أفضل الأمة بعد النبي

صفحة 98

أفضل الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم

قال: (والخامس: نقرُّ بأنَّ أفضلَ هذه الأمَّة بعد نبيِّنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ، ثم عمرُ، ثم عثمانُ، ثم عليٌّ رضوان الله عليهم أجمعين، لقوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّات النَّعِيم} [الواقعة: 10-12] وكل مَن كان أسبَقَ فهو أفضَلُ، ويُحبُّهم كلّ مؤمنٍ تقيٍّ، ويُبغِضُهم كلُّ منافقٍ شقيٍّ).

أقول: أجمعَ أهلُ السُّنَّة والجماعة على أن أفضلَ هذه الأمَّة بعد النبيِّ صلى الله عليه وسلم أبو بكر رضي الله تعالى عنه، وأكثرُ المعتزلة وجميعُ الروافض يزعمون أن أفضلَ الأمَّة عليٌّ كرم الله وجهه، والإماميَّةُ يزعمون أن مَن سوى عليٍّ وابنَيه وفاطمة ونفر يسيرٍ من الصحابة ارتدُّوا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.

لنا أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: كنَّا في زمن النبيِّ صلى الله عليه وسلم لا نَعدِلُ بأبي بكرٍ أحداً ثم عمر ثم عثمان، ثم نترك أصحابَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لا نُفاضِلُ بينهم. أورده البخاري في الصحيح.[1]

صفحة 99

وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ادْعي لي أبا بكر وأخاكِ حتَّى أكتبَ كتاباً، فإني أخافُ أن يَتَمنَّى مُتَمَنٍّ ويقولَ قائلٌ: أنا، ويأبى اللهُ والمؤمنونَ إلا أبا بكرٍ).[2]

وعن عمرو بن العاص أنه قال: قلتُ للنبي صلى الله عليه وسلم: أيُّ الناسِ أحبُّ إليك؟ قال .(عائشة). قلتُ: من الرجال؟ قال: (أبوها). قلت: ثم من؟ قال: (عمر).[3]

وقالت امرأةٌ: إن جئتُ ولم أجِدْكَ – كأنها تريدُ الموتَ -؟ قال: (إن لم تجديني فأتي أبا بكر).[4] والأحاديث في الصحاح.

وقال عمر: أبو بكرٍ سيِّدُنا وأحبُّنا إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم.[5]

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: (أنت صاحبي في الغار وصاحبي على الحوض).[6]

صفحة 100

وقال: (لا ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن يَؤُمَّهم غيرُه).[7]

وقال: (أنا أوَّلُ من تنْشَقُّ عنه الأرضُ، ثمَّ أبو بكر، ثمَّ عمر).[8]

وقال صلى الله عليه وسلم بمحضر من الصحابة: (وما فَضَلَكم أبو بكرٍ بكثرةِ الصِّيامِ والصَّلاة، ولكنْ فَضَلَكم بشيءٍ وُقِّر في قلبِه).[9]

ولمَّا خرج من الغار قال: (أبشر يا أبا بكر، فإن الله يتجلى للناس عامةً ولك خاصةً).[10]

والأحاديثُ الصحيحةُ الواردةُ في فضائل أبي بكر كثيرةٌ، ولا يخفى أنَّ مَن أُوتِيَ طبعاً سليماً وعقلاً مستقيماً لا حاجةَ له إلى ذلك، فإن تواتُرَ كونِهِ صدِّيقاً يكفي مؤونة أفضليَّتِه رضي الله تعالى عنه.

صفحة 101

ثم بعده عمرُ رضي الله تعالى عنه، فإنه قال صلى الله عليه وسلم: (لو كان بعدي نبيٌّ لكان عمر بن الخطاب).[11]

وقال عليه السلام: (أبو بكرٍ وعمرُ سيِّدا كُهولِ أهلِ الجنَّةِ مِنَ الأوَّلين والآخِرين إلا النَّبيِّين والمُرسَلِين).[12]

وقال عليه السلام: (ما مِن نبيٍّ إلا وله وزيرانِ من أهلِ السَّماءِ ووزيرانِ من أهلِ الأرضِ، فأمَّا وزيرايَ من أهلِ السَّماءِ فجبرئيلُ وميكائيلُ، وأمَّا وزيراي مِن أهلِ الأرضِ فأبو بكرٍ وعمر).[13]

وقال: (إنِّي لأنظر إلى شياطينِ الإنسِ والجِنِّ قد فرُّوا مِن عمر).[14]

وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إني لواقِفٌ في قومٍ فدعَوُا[15] اللهَ لعمر، وقد وُضِعَ على سريره،[16] إذا رجلٌ من خلفي قد وضع مِرفَقَه على مِنكبِي يقول: يرحمُك اللهُ، إن كنتُ لأرجو أن يَجعلك اللهُ مع صاحبَيك، لأني كثيراً ما كنتُ أسمَعُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: كنتُ وأبو بكر وعمرُ، وفعلتُ وأبو بكر وعمرُ،

صفحة 102

وانطلقتُ وأبو بكر وعمرُ، ودخلتُ وأبو بكر وعمرُ، وخرجتُ وأبو بكر وعمرُ، فالتَفتُّ فإذا عليُّ بنُ أبي طالب كرَّم اللهُ وجهَه.[17]

ثم بعده عثمان رضي الله تعالى عنه، هو الظاهر من مذهب أصحابنا، بخلاف ما روي عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه كان يُفضِّلُ عليّاً على عثمان رضي الله تعالى عنهما.[18]

وجه الظاهر قوله عليه السلام: (ألا أستحيي مِن رجلٍ تَستحي منه الملائكةُ) حين سألتْهُ عائشةُ رضي الله تعالى عنها عن تسويةِ ثيابِه وجلوسِه بدخول عثمان رضي الله تعالى عنه، ولم يفعل ذلك بدخول أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما.[19]

وقوله عليه السلام: (لِكلِّ نبيٍّ رفيقٌ، ورفيقي – يعني في الجنَّة – عثمانُ).[20]

وروى أبو داود[21] عن محمَّدِ بنِ الحنفيَّةِ أنه قال: قلتُ لأبي: أيُّ الناسِ خيرٌ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أبو بكر. قلتُ: ثمَّ مَن؟ قال: عمر. ثمَّ خشيتُ أن أقولَ:

صفحة 103

ثمَّ مَن؟ فيقول: عثمان، فقلتُ: ثمَّ أنتَ يا أَبَتِ؟ فقال: ما أنا إلا رجلٌ من المسلمين. فخشيةُ محمَّد بنِ الحنفيَّةِ عن قول عليٍّ: (ثم عثمان) دليلٌ على أنه عرف رأيَ أبيه أنه كان يُفضِّلُ عثمانَ على نفسِه.

وفضائلُه من بين الصحابة كتجهيزِ جيشِ العُسرة، وإقامةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم يدَه مقامَ يدِه في بيعةِ الرِّضوان،[22] وتزويجِ النبيِّ عليه السلام ببنتَيهِ رقيَّةَ وأمِّ كلثوم منه، وجَمعِه القرآنَ، مشهورةٌ.

ثم بعده عليٌّ كرَّمَ الله وجهه، لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يُحِبُّكَ إلا مُؤمِنٌ، ولا يُبغِضُكَ إلا مُنافِقٌ شقيٌّ).[23]

وقوله عليه السلام: (إنَّ عليّاً منِّي وأنا منه، وهو وليُّ كلِّ مؤمنٍ).[24]

وقوله عليه السلام: (أنتَ أخي في الدُّنيا والآخِرَةِ).[25]

صفحة 104

وكان عند النبي عليه السلام طيرٌ مشويٌّ، فقال: (اللهم ائتني بأحب خَلْقِكَ إليكَ يأكلُ معي هذا الطَّيرَ)، فجاء عليٌّ رضي الله عنه فأكل معه.[26]

وقال صلى الله عليه وسلم يوم خيبر: (لأُعطِيَنَّ هذه الرَّايةَ غداً رجلاً يفتَحُ على يديهِ يحبُّ اللهَ ورسولَه، ويُحِبُّه اللهُ ورسولُه)، ثم أعطى الراية علياً رضي الله تعالى عنه.[27]

وقد استدلَّ الإمامُ على أفضليَّتِهم بقوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ} [الواقعة: 10-11]، ولا شكَّ أنَّ مَن كانَ أسبَقَ كان أفضل.

وقوله: (ويحبُّهم كلّ مؤمنٍ تقيٍّ) إشارة إلى قوله صلى الله عليه وسلم: (مَن أحبهم فبِحُبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم)،[28] ولا شكَّ أنه لا يُحِبُّهم بحُبِّه عليه السلام إلا مؤمنٌ تقيٌّ، ولا يُبغِضُهم إلا منافِقٌ شقيٌّ.

ثم قيل: لا يُفضَّل أحدٌ بعد الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين إلا بالعلم والتقوى. وقيل: فَضْلُ أولادِهم على ترتيب فَضل آبائهم، إلا أولاد فاطمة رضي الله تعالى عنها فإنهم يُفضَّلون على أولادهم لقُربِهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأنهم العِترةُ الطاهرةُ والذُّرِّيَّةُ الطيِّبةُ الذين أذهب اللهُ عنهم الرِّجْسَ وطهَّرهم تطهيراً.

وإنما تصدى الإمامُ لبيان أفضليَّتِهم، ولم يذكر ترتيبَ خلافتِهم، لأن ثبوت الأفضليَّة لواحدٍ منهم مُستلزِمٌ لتعيُّنه للإمامة، لأن إمامة المفضول مع وجود الفاضل لا يجوز عندهم.

  1. [1] برقم (3655) و(3697)، وأخرجه أيضاً أبو داود (4627) و(4628).
  2. [2] أخرجه مسلم (2387) من حديث عائشة رضي الله عنها، وهو بنحوه في صحيح البخاري (5666)، وعند مسلم: (ويقول قائل: أنا أولى).
  3. [3] أخرجه البخاري (3662) و(4358)، ومسلم (2384)، والترمذي (3885) و(3886) من حديث عمرو بن العاص.
  4. [4] أخرجه البخاري (3659) و(7220) و(7361)، ومسلم (2386)، والترمذي (3676) من حديث جبير بن مطعم رضي الله عنه.
  5. [5] أخرجه الترمذي (3656) بإسناد حسن عن عائشة، عنه، بلفظ: (أبو بكر سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم).

    وأخرج البخاري (3754) عن جابر بن عبد الله قال: كان عمر رضي الله عنه يقول: (أبو بكر سيدنا، وأعتق سيدنا).

  6. [6] أخرجه الترمذي (3670) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه. وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (12127) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. وأخرجه الطبري – كما في فتح الباري للحافظ ابن حجر 8: 318 – من حديث علي كرم الله وجهه. وأسانيدها ضعيفة.
  7. [7] أخرجه الترمذي (3673) من حديث عائشة رضي الله عنها، وإسناده ضعيف.
  8. [8] أخرجه الترمذي (3692) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وضعَّفه بعاصم بن عمر بن حفص العمري.
  9. [9] قال الحافظ العراقي في تخريج “الإحياء” 1: 100: أخرجه الترمذي الحكيم في “نوادر الأصول” من قول بكر بن عبد الله المزني، ولم أجده مرفوعاً. وقال العجلوني في “كشف الخفاء” 2: 248: هو عند الحكيم الترمذي وأبي يعلى عن عائشة، وأحمد بن منيع عن أبي بكر، كلاهما مرفوعاً.

    ونسبه ابنُ القيِّم في “المنار المنيف” ص115 إلى أبي بكر بن عيَّاش المقرئ من كلامه في أبي بكر الصديق رضي لله عنه.

    وقوله: (وُقِّرَ) كذا ضبطت في (ص) و(ف)، ويجوز ضبطه بالبناء للفاعل: (وَقَرَ).

  10. [10] باطل، أخرجه ابن عدي في “الكامل” 5: 1858، والخطيب في “تاريخ بغداد” 12: 19 من حديث جابر، وحَكَما عليه بالبطلان، واتَّهما به عليَّ بنَ عبدة المُكتِبَ أحدَ رواته. ثم ذكر الخطيب أن أبا حامد أحمدَ بنَ علي بن حسنويه المقرئ سرقه من عليِّ بن عبدة فركَّب له إسناداً ورواه، قال: ولم يكن بثقة.
  11. [11] أخرجه الترمذي (3686) وحسَّنه من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه.
  12. [12] أخرجه الترمذي (3665) و(3666)، وابن ماجه (95) من حديث علي رضي الله عنه. وأخرجه الترمذي (3664) من حديث أنس رضي الله عنه. وأخرجه ابن ماجه (100) من حديث أبي جحيفة رضي الله عنه. والحديث صحيح بمجموع طرقه.
  13. [13] أخرجه الترمذي (3680) من حديث أبي سعيد الخدري. وإسناده ضعيف.
  14. [14] أخرجه الترمذي (3691) من حديث عائشة رضي الله عنها.
  15. [15] تحرَّف في الأصول الخطية إلى: (في يوم قد غفر)، والمثبت من مصدر التخريج.
  16. [16] في الأصول الخطية: (على الأرض سريره)، والمثبت من مصدر التخريج.
  17. [17] أخرجه البخاري (3677) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

    وأخرج نحوه البخاري (3685)، ومسلم (2389)، وابن ماجه (98) عنه أيضاً.

  18. [18] انظر “الفقه الأكبر” للإمام أبي حنيفة ص64، و”السير الكبير” للإمام محمد بن الحسن ص546، و”الانتقاء” لابن عبد البر ص163، و”مناقب أبي حنيفة” للموفق المكي ص75 و76، و”مناقبه” للكردري ص155 و345. وتفضيل عثمان على علي رضي الله تعالى عنهما هو ما ذكره الإمام الطحاوي في عقيدته، وهي عقيدة الإمام أبي حنيفة وصاحبيه.
  19. [19] أخرجه مسلم (2401) من حديث عائشة رضي الله عنها.
  20. [20] أخرجه الترمذي (3698) من حديث طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه، وقال: هذا حديث غريب ليس إسناده بالقوي، وهو منقطع.

    وأخرجه ابن ماجه (109) من حديث أبي هريرة. وإسناده ضعيف.

  21. [21] برقم (4629)، وأخرجه أيضاً البخاري (3671).
  22. [22] أما تجهيزُه رضي الله عنه جيشَ العُسرة فأخرجه البخاري تعليقاً (2778)، والترمذي (3699) و(3707)، والنسائي 6: 233-236 من حديثه. وأخرجه الترمذي (3700) من حديث عبد الرحمن بن خباب، و(3706) من حديث عبد الرحمن ابن سمرة.

    وأما إقامة النبي صلى الله عليه وسلم يده الشريفة مقام يده يوم بيعة الرضوان فأخرجه البخاري (3698) و(4066)، والترمذي (3706) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.

  23. [23] أخرجه مسلم (78)، والترمذي (3736)، وابن ماجه (114) من حديثه هو رضي الله عنه.
  24. [24] أخرجه الترمذي (3712) بإسناد حسن من حديث عمران بن حصين.

    وأخرج البخاري (2700) و(4251)، والترمذي (3716) من حديث البراء رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي: (أنت مني وأنا منك).

  25. [25] أخرجه الترمذي (3720) من حديث ابن عمر، وإسناده ضعيف.
  26. [26] أخرج الترمذي (3721)، والنسائي في “الكبرى” (8341) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه. وإسناده ضعيف.
  27. [27] أخرجه البخاري (2942) و(3009) و(3701) و(4210)، ومسلم (2406) من حديث سهل بن سعد رضي الله عنهما.
  28. [28] أخرجه الترمذي (3862) من حديث عبد الله بن مغفل، وإسناده ضعيف.
أفضل الأمة بعد النبي
 
Top