السمعيات – المكتبة الإسلامية الحديثة

السمعيات

صفحة 133

السمعيات

صفحة 133

المسح على الخفين

قوله: (ونرى المسح على الخفين في السفر[1] والحضر كما جاء في الأثر).
 إنما ذكر هذا رداً على أهل الرفض فإنهم أنكروا جواز المسح على الخفين، وهذا وإن كان من أحكام الفقه لكنه لما اشتهرت فيه الآثار ألحقه بالعقائد دفعاً لإنكار المنكرين.

قال أبو الحسن الكرخي[2]: (إني لأخشى الكفر على من لا يرى المسح على الخفين).

  1. buy Lyrica tablets uk [1] أي: نراه جائزاً. قال السعد: (ونرى المسح على الخفين في السفر وفي الحضر)؛ لأنه وإن كان زيادة على الكتاب ولكنه ثابت بالخبر المشهور، قال الحسن البصري: ((أدركتُ سبعين نفراً من الصحابة رضي الله عنهم يرون المسح على الخفين)). اهـ، وعن الإمام أحمد: ((ليس في قلبي من المسح شيء؛ فيه أربعون حديثاً))، وقال الكَرخي: ((أخاف الكفر على من لا يرى المسح على الخفين؛ لأن الآثار جاءت في حيز التواتر))، وعن أبي حنيفة: ((ما قلت به حتى جاءني فيه مثل ضوء النهار))، ورُوي عنه أنه سئل عن مذهب أهل السنة والجماعة فقال: ((هو أن تفضل الشيخين، وأن تحب الختينين (أي سيدنا عثمان وسيدنا علي) وأن ترى المسح على الخفين)).
  2. go here [2] هو عبيد الله بن الحسين بن دلال بن دلهم، انتهت إليه رياسة أصحاب أبي حنيفة بعد أبي سعيد البردعي، وانتشرت أصحابُه، وعنه أخذ أبو بكر الرازي وأبو عبدالله الدامغاني وأبو علي الشاشي وأبو القاسم علي بن محمد التنوخي، كان كثير الصوم والصلاة، صبوراً على الفقر والحاجة، ولما أصابه الفالج آخر عمره كتب أصحابه إلى سيف الدولة الحمداني بما ينفق عليه، فعلم بذلك، فبكى وقال: (اللهم لا تجعل رزقي إلا من حيث عودتني، فمات قبل أن تصل إليه صلة سيف الدولة، وهي عشرة آلاف درهم، وكان يهجر من تولى القضاء من أصحابه، مولده: سنة ستين ومائتين، وتوفي ليلة النصف من شعبان سنة أربعين وثلاثمائة (الجواهر المضية في طبقات الحنفية/337.
صفحة 133

ذكر الحج والجهاد

قوله: (والحج والجهاد فرضان ماضيان).
صفحة 134

إنما خصهما بالذكر لأنهما عبادتان في غاية المشقة لا يحصلان إلا ببذل المال _المحبوب للنفس_ وخوف تلف النفس، وهجر الأهل والأوطان، ومفارقة الأحباب والإخوان، والنفوس متنفرة عن الشدائد النفسانية، خصوصاً إذا كان معها صرف المال المحبوب، فخصهما بالذكر تحريضاً عليهما وتأكيداً لهما؛ لكي لا يتركا.

وقد ذكر الله تعالى أنواعاً من التأكيد والتشديد في إيجاب الحج حيث قال: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} (آل عمران: 97)، يعني أنه حق واجب في الرقاب لا بد من أداءه، ثم قال: {وَمَنْ كَفَرَ} مكان: ومن لم يحج؛ تغليظاً على تارك الحج.

وكذا مثل هذا التغليظ جاء في الحديث، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: ((من ملك زاداً وراحة يبلغانه إلى بيت الله الحرام ولم يحج؛ فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً))، أخرجه الترمذي[1].

ثم قال تعالى: {فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} (آل عمران: 97)، ذكر الاستغناء عنه وذلك مما يدل على المقت والسخط والخذلان.

وقال تعالى: {غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} مكان: غني عنه؛ ليدل على الاستغناء عنه بالبرهان؛ فإنه إذا استغنى عن العالمين كان مستغنياً عنه لا محالة؛ فإنه داخل فيه؛ ولأنه يدل على الاستغناء الكامل، فكان أدل على كمال السخط على على تارك الحج.

وأما التأكيد على الجهاد فأكثر من أن يحصى، ومشقته على النفوس لا تخفى، فاحتاج إلى التأكيد فيه.

وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة حتى يقاتل

صفحة 135

آخر أمتي الدجال))[2].

وإنما جمعهما أيضاً؛ لما روت عائشة: (قلت: يا رسول الله ترى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد؟ قال: لكن أفضل الجاهد حج مبرور))[3] أخرجه البخاري.

قوله: (مع أولي الأمر من أئمة المسلمين، برهم وفاجرهم، إلى قيام الساعة، ولا يبطلهما شيء ولا ينقضهما).

وإنما قال: http://palsambleu.fr/?dimyrewsy=site-de-rencontres-hollandais&caf=23 (مع أولي الأمر)؛ لأن الحج والجهاد متعلقان بالسفر واجتماع العساكر والقوافل، ولا بد من ضابط يضبط أمور الناس عند اختلافهم ويقاوم العدو ويحسم مادة الشقاق[4]، فلو لم يكن لهم أمير يقع الخلل في أكثر الأمور، فيُحتاج إلى من يرجعون إليه في الأمور ويطيعونه، ويكون نافذ الأمر فيهم، وهو السلطان أو نوابه من الأمراء، سواء كان برا أو فاجراً؛ لأن العصمة ليست بشرط في الأمير، فإذا كان فيه نفع عام وانتظام مصلحة الرعية يصلح للإمام وإن كان فاجراً، فإن فجوره لا يضر إلا نفسه.

  1. miglior programma trading on line [1] أخرجه الترمذي (812) وقال غريب، والبيهقي في((شعب الإيمان)) (3978)، والبزار (861)، وابن جرير (4/16)، وابن عدي في ((الكامل)) (ترجمة رقم 2037 هلال أبو هاشم)، والعقيلي (ترجمة: 1955).
  2. follow [2] جزء من حديث أخرجه أبو داود في ((السنن)) (2532)، والبيهقي (18261)، وسعيد بن منصور (2367)، وأبو يعلي (4311)، والديلمي (2465) ونصه: ((ثلاث من أصل الإيمان: الكف عمن قال: (لا إله إلا الله)، ولا تكفره بذنب، ولا تخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل أخر أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل، والإيمان بالأقدار)).
  3. source link [3] رواه البخاري في ((صحيحه)) (1423) (2576)، والنسائي (2628)، وأبو يعلي الموصلي في ((مسنده)) (4595).
  4. http://syaden.net/?giniefr=black-femmes-dating&f19=f3 [4] في (أ): السراق.
صفحة 135

الإيمان بالملائكة الكتبة والحفظة

قوله: (ونؤمن بالكرام الكاتبين، فإن الله جعلهم علينا حافظين).

قال الله تعالى: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} (الانفطار: 10-12).

صفحة 136

وقد قال تعالى: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} (ق:18)، والحكمة في ذلك مع أن الله تعالى عالم بما يفعل العباد: ترغيبهم في الخيرات، وتحذيرهم عن ارتكاب السيئات، وجميع ما تكتبه الحفظة من خير وشر فإنهم يقرونه عليه يوم القيامة.

قال الله تعالى: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا} (آل عمران: 30)، فإذا علم العبد أن عليه رقيباً وشهيداً يحفظ عليه أفعاله كان أشد رغبة في فعل الخيرات واحترز عن المحظورات.

صفحة 136

الإيمان بملك الموت

قوله: (ونؤمن بملك الموت الموكل بقبض أرواح العالمين).

قال تعالى: {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ} (السجدة: 11).

صفحة 136

الإيمان بحساب القبر وسؤال منكر ونكير

قوله: (ونؤمن بعذاب القبر ونعيمه لمن كان لذلك أهلاً، وبسؤال منكر ونكير للميت[1] في قبره[2] عن ربه ودينه ونبيه، على ما جاءت به الأخبار عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وعن أصحابه رضي الله تعالى عنهم أجمعين، و((القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من
صفحة 137
حفر النار))[3])[4].

كل ما ورد به السمع ولا يأباه العقل يجب قبوله والإيمان به، فنؤمن بعذاب القبر لمن هو أهل له كالفجار وبنعيمه لمن كان أهلا للنعيم كالأبرار.

(ونؤمن بسؤال منكر ونكير).

لأنه قد وردت به الأخبار بنقل الأخيار.

منها أنه ((كان عثمان بن عفان إذا وقف على قبر يبكي حتى يبل لحيته، فقيل له: تذكر الجنة والنار ولا تبكي، وتبكي من هذا! قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن القبر أول منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه))[5] أخرجه الترمذي.

وعن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال له: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة))[6] أخرجه البخاري ومسلم.

ومصداقه قوله تعالى: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا} (غافر: 46).

وعن زيد بن ثابت قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حائط لبني النجار ونحن معه إذ

صفحة 138

حادت به بغلته فكادت تلقيه، وإذا بقبرِ ستة أو خمسة، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((من يعرف أصحاب هذه القبور؟ فقال رجل: أنا، فقال: متى ماتوا؟ قال: في الشرك، فقال: إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، ولولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم عذاب القبر الذي أسمع منه، ثم قال: نعوذ بالله من عذاب القبر))[7]أخرجه مسلم.

وأما في سؤال منكر ونكير؛ فقد روى أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((أن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه يسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان، فيقعدانه، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل يعني محمداً عليه الصلاة والسلام؟ فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبدالله ورسوله، فيقال: انظر إلى مقعدك من النار أبدلك الله به مقعداً من الجنة، فيراهما جميعا، ويفتح له من قبره باباً إليه، وأما الكافر والمنافق فيقول: لا أدري، كنت أقول كما يقول الناس فيه، فيقال: لا أُدريت، ثم يضربه بمطرقة من حديد ضربة، فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين))[8] أخرج البخاري ومسلم، والأصح أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يسألون في قبورهم.

  1. click here [1] ذكر الميداني أن السؤال يكون للميت مطلقاً، وقيل: يكون للكافر فقط، وقال السعد في ((شرح العقائد)): ((وسؤال منكر ونكير ثابت بالدلائل السمعية؛ لأنها أمور ممكنة أخبر بها الصادق على ما نطقت به النصوص، قال تعالى: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} (غافر: 46)... وبالجملة الأحاديث الواردة في هذا المعنى وفي كثير من أحوال الآخرة متواترة المعنى وإن لم يبلغ آحادها حد التواتر)). اهـ.
  2. get link [2] قوله في قبره جري على الغالب، وإلا فمن أكلته السباع وأحرقته النار ومن لم يدفن يأتيانه من حيث شاء الله تعالى، ويسألانه كما يعلم الله تعالى.
  3. mujeres solteras en miami [3] نص حديث أخرجه الترمذي (2460)، ولفظه: ((إنما القبر...)) الحديث.
  4. http://diebrueder.ch/piskodral/2466 [4] قال الميداني: ((اعلم أن أهل الحق اتفقوا على أن الل هتعالى يخلق في الميت نوع حياة في القبر قدر ما يتألم ويلتذ، لكن اختلفوا في أنه هل تعاد الروح إليه أم لا؟ والمنقول عن الإمام أبي حنيفة التوقف)).
  5. http://ekermuhendislik.net/?figarofit=apps-para-conocer-gente-de-otros-pa%D0%93%C2%ADses&b1c=0a [5] رواه الترمذي في ((السنن)) (2230)، وقال حسن غريب، وابن ماجه في ((السنن)) (4257)، وأحمد في ((مسنده)) (425)، وهناد في ((الزهد)) (344)، وعبدالله بن أحمد في (زوائده على المسند))، (454)، والحاكم (1337)، والبيهقي (6856)، والبزار (444) والخطيب (6/89).
  6. [6] رواه مالك في ((الموطأ)) (502)، والبخاري في ((صحيحه)) (1290)، ومسلم في ((صحيحه)) (5110).
  7. [7] رواه مسلم في ((صحيحه)) (5112)، والنسائي في ((السنن)) (2031)، وأبو داود في ((السنن)) (4753)، وأحمد في ((مسنده)) (11569)، و((تدافنوا)): أصلها: ((تتدافنوا))، والمعنى: لولا مخافة أن لا يدفن بعضكم بعضاً.
  8. [8] رواه البخاري في ((صحيحه)) (1252))، ومسلم في ((صحيحه)) (5115)، وأبو داود في ((السنن)) (4126).
صفحة 138

الإيمان بالبعث والجزاء والحساب

قوله: (ونؤمن بالبعث وجزاء الأعمال يوم القيامة، والعرض، والحساب، وقراءة الكتاب، والثواب، والعقاب، والصراط، والميزان).

المراد بالبعث: حشر الأجساد وإحياؤها يوم القيامة للجزاء في الآخرة بما فعل في

صفحة 39

الدنيا من خير أو شر.

وهو حق؛ لأنه ممكن في نفسه، وقد أخبر الصادق بوقوعه، فوجب الإيمان به.

أما أنه ممكنٌ؛ فلأن الابتداء لما كان ممكناً فالحشر الذي هو عبارة عن الإعادة أولى بالإمكان، والله تعالى قادر على جميع الممكنات، عالم بجميع الكليات والجزئيات، فيقدر على جمع أجزاءه بعد تفريقها وخلق الحياة فيه، وإليه الإشارة في قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} (الروم: 27)، وقوله: {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ} (يس:79-81).

أما أنه أخبر بوعده فقوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ} (يس:51)، {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ} (الزمر: 68).

والآيات والأخبار فيه أكثر من أن تحصى، وهو معلوم أنه من ضرورات الدين، فوجب الإيمان به.

وأما الجزاء فثابت بقوله تعالى: {إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} (الطور: 16)، وقوله: {جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (السجدة: 17)، والآيات فيه أيضاً أكثر من أن تحصى.

وأما العرض على الله تعالى فثابت بقوله تعالى: {وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ} (الكهف: 48) وقوله: {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ} (الحاقة: 18).

وأما الحساب فثابت بقوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ} (الأنبياء: 47).

صفحة 140
وأما قراءة الكتاب فثابت بقوله تعالى: {وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} (الإسراء: 13-14)، ويعطى كتاب المؤمن بيمينه، وكتاب الكافر بشماله أو من وراء ظهره، قال الله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (8) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (9) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (10) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (11) وَيَصْلَى سَعِيرًا} (الانشقاق: 7-12).

صفحة 140

الإيمان بالصراط والميزان

وأما الصراط فهو ((جسر ممدود على متن جهنم، أحد من السيف، وأرق من الشعر))، يمر عليه الخلائق، منهم كالبرق الخاطف، ومنهم كالريح، ومنهم كالجواد المسرع، ومنهم كالماشي، ومنهم كالنمل يدب، على قدر تفاوت درجاتهم وأعمالهم في الدنيا.

وثبتت حقيقته بقوله تعالى: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا} (مريم: 72).

وبما روي أن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ((ذكرت النار فبكيت، فقال عليه الصلاة والسلام: ما يبكيك؟ فقلت: ذكرت النار فبكيت، فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟ فقال: أما في ثلاثة مواطن فلا يذكر أحد أحداً: عند الميزان حتى يعلم أيخف ميزانه أم يثقل، وعند تطاير الصحف حتى يعلم أين يقع كتابه في يمينه أم في شماله أم وراء ظهره، وعند الصراط إذا ضرب بين ظهراني جهنم هل يجوزه))[1] أخرجه أبو داود.

وأما الميزان[2] فهو عبارة عما يعرف به مقادير الأعمال، فتوزن أعمالهم خيراً كانت أو شراً ونتوقف في كيفيته.

صفحة 141
والأصل فيه قوله تعالى: {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (الأعراف: 8)، {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} (الأنبياء: 47)، {فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ} (القارعة: 6-7) الآية.

  1. [1] رواه أبو داود في ((السنن)) (4128)، ونحوه أحمد في ((مسنده)) (23649).
  2. [2] قال السعد في ((شرح العقائد)): ((الميزان عبارة عما يعرف به كيفية مقادير الأعمال، والعقل قاصر عن إدراك كيفيته)). اهـ، وقال الميداني: ((هو ميزان حقيقي بكفتين ولسان…)) إلى أن قال: ((واعلم أن من الأخيار من لا يوزن له عمل، ولا ينشر له كتاب، كأهل البلاء، وكذلك من الأشرار، بل يُزف الأولون إلى الجنة من غير وزن ولا حساب، ويساق الآخرون إلى النار كذلك، بدليل قوله تعالى: {فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} (الكهف: 105).))؛ كذا نقله الشيخ علوان، وكأن المصنف خص الوزن بأعمال المؤمنين للإشارة إلى ذلك.
صفحة 141

الإيمان بالجنة والنار وأنهما موجودتان الآن

قوله: (والجنة والنار مخلوقتان لا يفنيان أبداً ولا يبيدان)[1].

وكذا أهلوهما لقوله تعالى: {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} (النساء: 57)، قد صرَّح بخلود الفريقين، والأبدية تنافي الفناء والزوال.

وقد ورد في الخلود: ((أهل الجنة لا يموتون ولا يهرمون ولا تبلى ثيابهم ولا يفنى شبابهم))[2].

قوله: (وإن الله تعالى خلق الجنة والنار قبل الخلق).

قال الله تعالى: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (15)} (النجم: 13-15).

صفحة 142

وقال تعالى: {يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} (البقرة: 35).

وقال تعالى: {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} (آل عمران: 133).

وقال في النار: {وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} (آل عمران: 131).

وفيه رد لقول المعتزلة القائلين بأنهما ليسا بمخلوقين الآن وإنما يخلقان بعد القيامة.

قوله: (وخلق لهما أهلاً، فمن شاء منهم للجنة فضلاً منه، ومن يشاء للنار عدلاً منه).

لما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ((توفي صبي فقلت: طوبى له عصفور من عصافير الجنة، فقال صلى الله عليه وسلم: أولا تدرين أن الله خلق الجنة وخلق النار، فخلق لهذه أهلاً وهذه أهلاً وقال: هؤلاء للجنة ولا أبالي، وهؤلاء للنار ولا أبالي))[3]. ثم دخول الجنة الجنة بفضل الله لا بالعمل[4].

قال الله تعالى: {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ} (الحديد:21).

وقال النبي عليه الصلاة والسلام: ((لا يدخل أحد الجنة إلا برحمة الله، قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته))[5].

صفحة 143
وفيه رد لقول المعتزلة القائلين بالوجوب على الله، ودخول النار بعدله؛ لأنه كلفهم بالإيمان عن اختيار وأخبرهم بالعذاب بترك الإيمان والأوامر وارتكاب المناهي، ومنَّ بالإنذار، فقد لا يعذر، فكان التعذيب عدلاً منه وحكمة.

  1. [1] وقد خالف الجهمية في ذلك فذهبوا إلى أنهما تفنيان ويفنى أهلهما، وهو قول باطل مخالف للكتاب والسنة والإجماع، وليس عليه شبهة دليل كما قال السعد.
  2. [2] رواه بلفظه الرامهرمزي ((الأمثال)) (109)، وبنحوه أبو نعيم في ((صفة الجنة)) (86). وأحمد (9742)، وهناد في ((الزهد)) (130)، والترمذي (2526) والدارمي (429/2، رقم2821).
  3. [3] رواه مسلم في ((صحيحه)) (4812) والنسائي في ((السنن)) (1921) وابن ماجه في ((السنن)) (79) وأحمد في ((مسنده)) (23002).
  4. [4] قال صاحب الجوهرة:

    فإن يثبنا فبمحض الفضلِ… وإن يعذب فبمحض العدلِ

  5. [5] سبق تخريجه.
صفحة 143

القول في خلق أفعال العباد والكسب والرد على المخالفين

قوله: (وكل يعمل لما قد فرغ منه، وصائر إلى ما خلق له، والخير والشر مقدران على العباد، قال تعالى: {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ} (الإسراء 84).).

وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة[1] و((كل ميسر لما خلق له))[2].

وقد مر أن الخير والشر بإرادة الله ومشيئته وقضاءه وقدره، فهما مقدران على العباد، قال الله تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} (الإنسان: 30).

وإليه إشارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال: ((القدر خيره وشره من الله))[3]، وحديث جبريل مشهور، وقد مر أيضاً، فلا حاجة إلى الإعادة.

قوله: (والاستطاعة التي يجب[4] بها الفعل من نحو التوفيق الذي لا يجوز أن يوصف به المخلوق [تكون] مع الفعل[5]، والاستطاعة من جهة الصحة والتوسع
صفحة 144

والتمكن وصحة الآلات فهي قبل الفعل[6] وهو كما قال: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} (البقرة: 286).).

اعلم أن الاستطاعة على قسمين: باطنة وظاهرة.

أما الباطنة: فهي التي يوجد بها الفعل، يحدثها الله مقرونة بالفعل، ففي الطاعات تسمى: ((توفيقاً))، وفي المعاصي تسمى ((خذلاناً))، لا يوصف به المخلوق؛ لأنه من الله.

فهذه الاستطاعة مع الفعل كحركة الإصبع مع حركة الخاتم، ليكون العبد دائما مفتقراً إلى توفيق الله ومشيئته وتأييده {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} (الإنسان: 30)، لا استقلال للعبد في إيجاد الفعل، وهو في كل لمحة ولحظة محتاج إلى الله، وهي حقيقة العبودية والافتقار، قال تعالى: {أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ} (فاطر 15).

وفيه رد لقول المعتزلة حيث قالوا: ((إن هذه القدرة سابقة على الفعل مقدورة للعبد)).

وأما الاستطاعة الظاهرة فهي: القدرة من جهة الوسع والتمكن وصحة الآلات والجوارح وسلامة الأعضاء، وهي متقدمة على الفعل، ومدار التكليف على هذه، والخطاب بالتكاليف منوط بها؛ إذ الأُولى باطنة لا يقف العبد عليها، فمن كان قادراً على العبادات من الصلاة والصوم والحج يجب عليه بناءً على القدرة الظاهرة، وإن لم يوجد فيه شيء منها بناء على عدم إحداث الله الاستطاعة التي يوجد بها الفعل.

وفي قوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} (البقرة: 286) دليل على أن التكليف لا يكون إلا على مافي الوسع، بناء على الاستطاعة الظاهرة.

صفحة 145

وفيه رد لقول الأشاعرة حيث جوزوا التكليف بما لا يطيق.

قوله: (وأفعال العباد بخلق الله تعالى وكسب من العباد[7]).

وفيه رد لقول المعتزلة والجبرية؛ فإن المعتزلة قالوا: ((أفعال العباد بخلقهم لا بخلق الله))، والجبرية قالوا: ((أفعالهم بخلق الله لا كسب للعباد فيه ولا اختيار)).

والمذهبان على طرفي نقيض في الغلو والتقصير، والطريق المستقيم والمنهج القويم ما قاله أهل السنة، وهو: ((أن الأفعال بخلق الله وكسب العباد)).

أما الدليل على أن الأفعال بخلق الله فقوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} (الصافات: 96)؛ ولأن جميع الممكنات واقعة بخلقه، وفعل العبد من جملة الممكنات.

وأما الدليل على أنه بكسبهم فقوله تعالى: {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ} (الحج: 10).

وقوله تعالى ذلك بما كسبت يداك {وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ} (النساء: 111) {وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا} (النساء: 112).

صفحة 146

وقوله: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} البقرة: 225)، ففيما قال الفريقان ترك بأحد الدليلين، وفيما قلنا جمع بينهما فكان أولى.

قوله: (ولم يكلفهم الله إلا ما يطيقون[8]، ولا يطيقون إلا ما كلفهم).

قال الله تعاللى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} (البقرة 286)، ولا يطيقون إلا ما كلفهم، ذلك تفسير قوله: ((لا حول ولا قوة إلا بالله))، فإنه لا حيلة لأحد ولا

صفحة 147
حركة عن المعصية إلا بعصمة الله، ولا قوة لمخلوق على إقامة الطاعة والثبات عليها إلا بتوفيق الله، وكل شيء يجري بمشيئة الله وعلمه وقدره وقضاءه، فغلبت مشيئته المشيئات كلها، وغلب قضاؤه الحيل كلها، وقد مر التحقيق في ذلك.

  1. [1] رواه أحمد في ((مسنده)) (2666)، ونحوه أحاديث وردت في هذا المعنى: البخاري في ((صحيحه)) (4686)، والترمذي في ((السنن)) (2566)، وآخرون.
  2. [2] سبق تخريجه.
  3. [3] سبق تخريجه.
  4. [4] أي: يكون بها الفعل.
  5. [5] ((الاستطاعة عند الفعل هي صفة يخلقها الله تعالى عند قصد العبد اكتساب الفعل بعد سلامة الأسباب والآلات، فإن قصد العبد فعل الخير خلق الله فيه قدرة فعل الخير، وإن قصد فعل الشر خلق الله فيه قدرة فعل الشر، وكان هو المضيع لقدرة فعل الخير، فيستحق الذم والعقاب)). ميداني بتصرف.
  6. [6]  قال الميداني: ((والحاصل أن القدرة لها إطلاقان: فتطلق تارة ويراد بها حقيقة القدرة وهي مع الفعل، وتطلق أخرى ويراد بها الوسع والسلامة وهي قبل الفعل، وبها يتعلق الخطاب والتكليف)). اهـ بتصرف.
  7. [7] قال الميداني: ((والفرق بين الخلق والكسب: أن المقدور مخترع ومكتسب، فمن حيث كونه مخلوقاً يضاف إلى الله تعالى بجهة الاختراع، ومن حيث كونه كسباً يضاف إلى العبد، ولا استحالة في دخول مقدور واحد تحت قدرة قادرين بجهتين مختلفتين، إحداهما خلقاً وهي خارجة عن مقدور العبد، والأخرى كسباً للعبد بإقدار الله تعالى، قال السعد في ((شرح العقائد)): ((وتحقيقه: أن صرف العبد قدرته وإرادته إلى الفعل: كسب، وإيجادَ الله تعالى الفعل عقيب ذلك: خلق، والمقدور الواحد داخل تحت قدرتين، لكن بجهتين مختلفتين، فالفعل مقدور لله تعالى بجهة الإيجاد، ومقدور للعبد بجهة الكسب… فإن قصد فعل الخير خلق الله قدرة فعل الخير، وإن قصد فعل الشر خلق الله تعالى قدرة فعل الشر، فكان هو المضيع لقدرة فعل الخير، فيستحق الذم والعقاب، ولهذا ذم الكافرين بأنهم: {مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ} (هود: 20)، هذا وقالوا في الفرق بين الكسب والخلق: ((أن الكسب ما وقع بآلة، والخلقَ لا بآلة، والكسبَ لا يصح انفراد القادر به، والخلقَ يصح انفراده)).
  8. [8] لم يكلفهم الله مالا يطيقون، وهو يشمل ما كان ممتنعا بذاته وهو المحال عقلا، كجمع الضدين كالأحمر والأسود، وكجمع أو رفع المتناقضين في آن واحد كالحركة والسكون، كما يشمل ما كان ممكناً لكنه فوق وسعهم، كخلق الأجسام، أما الممتنع لغيره أي: ما امتنع لوقوع علم الله تعالى أنه لا يقع، أو ما أراد الله خلافه؛ كإيمان من علم الله تعالى أنه لا يؤمن، فلا نزاع في وقوع التكليف به، لكونه مقدوراً للمكلف بالنظر إلى نفسه، قال السعد في ((شرح العقائد)): ((...(ولا يكلف العبد بما ليس في وسعه، سواء كان ممتنعاً في نفسه كجمع الضدين)، أو ممكنا (في نفسه لكن لا يمكن للعبد) كخلق الجسم، وأما ما يمتنع بناء على أن الله تعالى علم خلافه، أو أراد خلافه، كإيمان الكافر، وطاعة العاصي، فلا نزاع في وقوع التكليف به؛ لكونه مقدوراً للمكلف بالنظر إلى نفسه، ثم عدم التكليف بما ليس في الوسع متفق عليه؛ لقوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}، والأمر في قوله تعالى: {أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ} (البقرة: 31) للتعجيز دون التكليف، وقوله تعالى حكاية عن حال المؤمنين: {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} (البقرة 286) ليس المراد بالتحميل هو التكليف، بل إيصال ما لا يطاق من العوارض إليهم)). اهـ، واعلم أن النزاع إنما هو في جواز وقوع التكليف بالمحال لذاته عقلاً، وليس النزاع في الوقوع فعلاً وشرعاً، فالأول منعته المعتزلة؛ بناء على القبح العقلي، وهو جائز عند الأشعري عقلاً؛ لأنه لا يقبح من الله شيء، والماتريدية على عدم جوازه عقلاً، قال الكمال في ((المسايرة)): ((لا أعلم أحدا منهم _يعني الحنفية_ جوز تكليف ما لا يطاق)) قال الشارح: ((فهم في ذلك مخالفون للأشعرية في تجويزهم إياه عقلاً، والمراد أنهم _أي الحنفية_ يمنعون التكليف بالممتنع لذاته، أما الممتنع لتعلق علم الله تعالى بعدم وقوعه كإيمان من علم الله تعالى أنه لا يؤمن، فإنه التكليف به جائز عقلاً، واقع وفاقاً، والثاني وهو الوقوع فعلاً: فمقطوع بعدمه، غير أنه _كما قال في ((المسايرة))_ عند الأشاعرة للوعد بخلافه، وعند الحنفية وغيرهم لذلك ولقبح خلافه.
صفحة 147

نفع الأحياء للأموات بالصدقات وأنواع الطاعات

قوله: (وفي دعاء الأحياء وصدقاتهم منفعةٌ للأموات)[1].

أما في الدعاء فلقوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ} (الحشر:10) مدحهم بذلك، فلو لم يكن للدعاء والاستغفار نفع للأموات لما استحقوا المدح.

ولأن الصلاة واجبة على الميت، وليس فيها إلا الثناء والدعاء بــ((اللهم اغفر لحينا وميتنا))[2] فلولا أن الدعاء الدعاء نافع لما وجبت الصلاة على الميت لعدم الفائدة.

وأما في الصدقة فلقوله عليه الصلاة والسلام: ((تصدقوا على أمواتكم))[3] ولو لم تنفع الصدقة لما أمر بها.

صفحة 148
قوله: (والله يستجيب الدعوات)[4]

لأنه تعالى أمر بالدعاء ووعد بالاستجابة، قال تعالى: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} (غافر:60).

وقال تعالى: {أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} (البقرة:186).

(ويقضي الحاجات).

لأنه موصوف بكمال الرحمة وقادر على كل شيء، ولا تلحقه مشقة في قضائها، وفيه نفع للمحتاجين، فالظاهر أنه يقضيها، وهو قاضي الحاجات، ومجيب الدعوات، وإنما قال ذلك دفعا لما قاله بعض المعتزلة: ((إن الدعاء ليس له تأثير)).

قوله: (ويملك كل شيء).

قال الله تعالى: {لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} (البقرة:107).

صفحة 149
(ولا يملكه شيء).

لأن المالك لا يصير مملوكًا.

قوله: (لا غنى عنه طرفة عين).

لأن كل شيء سواه ممكن، والممكن في وجوده وبقائه محتاج إلى الواجب، فلا يكون غنيًا، فالافتقار والحاجة إليه لازمة لكل شيء.

قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} (فاطر:15)، فهو قيوم لكل شيء إذ قيام الأشياء بإقامته، فلولا عنايته بالأشياء لتلاشت واضمحلت جميعها.

قوله: (ومن استغنى عن الله طرفة عين فقد كفر).

لأن الافتقار إلى الله صفة لازمة للعبد، والغَنَاءُ[5] صفة الرب، فإذا كان ظن العبد أنه مستغنٍ عن الرب صار جاهلا بربه وبنفسه مشاركًا له في صفة الغَناء؛ فيكون كافرًا.

(وصار من أهل الحين).

أي من أهل الهلاك، فإن الكافر مخلد في العذاب الشديد، وأي هلاك أشد من هذا!

قوله:(والله يغضب ويرضى لا كأحد من الورى).

وذلك لأن الله تعالى وصف نفسه بالغضب والرضا حيث قال: {وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} (الفتح:6).

وقال: {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} (المائدة:119).

فثبت أنه يوصف بالرضا الغضب، لكن لا يراد بغضبه ورضاه مثل غضب الخلق ورضاهم؛ لأن الغضب في الخلق عبارة عن حالة يتغير بها الوجه فيحمر وتنتفخ

صفحة 150

به الأوداج، والرضا عبارة عن نضارة في الوجه وسرور في النفس، والله تعالى منزه عن تغير وتبدل الأحوال.

فنقول بأن المراد  من غضب الله هو: ((إرادة الانتقام من العصاة وإنزال العقوبة بهم وأن يفعل بهم كما يفعل الملك إذا غضب على من تحت يده))[6]، نعوذ بالله من غضبه.

والمراد من رضاء الله هو: ((إرادة الثواب على من أطاعه، والعفو عمن عصاه وأن يفعل بعبيده كما يفعل الملك على الذي تحت يده إذا رضي من الإكرام وزيادة الإنعام))، نسأل الله رضاه ورحمته.

  1. [1] خلافا للمعتزلة حيث تمسكوا في ذلك بأن القضاء لا يتبدل، وكل إنسان مرهون بما كسبت نفسه ومجزي بعمله لا بعمل غيره، ولنا ما ورد في الأحاديث الصحيحة من الدعاء للأموات خصوصاً في صلاة الجنازة، وقد توارثه السلف، فلو لم يكن فيه نفع لما كان له معنى.
  2. [2] رواه بلفظه أحمد(22607) قال الهيثمي:(33/3): ((رجاله رجال الصحيح))، والبيهقي (6763)، وبنحوه أخرجه ابن سعد(56/4) والطبراني في ((الكبير)) (3265). وفي ((الأوسط))(5913).
  3. [3] لم أجده بلفظه، ومعناه أتت به الأحاديث الصحاح منها: ما روى الإمام البخاري في الصحيح: (2756) ((أن سيدنا سعد بن عبادة رضي الله عنه توفيت أمه وهو غائب عنها، فقال: يا رسول الله أمي توفيت وأنا غائب عنها، أينفعها شيء إن تصدقت به عنها قال: ((نعم)). قال: فإني أشهدك أن حائطي المخراف صدقة عليها))، ومنها: مافي الحديث الصحيح: ((اقرءوا على أمواتكم يس)) رواه الإمام أحمد(20316)، وأبو داود(3121)، وابن ماجه (1448)، وابن حبان(3002)، وغيرهم. وقد وردت عدة أحاديث في الباب جمعها وخرَّجها وشرحها علامة الحجاز محمد بن علوي المالكي في كتاب ((هدايا الأحياء للأموات)) [ط.بدار جوامع الكلم بمصر].
  4. [4] مما يجب الإيمان به عند أهل السنة أن الدعاء لله تعالى ينفع مما تنزل ومما لم يتنزل، قال تعالى: {مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ} (الفرقان:77)، والله تعالى يستجيب الدعاء الوجه الذي يريد وفي الوقت الذي يريد، قال العارف بالله ابن عطاء الله السكندري: ((لا يكن تأخر أمد العطاء مع الإلحاح في الدعاء موجباً ليأسك، فهو ضمن لك الإجابة فيما يختاره لك لا فينلا تختاره لنفسك، وفي الوقت الذي يريد لا في الوقت الذي تريد))، قال السعد: ((واعلم أن العمدة في ذلك صدق النية وخلوص الطوية وحضور القلب؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب الدعاء من قلب غافل لاه)). قال ابن عطاء الله السكندري: ((ما الشأن وجود الطلب، إنما الشأن أن ترزق حسن الأدب))، وقال: ((لا تطالب ربك بتأخر مطلبك، ولكن طالب نفسك بتأخر أدبك))، وقال: ((لا تستبطئ منه النوال، ولكن استبطئ من نفسك وجود الإقبال)).
  5. [5] في المطبوع: الاستغناء، وقد غني عنه فهو غان. [انظر لسان العرب مادة غَنَيَ]
  6. [6] قال الميداني: الله تعالى يغضب ويرضى ويحب ويرحم، وكذلك كل صفة وصف بها نفسه، أو صح أن رسول الله صلى الله عليه وصلم بها وصفه، ولكن على المعنى الذي أراده، ولا يصح أن يتخيل أنها صفة كأحد الصفات من صفات الورى لأنه تعالى منفرد بصفاته كما ذاته، فكما أن ذاته لا تشبه الذوات، فصفاته لا تشبه الصفات.
صفحة 150

محبة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وإثبات خلافة الخلفاء الراشدين

قوله: (ونحب أصحاب رسول الله[1]، ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم وبغير الحق يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان).

أما محبتهم فلأن الله تعالى رضي عنهم ورضوا عنه، وأثنى عليهم في التوراة والإنجيل والفرقان حيث قال: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ} إلى قوله: {مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ} (الفتح:29).

وهم بذلوا مجهودهم في إظهار الدين وإعلاء كلمة الحق، وهاجروا من أوطانهم لمحبة الرسول وآووه ونصروه وقاتلوا بين يديه،فوجبت محبتهم.

صفحة 151

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فكأنما آذاني، ومن آذاني فكأنما آذى الله، ومن آذى الله كان النار له أولى))[2].

وأما أنه لا نفرط في حب أحد منهم، لأن الإفراط في الشيء يوجب الفساد والبغض في غيره، ألا ترى أن الرافضة أفرطوا في حب علي فوقعوا في بغض أبي بكر الصديق وعمر وعثمان، نعوذ بالله من ذلك، وادعوا في علي الإلهية والنبوة كما هو اعتقاد الغلاة من أهل الرفض[3].

وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام لعليّ: ((يهلك فيك اثنان مبغض مفرد، ومحب مفرط))[4]، وقد كان كما قال له عليه الصلاة والسلام، فإن الخوارج هلكوا بإفراط بغضه كهلاك الرافضة بإفراط محبته.

صفحة 152

وأما التبري منهم فزيغ وضلال، لأنهم على المنهج القويم والدين المستقيم، والاهتداء منوط باقتدائهم حيث قال عليه الصلاة والسلام: (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم))[5]، ففي التبري منهم عدم الاهتداء وهو الضلال.

قوله: (ونبغض من يبغضهم)[6].

لأن بغضهم إنما ينشأ عن بغض دينهم الذي ارتضاه الله حيث قال: {وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} (المائدة:3)، وذلك دليل خبث الاعتقاد ونتيجة النفاق والفساد، فيجب بغض من يبغضهم وبغير الحق يذكرهم.

ولا نخوض فيما شجر بينهم ونحمل حالهم على الاجتهاد، ولا نذكرهم إلا بخير؛ لأنهم أصول هذا الدين، فالطاعن فيهم طاعن في الدين.

(وحبهم دين وإيمان وإحسان وبغضهم كفر ونفاق وطغيان).

وهذا كله ظاهر من ضروريات الشرع.

قوله: (ونثبت الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر الصديق تفضيلاً له وتقديماً على جميع الأمة[7]، ثم لعمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان، ثم لعلي بن أبي طالب
صفحة 153
رضي الله عنهم أجمعين، وهم الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون)[8].

الإمام الحق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق، وخالف الشيعة جمهور المسلمين وزعموا أن الأمام الحق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم علي رضي الله عنه.

وحجة جمهور المسلمين: أنَّ الصحابة من المهاجرين والأنصار أجمعوا على إمامة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وهو أقوى الحجج في إثبات الإمامة وسند ذلك الإجماع.

أما قوله عليه الصلاة والسلام : ((مروا أبا بكر فليصلي بالناس))[9] استخلفه في حياته في الصلاة التي هي أعظم أركان الدين، فيبقى بعد موته في الصلاة وفي غير الصلاة بطريق أولى؛ ولهذا قال عمر رضي الله عنه: رضيك رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا، أفلا نرضاك لدنيانا؟!

أو لأنه أفضل الناس بعد الأنبياء لقوله عليه الصلاة والسلام: ((ما طلعلت شمس ولا غربت على أحد بعد النبيين أفضل من أبي بكر))[10].

وإذا ثبتت خلافة أبي بكر رضي الله عنه بالإجماع وقد أوصى بالخلافة لعمر رضي الله عنه واتفقت الصحابة على بيعته، ثبتت خلافة عمر رضي الله عنه بعده.

وإليه أشار [إليهم][11] النبي بقوله عليه الصلاة والسلام: ((اقتدوا بالذين من

صفحة 154

بعدي أبي بكر وعمر))[12].

ثم عمر رضي الله عنه لم يستخلف أحدًا عند وفاته وترك الأمر شورى بين ستة من الصحابة كلهم مشهود لهم بالجنة: ((عثمان وعلي وعبدالرحمن بن عوف وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص))، فبايع عبدالرحمن بن عوف عثمان بن عفان ورضي به الباقون من أهل الشورى وغيرهم من الصحابة، فثبتت خلافته بإجماع الصحابة.

ثم استُشهد عثمان ولم يستخلف أحدًا فاتفق من بقي من أهل الشورى وغيرهم على خلافة علي رضي الله عنه، فانعقدت خلافته بمبايعتهم.

وقد انتهت الخلافة بعد علي رضي الله عنه[13]، لقوله عليه الصلاة والسلام: ((الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تصير ملكًا وجبروتًا))[14].

والنبي صلى الله عليه وسلم عرف بالوحي -وهو معجزة باهرة- أن الخلافة تنتهي إلى ثلاثين سنة، وهكذا كانت، فإن مدة خلافة أبي بكر رضي الله عنه كانت سنتين، ومدة خلافة عمر رضي الله عنه كانت عشر سنين، ومدة خلافة عثمان رضي الله عنه كانت اثنتي عشرة سنة، ومدة خلافة علي

صفحة 155

رضي الله عنه ست سنين، والمجموع ثلاثون، وهم الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون الذين ساروا سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يعدلوا عن طريقته في شيئ.

وهم الذين أشار النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها))[15].

قوله: (وأن العشرة الذين سماهم رسول الله وبشرهم بالجنة نشهد لهم بالجنة على ما شهد لهم رسول الله، وقوله الحق، وهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبدالرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح، [وهو أمين][16] هذه الأمة، رضوان الله عليهم أجمعين).

معناه ظاهر.

قوله: (ومن أحسن القول في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه وذريته فقد برئ من النفاق).

وذلك لأن الصحابة قد أثنى عليهم سبحانه وتعالى في مواضع كثيرة منها قوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ} (التوبة:100).

وقوله: {يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ} (التحريم:8).

وقوله: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا} (الفتح:29).

فيجب تعظيمهم، فمن أحسن القول فيهم فقد برئ من النفاق.

صفحة 156

وكذلك أزواج النبي عليه الصلاة والسلام هن أمهات المؤمنين، ومعهن بركةُ صحبة خاتم النبيين.

وكذلك ذريته وعترته الطاهرة، قد أذهب الله عنهم الرجس فطهرهم تطهيرًا، فمحبتهم آية الإيمان، والبراءة منهم أمارة النفاق، وإساءة القول بهم إنما يكون لخبث الباطن وسوء الاعتقاد.

قوله: (وعلماء السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أهل الخبر[17] والأثر وأهل الفقه والنظر لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل).

لأن تعظيمهم من تعظيم الدين، لأنهم ورثة الأنبياء، ونقلة الشريعة، فوجب اتباعهم والثناء عليهم وكف اللسان عن طعنهم، فمن ذكرهم بالسوء وطعن فيهم فهو طعن في الدين وعدل عن سنن المرسلين، وذلك علامة النفاق والشقاق.

  1. [1] الأصحاب جمع صاحب، وهو من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنا به ومات على الإسلام.
  2. [2] أخرجه الإمام البخاري في ((التاريخ الكبير)) (131/5)، وأحمد (16849)، والترمذي (3862)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (1511)، وابن حبان (رقم 7256)، وأبو نعيم في الحلية (287/8)، والدليمي (525)، كلهم بلفظ: ((ومن آذى الله يوشك أن يأخذه))، وفي رواية زيادة: ((ومن يأخذه الله يوشك أن لا يفلته))..
  3. [3] قال أبو القاسم الحكيم: الرافضو أقبح فعلا من اليهود والنصارى، إذ لو قيل ليهودي: من أفضل الناس بعد موسى؟ قال: ((نقباؤه))، ولو قيل لنصراني: من أفضل الناس بعد عيسى؟ قال: ((حواريوه))، ولو قيل لرافضي: من أشر الناس؟ قال: ((أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم))، فقبحهم الله تعالى، ويكفي في الدر عليهم قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} (الأحزاب:57).
  4. [4] رواه الإمام أحمد في ((فضائل الصحابة)) (951)، والشاشي في ((مسنده)) (1455)، وابن الأعرابي في معجمه (1380)، وفي ((المسند)) للإمام أحمد (1305)، و((السنة)) لابن أبي عاصم (476/2، رقم 984)، و((اللطيف لشرح مذاهب أهل السنة)) لابن شاهين (170/1) موقوفاً بلفظ: ((عن علي رضي الله عنه قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: ((فيك مثل من عيسى أبغضته اليهود حتى بهتوا أمه، وأحبته النصارى حتى أنزلوه بالمنزلة التي ليس به))، ثم قال: ((يهلك فيَّ رجلان محب مفرط يقرظني بما ليس في ومبغض يحمله شنآني على أن يبهتني)..
  5. [5] سبق تخريجه.
  6. [6] قال الميداني: (ونبغض من يبغضهم) أو واحداً منهم، ونسكت عن ذكر ما وقع بينهم، فإنه الذي أدى إليه اجتهادهم. قال ابن دقيق العيد في عقيدته: ((وما نقل فيما بينهم واختلفوا فيه فمنه باطل وكذب فلا يلتفت إليه، وما كان صحيحاً أولناه تأويلاً حسناً؛ لأن الثناء عليهم من الله سابق، وما نقل من الكلام اللاحق محتمل للتأويل، والمشكوك والموهوم لا يبطل المحقق والمعلوم)).
  7. [7] قال السعد في ((شرح العقائد)): ((على هذا وجدنا السلف، والظاهر أنه لو لم يكن لهم دليل على ذلك، لما حكموا بذلك، وأما نحن فقد وجدنا دلائل الجانبين متعارضة، ولم نجد هذه المسألة مما يتعلق بها شيء من الأعمال، أو يكون بها التوقف فيه مخلاًّ بشيء من الواجبات فيها)). أهـ
  8. [8] قال صاحب الجوهرة: وخيرهم من وُلِّي الخلافة... وأمرهم في الفضل كالخلافة
  9. [9] رواه مالك في ((الموطأ)) (734) والبخاري في ((صحيحه)) (634) ومسلم في ((صحيحه)) (633).
  10. [10] رواه أحمد في ((فضائل الصحابة)) (135)، وأبو نعيم في الحلية (235/3) والخطيب (438/12)، والدليمي(8401)، والطبراني في ((الأوسط)) (7517) بلفظ: ((يا أبا الدرداء، تمشي قدام رجل لم تطلع الشمس بعد النبيين على رجل أفضل منه))، ونحوه الترمذي في ((السنن)) (3597) بلفظ ((أبي بكر وعمر هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين لا تخبرهما يا علي)).
  11. [11] زيادة من عندنا اقتضاها السياق.
  12. [12] رواه الترمذي في ((السنن)) (3595) وأحمد في ((مسنده)) (22161) ونحوه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (ج20/7).
  13. [13] هذا إجمال في الكلام، وإلا فقد تولاها سيدنا الحسن بن علي رضي الله عنه ستة أشهر ثم تنازل عنها لسيدنا معاوية رضي الله عنه.
  14. [14] رواه الترمذي وحسنه(2226)، والنسائي في ((الكبرى)) (8155)، وأحمد (21969)، وابن حبان (6943)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (16283)، والطبراني(6443)، والطيالسي(1107)، ونعيم بن حماد في ((الفتن)) (249)، والبغوي في ((الجعديات)) (3323)، وابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) (113)، وأبي يعلى في ((مسنده)) (5408)، كلهم بلفظ: ((الخلافة بعدي في أمتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك))، وعند أبي داود(4646)، والحاكم (4438)، والطبراني (6444) بلفظ: ((خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم يؤتي الله الملك من يشاء)).
  15. [15] رواه ابو داود في ((السنن)) (3991) ونحوه الترمذي في ((السنن)) (2600) وابن ماجه في ((السنن)) (42).
  16. [16] في (أ) وهم أمناء.
  17. [17] في نسخة الخير.
صفحة 156

بيان أن النبوة أفضل من الولاية والإيمان بكرامات الأولياء

قوله: (ولا نفضل أحدًا من الأولياء[1] على أحد من الأنبياء، ونقول: ((نبي واحد أفضل من جميع الأولياء))، ونؤمن بما جاء من كراماتهم وصح عن الثقات من رواياتهم).

لا يبلغ ولي قط إلى درجات النبي؛ لأن الولي تابع للنبي، والتابع درجته دون درجة المتبوع؛ ولأن كل نبي ولي، وليس كل ولي نبيّا، ففي النبي اجتمعت النبوة

صفحة 157

والولاية فيكون أفضل من الولي[2].

وفيه رد لما يزعمه بعض جهلة الصوفية من ترجيح الولاية على النبوة[3].

ولأن النبي صلى اله عليه وآله وسلم قال: ((والله ما طلعت الشمس س ولا غربت على أحد بعد النبيين أفضل من أبي بكر))[4]، فهذا الحديث يقتضي أن أبا بكر الصديق أفضل من جميع الأولياء الذي ليسوا بأنبياء، فإذا كان الصديق أفضل من الأولياء فالأنبياء أولى.

ونؤمن بما جاء في كرامة[5] الأولياء؛ لأنه قد ورد في القرآن قصة عرش بلقيس، وقول ذلك الولي وهو آصف بن برخيا، وهو رجل من أصحاب سليمان عليه السلام لم

صفحة 158

يكن نبياً، على ما حكى الله تعالى بقوله: {قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي} (النمل: 40).

وقصة مريم وما ظهر لها من الخوارق من رزق الشتاء في الصيف، ورزق الصيف في الشتاء، وظهور النخلة في الصخر، وتساقط الرطب عليها من أعظم الكرامات لمريم على ما حكى الله بقوله: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا} (آل عمران: 37)، وبقوله: {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا} (مريم: 25).

والآثار والأخبار في كرامات الأخيار مستفيضة[6]، وكل كرامة ظهرت على يدي ولي فهي معجزة لنبي؛ لأنه إنما أكرم الله الولي بتلك الكرامات ببركة متابعة النبي، فكل ما يظهر في يده يكون دليلاً على صدق النبي، فلا تكون الكرامة قط قادحة في المعجزة بل هي مؤيدة لها دالة عليها، خلافاً لما زعمت المعتزلة من حيث ((إنه لا يبقى فيرق بين الولي والنبي لو جوزنا ظهور المعجزة في يد الولي)).

قلنا: المعجزة تقارن دعوى النبوة، ولو ادعى الولي النبوة لكفر من ساعته؛ ولأن الولي يجوز أن يعلم أنه ولي ويجوز أن لا يعلم، بخلاف النبي، ويجوز إظهار الكرامة للوي ترغيباً للمسترشد لا إعجاباً وفخراً[7].

  1. [1] الولي هو: ((العارف بالله بحسب الإمكان، المواظب على الطاعات، المجتنب للسيئات، المعرض عن الانهماك في الشهوات، المدبر عن الدنيا، المقبل على العقبى، المداوم على ذكر المولى))، وقيل إنه سمي ((ولياً))؛ لأنه تولى الله عزّ وجلّ، وقيل: لأن الله تعالى تولى أمره، وقيل: لأنه توالت طاعته لله عزّ وجلّ.
  2. [2] ولأن النبي معصوم مأمون العاقبة، والولي يجب أن يكون خائفاً من سوء الخاتمة.

    قال السعد: ((فما نقل عن بعض الكرامية من جواز كون الولي أفضل من النبي كفر وضلال، نعم قد يقع التردد في أن مرتبة النبوة أفضل أم مرتبة الولاية، بعد القطع بأن النبي متصف بالمرتبتين، وأنه أفضل من الولي الذي ليس بنبي)). اهـ.

  3. [3] ولا يقول بذلك أحد من أئمة الصوفية، وما ينسب إلى الشيخ محيي الدين بن عربي أو ابن الفارض في ذلك فهو محض افتراء عليهما.
  4. [4] سبق تخريجه.
  5. [5] الكرامة: ((أمر خارق للعادة، غير مقرون بالتحدي، يظهر على يد عبد ظاهر الصلاح، ملتزم بمتابعة نبي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، مصحوب بصحيح الاعتقاد والعمل الصالح)). ميداني عن اللقاني.

    فخرج بقولهم: ((غير مقرون بالتحدي)) معجزة النبي، وبكونها ((على يد عبد ظاهر الصلاح)) المعونة، وهي: ((الخارق للعادة الظاهر على أيدي عوام المؤمنين تخليصاً لهم من المحن والمكاره))، وبقولهم: ((صحيح الاعتقاد والعمل الصالح)) الاستدراج، وبـ((متابعة نبي)) عن الإهانة، وهي: ((الخوارق المكذبة لكذب الكذابين)) كبصق مسيلمة في بئر عذبة الماء ليزداد ماؤها حلاوة فإذا به ملح أجاج، اهـ ميداني، وقال السعد: ((الكرامة: أمر يظهر بخلاف العادة على يد مدعي النبوة عند تحدي المنكرين على وجه يعجز المنكرين عن الإتيان بمثله)). اهـ.

  6. [6] قال السعد في شرح العقائد: ((والدليل على حقيقة الكرامة: ما تواتر عن كثير من الصحابة ومَن بعدَهم بحيث لا يمكن إنكاره، خصوصاً الأمر المشترك، وإن كانت التفاصيل آحاداً، وأيضاً الكتاب ناطق بظهورها من مريم ومن صاحب سليمان عليه السلام، وبعد ثبوت الوقوع لا حاجة إلى إثبات الجواز)). اهـ.
  7. [7] خالف الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني في وقوع بعض الكرامات فقال: ((كل ما جاز تقديره معجزة لنبي لا يجوز ظهور مثله كرامة لولي))، وأجيب بأن المعجزة شرطها دعوى النبوة، بخلاف الكرامة حيث يقر صاحبها بالمتابعة، ولو ادعى النبوى كفر ولا يبقى ولياً)).
صفحة 159

مسائل متفرقة في العقائد

قوله: (ونؤمن بخروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم عليه السلام من السماء، ونؤمن بطلوع الشمس من مغربها، وخروج دابة الأرض من موضعها، وخروج يأجوج ومأجوج)[1].

لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبر بهذه الأرض، وهو صادق، فيجب الإيمان بما أخبر به، والأحاديث فيها مستفيضة.

قوله: (ولا نصدق كاهناً ولا عرافاً[2]، ولا من يدعي شيئاً بخلاف الكتاب والسنة وإجماع الأمة).

أما تكذيب الكاهن والعراف؛ فلأن الاطلاع على الغيب مما استأثر الله نفسه به، لا يطلع عليه أحد إلا من ارتضاه الله تعالى من أنبيائه بالوحي إليهم على ما قال الله تعالى: {فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} (الجن: 26-27).

والكاهن والعراف ليسا من الأنبياء، فلا نصدقهما.

وصح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((من أتى عرافاً أو كاهناً فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد))[3].

صفحة 160

وكذا لا يصدق من يدعي شيئاً مخالفاً كتابَ الله وسنة رسوله وإجماع الأمة؛ لأن هذه الأدلة هي أصول الشرع، فمن اعتقد شيئاً على خلاف ما في أدلة الشرع فيكون بدعة، وكل بدعة ضلالة.

قوله: (ونرى الجماعة حقاً وصواباً، والفرقة زيغاً وعذاباً).

أراد بالجماعة: ما كان عليه الصحابة والتابعون وأهل الحل والعقد في كل عصر؛ لأنه عبارة عن الإجماع، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا تجتمع أمتي على الضلالة))[4]، ((وما رآه المؤمنون حسناً فهو عند الله حسنٌ))[5].

وأراد بالفرقة: مخالفة الإجماع وما اتفق عليه أهل الحل والعقد؛ فإن مخالفة الإجماع زيغ، أي: ميل عن الطريق المستقيم، وعذاب؛ لأنه يوصله إلى عذاب أليم.

وقد نهى الله عن ذلك حيث قال: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} (آل عمران: 105).

وقد ثبت في الأخبار عن النبي المختار: ((من فارق الجماعة قدر شبر فقد خلع

صفحة 161

ربقة الإسلام من عنقه))[6].

((يد الله مع الجماعة، فمن شذ شذ في النار))[7].

قوله: (ودين الله في الأرض والسماء واحد، وهو دين الإسلام؛ قال الله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} (آل عمران: 19)؛ وقال تعالى: {وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} (المائدة: 3)؛ ولقوله تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} (آل عمران: 85).).

وذلك؛ لأن أهل السماء والأرض والملائكة والجن والإنس كلهم مكلفون بالتوحيد والإيمان بالله وبأسمائه وصفاته، وتصديق ما جاء به الأنبياء، وبالمبدأ والمعاد، وذلك واحد لا يختلف فيه أحد من المكلفين، ولا يقبل غير دين الإسلام من أحد كما قال تعال: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} (آل عمران: 85)، فدل على ان أصل الدين وهو الإسلام واحد.

كما قال الله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} (آل عمران: 19).

وقال تعالى: {وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} (المائدة: 3)، والخطاب به لجميع المكلفين من أهل السماء والأرض، فلا يختلفون في أصل الدين وهو الإسلام.

(وهو)

أي: دين الله

(بين الغلو والتقصير).

أي: متوسط بينهما؛ لأن الميل إلى أحد الطرفين خروج عن اصراط المستقيم، والغلو: هو مجاوزة الحد، والتقصير: هو النزول عن الحد، وكل منهما مذموم؛ لأن العبد ليس له التجاوز عما حد له، ولا التقصير عما أمر به.

صفحة 162

كذلك دين الله بين

(التشبيه والتعطيل)

وهو أن تثبت لله تعالى نعوت الجلال وصفات الكمال على ما نطق به الكتاب العزيز والآثار المرورية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، من غير تشبيه؛ كما هو مذهب المشبهة والمجسمة حيث شبهوا الخالق بالخلق، وهو {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، ولا تعطيل؛ كما هو مذهب المعتزلة حيث نفوا عن الله تعالى ‏جميع الصفات حقيقة فعطلوه عنها.

(و)

كذلك الدين بين

(الجبر والقدر).

وهو طريقة أهل الحق حيث قالوا: ((أفعال العباد من الخير والشر بخلق الله وكسبهم))، لا كما هو مذهب الجبرية حيث قالوا: ((لا صنع للعباد في أفعالهم، بل هم مجبرون على الفعل))، ولا كما هو مذهب القدرية حيث قالوا: ((أفعالهم بخلقهم لا بصنع الله))، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

(و)

كذلك الدين

(بين الأمن واليأس).

أي: بين الخوف والرجاء، إذ في الأمن من العقاب ظن العجز عنه ومخالفة النصوص الناطقة بالوعيد والعذاب الشديد للفجار والأشرار، كما هو مذهب المرجئة، حيث قالو: ((لا يضر ذنب مع الإيمان، فلا يدخل [أحد][8] من المؤمنين النار)).

وكذا في اليأس عن رحمة الله ظن العجز عن العفو ومخالفة النصوص والناطقة بالوعد والشفاعة والعفو لمؤمنين كما هو مذهب الخوارج والمعتزلة، حيث قالوا: ((لا ينفع الإيمان بدون الأعمال، فلو مات صاحب الكبيرة لا توبة يخلد في النار))، وكلا المذهبين مخالف[9] للكتاب والسنة، أما الأمن فقال الله تعالى: {فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا

صفحة 163

الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} (الأعراف: 99)، والسنن فيه كثيرة.

قوله: (فهذا).

أي جميع ما ذكرنا من أول الكتاب إلى هنا:

(ديننا واعتقادنا ظاهراً وباطناً).

لأنه قد شهدت على صحة ما ذكرنا الأدلة المنقولة والبراهين المعقولة، فيجب أن نعتقده ظاهراً وباطناً؛ لأن المخالفة بين الظاهر والباطن من أوصاف المنافقين، وهم في الدرك الأسفل من النار.

قوله: (ونحن برآء إلى الله من كل ما خالف الذي ذكرناه وبيناه، ونسأل الله تعالى أن يثبتنا على الإيمان، ويختم لنا به، ويعصمنا من الأهواء المختلفة، والآراء المتفرقة، والمذاهب الردية[10] مثل: ((المشبهة))، و((الجهمية))، و((القدرية))، و((الجبرية))، وغيرهم من الذين خالفوا الجماعة، وحالفوا الضلالة، ونحن برآء منهم، وهم عندنا ضُلال وأردياء).

(ونحن برآء إلى الله من كل من خالف الذي ذكرناه)؛ لأن ما ذكره من أصول الدين في أول الكتاب وآخره هو مذهب أهل السنة والجماعة من الصحابة والتابعين، ثابت بالمعقول والمنقول، وهو الطريق الذي كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه، فيكون المخالف على مذهب أهل الهوى والبدعة، فوجب التبري عنه.

وإنما يسأل الثبات على دين الإسلام؛ لأنه من أهم أمور الدين والدنيا، وهو دأب الأنبياء والأولياء، والاعتبار بحسن الخاتمة، فلا جرم طلب الختم على الإيمان لينال الفوز والنجاة والدرجات.

وإنما طلب العصمة من (الأهواء المختلفة)؛ لأن أهل الأهواء خالفوا الأدلة الظاهرة، والبراهين الباهرة الشرعية والعقلية، وتعلقوا بأهوائهم وشبهات لا تصلح

صفحة 164

دليلاً بهوى أنفسهم، وميلهم إلى الباطل، فوجب التبري مما يوجب عداوة الحق، ألا ترى قول ابن عمر رضي الله عنهما حين قال له السائل: ((إن عندنا أقواماً لا يثبتون القدر))، فقال: ((أبلغهم عني أني بريء منهم)).

ثم فسر المذاهب الردية والآراء المتفرقة بقوله: (مثل ((المشبهة)) و((الجهمية)) و((القدرية)) و((الجبرية)) وغيرهم)، كأنواع ((الشيعة)) و((الكرامية)) و((الخوارج)) و((المرجئة)) وأمثالهم.

إنما بدأ بـ((المشبهة))؛ لأن عقيدتهم أفسد العقائد؛ لاشتمالها على تجسيم الصانع القدير وتشبيههم إياه بالبشر.

قال الإمام فخر الدين: ((المجسم قطُّ نما عَبَدَ الله؛ لأنه يعبد ما تصوره في وهمه من الصورة، والله منزه عن ذلك)).

ثم ((الجهمية)) فخبث عقائدهم المشتملة على تعطيل الصانع عن اسمه، ونفيهم بقاء الجنة وأهلوها وبقاء النار وأهلوها خالدين.

ثم بـ((القدرية))؛ لنفيهم عن الله تعالى صفات الذات والأفعال حقيقة.

ثم قال: (ونحن برآء منهم وهم عندنا ضلال وأردياء)؛ لخلافهم الحجج الظاهرة، والآيات الباهرة، والأخبار المتواترة.

وليكن هذا آخر الكتاب، والله الموفق للصواب، وإليه المرجع والمآب، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً، آمين.

  1. [1] قال الميداني: ((لأنها أمور ممكنة في ذاتها أخبر عنها الصادق)).
  2. [2] الكاهن والعراف والمنجم: ((من يخبر عن الغيب))، وقيل: ((العراف: من يخبر عن المغيبات الماضية، والكاهن عن المستقبلة))، وقال السعد: ((الكاهن: هو الذي يخبر عن الكوائن في مستقبل الزمان، ويدعي معرفة الأسرار ومطالعة علم الغيب.. وبالجملة: العلم بالغيب أمر تفرد به الله تعالى، لا سبيل إليه للعباد إلا بإعلام منه تعالى وإلهام بطريق المعجزة أو الكرامة أو إرشاد إلى استدلال بالأمارات فيما يمكن ذلك فيه)) اهـ.
  3. [3] رواه البييهقي في ((السنن الكبرى)) (16273)، والحاكم في ((المستدرك على الصحيحين)) (15)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (9862)، وفي ((الأوسط)) (1453)، وأبو يعلى في ((مسنده)) (5408)، وابن الجعد في ((مسنده)) (1953)، وإسحاق بن راهويه في ((مسنده)) (503)، وروى مسلم(4137) بلفظ: ((من أتى عرافاً فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة)).
  4. [4] سبق تخريجه.
  5. [5] سبق تخريجه
  6. [6] سبق تخريجه.
  7. [7] سبق تخريجه.
  8. [8] زيادة من عندنا.
  9. [9] في الأصل: المذهبان مخالفان.
  10. [10] الردية أي: غير المرضية.
 
Top