الحديث الثاني

صفحة 17

الحديث الثاني

عن عمر رضي الله عنه أيضاً قال: (بينما نحن جلوسٌ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، إذ طلع علينا رجلٌ شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثرُ السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإسلام أن تشهدَ أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيمَ الصلاة، وتؤتيَ الزكاة، وتصومَ رمضان، وتحجَّ البيت إن استطعت إليه سبيلا، قال: صدقت، فعجبنا له يسأله

صفحة 18

ويصدِّقه، قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال: فأخبرني عن الساعة، قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، قال: فأخبرني عن أماراتِها، قال: أن تلد الأمة رَبَّتَهَا، وأن ترى الحفاةَ العراةَ العالةَ رِعَاءَ الشاء يتطاولون في البنيان. ثم انطلق، فلبثتُ ملياً، ثم قال: يا عمر أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه جبريلُ آتاكم يعلِّمُكم دينَكم). رواه مسلم.

قوله صلى الله عليه وسلم: (أخبرني عن الإيمان): الإيمان

صفحة 19

في اللغة: هو مطلق التصديق، وفي الشرع عبارة عن تصديق خاص، وهو التصديق بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، وأما الإسلام فهو عبارة عن فعل الواجبات، وهو الانقياد إلى عمل الظاهر، وقد غاير الله تعالى بين الإيمان والإسلام كما في الحديث، قال الله تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا}، وذلك أن المنافقين كانوا يصلون ويصومون ويتصدقون وبقلوبهم ينكرون، فلما ادَّعوا الإيمانَ كذَّبهم اللهُ تعالى في دعواهم الإيمان لإنكارهم بالقلوب، وصدَّقهم في دعوى الإسلام لتعاطيهم إياه. وقال الله تعالى: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ}، أي في دعواهم الشهادة بالرسالة مع مخالفة قلوبهم، لأن ألسنتهم لم تواطئ قلوبهم، وشرط الشهادة بالرسالة أن يواطئ اللسان القلب، فلما كذبوا في دعواهم بيَّن الله تعالى كذبهم، ولما كان الإيمان شرطاً في صحة الإسلام استثنى الله تعالى من المؤمنين المسلمين، قال الله تعالى: {فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ . فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ}، فهذا استثناء متصل لما بين الشروط من الاتصال، ولهذا سمى الله تعالى الصلاة إيماناً، قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ}، وقال تعالى: {مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ} أي الصلاة.

صفحة 20

قوله صلى الله عليه وسلم: (وتؤمن بالقدَر خيره وشره) بفتح الدال وسكونها لغتان: ومذهب أهل الحق إثبات القدر. ومعناه: أن الله سبحانه وتعالى قدَّر الأشياء في القدم، وعلم سبحانه وتعالى أنها ستقع في أوقات معلومة عنده سبحانه وتعالى، وفي أمكنة معلومة، وهي تقع على حسب ما قدره الله سبحانه وتعالى.

واعلم أن التقادير أربعة:

الأول: التقدير في العلم، ولهذا قيل: العناية قبل الولاية، والسعادة قبل الولادة، واللواحق مبنية على السوابق: قال الله تعالى: {يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ}، أي يُصْرَفُ عن سماع القرآن وعن الإيمان به في الدنيا من صُرِفَ عنه في القِدَمِ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يُهلك الله إلا هالكاً) أي من كتب في علم الله تعالى أنه هالك.

الثاني: التقدير في اللوح المحفوظ، وهذا التقدير يمكن أن يتغير، قال الله تعالى: {يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ}، وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه كان يقول في دعائه: (اللهم إن كنت كتبتَني شقياً فامحني واكتبني سعيداً).

الثالث: التقدير في الرحم، وذلك أن المَلَكَ يُؤمرُ بكتب رزقه وأجله وشقي أو سعيد.

الرابع: التقدير، وهو سوق المقادير إلى المواقيت، والله تعالى خلق الخير والشر وقدَّر مجيئه إلى العبد في أوقات معلومة، والدليل على أن الله تعالى خلق الخير والشر قولُه تعالى: {إِنَّ

صفحة 21

الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ} إلى قوله: {بِقَدَرٍ}، نزلت هذه الآية في القدرية، يقال لهم ذلك في جهنم، وقال تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ . مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ}، وهذا القسم إذا حصل [فيه] اللطف بالعبد صُرِفَ عنه قبل أن يصل إليه، وفي الحديث: (إن الصدقةَ وصلةَ الرحم تدفع ميتة السوء وتقلبه سعادة)، وفي الحديث: (إن الدعاء والبلاء بين السماء والأرض يقتتلان، ويدفع الدعاء البلاء قبل أن ينزل).

وزعمت القدرية أن الله تعالى لم يقدر الأشياء في القدم، ولا سبق علمه بها، وأنها مستأنفة، وأنه تعالى إنما يعلمها بعد وقوعها، وكذبوا على الله سبحانه وتعالى، جلّ عن أقوالهم الكاذبة وتعالى علواً كبيراً، وهؤلاء انقرضوا وصارت القدرية في الأزمان المتأخرة يقولون: الخير من الله والشر من غيره، تعالى الله عن قولهم، وصحّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (القدرية مجوس هذه الأمة)، سماهم مجوساً لمضاهاة مذهبهم مذهب المجوس. وزعت الثنوية أن الخير من فعل النور، والشر من فعل الظلمة، فصاروا ثنوية، كذلك القدرية يضيفون الخير إلى الله والشر إلى غيره، وهو تعالى خالق الخير والشر.

قال إمام الحرمين في كتاب الإرشاد: إن بعض القدرية تقول: لسنا بقدرية بل أنتم القدرية لاعتقادكم أخبار القدر، ورد على هؤلاء الجهلة بأنهم يضيفون القدر إلى أنفسهم، ومن يدعي الشر لنفسه ويضيفه إليها أولى

صفحة 22

بأن ينسب إليه ممن يضيفه لغيره وينفيه عن نفسه.

قوله صلى الله عليه وسلم: (فأخبرني على الإحسان، قال: [الإحسان] أن تعبد الله كأنك تراه). وهذا مقام المشاهدة لأن من قدر أنه يشاهد الملك استحى أن يلتفت إلى غيره في الصلاة، وأن يشغل قلبه بغيره. ومقام الإحسان مقام الصِّدِّيقين، وقد تقدَّم في الحديث الأول الإشارةُ إلى ذلك.

قوله صلى الله عليه وسلم: (فإنه يراك): غافلاً إن غفلت في الصلاة وحدثت النفس فيها.

قوله صلى الله عليه وسلم: (فأخبرني عن الساعة، فقال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل)، هذا الجواب [يدل] على أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يعلم متى الساعة، بل علمُ الساعة مما استأثر الله تعالى به، قال الله تعالى: {إنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ}، وقال تعالى: {ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً}، وقال تعالى: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا}، ومن ادعى أن عُمْرَ الدنيا سبعون ألف سنة وأنه بقي منها ثلاثة وستون ألف سنة فهو قول باطل حكاه الطوخي في “أسباب التنزيل” عن بعض المنجمين وأهل الحساب، ومن ادعى أن عمر الدنيا سبعة آلاف سنة فهذا يسوف على الغيب ولا يحل اعتقاده.

قوله صلى الله عليه وسلم: (فأخبرني عن أماراتها: قال: أن تلد الأمة ربتها)، الأمار والأمارة: بإثبات التاء وحذفها، لغتان، وروي: ربها وربتها. قال الأكثرون: هذا إخبار عن كثرة  السراري وأولادهن، فإن ولدها من سيدها بمنزلة

صفحة 23

سيدها، لأن مال الإنسان صائر إلى ولده، وقيل معناه الإماء يلدن الملوك فتكون أمُّه من جملة رعيته، ويحتمل أن يكون المعنى أن الشخص يستولد الجارية ولداً ويبيعها، فيكبر الولد ويشتري أمه، وهذا من أشراط الساعة.

قوله صلى الله عليه وسلم: (وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان)، إذ العالة هم الفقراء، والعائل الفقير، والعيلة الفقر، وعال الرجل يعيل عيلة أي افتقر، والرِّعاء بكسر الراء وبالمد، ويقال فيه رُعاة بضم الراء وزيادة تاء بلا مد، معناه أن أهل البادية وأشباههم من أهل الحاجة والفاقة يترقون في البنيان، والدنيا تبسط لهم حتى يتباهوا في البنيان.

قوله: (فلبثَ ملياً) هو بفتح الثاء على أنه للغائب، وقيل: فلبثتُ بزيادة تاء المتكلم وكلاهما صحيح، ومليّاً بتشديد الياء معناه وقتاً طويلاً، وفي رواية أبي داود والترمذي أنه قال: (بعد ثلاثة أيام)، وفي شرح التنبيه للبغوي أنه قال: (بعد ثلاثة فأكثر)، وظاهر هذا أنه بعد ثلاث ليال. وفي ظاهر هذا مخالفة لقول أبي هريرة في حديثه: (ثم أدبر الرجل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ردوا علي الرجل، فأخذوا يردونه فلم يروا شيئاً، فقال صلى الله عليه وسلم: هذا جبريل)، فيمكن الجمع بينهما بأن عمر رضي الله عنه لم يحضر قول النبي صلى الله عليه وسلم لهم في الحال، بل كان قد قام من المجلس فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم الحاضرين في الحال، وأخبروا عمر بعد ثلاث إذ لم يكن

صفحة 24

حاضراً عند إخبار الباقين.

وفي قوله صلى الله عليه وسلم: (هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم)، فيه دليل على أن الإيمان والإسلام والإحسان تسمى كلها ديناً، وفي الحديث دليلٌ على أن الإيمانَ بالقدر واجبٌ، وعلى ترك الخوض في الأمور، وعلى وجوب الرضا بالقضاء.

دخل رجل على ابن حنبل رضي الله عنه فقال: عظني، فقال له: إن كان الله تعالى قد تكفل بالرزق فاهتمامك لماذا؟ وإن كان الخلف على الله حقاً فالبخل لماذا؟ وإن كانت الجنة حقاً فالراحة لماذا؟ وإن كان سؤال منكر ونكير حقاً فالأنس لماذا؟ وإن كانت الدنيا فانيةً فالطمأنينة لماذا؟ وإن كان الحساب حقاً فالجمع لماذا؟ وإن كان كل شيء بقضاء وقدر فالخوف لماذا؟

فائدة

ذكر صاحب “مقامات العلماء” أن الدنيا كلها مقسومةٌ على خمسة وعشرين قسماً: خمسة بالقضاء والقدر، وخمسة بالاجتهاد، وخمسة منها بالعادة، وخمسة بالجوهر، وخمسة بالوراثة.

فأما الخمسة التي فيها بالقضاء والقدر: فالرزق والولد والأهل والسلطان والعمر.

والخمسة التي بالاجتهاد: فالجنة والنار والعفة والفروسية والكتابة.

والخمسة التي بالعادة: فالأكل والنوم والمشي والنكاح والتغوط.

والخمسة التي بالجوهر: فالزهد والزكاة والبذل والجمال والهيبة.

والخمسة التي بالوراثة: فالخير والتواصل والسخاء والصدق والأمانة. وهذا كله لا ينافي قوله صلى الله عليه وسلم: (كل شيء بقضاء وقدر)،

صفحة 25

وإنما معناه أن بعض هذه الأشياء يكون مرتباً على سبب، وبعضها يكون بغير سبب، والجميع بقضاء وقدر.

شرح متن الأربعين النووية
الحديث الثاني
 
Top