الحديث التاسع

صفحة 41

الحديث التاسع

عن أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما نهيتُكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتُكم به فأتوا منه ما استطعتم، فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرةُ مسائلهم واختلافُهم على أنبيائهم). رواه البخاري ومسلم.

قوله صلى الله عليه وسلم: (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه): أي اجتنبوه جملة واحدة، لا تفعلوه ولا شيئاً منه، وهذا محموله على نهي التحريم، فأما نهي الكراهة فيجوز فعله، وأصل النهي في اللغة: المنع.

قوله صلى الله عليه وسلم: (وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم): فيه مسائل: منها إذا وجد ماء للوضوء لا يكفيه فالأظهر وجوب استعماله ثم يتيمم للباقي. ومنها إذا وجد بعض الصاع في الفطرة فإنه يجب إخراجه. ومنها إذا وجد بعض ما يكفي لنفقة

صفحة 42

القريب أو الزوجة أو البهيمة فإنه يجب بذله، وهذا بخلاف ما إذا وجد بعض الرقبة فإنه لا يجب عتقه عن الكفارة، لأن الكفارة لها بدل وهو الصوم.

وقوله صلى الله عليه وسلم: (فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرةُ مسائلهم واختلافُهم على أنبيائهم): اعلم أن السؤال على أقسام:

القسم الأول: سؤال الجاهل عن فرائض الدين كالوضوء والصلاة والصوم، وعن أحكام المعاملة ونحو ذلك، وهذا السؤال واجب، وعليه حُمِلَ قولُه صلى الله عليه وسلم: (طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة)، ولا يسع الإنسان السكوت عن ذلك، قال الله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: (إني أعطيت لساناً سؤولاً وقلباً عقولاً)، كذلك أخبر عن نفسه رضي الله تعالى عنه.

والقسم الثاني: السؤال عن التفقه في الدين لا للعمل وحده مثل القضاء والفتوى، وهذا فرض كفاية لقوله سبحانه وتعالى: {فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ} الآية، وقال صلى الله عليه وسلم: (ألا فليعلم الشاهدُ منكم الغائبَ).

القسم الثالث: أن يسأل عن شيء لم يوجبه الله عليه ولا على غيره، وعلى هذا حمل الحديث، لأنه قد يكون في السؤال ترتب مشقة بسبب تكليف يحصل، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: (وسكت عن أشياء رحمة لكم فلا تسألوا عنها). وعن علي رضي الله تعالى عنه لما نزلت

صفحة 43

{وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً}، قال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فأعرض عنه، حتى أعاد مرتين أو ثلاثاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وما يوشك أن أقول نعم، والله لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لما استطعتم فاتركوني ما تركتكم، فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن أمر فاجتنبوه)، فأنزل الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ}، أي لم آمركم بالعمل بها، وهذا النهي خاص بزمانه صلى الله عليه وسلم، أما بعد أن استقرت الشريعة، وأمن من الزيادة فيها، زال النهي بزوال سببه، وكره جماعة من السلف السؤال عن معاني الآيات المشتبهة.

سئل مالك رحمه الله تعالى عن قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}، فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وأراك رجل سوء أخرجوه عني. وقال بعضهم: مذهب السلف أسلم، ومذهب الخلف أعلم: وهو السؤال.

شرح متن الأربعين النووية
الحديث التاسع
 
Top