الحديث الثالث والثلاثون

صفحة 88

الحديث الثالث والثلاثون

عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم

صفحة 89

قال: (لو يُعطى الناسُ بدعواهم لَادَّعَى رجالٌ أموالَ قوم ودماءَهم، لكنِ البينةُ على المُدَّعِيْ واليمينُ على من أنكر). حديث حسن رواه البيهقي وغيره هكذا، وبعضه في الصحيحين.

قوله صلى الله عليه وسلم: (البينة على المدعي واليمين على من أنكر): إنما كانت البينة على المدعي لأنه يدعي خلاف الظاهر، والأصل براءة الذمة، وإنما كانت اليمين في جانب المدعى عليه لأنه يدعي ما وافق الأصل وهو براءة الذمة.

ويُستثنى مسائل، فيُقبل المدعي بلا بينة فيما لا يُعلم إلا من جهته كدعوى الأب حاجة إلى الإعفاف، ودعوى السفيه التوقان إلى النكاح مع القرينة، ودعوى الخنثى الأنوثة والذكورة، ودعوى الطفل البلوغ بالاحتلام، ودعوى القريب عدمَ المال ليأخذ النفقة، ودعوى المَدين الإعسارَ في دَيْنٍ لزمه بلا مقابل، كصداق الزوجة والضمان وقيمة المتلف، ودعوى المرأة انقضاءَ العدة بالإقرار أو بوضع الحمل، ودعواها أنها استحلت وطلقت، ودعوى المودع تَلَفَ الوديعة أو ضياعها بسرقة ونحوها. ويستثنى أيضاً: القسامة

صفحة 90

فإن الأيمان تكون في جانب المدعي مع اللوث، واللِعان فإن الزوج يقذف ويلاعن ويسقط عنه الحدود، ودعوى الوطء في مدة اللعنة، فإن المرأة اذا أنكرته يصدق الزوج بدعواه إلا أن تكون الزوجة بكراً، وكذا لو ادعى أنه وطىء في مدة الإيلاء، وتارك الصلاة إذا قال: صليت في البيت، ومانع الزكاة إذا قال: أخرجتها، إلا أن ينكر الفقراء وهم محصورون فعليه البينة، وكذا لو ادعى الفقر وطلب الزكاة أعطي ولا يحلف، بخلاف ما إذا ادعى العيال فإنه يحتاج إلى البينة، ولو أكل في يوم الثلاثين من رمضان وادعى أنه رأى الهلال لم يُقبل منه إن ادعى ذلك بعد الأكل، فإنه ينفي عن نفسه التعزير، وإذا ادعى ذلك قبل الأكل قُبل ولم يُعَزَّرْ، وينبغي أن يأكل سراً لأن شهادته وحده لا تقبل.

قوله صلى الله عليه وسلم: (واليمين على من أنكر)، هذه اليمين تسمى يمين الصبر، وتسمى الغموس، وسميت يمين الصبر لأنها تحبس صاحب الحق عن حقه، والحبس: الصبر، ومنه قيل للقتيل والمحبوس عن الدفن: مصبر، قال صلى الله عليه وسلم: (من حلف على يمين صبر يقتطع به مال امرئ مسلم هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان)، وهذه اليمين لا تكون إلا على الماضي، ووقعت في القرآن العظيم في مواضع كثيرة: منها قوله تعالى: {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا}، ومنها قوله تعالى إخباراً عن

صفحة 91

الكفرة: {ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ}، ومنها قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا} الآية، ويُستحب للحاكم أن يقرأ هذه الآية عن تحليفه للخصم لينزجر.

شرح متن الأربعين النووية
الحديث الثالث والثلاثون
 
Top