الحديث الأربعون

صفحة 107

الحديث الأربعون

عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بِمَنْكِبِيْ فقال: (كن في الدنيا كأنك غريبٌ أو عابرُ سبيل). وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: إذا أمسيتَ فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحتَ فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك). رواه البخاري.

قوله صلى الله عليه وسلم: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)

صفحة 108

أي لا تركن إليها ولا تتخذها وطناً، ولا تحدِّث نفسَك بالبقاء فيها، ولا تتعلق منها إلا بما يتعلق الغريبُ به في غير وطنه الذي يريد الذهاب منه إلى أهله، وهذا معنى قول سلمان الفارسي رضي الله عنه: أمرني خليلي صلى الله عليه وسلم أن لا أتخذ من الدنيا إلا كمتاع الراكب. ومما قيل في الزهد في الدنيا:

أتبني بناءَ الخالدينَ وإنما … مقامُك فيها لو عقلتَ قليلُ

لقدْ كانَ فِيْ ظِلِّ الأراكِ كفايةٌ … لِمَنْ كَانَ فيها يعتريهِ رحيلُ

ومما قيل في الزهد في الدنيا:

ترجو البقاءَ بِدَارٍ لا بقاءَ لها … وهل سمعتَ بِظِلٍّ غيرِ منتقلِ

وقال آخر:

سُجنتَ بها وأنتَ لها مُحِبٌّ … فكيفَ تحبُّ ما فيهِ سُجِنْتَا

فلا تلهو بِدَارٍ أنتَ فيها … تفارقُ منكَ يوماً ما لَهَوْتَا

وتطعمُكَ الطعامَ وَعَنْ قريبٍ … سَتَطْعَمُ منكَ ما منها طَعِمْتَا

وفي الحديث دليل على قصرِ الأمل، وتقديمِ التوبة، والاستعدادِ للموت، فإن أمل فليقل: إن شاء الله تعالى، قال الله تعالى: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا . إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ}.

وقوله: (وخذ من صحتك)، أمره صلى الله عليه وسلم أن يغتنم أوقات الصحة بالعمل الصالح فيها، فإنه يعجز عن الصيام والقيام

صفحة 109

ونحوهما لعلة تحصل من المرض والكبر.

وقوله صلى الله عليه وسلم: (ومن حياتك لموتك)، أمره صلى الله عليه وسلم بتقديم الزاد، وهذا كقوله تعالى: {وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ}، ولا يفرط فيها حتى يدركه الموت فيقول: {رَبِّ ارْجِعُونِ . لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ}، وقال الغزالي رحمه الله تعالى: ابن آدم بدنُه معه كالشبكة يكتسب بها الأعمال الصالحة، فإذا اكتسب خيراً ثم مات كفاه ولم يحتج بعد ذلك إلى الشبكة، وهو البدن الذي فارقه بالموت، ولا شك أن الإنسان إذا مات انقطعت شهوته من الدنيا، واشتهت نفسه العمل الصالح لأنه زاد القبر، فإن كان معه استغنى به، وإن لم يكن معه طلب الرجوع منها إلى الدنيا ليأخذ منها الزاد، وذلك بعد ما أُخذت منه الشبكة، فيقال له: هيهات قد فات! فيبقى متحيراً دائماً نادماً على تفريطه في أخذ الزاد قبل انتزاع الشبكة، فلهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وخذ من حياتك لموتك)، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

شرح متن الأربعين النووية
الحديث الأربعون
 
Top