الحديث الحادي والثلاثون

صفحة 84

الحديث الحادي والثلاثون

عن أبي العباس سَهْلِ بن سعدٍ السَّاعِدِيِّ رضي الله

صفحة 85

عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، دُلَّنِيْ على عملٍ إذا عَمِلْتُهُ أحبَّني اللهُ وأحبَّني الناسُ، فقال: (ازهدْ في الدنيا يُحِبَّكَ الله، وازهد فيما عند الناس يحبَّك الناس). حديث حسن، رواه ابن ماجةَ وغيرُه بأسانيد حسنةٍ.

قوله صلى الله عليه وسلم: (ازهد في الدنيا يحبك الله)، الزهد: ترك ما لا يُحتاج إليه من الدنيا وإن كان حلالاً، والاقتصار على الكفاية، والورع: ترك الشبهات، قالوا: وأعقلُ الناس الزهاد، لأنهم أحبوا ما أحب اللهُ وكرهوا ما كره اللهُ من جمع الدنيا، واستعملوا الراحة لأنفسهم. قال الشافعي رحمه الله تعالى: لو أوصى لأعقل الناس صرف [إلى] الزهاد. ولبعضهم:

كن زاهداً فيما حَوَتْ أيدي الوَرَى … تضحى إلى كُلِّ الأنام حَبِيْبَا

أَوَمَا ترى الخطَّاف حرَّم زادهم … فغدا رئيساً في الحجور قريبَا

صفحة 86

وللشافعي رضي الله عنه في ذم الدنيا:

وَمَنْ يَذُقِ الدنيا فإني طعمتُها … وسيقَ إلينا عَذْبُهَا وَعَذَابُهَا

فلم أرَها إلا غروراً وباطلاً … كما لَاحَ في ظهر الفَلاة سرابُها

وما هي إلا جِيفةٌ مستحيلةٌ … عليها كلابٌ هَمُّهُنَّ اجتذابُها

فإن تجتنبْها كنتَ سلماً لأهلِها … وإن تجتذبْها نَازَعَتْكَ كلابُها

فَدَعْ عنك فضلاتِ الأمورِ فَإِنَّهَا … حرامٌ على نفسِ التقيِّ ارتكابُها

قوله: (حرام على نفس التقي ارتكابها) يدل على تحريم الفرح بالدنيا، وقد صرح بذلك البغوي في تفسير قوله تعالى: {وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا}، ثم المراد بالدنيا المذمومة: طلبُ الزائد على الكفاية، أما طلب الكفاية فواجب، قال بعضهم: وليس ذلك من الدنيا، وأما الدنيا فالزائدة على الكفاية، واستدل بقوله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ} الآية، فقوله تعالى ذلك إشارةٌ إلى ما تقدم من طلب التوسع والتبسط، قال الشافعي رحمه الله تعالى: طلب الزائد من الحلال عقوبةٌ ابتلى الله بها أهلَ التوحيد، ولبعضهم:

لا دَارَ للمرءِ بعدَ الموتِ يَسْكُنُهَا … إلا التي كان قبلَ الموتِ يَبْنِيْهَا

فَإِنْ بناها بخيرٍ طَابَ مَسْكَنُهُ … وَإِنْ بناها بِشَرٍّ خَابَ بانيهَا

صفحة 87

النفسُ ترغبُ في الدنيا وقد عَلِمَتْ … أَنَّ الزهادةَ فيها تركُ ما فيهَا

فاغرسْ أصولَ التقى ما دُمْتَ مجتهِداً … واعلمْ بأنك بعدَ الموتِ لاقيهَا

ثم بعد ذلك إذا فرح بها لأجل المباهاة والتفاخر والتطاول على الناس فهو مذموم، ومن فرح بها لكونها من فضل الله عنه فهو محمود.

قال عمر رضي الله عنه: (اللهم إنا لا نفرح إلا بما رزقتنا). وقد مدح الله تعالى المقتصدين في العيش فقال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا} الآية. وقال صلى الله عليه وسلم: (ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار، ولا افتقر من اقتصد). وكان يُقال: القصد في المعيشة يكفي عنك نصف المؤنة، والاقتصاد: الرضى بالكفاية، قال بعض الصالحين: من اكتسب طيباً وأنفق قصداً قدم فضلاً.

شرح متن الأربعين النووية
الحديث الحادي والثلاثون
 
Top