الحديث الخامس والثلاثون

صفحة 92

الحديث الخامس والثلاثون

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تَحاسدوا، ولا تَنَاجَشُوا، ولا تَباغضوا، ولا تَدابروا، ولا يَبِعْ بعضُكم على بيع بعض،

صفحة 93

وكونوا عبادَ الله إخواناً. المسلمُ أخو المسلمِ، لا يظلِمه ولا يخذُله، ولا يكذِبه ولا يَحقِره، التقوى ههنا – ويشير إلى صدره ثلاث مرات – بحسبِ امرئٍ من الشر أن يَحْقِرَ أخاه المسلم، كُلُّ المسلم على المسلم حرام: دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ). رواه مسلم.

قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تحاسدوا)، قد تقدم أن الحسد على ثلاثة أنواع. والنجش: أصله الارتفاع والزيادة، وهو أن يزيد في ثمن سلعة ليغر غيره، وهو حرام، لأنه غش وخديعة.

قوله صلى الله عليه وسلم: (ولا تدابروا)، أي لا يهجر أحدكم أخاه وإن رآه أعطاه دبرَه أو ظهرَه، قال صلى الله عليه وسلم: (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام، يلتقيان فيُعرض هذا ويُعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام). والبيع على بيع أخيه، صورته: أن يبيعَ أخوه شيئاً فيأمر المشتري بالفسخ ليبيعَه مثلَه أ و أحسنَ منه بأقل من ثمن ذلك، والشراء على الشراء حرام: بأن يأمر البائع بالفسخ ليشتريه منه بأغلى ثمن، وكذلك يحرم السوم على

صفحة 94

سوم أخيه، وكل هذا داخل في الحديث لحصول المعنى، وهو التباغض والتدابر، وتقييد النهي ببيع أخيه يقتضي أنه لا يحرم على بيع الكافر، وهو وجه لابن خالويه، والصحيح: لا فرق؛ لأنه من باب الوفاء بالذمة والعهد.

قوله صلى الله عليه وسلم: (التقوى ههنا) وأشار بيده إلى صدره: أراد القلب، وقد تقدم قوله صلى الله عليه وسلم: (ألا وإن في الجسد مضغةً إذا صلحت صلح الجسد كله) الحديث.

قوله صلى الله عليه وسلم: (ولا يخذله) أي عند أمره بالمعروف أو نهيه عن المنكر، أو عند مطالبته بحق من الحقوق، بل ينصره ويعينه ويدفع عنه الأذى ما استطاع.

قوله صلى الله عليه وسلم: (ولا يحقره) أي فلا يحكمْ على نفسه بأنه خيرٌ من غيره، بل يحكم على غيره بأنه خير منه، أو لا يحكم بشيء فإن العاقبةَ منطويةٌ ولا يدري العبدُ بما يُختم له، فإذا رأى صغيراً مسلماً حكم بأنه خير منه باعتبار أنه أخف ذنوباً منه، وإن رأى مَنْ هو أكبر سناً منه حكم له بالخيرية باعتبار أنه أقدم هجرة منه في الإسلام، وإن رأى كافراً لم يقطع له بالنار لاحتمال أنه يسلم فيموت مسلماً.

قوله صلى الله عليه وسلم: (بحسب امرىء من الشر) أي يكفيه من الشر (أن يحقر أخاه)، يعني أن هذا شر عظيم يكفي فاعله عقوبة هذا الذنب.

قوله صلى الله عليه وسلم: (كل المسلم… الخ)، قال في حجة الوداع: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم

صفحة 95

حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا)، واستدل الكرابيسي بهذا الحديث على أن الغيبة والوقوع في عرض المسلمين كبيرةٌ؛ إما لدلالة الاقتران بالدم والمال، وإما للتشبيه بقوله: (كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا)، وقد توعد الله تعالى بالعذاب الأليم عليه فقال تعالى: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}.

شرح متن الأربعين النووية
الحديث الخامس والثلاثون
 
Top