الحديث الخامس عشر

صفحة 52

الحديث الخامس عشر

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليُكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليُكرم ضيفَه). رواه البخاري ومسلم.

قوله صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت)، قال الشافعي رحمه الله تعالى: معنى الحديث: إذا أراد أن يتكلم فليفكر، فإن ظهر أنه لا ضرر عليه تكلم،

صفحة 53

وإن ظهر أن فيه ضرر أو شك فيه أمسك. وقال الإمام الجليل أبو محمد ابن أبي زيد إمام المالكية بالمغرب في زمنه: جميع آداب الخير تتفرع من أربعة أحاديث: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)، وقوله صلى الله عليه وسلم للذي اختصر له الوصية: (لا تغضب)، وقوله: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه).

ونُقل عن أبي القاسم القشيري رحمه الله تعالى أنه قال: السكوت في وقته صفة الرجال، كما أن النطق في موضوعه من أشرف الخصال، قال: وسمعت أبا علي الدقاق يقول: من سكت عن الحق فهو شيطان أخرس، وكذا نقله في حلية العلماء عن غير واحد. وفي حلية الأولياء أن الإنسان ينبغي له أن لا يخرج من كلامه إلا ما يحتاج إليه، كما أنه لا ينفق من كسبه إلا ما يحتاج إليه، وقال: لو كنتم تشترون الكاغد للحفظة لسكتم عن كثير من الكلام. وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ومن فقه الرجل قلة كلامه فيما لا يعنيه)، وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (العافية في عشرة أجزاء: تسعة منها في الصمت إلا عن ذكر الله تعالى عز وجل)، ويقال: من سكت فسلم كمن قال فغنم. وقيل لبعضهم: لم لزمت [السكوت]؟ قال: لأني لم أندم على السكوت قط، وقد ندمت على الكلام مراراً.

صفحة 54

ومما قيل: جرح اللسان كجرح اليد، وقيل: اللسان كلب عقور إن خُلِّيَ عنه عقر. وروي عن علي رضي الله عنه:

يموت الفتى من عثرةٍ من لسانه … وليس يموت المرءُ من عثرة الرجل

فعثرته مِنْ فيه ترمي برأسه … وعثرته بالرجل تبري على المهل

ومما قيل:

قد أفلح الساكتُ الصموتْ … كلامُه قد يعدُّ قوتْ

ما كل نطق له جواب … جوابُ ما يُكْرَهُ السكوتْ

واعجباً لامرئٍ ظلوم … مستيقنٍ إنه يموتْ

قوله صلى الله عليه وسلم: (ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه)، قال القاضي عياض: معنى الحديث أن من التزم شرائع الإسلام لزمه إكرام الضيف والجار، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه)، وقال صلى الله عليه وسلم: (من آذى جاره ملكه الله داره)، وقوله تعالى: {وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ}.

الجار يقع على أربعة: الساكن معك في البيت، قال الشاعر:

صفحة 55

أجارتنا بالبيت إنك طالق

ويقع على من لاصق لبيتك، ويقع على أربعين داراً من كل جانب، ويقع على من يسكن معك في البلد، قال الله تعالى: {ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلا قَلِيلا}، فالجار الملاصق القريب المسلم له ثلاثة حقوق، والجار البعيد المسلم له حقان، وغير القريب المسلم له حق واحد. والضيافة من آداب الإسلام، وَخُلُقِ النبيين والصالحين، وقد أوجبها الليث ليلة واحدة، واختلفوا: أهل الضيافة على الحاضر والبادي أم على البادي خاصة؟ فذهب الشافعي ومحمد [بن] عبد الحكم إلى أنها على الحاضر والبادي، وذهب مالك وسحنون إلى أنها على أهل البوادي، لأن المسافر يجد في الحضر المنازل في الفنادق ومواضع النزول وما يشتري من الأسواق، وقد جاء في حديث: (الضيافة على أهل الوبر وليست على أهل المدر)، لكنه حديث موضوع.

شرح متن الأربعين النووية
الحديث الخامس عشر
 
Top