علم أصول الدين وسبب تسميته بعلم الكلام

صفحة 29

قوله: (وما يعتقدونه من أصول الدين).

علم أصول الدين وسبب تسميته بعلم الكلام

ومعنى الاعتقاد مضى، و(أصول الدين) مركب إضافي جُعِلَ عَلَماً لعِلْمٍ مخصوص، فقيل في تعريفه من حيث كونُه عَلَماً[1]: إنه علم يُبحث فيه عن أسماء الله

صفحة 30

تعالى وصفاته وأفعاله، وأحوالِ المخلوقين من الملائكة والأنبياء والأولياء والأئمة، والمبدأ والمعاد على قانون الإسلام لا على أصول الحكماء[2]، تحصيلاً لليقين في العقد الإيماني ودفعاً للشبهات.

وقد يُسمى أصول الدين بـ((علم الكلام))، إما لأن أظهر مسألة تكلموا فيها وتقاتلوا عليها هي مسألة الكلام، فسُمي النوع باسمها.

وقيل : سُميَ كلاماً لأن ظهور كمال الكلام إنما يكون ببيان الحقائق وإبراز الدقائق، وذلك لا يحصل إلا بهذا العلم، فجُعل نفس هذا الكلام كلاماً مجازاً للمبالغة.

وقيل: إن المنكرين للمباحث العقلية والأدلة البرهانية إذا سُئِلوا عن مسألة تتعلق بصفات الله عز وجل وأفعاله قالوا: ((نُهينا عن الكلام في الله))، فاشتُهِرَ هذا الاسم فصار علماً له بالغلبة[3].

صفحة 31

وأما من حيث كونُه مضافاً[4]: فـ(الأصل): ما يبنى عليه غيره.

و(الدين): وضع إلهي سائق لذوي العقول إلى الخير وهو ((الإسلام))، قال الله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} (آل عمران: 19)، وقال تعالى: {وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} (المائدة: 3).

وقد ورد الدين بمعنى الانقيادِ والطاعةِ والجزاء والحساب، فالمتدينُ هو المسلم المطيع المقرُّ بالجزاء والحساب بوم الميعاد، وهو خير العباد.

وقوله: (وما يدينون به لرب العالمين)، أي: وما يتخذونه ديناً ويطلبون به الجزاء من الله.

و(الرب): المالك.

و(العالمين): جمع العالم، وهو اسم لذوي العلم من الملائكة والثقلين، وقيل: ما عُلِمَ به الخالق في الأجسام والأعراض، سُميَ به؛ لكونه عَلَماً لثبوت الصانع.

قوله: (نقول في توحيد الله سبحانه وتعالى معتقدين بتوفيق الله عز وجل: إن الله واحد لا شريك، ولا شيء مثله[5]، ولا شيء يعجزه، ولا إله غيره).
صفحة 32

إنما ابتدأ بالتوحيد[6] لأن أول خطاب يتوجه على المكلف هو الخطاب بإثباته، وإليه بعثت الأنبياء، وبه نزلت الكتب السماوية.

قال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} (الأنبياء: 25).

وإنما قال: (معتقدين) وهو حال من الضمير في (نقول) نحقيقاً للإيمان؛ ولأن مجرد الإقرار باللسان بدون الاعتقاد بالجَنان لا يكون إيماناً، بل يكون نفاقاً على ما أخبر الله تعالى عن حال المنافقين: {قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ} (المائدة: 41).

وإنما قال: (بتوفيق الله)، إشارة إلى قول أهل السنة والجماعة: إن الوصول إلى التوحيد بهداية الله تعالى على ما قال تعالى: {يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ} (النور: 35) لا بصنع العباد كما زعمت المعتزلة.

  1. [1] علم أصول الدين ويسمى بعلم التوحيد، وعلم الكلام، كما سماه الإمام الأعظم بالفقه الأكبر، هو: علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية ودفع الشبه عنها وإلزام الخصم بها. وعرفه ابن خلدون بأنه: ((علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية والرد على المنحرفين في الاعتقادات)) وعرفه محمد عبده بأنه: ((علم يبحث في عن وجود الله، ما يجب أن يثبت له من صفات وما يجوز أن يوصف به وما يجب أن ينفى عنه، وعن الرسل ما يجب أن يكونوا عليه وما يجوز أن يُنسب إليهم وما يمتنع أن يُلحق بهم…)). وعرفه في المسايرة بأنه: ((معرفة النفس ما عليها من العقائد المنسوبة إلى دين الإسلام عن الأدلة)). وعرفه شيخنا الدكتورحسن الشافعي _حفظه الله_ بأنه: ((العلم الذي يبحث فيه عن الأحكام الشرعية الاعتقادية التي تتعلق بالإلهيات أو النبوات أو السمعيات من أجل البرهنة عليها ودفع الشبه عنها)). وعرفه صاحب المواقف بأنه: ((علم يُقتَدر معه على إثبات العقائد الدينية على الغير بإيراد الحجج ودفع الشُبَه)). قال شيخنا الدكتور حسن الشافعي: وفي اختيار إثبات العقائد على تحصيلها إشعار بأن ثمرة الكلام إثباتها على الغير، وبأن العقائد يجب أن تؤخذ من الشرع ليُعتد بها، وإن كانت مما يستقل العقل به. اهـ، أي: بعد إثبات أصل الشرع بالعقل وعدم توقف ذلك على السمع.
    واعلم أن ثمرة هذا العلم _كما قال شيخنا_ تقوية اليقين بالدين عن طريق إثبات العقائد الدينية بالراهين القطعية وردّ الشبه عنها، وتحصيل الملكة القادرة على ذلك. ومنهج هذا العلم يقوم _كما قالوا_ على العقل اعتماداً، وعلى الشرع اعتداداً. قلتُ: واستمداداً.
  2. [2] أي الفلاسفة.
  3. [3] 

    ذكر السعد في ((شرح العقائد)) في سبب تسمية ذلك العلم بعلم الكلام أموراً هي:

    1- أن عنوان مباحثه كان قولهم: الكلام في كذا وكذا.

    2- وأن مسألة الكلام كانت أشهر مباحثه، وأكثرها نزاعاً وجدالاً.

    3- وأنه يورث القدرة على الكلام في تحقيق الشرعيات وإلزام الخصوم.

    4- وأنه أول ما يجب من العلوم التي إنما تُعَلَّمُ وتُتَعَلَّمُ بالكلام، فأُطلِقَ عليه هذا الاسم لذلك، ثم خُص به، ولم يطلق على غيره تمييزاً.

    5- وأنه إنما يتحقق بالتكلم بالمباحثة وإدارة الكلام من الجانبين، وغيره قد يتحقق بالتأمل ومطالعة الكتب.

    6- وأنه أكثر العلوم خلافاً ونزاعاً فيشتد افتقاره إلى الكلام مع المخالفين والرد عليهم.

    7- وأنه لقوة أدلته صار كأنه هو الكلام دون ما عداه من العلوم كما يقال للأقوى من الكلامين: هذا هو الكلام.

    8- وأنه لابتنائه على الأدلة القطعية المؤيد أكثرها بالأدلة السمعية أشد العلوم تأثيراً في القلب وتغلغُلاً فيه، فسمي بالكلام المشتق من الكَلْم وهو الجرح.

  4. [4] أي تعريف علم أصول الفقه من حيث كونه مضافاً ومضافاً إليه، فيحتاج إلى تعريف المضاف وهو كلمة ((أصول))، وتعريف المضاف إليه وهو كلمة ((الدين))، ومعرفة النسبة بينهما.
  5. [5] قوله: (ولا شيء مثله) تأكيد لصفة الوحدة، إذ لو كان له مثل لم يكن واحداً، ولزم منه إما حدوث القديم وإما قدم الحادث وكلاهما محال. دليل اللزوم أن حد المثلين: أن يسد أحدهما مسد الآخر، وألا يختص أحدهما بصفة دون الآخر، وإلا لم يكن مثلاً.
  6. [6] التوحيد شرعاً هو: إفراد المعبود بالعبادة، واعتقاد وحدته ذاتاً وصفاتٍ وأفعالاً. وعلم التوحيد _كما سبق_: هو علم يُقتَدَرُ معه على إثبات العقائد الدينية ودفع الشبه عنها وإلزام الخصم بها.
علم أصول الدين وسبب تسميته بعلم الكلام
 
Top