القول في خلق أفعال العباد والكسب والرد على المخالفين

صفحة 143

القول في خلق أفعال العباد والكسب والرد على المخالفين

قوله: (وكل يعمل لما قد فرغ منه، وصائر إلى ما خلق له، والخير والشر مقدران على العباد، قال تعالى: {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ} (الإسراء 84).).

وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة[1] و((كل ميسر لما خلق له))[2].

وقد مر أن الخير والشر بإرادة الله ومشيئته وقضاءه وقدره، فهما مقدران على العباد، قال الله تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} (الإنسان: 30).

وإليه إشارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال: ((القدر خيره وشره من الله))[3]، وحديث جبريل مشهور، وقد مر أيضاً، فلا حاجة إلى الإعادة.

قوله: (والاستطاعة التي يجب[4] بها الفعل من نحو التوفيق الذي لا يجوز أن يوصف به المخلوق [تكون] مع الفعل[5]، والاستطاعة من جهة الصحة والتوسع
صفحة 144

والتمكن وصحة الآلات فهي قبل الفعل[6] وهو كما قال: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} (البقرة: 286).).

اعلم أن الاستطاعة على قسمين: باطنة وظاهرة.

أما الباطنة: فهي التي يوجد بها الفعل، يحدثها الله مقرونة بالفعل، ففي الطاعات تسمى: ((توفيقاً))، وفي المعاصي تسمى ((خذلاناً))، لا يوصف به المخلوق؛ لأنه من الله.

فهذه الاستطاعة مع الفعل كحركة الإصبع مع حركة الخاتم، ليكون العبد دائما مفتقراً إلى توفيق الله ومشيئته وتأييده {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} (الإنسان: 30)، لا استقلال للعبد في إيجاد الفعل، وهو في كل لمحة ولحظة محتاج إلى الله، وهي حقيقة العبودية والافتقار، قال تعالى: {أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ} (فاطر 15).

وفيه رد لقول المعتزلة حيث قالوا: ((إن هذه القدرة سابقة على الفعل مقدورة للعبد)).

وأما الاستطاعة الظاهرة فهي: القدرة من جهة الوسع والتمكن وصحة الآلات والجوارح وسلامة الأعضاء، وهي متقدمة على الفعل، ومدار التكليف على هذه، والخطاب بالتكاليف منوط بها؛ إذ الأُولى باطنة لا يقف العبد عليها، فمن كان قادراً على العبادات من الصلاة والصوم والحج يجب عليه بناءً على القدرة الظاهرة، وإن لم يوجد فيه شيء منها بناء على عدم إحداث الله الاستطاعة التي يوجد بها الفعل.

وفي قوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} (البقرة: 286) دليل على أن التكليف لا يكون إلا على مافي الوسع، بناء على الاستطاعة الظاهرة.

صفحة 145

وفيه رد لقول الأشاعرة حيث جوزوا التكليف بما لا يطيق.

قوله: (وأفعال العباد بخلق الله تعالى وكسب من العباد[7]).

وفيه رد لقول المعتزلة والجبرية؛ فإن المعتزلة قالوا: ((أفعال العباد بخلقهم لا بخلق الله))، والجبرية قالوا: ((أفعالهم بخلق الله لا كسب للعباد فيه ولا اختيار)).

والمذهبان على طرفي نقيض في الغلو والتقصير، والطريق المستقيم والمنهج القويم ما قاله أهل السنة، وهو: ((أن الأفعال بخلق الله وكسب العباد)).

أما الدليل على أن الأفعال بخلق الله فقوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} (الصافات: 96)؛ ولأن جميع الممكنات واقعة بخلقه، وفعل العبد من جملة الممكنات.

وأما الدليل على أنه بكسبهم فقوله تعالى: {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ} (الحج: 10).

وقوله تعالى ذلك بما كسبت يداك {وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ} (النساء: 111) {وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا} (النساء: 112).

صفحة 146

وقوله: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} البقرة: 225)، ففيما قال الفريقان ترك بأحد الدليلين، وفيما قلنا جمع بينهما فكان أولى.

قوله: (ولم يكلفهم الله إلا ما يطيقون[8]، ولا يطيقون إلا ما كلفهم).

قال الله تعاللى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} (البقرة 286)، ولا يطيقون إلا ما كلفهم، ذلك تفسير قوله: ((لا حول ولا قوة إلا بالله))، فإنه لا حيلة لأحد ولا

صفحة 147
حركة عن المعصية إلا بعصمة الله، ولا قوة لمخلوق على إقامة الطاعة والثبات عليها إلا بتوفيق الله، وكل شيء يجري بمشيئة الله وعلمه وقدره وقضاءه، فغلبت مشيئته المشيئات كلها، وغلب قضاؤه الحيل كلها، وقد مر التحقيق في ذلك.

  1. [1] رواه أحمد في ((مسنده)) (2666)، ونحوه أحاديث وردت في هذا المعنى: البخاري في ((صحيحه)) (4686)، والترمذي في ((السنن)) (2566)، وآخرون.
  2. [2] سبق تخريجه.
  3. [3] سبق تخريجه.
  4. [4] أي: يكون بها الفعل.
  5. [5] ((الاستطاعة عند الفعل هي صفة يخلقها الله تعالى عند قصد العبد اكتساب الفعل بعد سلامة الأسباب والآلات، فإن قصد العبد فعل الخير خلق الله فيه قدرة فعل الخير، وإن قصد فعل الشر خلق الله فيه قدرة فعل الشر، وكان هو المضيع لقدرة فعل الخير، فيستحق الذم والعقاب)). ميداني بتصرف.
  6. [6]  قال الميداني: ((والحاصل أن القدرة لها إطلاقان: فتطلق تارة ويراد بها حقيقة القدرة وهي مع الفعل، وتطلق أخرى ويراد بها الوسع والسلامة وهي قبل الفعل، وبها يتعلق الخطاب والتكليف)). اهـ بتصرف.
  7. [7] قال الميداني: ((والفرق بين الخلق والكسب: أن المقدور مخترع ومكتسب، فمن حيث كونه مخلوقاً يضاف إلى الله تعالى بجهة الاختراع، ومن حيث كونه كسباً يضاف إلى العبد، ولا استحالة في دخول مقدور واحد تحت قدرة قادرين بجهتين مختلفتين، إحداهما خلقاً وهي خارجة عن مقدور العبد، والأخرى كسباً للعبد بإقدار الله تعالى، قال السعد في ((شرح العقائد)): ((وتحقيقه: أن صرف العبد قدرته وإرادته إلى الفعل: كسب، وإيجادَ الله تعالى الفعل عقيب ذلك: خلق، والمقدور الواحد داخل تحت قدرتين، لكن بجهتين مختلفتين، فالفعل مقدور لله تعالى بجهة الإيجاد، ومقدور للعبد بجهة الكسب… فإن قصد فعل الخير خلق الله قدرة فعل الخير، وإن قصد فعل الشر خلق الله تعالى قدرة فعل الشر، فكان هو المضيع لقدرة فعل الخير، فيستحق الذم والعقاب، ولهذا ذم الكافرين بأنهم: {مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ} (هود: 20)، هذا وقالوا في الفرق بين الكسب والخلق: ((أن الكسب ما وقع بآلة، والخلقَ لا بآلة، والكسبَ لا يصح انفراد القادر به، والخلقَ يصح انفراده)).
  8. [8] لم يكلفهم الله مالا يطيقون، وهو يشمل ما كان ممتنعا بذاته وهو المحال عقلا، كجمع الضدين كالأحمر والأسود، وكجمع أو رفع المتناقضين في آن واحد كالحركة والسكون، كما يشمل ما كان ممكناً لكنه فوق وسعهم، كخلق الأجسام، أما الممتنع لغيره أي: ما امتنع لوقوع علم الله تعالى أنه لا يقع، أو ما أراد الله خلافه؛ كإيمان من علم الله تعالى أنه لا يؤمن، فلا نزاع في وقوع التكليف به، لكونه مقدوراً للمكلف بالنظر إلى نفسه، قال السعد في ((شرح العقائد)): ((...(ولا يكلف العبد بما ليس في وسعه، سواء كان ممتنعاً في نفسه كجمع الضدين)، أو ممكنا (في نفسه لكن لا يمكن للعبد) كخلق الجسم، وأما ما يمتنع بناء على أن الله تعالى علم خلافه، أو أراد خلافه، كإيمان الكافر، وطاعة العاصي، فلا نزاع في وقوع التكليف به؛ لكونه مقدوراً للمكلف بالنظر إلى نفسه، ثم عدم التكليف بما ليس في الوسع متفق عليه؛ لقوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}، والأمر في قوله تعالى: {أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ} (البقرة: 31) للتعجيز دون التكليف، وقوله تعالى حكاية عن حال المؤمنين: {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} (البقرة 286) ليس المراد بالتحميل هو التكليف، بل إيصال ما لا يطاق من العوارض إليهم)). اهـ، واعلم أن النزاع إنما هو في جواز وقوع التكليف بالمحال لذاته عقلاً، وليس النزاع في الوقوع فعلاً وشرعاً، فالأول منعته المعتزلة؛ بناء على القبح العقلي، وهو جائز عند الأشعري عقلاً؛ لأنه لا يقبح من الله شيء، والماتريدية على عدم جوازه عقلاً، قال الكمال في ((المسايرة)): ((لا أعلم أحدا منهم _يعني الحنفية_ جوز تكليف ما لا يطاق)) قال الشارح: ((فهم في ذلك مخالفون للأشعرية في تجويزهم إياه عقلاً، والمراد أنهم _أي الحنفية_ يمنعون التكليف بالممتنع لذاته، أما الممتنع لتعلق علم الله تعالى بعدم وقوعه كإيمان من علم الله تعالى أنه لا يؤمن، فإنه التكليف به جائز عقلاً، واقع وفاقاً، والثاني وهو الوقوع فعلاً: فمقطوع بعدمه، غير أنه _كما قال في ((المسايرة))_ عند الأشاعرة للوعد بخلافه، وعند الحنفية وغيرهم لذلك ولقبح خلافه.
القول في خلق أفعال العباد والكسب والرد على المخالفين
 
Top