جملة أخرى من مسائل العقيدة – المكتبة الإسلامية الحديثة

جملة أخرى من مسائل العقيدة

صفحة 108

جملة أخرى من مسائل العقيدة

قوله: (ونؤمن بالملائكة [والنبيين][1] والكتب المنزلة على المرسلين، ونشهد أنهم كانوا على الحق المبين).

وهذا ثابت بقوله تعالى {وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ} (البقرة: 285).

فالإيمان بالملائكة: أن تؤمن بأنهم أشخاص روحانية [لطيفة] [2] في تركيب الحيوان، ينزلون ويصعدون إلى السماء بإذن الله، لذتهم بإذن الله، وأنسهم بعبادته ومعرفته: {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} (التحريم: 6).

وأما الإيمان بالنبيين فهو: أن تؤمن بأن الله اصطفاهم لتبليغ رسالته وأكرمهم بالرسالة بينه وبين عباده، وليست مكتسبة، بل هي عطية يعطيها الله تعالى لمن يشاء[3] على ما قال الله تعالى: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} (الأنعام: 124)، وهم معصومون عن المعاصي[4]، وهم أفضل من الملائكة، وبعضهم أفضل من بعض، وإنما

صفحة 109

قدم الملائكة على الأنبياء؛ [لأن عموم الوحي][5] بواسطة الملائكة،

قال الله عز وجل: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ} (الشعراء: 193-194) فلهذا السبب قَدَّمَ ذكرهم.

وأما الإيمان بالكتب فهو: أن تؤمن بأنها وحي من الله إلى رسله، إما سماعاً منه بلا كيفية، أو بلاغاً من الملك المنزل، ليس للنبي ولا للملك فيها تصرف في النظم ولا في المعنى.

(ونشهد أن الأنبياء كانوا على الحق المبين)

الظاهر بالمعجزات الباهرة والدلائل القاهرة.

قوله: (ونسمي أهل قبلتنا "مؤمنين مسلمين" ما داموا بما جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم معترفين، وله بكل ما قال وأخبر مصدقين).

لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: “من صلى إلى قبلتنا وأكل ذبيحتنا فهو منا”[6].

فإذا كانوا معترفين بما جاء به النبي من الشرع والدين، ومعتقدين بالتوحيد، ومتمسكين بالشريعة نسميهم ((مؤمنين)) ونحكم عليهم ولهم بجميع أحكام المؤمنين، ونراعي ظواهرهم وَنَكِلُ ضمائرهم إلى الله؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((بعثتُ أتَوَلّى الظواهر، والله يتولى السرائر))[7].

صفحة 110
وإنما قال: (ما دامو بما جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم معترفين)؛

لأن مجرَّدَ التوجُّه إلى قبلتنا لا يدُل على الإيمان ما لم يصَدّق النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما جاء به من الشريعة، فإن الغلاة من الرافضة _الذين يدعون أن جبريل غلط في الوحي لمحمد وأن الله أرسله إلى علي، وبعضهم قالوا بأنه إله_ فهؤلاء وإن صلَّوا إلى القبلة ليسوا بمؤمنين.

قوله: (ولا نخوض في الله عز وجل، ولا نماري في الدين).

معناه: ولا نتكلم في ذات الله وصفاته بمحض العقل من غير اتباع ما نطق به الكتاب والسنة؛ لأن الأصل في أسماء الله وصفاته التوقيف[8]، ولا نخوض بالفكر في ذاته التي تحير الفكار، فربما يؤدي ذلك إلى الإنكار، بل نتفكر في أفعاله وصنعه، فإن العقل قاصر عن إدراك كنه كبريائه، فإن الملائكة مع تجردهم عن دَنَسِ العلائق النفسانية اعترفوا بالقصور، وقالوا: ((ما عرفناك حق معرفتك))، فكيف البشر المتعلق بالعلائق والغواشي الغريبة المانعة عن خلوص الإدراك، فالخوض فيه ربما يُفْضي إلى القول بما هو منزه عنه، فالأولى ترك الخوض فيه.

قوله: (ولا نماري في الدين)

ولا نخاصم أهل الحق بإلقاء شبهات أهل الأهواء عليهم التماساً لامترائهم وميلهم عن الحق، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((من ترك المراء وهو مُبْطِلٌ بُنِيَ بيت في رَبَضِ الجنة، ومن تركه وهو مُحِقّق بُنِيَ له في وسطها، ومَنْ حَسُنَ خُلُقُه بُنِيَ له في أعلاها))[9] أخرجه الترمذي.

صفحة 111

وروى أبو هريرة : ((أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج علينا ونحن نتنازع في القدر فغضب حتى احمرَّ وجهُه؛ فقال: أبهذا أُمِرتُم؟! أم بهذا أُرْسِلْتُ إليكم؟! إنما هلك من كان قبلكم بكثرة التنازع في أمر دينهم واختلافهم على أنبيائهم، عزمتُ عليكم أن لا تنازعوا فيه))[10] أخرجه الترمذي وأبو داود.

  1. see [1] ساقطة في: (ب).
  2. http://uplaf.org/wp-content/plugins/nextgen-gal/kテδεつεδづつεδεつづδづつεδεつεδづつづδεつづδづつεδεつεδづつεδεつづδづつづδεつεδづつづδεつづδづつカpa [2] ليس في المخطوطتين، مستكمل من المطبوع.
  3. click [3] قال صاحب البردة:

    تبارك الله ما وحي بمكتسب… ولا نبي على غيب بمتَّهَمِ

  4. http://www.shyamtelecom.com/?siterko=strategia-martingala-opzioni-binarie&26d=94 [4] المعصية هي: “مخالفة الأمر قصداً”، بخلاف الزَّلة؛ فإنها: “مخالفة الأمر سهواً”.

    فالأنبياء عليهم السلام معصومون عن أنواع الكفر مطلقاً قبل البعثة وبعدها بالإجماع، أما الكبائر فهم معصومون عن تعمدها بعد البعثة، وأما قبلها قبلها فهم معصومون عن عمدِ وسهوِ ما يدل منها على الخسة ويوجب نفرة الخلق عنهم كالزنا بالأمهات ونحوه، قال السعد: ((وأما قبل الوحي، فلا دليل على امتناع صدور الكبيرة، وذهبت المعتزلة إلى امتناعها؛ لأنها توجب النفرة المانعة عن اتباعهم، فتفوت مصلحة البعثة، والحق منع ما يوجب النفرة كعهر الأمهات والصغائر الدالة على الخسة. اهـ.

    وأما الصغائر فما كان منها دالاً على الخسة كسرقة لقمة فلا خلاف في عصمتهم منها مطلقاً، وما لا يدل على ذلك فالجمهور على العصمة منه عمداً، وأما سهواً فجوَّزه بعضهم، ولعل الخلاف في الجواز دون الوقوع فعلاً. قال الأستاذ الشيخ عبدالسلام شنار _حفظه الله_: (والذي ندين الله به ونلقى عليه ربنا، والذي تلقيناه عن أشياخنا الثقات من العلماء العاملين _وهو قول كثير من المحققين من أهل السنة والمعتزلة سلفاً وخلفاً_ أن الأنبياء معصومون، ومعنى العصمة في حقهم حفظُ ظواهرهم وبواطنهم من التلبس بمنهي عنه ولو نهيَ كراهةٍ أو خلاف الأولى قبل النبوة وبعدها)). اهـ.

  5. http://flywind.com.br/bakester/9455 [5] زيادة يقتضيها السياق.
  6. source site [6] رواه البخاري في ((صحيحه)) (378) ونحوه الترمذي في ((السنن)) (253) والنسائي في ((السنن)) (3904).
  7. go site [7] لم أجده بلفظه وذكره العراقي في ((تخريج أحاديث الإحياء)) بلفظ: ((نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر” )) وقال: لم أجد له أصلاً، وكذا قال المزي لما سُئِلَ عنه، وقال الشوكاني في ((الفوائد المجموعة)): ((يَحْتَجُّ به أهل الأصول، ولا أصل له، وفي معناه قوله صلى الله عليه وآله وسلم للعباس يوم بدر: كان ظاهرك علينا)).
  8. https://www.cedarforestloghomes.com/enupikos/10158 [8] ما ورد الشرع بإطلاقه على الله سبحانه نطلقه عليه تعالى، فإن كان مشتركاً بينه وبين غيره وجب عند إطلاقه نفي المماثلة والمشابهة، كتسمية الله نفسه: ((شيئاً)) فنقول: ((ِشيء لا كالأشياء))، أما ما لم يرد في الشرع (كتاباً وسنةً وإجماعاً) فلا نسمي الله به، فلا نقول مثلاً: ((جسم لا كالأجسام)).
  9. go here [9] رواه أبو داود (4167)، والترمذي (1916) في ((سننيهما))، وابن ماجه في ((السنن)) (50) وآخرون.
  10. buy Lyrica 75 mg online [10] رواه الترمذي في ((السنن)) (2059)، وقال: ((حسن))، وابن ماجه (51)، وابن حبان في ((الضعفاء)) (ترجمة 423)، والحكيم (3/96)، وابن عدي: ترجمة (ترجمة 786 سلمة بن وردان)، ومعنى: ((رَبَض)): حوالي الجنة وأطرافها.
صفحة 111

بيان أن القرآن كلام الله والنهي عن الجدال فيه

قوله: (ولا نجادل في القرآن).

بأنه مخلوق حادث، أو من جنس الحروف والأصوات، بل نؤمن أنه كلام الله أو مراده، ولا نجادل في الآيات المتشابهات، ولا نتأولها بتاويلات أهل الزيغ ابتغاء الفتنة، ولا نجادل في وجود القرآن الثابتة، بل نُقِرُّ بكل ما ثبت.

قوله: (ونعلم أنه كلام رب العالمين نزل به الروح الأمين).

أي: جبريل، قال الله تعالى: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ} (الشعراء: 192- 193).

وهذا رد كلام الملاحدة: أن القرآن وُجِدَ بإلهامٍ طبيعي لصفاء جوهره، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يُصَوِّرُهُ في نفسه فنظمه قرآناً.

والدليل على بطلان ذلك قوله تعالى: {لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ}، يعني جبريل عليه السلام، وقوله: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} (النساء: 82)، وقوله: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} (البقرة: 23).

صفحة 112
(فعلمه محمداً)

أي: علم جبريلُ محمداً _سيدَ المرسلين_ القرآن المنزل إليه لقوله تعالى: {عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى} (النجم: 5).

وفي التصريح بتعليم جبريل إياه إبطال لتوهم الملاحدة أنه كان يصوره في نفسه لأن طبيعته وغريزته كانت تقتضي ذلك، أو كان يلهمه جبريل ثم يأتي هو بكلام مرتب.

والدليل على بطلان قول الملاحدة أيضاً: أن الله صرَّح بالتعليم والتلقين من المَلَك لا يكون إلا بأن يسمَع منه الكلام فيحفظُهُ ثم يبلِّغُهُ إلى المخاطَبين.

قوله: (وكلام الله لا يساويه شيء من كلام المخلوقين)؛

لأن كلامه تعالى صفة قائمة بذاته أزليٌّ جامعٌ للطائف، يعجز عن إتيان أقصر سورة منه الإِنْسُ والْجِنُّ؛ فكيف يكون كلامُ البَشَرِ الذي هو حادثٌ ركيكٌ بالنسبة إليه مساوياً له؟!

قوله: (ولا نقول بخلقه).

هذا ردٌّ لقول المعتزلة القائلين بخلق القرآن.

والدليل على بطلان مذهبهم: أن كلام الله صفة قائمة بذاته، فلو كان مخلوقاً للزم قيام الحادث بذاته تعالى، وهو منزَّهٌ عن ذلك.

قوله: (ولا نخالف جماعة المسلمين).

لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من خرج على الجماعة فقد خلع ربقة الإسلام عن عنقه))[1].

والإجماع حجة من حجج الشرع، فخلافُهُ زيغٌ وضلالٌ، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم حث الأمة على التمسك بالجماعة حيث قال: ((عليكم بالسواد الأعظم))[2]، وقال: ((لا تجتمع أمتي

صفحة 113

على الضلالة))[3].

((وما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسنٌ))[4].

  1. http://agauchepourdevrai.fr/?fuier=site-rencontre-gratuit-meetic-belgique&714=06 [1] رواه أبو داود في ((السنن)) (4131) بلفظ: ((مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ))، والترمذي في ((السنن)) (2790)، وأحمد في ((مسنده)) (14035).
  2. http://drybonesinthevalley.com/?tyiuds=how-to-develop-a-stock-trading-system [2] جزءُ حديثٍ رواه الإمام أحمد (27267)، والطبراني (2171)، قال الهيثمي (7/222): ((فيه راوٍ لم يُسَمَّ))، والحاكم (391)، وأخرجه الحكيم (1/422)، ولفظُ ((المسند)): ((عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى هَذِهِ الْأَعْوَادِ أَوْ: عَلَى هَذَا الْمِنْبَرِ: ((مَنْ لَمْ يَشْكُرِ الْقَلِيلَ لَمْ يَشْكُرِ الْكَثِيرَ، وَمَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرِ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ، وَالتَّحَدُّثُ بِنِعْمَةِ اللهِ شُكْرٌ، وَتَرْكُهَا كُفْرٌ، وَالْجَمَاعَةُ رَحْمَةٌ، وَالْفُرْقَةُ عَذَابٌ)) قَالَ: فَقَالَ أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ: عَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ، قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ: مَا السَّوَادُ الْأَعْظَمُ؟ فَنَادَى أَبُو أُمَامَةَ: هَذِهِ الْآيَةُ الّتِيْ فِيْ سُورَةِ النُّوْرِ: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ} (النور: 54)_)).
  3. [3] حزء من الحديث السابق.
  4. [4] رواه موقوفاً على سيدنا ابن مسعود رضي الله عنه الإمامُ أحمدُ في ((المسند)) (3667)، والطبرانيُّ في ((الأوسط)) (3602).
صفحة 113

في حكم أهل الكبائر والرد على الخوارج والمعتزلة

قوله: (ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحِلَّهُ)[1].

لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لَا تُكَفِّرُوا أَهْلَ قِبْلَتِكُمْ))[2]، والمراد بأهل القبلة هم الذين جمعوا بين الصلاة إلى الكعبة والتصديق بجميع ما جاء به النبي من الشريعة.

ولهذا قال المصنف فيما سبق: (ونسمي أهل قبلتنا: مسلمين؛ ما داموا بما جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم معترفين)، وفيه إشارةٌ إلى أن الغلاةَ من الروافضِ وإن صلَّوا إلى القبلة ليسوا بداخلين في هذا.

صفحة 114

وإنما قال هذا رداً على الخوارج الذين قالوا بـ((أن المسلم إذا ارتكب كبيرة يخرج من الإيمان ويدخل في الكفر))، وعلى المعتزلة الذين قالا: ((يخرج من الإيمان ولا يدخل في الكفر، ويكون بين المنزلتين)).

والدليل على بطلان هذا: أن المؤمن لا يكفر بالذنب لقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا} (التحريم: 8)، أمر المؤمنين المذنبين بالتوبة، إذ التوبة عبارةٌ عن الرجوع إلى الله بموافقة أمره بعد المخالفة، وقد سَمَّى صاحب الذنوب ((مؤمناً))؛ فدَلَّ على أنه لا يخرج عن الإيمان بالذنب؛ ولقوله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} (الحجرات: 9)، سماهم ((مؤمنين)) مع أن إحدى الطائفتين باغيةٌ مرتكبةٌ الكبيرةَ؛ ولقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} (البقرة: 178)، فسمى القاتل عمداً ((مؤمناً)) مع ارتكابه الكبيرة، ثم قال: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} (البقرة: 178)، سماه ((أخاً)) بأُخُوَّةِ الإسلام، ولو كان كافراً بالقتل لما جاز تسميته بالأخ؛ ولأن الإيمان في الحقيقة هو التصديق بالقلب[3]، والإقرار دليل عليه[4]، ومحل المعاصيالجوارح، فلا تضاد بينهما، إذ اتحاد

صفحة 115

المحل شرطٌ له، فما دام التصديقُ باقياً يكون الإيمان باقياً؛ ولأن الأعمال الصالحة غير داخلة في الإيمان[5]، فلا ينتفي الإيمان بانتفائها.

وهذا إذا ارتكبها ولم يستحلَّها، إذ لو استحلَّها فهو كافِرٌ لإنكاره ما حرَّم الله تعالى بالدلائل القطعية، قال الله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} (المائدة: 44).

قوله: (ولا نقول: لا يضر مع الإيمان ذنبٌ لِمَنْ عَمِلَهُ).

هذا ردٌّ لِمَذهَبِ ((المُرْجِئَةِ))، فإنهم بمقابلة ((الخوارج)) قالوا[6]: ((لا يَضُرُّ الذنْبُ مع الإيمان))، والخوارجُ قالوا: ((لا ينفعُ الإيمانُ مع الذنبِ)).

والدليل على إبطال قول المُرْجِئَةِ ومذهَبِهِمْ: أن النصوصَ والأحاديث الصحيحة

صفحة 116

قد دلَّتْ على تعذيب أصحاب الكبائر بقدر ذنوبهم، فدلَّتْ على أن النذنوب قد تضُّرُّ مع الإيمان.

قوله: (ونرجوا الخير للمحسنين من المؤمنين).

أي: نرجوا الثواب في الآخرة لمَن عمِلَ الحَسَنات من المؤمنين بحُكْمِ الوَعْد.

وإنما قال: بلفظَةِ ((الرجاء))؛ لأن العَمَلَ الصالحَ ليسَ بمُوجِبٍ للجَزاء[7]، بل الجزاء بفضل الله ورحمَتِه.

قال عليه الصلاة والسلام: ((لن يُدخُلَ أحدكُم الجنة بعمله، قيل: ولا أنت يا رسول الله؟، قال: ولا أنا إلا أن يَتَغَمَّدَني الله برحمته))[8]

ولأن العمل الصالحَ إنما يكون وسيلةً للثواب إذا كان لوجه الله ومقبولاً عنده، وذلك غيرُ معلومٍ فلا نَتَيَقَّن به بل نرجوا الفَضْلَ من الله.

قوله: (ولا نَشْهَدُ لهم بالجنة ولا نَأْمَنُ عليهم).

أي: نأمنُ على المؤمنين ما يحْبِطُ عملَهُم من كُفرٍ ونفاق، أو ما يحْبِطُ ثواب عَمَلِهِم من عُجْبٍ ورياءٍ وسُمْعَةٍ، لأنهم غيرُ معصومين عن ذلك، فما داموا في الحياةِ لا يَتَحَقَّقُ الأمنُ من ذلك؛ إذ الاعتبارُ بالخواتيم، وقِصَّةُ بلعامَ بنَ باعورَ مشهورةٌ[9].

صفحة 117
قوله: (ونستغفر لمسيئهم).

أي: نطلب من الله المغفرة للمذنبين من أهل الإيمان، لأنا أُمرنا بالاستغفار بعضنا لبعض، قال تعالى: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا} (نوح: 10).

(ونخاف عليهم).

العقاب؛ لأن الله تعالى وعد بالعقاب بمخالفة أوامره فنستغفر لهم كما نستغفر لأنفسنا ونخاف عليهم كما نخاف على أنفسنا.

قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((المؤمنون كالجسد الواحد؛ إذا اشتكى بعضُه تداعى باقيه إلى السهر))[10].

قوله: (ولا نقنطهم).

أي: لا نؤْيِسُهُم؛ إذْ القنوط من رحمة الله الله من أوصاف الضالين، قال تعالى: {وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ} (الحجر: 56).

قوله: (والأمنُ واليأسُ يَنْقُلانِ عن المِلَّة).

يعني: الأمن من مكر الله واليأس من رحمته ينقُلان المؤمن عن ملة الإسلام إلى الكفر، لأن الله وعد بالرحمة وأوْعَدَ بالعذاب، وهو قادرٌ عليهما، ففي الأمن عمّا أوعَدَ ظنُّ العجزِ عن العُقُوبة، وفي الإياس [عن الرحمة ظنُّ العجز عن العفو والمغفرة][11] من المغفرة، وكلُّ واحدٍ منهما ناقلٌ عن ملة الإسلام.

وقد قال تعالى: {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} (الأعراف: 99)، وقال تعالى: {إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} (يوسف: 87).

صفحة 118
قوله: (وسبيل الحق بينهما).

أي: بين الأمن واليأس، وهو الوُقوف بين الخَوْفِ والرَّجاءِ[12]، إذْ هُوَ حقيقَةُ العُبودِيَّة.

قال الله تعالى: {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا} (السجدة: 16)، أي: خوفاً من عقابه، وطمعاً في رحمتِه وثوابه.

وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((لو وُزِنَ خَوْفُ المؤمِنِ ورجاؤه لاعْتَدَلا))[13].

وفيه إشارةٌ إلى ما ذهبت غليه الخوارج والمرجئة، فإن الخوارج أيِسوا من ثواب الله بارتكاب الكبيرة، والمرجئة أمِنوا من العذاب [مع][14] ارتكابها، فهما في طرَفي التفريط والإفراط، وخيرُ الأمورِ أوسطُها، وهو مذهبُ أهلِ السنةِ والجماعة.

قوله: (ولا يخرُجُ العبدُ من الإيمان إلا بجحود ما أدخلهُ فيه).

لأنَّ الكُفْرَ والإيمانَ مُتَضادّانِ، فلا يَبْطُلُ أحدُهُما إلا بإتْيانِ الآخَرِ، والمُؤمِنُ صارَ مؤمِناً وَدَخَلَ فيْ الإيمانِ بالتصديقِ والإِقْرارِ، فلا يَصِيْرُ كافرآ وخارِجاً عَن الإيمانِ إلا بالجُحُوْدِ والتَّكْذِيْبِ، فإذا ارْتَكَبَ كَبِيْرَةً مَعَ بقاءِ اعْتِقَادِ الْجَزْمِ والتَّصْدِيْقِ والإقْرارِ فلا يَخرُجُ عَنِ الإيْمانِ، فَلا يُحْكَمُ بِكُفْرِ أحَدٍ حتى يُعْلَمَ مِنْهُ جُحُوْدُ ما صارَ بِهِ مؤمِناً.

  1. [1] قال في العقائد النسفية: ((والكبائر لا تخرج العبد المؤمن من الإيمان ولا تدخله في الكفر)). اهـ، قال السعد: ((نعم، إذا كان بطريق الاستحلال والاستخفاف كان كفراً، لكونه علامة للتكذيب، ولا نزاع في أن من المعاصي ما جعله الشارع أمارةً للتكذيب، وعلم كونه كذلك بالأدلة الشرعية، كسجود للصنم، إلقاء المصحف في القاذورات، والتلفظ بكلمات الكفر، ونحو ذلك مما يثبت بالأدلة أنه كفر، وبهذا ينحل ما قيل: إن الإيمان إذا كان عبارة عن التصديق والإقرار ينبغي أن لا يصير المقر المصدق كافراً بشيء من أفعال الكفر وألفاظه، ما لم يتحقق منه التكذيب)). اهـ.
  2. [2] رواه الدارقطني في ((السنن)) (1786)، والديلمي (7320)، وابن عمشيلق في ((جزئه)) (25)، كلهم بلفظ: ((وَإِنْ عَمِلُوا الْكَبَائِرَ , وَصَلُّوا مَعَ كُلِّ إِمَامٍ وَجَاهِدُوا مَعَ كُلِّ أَمِيرٍ وَصَلُّوا عَلَى كُلِّ مَيِّتٍ)).
  3. [3] أي: تصديق النبي عليه الصلاة والسلام بالقلب في جميع ما عُلِمَ بالضرورة مجيئه به من عند الله إجمالاً.
  4. [4] واعلم أن كُلاً منهما رُكنٌ، إلا أن التصديق رُكْنٌ لا يَحْتَمِلُ السقوط أصلاً، والإٌرار قد يحتمله كما في حالة الإكراه والعجز، ونَقَلَ الميدانيُّ عن صاحب العمدة من الحنفية: ((الإيمان هو التصديق، فمن صدَّق الرسول فيما جاء به فهو مؤمن بينه وبين الله تعالى، والإقرار شرطُ إجراءِ الأحكام)). اهـ. فالخلاف في أن الإقرار هل هو شرطُ إجراءِ الأحكام أم ركنٌ يحتَمِلُ السقوط في بعضِ الحالات، والمراد بالأحكام: أحكام الدنيا من الصلاةِ خلفَهُ وعليهِ ودفنِهِ في مقابر المسلمين وغير ذلك، واتفق القائلون بعدم اعتبار الإقرار ركناً على أنه متى طولب أتى به، فإن طولب به فلم يقر فهو كفر وعناد، وهذا ما قالوا: إن ترك العناد شرطٌ، وفسروا تركَ العناد بالإقرار، وبالجملة فقد ضُمَّ إلى التصديق بالقلب أو إليهم في تحقيق الإيمان وإثباتِه أمورٌ، الإخلال بها إخلالٌ بالإيمان اتفاقأً، كتركِ السجودِ للصَنَمِ، وكقتلِ نبيٍّ أو الاستخفاف به أو بالمصحف والكعبة، وكذا مخالفة ما أُجْمِعَ عليه وإنكاره بعد العلم به، قال الإمام أبو القاسم الإسفراييني بعد ذكر هذه الأمور: إذا وُجد ذلك دَلَّنا على أن التصديق الذي هو الإيمان مفقود من قلبه)).
  5. [5] قال السعد في ((شرح العقائد)): الأعمال غيرُ داخلة في الإيمان؛ لما مرَّ من أن حقيقة الإيمان هو التصديق؛ ولأنه قد ورد في الكتاب والسنة عطفُ الأعمال على الإيمان كقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} (البقرة: 277)، مع القطع بأن العطف يقتضي المغايرة، وعدم دخول المعطوف في المعطوف عليه، وورد أيضاً جعلُ الإيمان شرطَ صحةِ الأعمال، كما في قوله تعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ} (النساء: 124) مع القطع بأن المشروع لا يدخل في الشرط؛ لامتناع اشتراط الشيء بنفسه، وورد أيضاً إثباتُ الإيمان لمن تَرَكَ بعض الأعمال، كما في قوله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} (الحجرات: 9)… مع القطع بأنه لا يتحقق الشيء بدون ركنه، ولا يخفى أن هذه الوجوه إنما تقوم حجة على من يجعل الطاعات ركناً من حقيقة الإيمان بحيث أن تاركها لا يكون مؤمناً، كما هو رأيُ المعتزلة، لا على مذهب من ذهب إلى أنها ركن من الإيمان الكامل، بحيث لا يخرج عنه تاركها عن حقيقة الإيمان، كما هو مذهب الشافعي)). اهـ.
  6. [6] الضمير ((واو الجماعة))عائد على المرجئة.
  7. [7] لأن الله تعالى هو الذي خلقَ لك هذا العملَ الصالح، وإنما يجري الكسبُ من العبدِ، فلا يوكن العبدُ فاعلاً لشيء يستَوْجِبُ لهُ الجزاء إلا بمَحْضِ فَضْلِ الله تعالى، قال العارف بالله ابن عطاءِ الله السكندري: ((إذا أراد أن يُظْهِرَ فضلهُ عليك، خَلَقَ ونَسَبَ إليك)) وقال: ((لا تطلب عِوَضاً على عَمَلٍ لستَ له فاعلاً، يكفي من الجزاء لك على العَمَلِ أنْ كانَ له قابلاً))، وقال: ((كيف تطلُبُ الجزاءَ على عَمَلٍ هو مُتَصَدِّقٌ به عليك؟! أم كيف تطلُبُ الجزاءَ على صِدقٍ هُوَ مُهْدِيْهِ إليك؟!)).

    وقال: ((كفى من جزائه إياك على الطاعة أن رَضِيَكَ أهلاً لها)).

  8. [8] متفق عليه، رواهُ البخاري في ((صحيحه)) (5241)، ومسلمٌ في ((صحيحه)) (5036).
  9. [9] وهي الواردةُ في قوله تعال: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ} (الأعراف: 175)، قيل: إنه كان يعلَمُ الاسمَ الأعظَمَ، راجِعْ ما فُسِّرَتْ به الآيةُ في كُتُبِ التفسير.
  10. [10] رواه البخاري في ((صحيحه)) (5552) ومسلم في ((صحيحه)) (4685).
  11. [11] ساقط من الأصول مستَكمَلٌ من المطبوع.
  12. [12] فائدةٌ: قال العارف بالله ابن عطاء الله السكندري: ((إذا أرَدْتَ أنْ يُفْتَحَ لَكَ بابُ الرَّجاءِ فَاشْهَدْ ما مِنْهُ إلَيْكَ، وَإذا أرَدْتَ أنْ يُفْتَحَ لَكَ بابُ الخَوْفِ فاشْهَدْ ما مِنْكَ إِلَيْهِ)).
  13. [13] رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (1038) و(1039) مِنْ كلامِ مُطَرِّف، قال السخاوي في ((المقاصد)) (109): لا أصل له في المرفوع، وإنما يؤثَرُ عن بعضِ السَّلَف، ومعناهُ صحيحٌ)). اهـ.
  14. [14] بالأصل: بالكبيرة، وهو يؤَدِّيْ لِخُلْفٍ في المعنى.
صفحة 118

بيان معنى الإيمان وأنه لا يزيد ولا ينقص

قوله: (والإيمان هو الإقرار باللسان والتصديقُ بالجَنان).

وهو القلبُ، فالحاصل

صفحة 119

أن المشايخ قد اختلفوا في أن الإيمان في الحقيقة عبارته ماذا؟

فقال الشيخ أبو منصور الماتريدي: الإيمان في الحقيقة: التصديق بالقلب، ولكن لما كان ما في القلب أمراً باطناً لا يمكن الوقوف عليه، جعل الشارع الإقرار دليلاً عليه وشرطاً لإجراء الأحكام في الدنيا حتى لو صدَّق بقلبه ولم يُقِرَّ عليه بلسانه يكون مؤمناً عند الله؛ لأنه تعالى عالم بما في القلوب فيعلمُ بتصديقه، لا في أحكام الشرع لعدم الإقرار الذي يدل عليه في حقنا، ونحكم بالظاهر والله يتولى السرائر، وهذا القول مرويٌّ عن أبي حنيفة [في كتاب: ((تعليم المتعلم))][1]

وقال شمس الأئمة[2] وفخر الإسلام[3]: الإقرار باللسان ركن الإيمان كالتصديق، إلا أنه ركن زائد يحتمل السقوط بعذر الإكراه، والتصديق ركنٌ أصلي لا يحتمل السقوط بحال، فمن صدق بقلبه ولم يقر بلسانه بغير عذر لم يكن مؤمناً، وإليه يشير كلام المصنف حيث قال: (الإقرار باللسان والتصديق بالجنان).

صفحة 120

والأعمال ليست داخلة في حقيقة الإيمان كما هو مذهب بعض العلماء، حيث قال: ((الإيمان هو التصديق بالجنان والإقرار باللسان والعمل بالأركان))، وهو محكي عن الشافعي وأحمد وأهل الظاهر.

قال الإمام فخر الدين الرازي[4]: الأعمال داخلة في الإيمان اختلفوا:

فقال الشافعي: ((الفسق لا يخرج الفاسق عن الإيمان))، وهذا في غاية الإشكال؛ لأنه إذا كان الإيمان اسماً لمجموع التصديق والإقرار والأعمال، فينتفي بانتفاء جزءه، فوجب أنْ لا يبقى مؤمناً بدون الأعمال.

والأعمال عُطفت على الإيمان في مواضع كثيرة في القرآن، قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} (البقرة: 25)، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ} (المائدة: 55)، وقال تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ} (التوبة: 18) الآية، والمعطوف غير المعطوف عليه؛ ولأن الإيمان شرطٌ لصحَّة الأعمال، قال الله تعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ} (طه: 112)، والشرط غير المشروط؛ ولأن جبريل لما سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الإيمان لم يُجِبْ

صفحة 121

عنه إلا بالتصديق بأشياء مذكورة في ذلك الحديث حيث قال: ((الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره، ثم قال: هذا جبريل أتاكم يعلمكم معالم دينكم))[5]، فلو كان الإيمان عبارة عن الأعمال مع التصديق والإقرار لبينه النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

قوله: (وأن جميع ما أنزل الله تعالى في القرآن وجميع ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الشرع والبيان كله حق).

لأنه لما ثبت أن القرآن منزل من عند الله وأن الرسول حق، ثبت أن جميع مافي القرآن وما صح من الاحاديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بيان الشرع حق كله؛ لأنه معصوم عن الكذب والباطل.

وإنما ذكر هذا لأن الإيمان التفصيلي بكل واحد مما جاء به نبيه عليه الصلاة والسلام لا يمكن، فيجب الإيمان الإجمالي ليكون إيماناً بكل ما يجب الإيمان به؛ إذ لو أوجبنا عليه التفصيل لعجز عنه، وقد يترك شيئاً يجب الإيمان به؛ إذ لا يمكن المكلف أن يحيط بتفصيل جميع ما في الشرع من الأحكام.

قوله: (والإيمان واحدٌ وأهله في أصله سواء، والتفضيل والتفاضل بينهم بالتقوى ومخالفة الهوى وملازمة الأُوْلى)[6]
صفحة 122

إنما قال: (الإيمان واحد)؛ لأن الإيمان عبارة عن التصديق بجميع ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، ولا تفاوت في ذلك بين المكلفين، وإنما قال: (أهله في أصل الإيمان سواء) يعني: أن إيمان أهل السماء من الملائكة وأهله في الأرض من الإنس والجن في الأصل واحد وهو التصديق بوحدانية الله وإثبات صفاته الذاتية والأفعالية، وبكل ما يجب الإيمان به جملة، وجميع المكلفين في هذا على السواء.

وإلى هذا أشار أبو حنيفة رحمه الله في كتاب ((تعليم المتعلم)) حيث قال: إيماننا مثل إيمان الملائكة، لأنا آمنا بوحدانية الله تعالى وربوبيته ما جاء به من عنده بمث ما أقرَّت به الملائكة وصدقت به الأنبياء الرسل، فمن ها هنا إيماننا مثل إيمانهم، وبعد ذلك لهم علينا فضائل في الثواب على الإيمان وجميع العبادات، وهو زائد على الإيمان؛ لأن الله تعالى كما فضلهم بالنبوة على الناس كذلك فضل عبادتهم وثوابهم، وهم أمناء الرحمن لا يدانيهم أحد من الناس في عبادتهم وخوفهم.

وهذا يدل على أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص[7]؛ لأن أصله هو التصديق بجميع ما يجب الإيمان به، وذلك لا يحتمل الزيادة والنقصان.

صفحة 123

والزيادة الواردة في الإيمان في قوله تعالى: {زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} (الأنفال: 2)، وقوله تعالى: {لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ} (الفتح: 4)، وغيرها محمولة على الزيادة في ثمرات الإيمان بالأعمال الصالحة وإشراق نوره صفائه، قال تعالى: {أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ} (الزمر: 22)، لا على أن المراد به الزيادة في أصل الإيمان عملاً بالدليلين، وإليه أشار بقوله، وإنما التفاصيل بينهم والتفاوت في مراتبهم في أوصاف الإيمان من الاستنارة والضياء وزيادة اليقين والتمسك بالتقوى، ومخالفة هوى النفس الأمارة بالسوء، وملازمة ما هو الأولى في القول والفعل.

قوله: (والمؤمنون كلهم أولياء الرحمن، وأكرمهم عند الله أطوعهم وأتبعهم للقرآن).

والدليل عليه قوله تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا} (البقرة: 257).

و((الولي)) فعيل بمعنى فاعل، أي: الله متولي أمرهم وناصرهم ويقرب منهم بالعون والنصرة والتوفيق على الطاعات والهداية إلى معرفته.

والدليل على أن أكرمهم عند الله أطوعهم وأتبعهم للقرآن قوله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} (الحجرات 13)، وقوله عليه الصلاة السلام: ((لا فضل لعربي على عجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى))[8]، واتباع القرآن دليل على الإطاعة والتقوى.

صفحة 124
قوله: (وأصل الإيمان هو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والبعث بعد الموت والقدر خيره وشره وحلوه ومره من الله تعالى، ونحن مؤمنون بذلك كله، {لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ} (البقرة: 285)، ونصدقهم كلهم بما جاؤوا به).

لما ذكر أولاً أن أهل الإيمان في أصله سواء؛ شرع في بيان أصل الإيمان فقال: (وأصل الإيمان هو الإيمان بالله… إلخ) ففصل بعد ذكره بالإجمال، والأصل فيه آية: {آمَنَ الرَّسُولُ} (البقرة: 285)، وحديث جبريل حين سأل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عن الإيمان، وقد مر ذِكره.

  1. [1] ما بين المعقوفتين ساقط في: (ب)، وفي المطبوع: ((العالم والمتعلم)).
  2. [2] محمد بن أحمد بن سهل، أبو بكر شمس الأئمة ابن سهل السرخسي، من كبار الأحناف، مجتهد، من أهل سرخس (في خراسان)، أشهر كتبه: ((المبسوط)) [في ثلاثين جزءاً، أملاه من حفظه وهو سجين بالجب في أوزجند (بفرغانة) بسبب نصحه للوالي، وله ((شرح السير الكبير للإمام محمد)) منه مجلد مخطوط، و((شرح السير الكبير للإمام محمد- ط))، وهو شرح لـ((زيادات الزيادات)) للشيباني، و((الأصول)) في أصول الفقه، و((شرح مختصر الطحاوي)).

    حكي أنه كان جالساً في حليقة الاشتغال؛ فقيل له: حكي عن الشافعي أنه كان يحفظ ثلاثمائة كراس؛ فقال: ((حفظ الشافعي زكوة ما أحفظ))؛ فحسبت حفظه فكان اثني عشر ألف كراس. [انظر طبقات الحنفية ترجمة رقم (85)، (2/28)، الأعلام للزركلي (5/315). (483هـ)، ولهم كذلك ((شمس الأئمة الحلواني)) وهو عبدالعزيز بن أحمد بن نصر بن صالح، توفي سنة ثمان أو تسع وأربعين وأربعمائة.

  3. [3] تقدمت ترجمته.
  4. [4] الإمام العلم فخر الدين الرازي، (544- 606هـ)، محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري، أبو عبدالله، الإمام المفسر، أوحدُ زمانه في المعقول والمنقول وعلوم الأوائل، وهو قرشي النسب، أصله من طبرستان، ومولده في الرَّيِّ وإليها نسبته، ويقالله: (ابن خطيب الري) رحل إلى خوارزم وما وراء النهر وخراسان، وتوفي في هراة، أقبل الناس على كتبه في حياته يتدارسونها، وكان يحسن الفارسية، من تصانيفه (مفاتيح الغيب- ط) ثماني مجلدات في تفسير القرآن الكريم، وهو من أعظم التفاسير الموجودة، و(لوامع البينات في شرح أسماء الله تعالى والصفات- ط)، و(معالم أصول الدين- ط)، و(محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين من العلماء والحكماء والمتكلمين). وانظر الأعلام (6/313).
  5. [5] سبق تخريجه
  6. [6] قال الميداني: قال في المسايرة: ((قال أبو حنيفة وأصحابه: لا يزيد الإيمان ولا ينقص، واختاره من الأشاعرة إمام الحرمين وكثير، وذهب عامتهم إلى زيادته ونقصانه..، والحنفية ومعهم إمام الحرمين وغيره لا يمنعون الزيادة والنقصان باعتبار جهات هي غير نفس الذات، بل بتفاوته يتفاوت المؤمنون. وروي عن أبي حنيفة أنه قال: ((أقول: إيماني كإيمان جبريل، ولا أقول: إيماني مثل إيمان جبريل))؛ لأن المثلية لا تقتضي المساواة في كل الصفات، والتشبيه لا يقتضيه، فلا أحد يسوي بين إيمان آحاد الناس وإيمان الملائكة والأنبياء، بل يتفاوت، غير أن ذلك التفاوت بزيادة ونقص في نفس الذات أو بأمور زائدة عليها؟ فمنعوا _أي: الحنفية وموافقيهم_ الأول وقالوا: ما يتخيل من القطع أن يتفاوت قوة، إنما هو راجع إلى جلائه... وقد ذكروا _يعني الحنفية وموافقيهم_ أنه يتفاوت بإشراق نورهوثمراته، فإن كان زيادة إشراق نوره هو زيادة القوة والشدة فلا خلاف في المعنى؛ إذْ يرجع النزاع إلى أن الشدة والقوة التي اتفقنا على التفاوت بها زيادةً ونقصاناً هل هي داخلة في مقومات حقيقة اليقين أو خارجة عنها، فقد اتفقنا على ثبت التفاوت بأمر معين والخلاف في نسبته إلى تلك الماهية لا عبرة به، وإن كان زيادة إشراقه غير زيادة القوة فالخلاف ثابت)). اهـ. ونقل الميداني عن الشيخ علوان الحموي قوله: ((والحاصل أن الخلاف لفظي، فمن قال بالزيادة والنقصان في الإيمان اعتبر زيادة أوصافه ونقصانها، كقوته وضعفه، ومن فنى الزيادة والنقصان عنه نظر إلى ذاته التي هي مجرد التصديق في نفسه وهو الأولى بالاعتبار عند أولي الأبصار)).
  7. [7] قال السعد في ((شرح العقائد)): ((حقيقة الإيمان لا تزيد ولا تنقص؛ لما مر من أنه: ((التصديق القلبي الذي بلغ حد الجزم والإذعان)). وهذا لا يُتصور فيه زيادة ولا نقصان، حتى إن من حصل له حقيقة التصديق، فسواء أتى بالطاعات أو ارتكب المعاصي، فتصديقه باقٍ على حاله لا تغير فيه أصلاً، والآيات الدالة على زيادة الإيمان محمولة على ما ذكره أبو حنيفة رحمه الله من أنهم كانوا آمنوا في الجملة، ثم يأتي فرض بعد فرض، فكانوا يؤمنون بكل فرض خاص… وقيل : المراد زيادة ثمرته وإشراق نوره وضيائه في القلب، فإنه يزيد بالأعمال وينقص بالمعاصي)).اهـ.
  8. [8] رواه أحمد في ((مسنده)) (22391)، والطبراني في ((المعجم الأوسط)) (4905)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (5137)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (3/100)، والحارث في ((بغيته)) (46) باب التبليغ.
صفحة 124

تفصيل آخر في حكم مرتكب الكبيرة

قوله: (وأهل الكبائر[1] في النار لا يخلدون إذا ماتوا وهم موحدون إن لم يكونوا تائبين بعد أن يكونوا عارفين[2]).

المسلم إذا ارتكب كبيرة ومات قبل التوبة وهو موحد لم يشرك بالله فهو وإن دخل في النار لا يخلد فيها، بل مآل أمره أن يخرج من النار ويدخل الجنة، وفيه رد لقول المعتزلة القائلين بأنه يخلد في النار أبداً ولا يخرج منها، وهذا بناءً على أن مرتكب الكبيرة لا يخرج من الإيمان عندنا، وعندهم يخرج، فإذا لم يتب يكون عندهم كافراً فيخلد في النار وقد مر التحقيق فيه.

صفحة 125

وعندنا لما كان مؤمناً لا يخلد في النار، ويكون عاقبة أمره الجنة، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا} (الكهف: 107)، وهذا  الشخصُ مؤمن وقد عمل الصالحات من الصلاة والصيام، لكنه ارتكب الكبيرة لغلبة الشهوة مع الاعتقاد بالحرمة وخوف العقوبة، فيكون عاقبته الجنة؛ ولأنه تعالى قال: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} (النساء: 48)، فرق بين الشرك وما دونه، وأخبر أن الشرك غير مغفور، وأطمع في مغفرة ما دونه حيث علق بالمشيئة وأن ما يتعلق بالمشيئة جائز الوجود لا ممتنع الوجود، فجاز أن يغفر الله الكبيرة فلا يدخله النار، أو يدخله ثم يخرجه منها برحمته، قال تعالى: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ} (الرعد: 6)، أي: حال ظلمهم، وذلك يدل على جواز المغفرة قبل التوبة؛ ولأن توحيد ساعة يهدم كفر مائة سنة فكيف لا يهدم معصية ساعة، ولكن ثبت تعذيب أهل الكبائر بالنصوص، فلا أقل من رجاء العفو، وقد قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} (الزمر: 53)؛ ولأنه تعالى قال: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} (الزلزلة: 7-8)، فمن آمن وعمل الصالحات لكنه ارتكب المعاصي لو لم يخرج من النار لما رأى ثواب الإيمان والأعمال؛ ولأنه لا بد من الجمع بين العمومين، فإما أن يقال صاحب الكبيرة يدخل الجنة بإيمانه ثم يدخل النار بمعاصيه وهو باطل، أو يدخل النار أولاً بكبيرته ثم ينقل إلى الجنة وهو الحق.

قوله: (وهم).

أي: أهل الكبائر.

(في مشيئة الله وحكمه إن شاء غفر لهم وعفا عنهم بفضله كما ذكره في كتابه العزيز: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} (النساء: 48).).

يعني لا يقطع بعقوبة أهل الكبائر ولا بثوابهم، بل حكمهم إذا ماتوا قبل التوبة

صفحة 126

في مشيئة الله إن شاء عفا عنهم بفضله رحمته أو شفاعة نبي أو ولي من عباده، وإن شاء عذبهم بقدر جنايتهم ثم أدخلهم الجنة، وفيه رد لقول الخوارج والمعتزلة القائلين بأن تعذيبهم قطعاً ولا يجوز العفو عنهم إذا ماتوا بلا توبة، وردٌّ لقول المُرجئة الذين يزعمون أن المؤمن لا يدخل النار أصلاً وإن أتى بجميع المعاصي ومات قبل التوبة، وإلى رد القول الأول أشار بقوله:

(إن شاء غفر لهم).

وإلى رد القول الثاني بقوله:

(وإن شاء عذبهم في النار بقدر جنايتهم بعدله ثم يخرجهم منها برحمته وشفاعته وشفاعة الشافعين من أهل طاعته ويبعثهم إلى جنته ذلك بأن الله مولى أهل معرفته).
(ولم يجعلهم في الدارين).

أي دار الدنيا ودار الآخرة.

(كأهل نكرته).

أي أهل نكران المعرفة والإيمان الذين خابوا من هدايته ولم ينالوا من كرامته، وقد دلت النصوص على انتفاء التسوية بين أهل المعرفة وهم المسلمون وبين أهل الإنكار وهم الكافرون في الآخرة، قال الله تعالى: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا} (الجاثية: 21)، {أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين} (ص: 28)؛ ولأن الحكمة تقتضي تفضيل أهل المعرفة على أهل النكرة، فلو خلدوا جميعاً في النار بطلت التفرقة وثبتت التسوية، ويلزم من ذلك أن لا ينفع الإيمان والمعرفة.

والدليل على تعذيب أهل الكبائر ثم إخراجهم من النار إلى الجنة بشفاعة الشافعين: قولُ النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن أناساً أصابتهم النار بذنوبهم فأماتتهم إماتة حتى إذا صاروا فحماً أذن بالشفاعة، فجيء بهم ضبائر ضبائر فيأتون على أنهار الجنة ثم قيل يا أهل الجنة

صفحة 127

أفيضوا عليهم من الماء، فينبتون نبات الجنة من حميل السيل))[3] أخرجه مسلم، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((يخرج قوم من النار بشفاعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فيدخلون الجنة فيسمون الجهنميين)) أخرجه البخاري[4].

قوله: (اللهم يا ولي الإسلام مسِّكنا بالإسلام حتى نلقاك به).

إنما طلب الثبات على الإسلام إلى الموت؛ لأن السعادة الأبدية _وهي الخلود في الجنان في جوار الرحمن مع أنواع الروح والريحان_ إنما تحصل بالثبات على الإسلام إلى أن يلقى الله بعد الموت، لأن الاعتبار بالخواتيم، والأنبياء مع عصمتهم طلبت الثبات على الإسلام والموت عليه، قال الله تعالى إخباراً عن يوسف عليه السلام: {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} (يوسف: 101)، فغيرهم أولى، والاقتداء بهم أحسن؛ ولأن المؤمنين بين الخوف والرجاء إلى أن يموت على ملة الإسلام، فوجب الاهتمام بطلب الثبات عليها إلى الموت.

  1. [1] أي: أهل الكبائر (من أمة محمد) كما في بعض النسخ، قال الميداني: ((وكذا جميع أمم الأنبياء عليهم السلام، وخصه بالذكر إما لاتفاق الحكم في جميع الأمم فإذا علم حكم أمته علم الحكم في جميع الأمم الماضية، حيث كانوا كلهم جاؤوا بالتوحيد، وإما لكونهم داخلين في حكم أمته، حيث كان العهد مأخوذاً عليهم إن أدركوه ليؤمنن به، فرسالته عامة لجميع الأمم
  2. [2] في نسخة الطحاوية: (مؤمنين)، قال الميداني: وبه (مؤمنين) بلا ترديد.
  3. [3] رواه مسلم في ((صحيحه)) (271)، وابن ماجه في ((السنن)) (4299)، وأحمد في ((مسنده)) (10655)، والدارمي (2817)، وابن حبان (184)، وأبو يعلى (1370)، ومن غريب الحديث: ((ضبائر)) مفردها: ضبارة، والضبائر جماعات الناس، تقول: رأيتهم ضبائر، أي: جماعات في تفرقة، جمع ضبارة.
  4. [4] في ((الصحيح)) برقم (6198)، ورواه أيضاً أحمد (19911)، وأبو داود (4740).
صفحة 127

أحكام الإمامة

قوله :(ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر[1]
صفحة 128

أما جواز الصلاة؛ فلقوله عليه الصلاة والسلام: ((صلوا خلف كل بر وفاجر))[2]؛ ولأن ترْكَ رؤيةِ الصلاة خلف الفاجر توهمُ التكفير بالكبائر، وقد قام الدليلُ على بطلانه؛ ولأن الصحابة كانوا يصلون خلف الظلمة من بني أمية؛ ولأن العصمة ليستْ بشرطٍ لصحة الإمامة كما هو مذهب الروافض، وأما الصلاةُ خلف من مات من المُذنِبين فثابتةٌ بفعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث صلى على ماعز بعد أن رجمه بعدما زنى؛ ولأن الصلاةَ لحق الإسلام، وهو مسْلم لم يخرج من الإسلام بفجوره.

قوله: (ولا ننزل أحداً منهم جنةً ولا ناراً).

أي: لا نقول لأحدٍ: إنه من أهل الجنة وإن عمل الصالحات، ولا من أهل النار وإن عمل السيئات؛ ولأن الغيب لا يعلمه إلا الله، فجائز أن يموتَ الطالحُ صالحاً ويختم له بخير والصالحُ طالحاً ويختم له بِشَرّ.

قوله: (ولا نشهدُ عليهم بكُفرٍ ولا بِشِرْكٍ ولا بنفاق ما لم يظهر منهم شيءٌ من ذلك).

إذ نحن نحكمُ بالظاهرِ والله يتولى السرائرَ، فلا يجوز لنا الشهادةُ إلا بما نعلم.

قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((إذا علمت مثلَ الشمس فاشهدْ [وإلا فدع]))[3]؛ ولأن الشهادة بدون ظهور شيء من ذلك تكون بالظن، وقد قال تعالى: {اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} (الحجرات: 12).

صفحة 129
قوله: (ونذر).

أي: نترك.

(سرائرهم إلى الله).

لأنه هو المطلع عليها دون العباد يعلم السر وأخفى، قال الله تعالى: {قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ} (آل عمران: 29)، وإليه أشار النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر))[4]، وحديث: ((هلا شققت عن قلبه))[5] معروفٌ.

قوله: (ولا نرى السيف[6] على أحد من أمة محمد عليه الصلاة والسلام [إلا من وجب عليه السيف][7]).

لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها)) مثل الردة والقصاص والبغي.

قوله: (ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا).

أي: ظلموا.

(ولا ندعوا عليهم[8] ولا ننزع يداً من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله فريضةً).

وذلك لأن العصمة ليست بشرط في الإمام، فهو وإن ظلم لايخرج عن الإمامة، فالخروج عليه بغي وفساد في الأرض وإثارة فتنة بين أهل الإسلام كما هو مذهب الخوارج، وقد قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} (النساء: 59) مطلقاً، فيتناول وجوب طاعة الإمام العادل وغيره، فتكون طاعتهم ثابتةً بالكتاب مثل طاعة الله وطاعة رسوله، فتكون فريضة.

صفحة 130

وإنما يجب علينا إطاعتهم فيما إذا دعوا إلى طاعة أو إلى ما فيه مصلحة دينية أو دنيوية، وليس فيه معصية؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق))[9].

قوله: (وندعوا لهم بالصلاح والمعافاة).

لأن في ذلك رجاء الإجابة، وفيها عموم الصلاح للإمام والرعية، وتسكين الفساد والفتنة، والدعاء بالمعافاة شاملة لمصالح الأديان والأبدان، وفي صلاح أبدانهم نفعٌ عامٌّ؛ لأنهم بذلك يقدرون على الجهاد وقطع مادة الظلم والكفر والفساد، وكذا في صلاح دينهم صلاح عام؛ لأنهم إذا صلحوا حملوا الرعية على ذلك؛ إذْ الناس على دين ملوكهم.

قوله: (ونتبع السنة والجماعة).

لأن السنة هي الطريقة المسلوكة في الدين، وهي مفضية إلى السعادة والفوز بالدرجات والنجاة من العقوبة، والجماعة هم ((الصحابة والذين اتبعوهم بإحسان))، واتباعهم هدىً: ((بأيهم اقتديتم اهتديتم))[10]، وخلافهم بدعة وضلالٌ، والنبيُّ

صفحة 131

عليه الصلاة والسلام قد حرض على اتباع السنة والجماعة بقوله: ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي))[11] وقوله عليه السلام: ((من فارق الجماعة شبرا فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه))[12]، أخرجه مسلم.

قوله: (ونجتنب الشذوذ والخلاف والفُرقة).

لقوله عليه الصلاة والسلام: ((من شذَّ شذَّ في النار))[13].

وقد حث النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ملازمة اتباع الجماعة ونهى عن اتباع محدثات الأمور ومفارقة الجماعة.

وروي أنه صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم: ((أقبل إلينا بوجهه، فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب فقال رجل: يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع؛ فماذا تعهد إلينا؟ قال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن عبداً حبشياً؛ فإنه من يَعِشْ منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً؛ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين والمهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة))[14] أخرجه أبو داود والترمذي.

صفحة 132
قوله: (ونحب أهل العدل والأمانة، ونبغض أهل الجور والخيانة).

أراد بأهل العدل والأمانة: أهلَ الحق من أهل السنة والجماعة المتمسكين بالعدل وأداء ما يجب عليهم من الأمانة من الولاة والسلاطين، وأراد بأهل الخيانة: أهل الخلاف والجور والبغي والفساد والخيانة فيما يجب عليهم من الحقوق والجائرين من الولاة.

والمراد بحبهم وبغضهم حب أفعالهم وبغض أفعالهم لا ذواتهم.

وقد أمر الله تعالى بالعدل فيكون محبوباً ونهى عن البغي والجور فيكون مبغوضاً، قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} (النحل: 90).

قوله: (ونقول: ((الله أعلم)) فيما اشتبه علينا علمه).

إنما ذكر هذا لئلا يقع في الشك فيما ذكرناه من العقائد عندما يشتبه عليه شيء أو يعتريه سؤال ولا يقدر على دفعه، فحينئذ يجب أن يفوض أمر ذلك وعلمه إلى الله؛ فإنه هو العالم بحقائق الأشياء، {لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ} (سبأ: 30)، ولا يمكن للبشر معرفة كنه دقائق الأشياء وحقائقها إلا بتعليمِ وإلهامِ وتوفيقِ مَنَ أطاعَه؛ لأن الملائكة مع صفاء جواهرهم اعترفوا بالعجز عن العلم من ذواتهم حيث قالوا: {لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا} (البقرة: 32)، فكيف البشر مع شواغلهم عن التوحيد إلى جناب القدس، وقد قال تعالى: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} (الإسراء: 85)، {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ} (البقرة:255)؛ فإن عقول البشر قاصرةٌ عن إدراك كثير من الاشياء، فإذا اشتبه عليه شيء يجب أن يفوض علم ذلك إلى الله تعالى ويقول: ((الله أعلم))؛ لقوله تعالى: {وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} (غافر: 44).

  1. [1] قال الميداني: ((وهذا إذا لم يؤدِّ الفسقُ أو البدعةُ إلى حب الكفر، وإلا فلا كلام في عدم جواز الصلاة خلفه، كذا في ((شرح العقائد)).
  2. [2] رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (6623)، والدارقطني في ((السنن)) (1785)، وقال: منحولٌ لم يسمع من أبي هريرة رضي الله عنه، ومَن دونَه ثقات.
  3. [3] رواه البيهقي في ((الشعب)) (10539)، والعقيلي في ((الضعفاء الكبير)) (1777) من طريق سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما بلفظ: ((أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سُئِل عن الشهادة فقال: رأيتَ الشمسَ فاشهد على مثلِها أو دع)).
  4. [4] سبق تخريجه
  5. [5] رواه مسلم في ((صحيحه)) (140)، وأبو داود في ((السنن)) (2272)، وأحمد في ((مسنده)) (19090) وآخرون.
  6. [6] قال الميداني: (ولا نرى السيف) أي: سفك الدماء واجباً.
  7. [7] ساقط في: (أ).
  8. [8] (ولا ندعوا عليهم) لما يلزم من نفرة القلوب ووقوع المُشاقة وربما أغراهم ذلك على شدة الظلم.
  9. [9] رواه أحمد في ((مسنده)) (1041)، وعبدالرزاق في ((مصنفه)) (3788)، وأحمد (20672)، والحاكم (5870)، وقال: صحيح الإسناد، والطبراني (367)، والحارث في ((البغية)) (601)، والدليمي (3647) بنحوه مطولاً، وفي الصحيحين بلفظ: ((لا طاعة لأحد في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف)).
  10. [10] شطر حديث: ((أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)) قال الحافظ ابن حجر في ((تلخيص الحبير)) بعد ذكره لطرق الحديث وبيان ضعفها: ((وقال البيهقي في ((الاعتقاد)) عقب حديث أبي موسى الأشعري الذي أخرجه مسلم بلفظ: ((النجوم أمنة أهل السماء، فإذا ذهبت النجوم أتي أهل السماء ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتي أمتي ما يوعدون))، قال البيهقي روي في حديث موصول بإسناد غير قوي؛ يعني: حديثَ عبدِالرحيم العَمِّيِّ، وفي حديث منقطع؛ يعني حديثَ الضحاك بنِ مُزاحم: ((مَثل أصحابي كمثل النجوم في السماء، من أخذ بنجم منها اهتدى))، والذي رويناه هاهنا من الحديث الصحيح يؤدي بعض معناه، قلت: صدق البيهقي، هو يؤدي صحة التشبيه للصحابة بالنجوم خاصة، أما في الاقتداء فلا يظهر في حديث أبي موسى، نعم؛ يمْكن أن يتلمح ذلك من معنى الاهتداء بالنجوم، وظاهر الحديث إنما هو إشارة إلى الفتن الحادثة بعد انقراض عصر الصحابة من طمسِ السنن وظهور البدع وفُشُوِّ الفجور في أقطار الأرض، والله المستعان)) [انظر ((تلخيص الحبير)) (4/462) ط. العلمية بيروت.].
  11. [11] رواه أبو داود في ((السنن)) (3991)، والترمذي في ((السنن)) (2600)، وابن ماجه في ((السنن)) (42)، وغيرهم.
  12. [12] سبق تخريجه.
  13. [13] رواه الحاكم في ((المستدرك على الصحيحين)) (358)، والطبراني في ((المعجم الأوسط)) (5009).
  14. [14] رواه أبو داود في ((السنن)) (3991)، ونحوه الترمذي في ((السنن)) (2600)، وابن ماجه في ((السنن)) (42).
 
Top