الحديث الثامن عشر

صفحة 58

الحديث الثامن عشر

عن أبي ذر جندب بن جنادة وأبي عبد الرحمن معاذ بن جبل رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اتق الله حيثُما كنت، وأتبعِ السيئةَ الحسنةَ تمحُها، وخالقِ الناسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ). رواه الترمذي وقال: حديث حسن، وفي بعض النسخ: حسن صحيح.

قوله صلى الله عليه وسلم: (اتق الله حيثما كنت): أي اتقه في الخلوة كما تتقيه في الجلوة بحضرة الناس، واتقه في سائر الأمكنة والأزمنة. مما يعين على التقوى استحضارُ أن الله تعالى مطلعٌ على العبد في سائر أحواله، قال الله تعالى: {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ

صفحة 59

ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} الآية. والتقوى كلمةٌ جامعةٌ لفعل الواجبات وترك المنهيات.

قوله صلى الله عليه وسلم: (وأتبع السيئة الحسنة تمحها)، أي إذا فعلتَ سيئةً فاستغفر الله تعالى منها، وافعل بعدها حسنة تمحها. اعلم أن ظاهر هذا الحديث يدل على أن الحسنة لا تمحو إلا سيئة واحدة، وإن كانت الحسنة بعشر، وأن التضعيف لا يمحو السيئة، وليس هذا على ظاهره، بل الحسنة الواحدة تمحو عشر سيئات، وقد ورد في الحديث ما يشهد لذلك وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (تُكَبِّرُوْنَ دبرَ كل الصلاة عشراً وتحمدون عشراً وَتُسَبِّحُوْنَ عشراً فذلك مائة وخمسون باللسان وألف وخمسائة في الميزان)، ثم قال صلى الله عليه وسلم: (أيكم يفعل في اليوم الواحد ألفاً وخمسمائة سيئة)، دل على أن التضعيف يمحو السيئات. وظاهر الحديث أن الحسنة تمحو السيئة مطلقاً وهو محمول على السيئة المتعلقة بحق الله تعالى، أما السيئة المتعلقة بحق العباد من الغضب والغيبة والنميمة فلا يمحوها إلا الاستحلال من العباد، ولا بد أن يعين له جهة الظلامة، فيقول: قلت عليك كيت وكيت.

وفي الحديث دليل على أن محاسبة النفس واجبة، قال صلى الله عليه وسلم: (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا)، وقال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ}.

قوله صلى الله عليه وسلم: (وخالق الناس بخلق حسن): اعلم أن الخُلُقَ

صفحة 60

الحسن كلمة جامعة للإحسان إلى الناس، وإلى كف الأذى عنهم، قال صلى الله عليه وسلم: (إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوها ببسط الوجه وحسن الخلق)، وعنه صلى الله عليه وسلم: (خيركم أحسنكم أخلاقاً)، وعنه صلى الله عليه وسلم: (أن رجلاً أتاه فقال: يا رسول الله، ما أفضل الأعمال؟ قال: حسن الخلق)، وهو على ما مر أن لا تغضب. ويقال: اشتكى نبيٌّ إلى ربه سوء خلق امرأته، فأوحى الله إليه: قد جعلت ذلك حظك من الأذى. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أكملُ المؤمنين إيماناً أحسنُهم أخلاقاً، وخيارهم خيارهم لنسائهم). وعنه صلى الله عليه وسلم: (إن الله اختار لكم الإسلام ديناً فأكرموه بحسن الخلق والسخاء، فإنه لا يكمل إلا بهما). وقال جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم حين نزل قوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ} الآية، قال في تفسير ذلك: (أن تعفوَ عن من ظلمك، وتصلَ مَنْ قطعك، وتعطيَ من حرمك). وقال الله تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} الآية. وقيل في تفسير قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}، قال: كان خلقه القرآن، يأتمر بأمره، وينزجر بزواجره، ويرضى لرضاه، ويسخط لسخطه صلى الله عليه وسلم.

شرح متن الأربعين النووية
الحديث الثامن عشر
 
Top