّة، قال الأستاذ عبد القاهر البغدادي في “الفرق بين الفِرَق” ص181: كان حاطبَ ليلٍ، يدَّعي في أنواع العلوم على الخصوص والعموم، ولم يحظَ في شيءٍ منها بأسراره، ولم يُحِط بظاهره فضلاً عن باطنه.
  10. [10] هو أبو عبد الله الحسين بن محمد بن عبد الله النجَّار، من متكلمي المُجبِرة، وإليه تُنسَب النجَّارية، وهي فرقة وافقت المعتزلةَ في أصول، وأهلَ السنة في أصول، وانفردت بأصول، وهم فرق. انظر الفرق بين الفرق لعبد القاهر البغدادي ص207-209
  11. [11] صفة التكوين عند الماتريدية صفة حقيقية كالعلم والقدرة والإرادة، وعند الأشاعرة هي تعلقات صفة القدرة، قال التفتازاني في “شرح العقائد النسفية” ص90 في توضيح مذهبهم: الإيجاد أمرٌ اعتباريٌّ يحصل في العقل من نسبة الفاعل إلى المفعول. اهـ.

    وذكر العلامة ابن الهمام في “المسايرة” ص88-93 أن صفة التكوين قال بها الحنفية من عهد الماتريدي، وشكَّك في نسبة القول بها إلى أبي حنيفة وأصحابه، بل رأى أن في كلام أبي حنيفة ما يؤيد مذهب الأشاعرة، وناقشه في ذلك مناقشة علمية هادئة العلامة قاسم ابن قُطلُوبُغا في حاشيته على “المسايرة” فراجع كلامهما ففيه فوائد جمة.

  12. [12] يُمكنُ الجواب عن هذا بأن الأشاعرة لا يُنازعون في أن نسبة القدرة إلى الوجود والعدم على السواء، ولكنهم يقولون إن الإرادةَ تُخصِّص أحد الجانبين وتُرجِّحه على الآخر، فتأمل.
  13. [13] أي: على سبيل الوجوب، بل هي بأمر الله تعالى على سبيل الندب. اهـ من حاشية النسخة (ب).
  14. [14] قوله (ويكون ذلك) متعلق بقوله: (فإن ترك الخير الكثير تحرُّزاً من شر قليل شر كثير) بدليل أن التصادم للأجسام القليلة في أوقات قليلة. اهـ من حاشية النسخة (ب).
  15. [15] قال إمام الحرمين رحمه الله هذا القول في “الإرشاد” ص239: ومن حقق من أئمتنا لم يَكِع عن تهويل المعتزلة، وقال: المحبة بمعنى الإرادة وكذلك الرضا، والرب تعالى يحبُّ الكفرَ ويرضاه كفراً معاقباً عليه. اهـ. ونقل معناه عنه ابنُ الهمام في “المسايرة” ص138، وقال: ونقله بعضهم عن الأشعري، ثم قال: وهذا خلافُ كلمة أكثر أهل السنة، وهو وإن كان لا يَلزمُهم به ضررٌ في الاعتقاد، إذ كان مناطُ العقاب مخالفةَ النهي وإن كان متعلقه محبوباً كما يتضح لك، لكنه خلاف النصوص التي سُمعت مثل قوله تعالى: {وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} [الزمر: 7]. اهـ.

    ونقل ابنُ فورك في “مجرد مقالات الأشعري” ص69 عن الأشعري قوله: للإرادة أسماء وأوصاف، منها القصد والاختيار، ومنها الرضا والمحبة، ومنها الغضب والسخط، ومنها الرحمة، وكل ذلك مما يجري على الله عز وجل ويُوصَف به. اهـ.

    وعلى هذا فإن الأشعري يعتبر أن الرضا والمحبة من أسماء الإرادة، وليس فيهما معنى زائدٌ على الإرادة، فالمحبة ليست شيئاً غير الإرادة، فمعنى قول إمام الحرمين: (إن الله يحب الكفر) أي يريد وقوعه من الكافر فيخلقه له.

    ولا يُعارض هذا قول الأشعري في “رسالة أهل الثغر” ص231: إن رضاه تعالى عن عباده الطائعين هو إرادته لنعيمهم، لأنه إذا أطلق المحبة والرضا على الفعل عنى بهما إرادة الوقوع، وإذا أطلقهما على الفاعل عنى بهما إرادة الثواب. فهو يقول بأن الله سبحانه يحبُّ الكفر بمعنى يريد وقوعه، ولا يحبُّ الكافر بمعنى أنه لا يريد إثابته على كفره.

الأعمال ثلاثة: فرائض وفضائل ومعاص
 
Top