بيان جملة من السمعيات – المكتبة الإسلامية الحديثة

بيان جملة من السمعيات

صفحة 93

بيان جملة من السمعيات

صفحة 93

ذِكْرُ حوضِه صلى الله عليه وآله وسلم

قوله: (والحوض الذي أكرمه الله غياثاً لأمته حق، والشفاعة التي ادخرهالهم حق كما رُوي في الأخبار).

أما الحوض فلِما روى أبو ذر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا آنِيَةُ الْحَوْضِ؟[1] قَالَ: وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَآنِيَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ وَكَوَاكِبِهَا، أَلَا فِي اللَّيْلَةِ الْمُظْلِمَةِ الْمُصْحِيَةِ، آنِيَةُ الْجَنَّةِ مَنْ شَرِبَ مِنْهَا لَمْ يَظْمَأْ آخِرَ مَا عَلَيْهِ، يَشْخَبُ فِيهِ مِيزَابَانِ مِنَ الْجَنَّةِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَظْمَأْ، عَرْضُهُ مِثْلُ طُولِهِ، مَا بَيْنَ عَمَّانَ إِلَى أَيْلَةَ، مَاؤُهُ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ))[2] رواه مسلم.

وقال أنس: ((سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا الكَوْثَرُ؟ قَالَ: نَهْرٌ في الجنة أَعْطَانِيهِ اللَّهُ في الجنة، أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ العَسَلِ))[3] روا الترمذي.

  1. binari option [1] يعني: كِيْزانُهُ التي للشُّرب.
  2. source url [2] رواه مسلم في ((صحيحه)) (4255)، ونحوه الترمذي في ((السنن)) (2369)، وابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (33)، وأحمد في ((مسنده)) (20364).
  3. ok site rencontre [3] رواه الترمذي في ((السنن)) (2465)، ونحوه أحمد في ((مسنده)) (11558).
صفحة 93

ذِكْرُ شفاعتِه صلى الله عليه وآله وسلم

وإنما قال: click (غياثاً لأمته) إذ الناس عند شدة عطشهم لدنو الشمس منهم وعظيم كربِهِم يرِدُون عليه فيكون غياثاً عند مساس الحاجة في كربات الموقف يوم القيامة، فيكون كعطشان في البرية ورد على حوض ماؤه أبرد من الثلج.

وأما الشفاعة[1] فلِما رَوَى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك قال: ((قال رسول

صفحة 94

الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ مَاجَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ، فَيَأْتُونَ آدَمَ، فَيَقُولُونَ: اشْفَعْ لذريتك، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِإِبْرَاهِيمَ فَإِنَّهُ خَلِيلُ الله، فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُوسَى فَإِنَّهُ كَلِيمُ اللَّهِ، فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِعِيسَى فَإِنَّهُ رُوحُ اللَّهِ، وَكَلِمَتُهُ، فَيَأْتُونَ عِيسَى، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُحَمَّدٍ، فأوتى فَأَقُولُ: أَنَا لَهَا، فأنطلق فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي، فَيأذَنُ لِي، فأقوم بين يديه وأحمده بمحامد لا أقدر عليها إلا أن يلهمَنيها الله، ثم أخر ساجداً لربي فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ تسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيَقُولُ: انْطَلِقْ فمن كان في قلبه مثقال حبة من خردل من بُرَّة أو شعيرة من الإيمان فأخرجه منها، إلى أن قال: فمن كان في قلبِه أَدْنَى من مِثْقَالِ حَبَّةٍ من خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَأَخْرِجْهُ مِنَ النَّارِ فَأَفْعَلُ))[2].

وروى جابر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((شفاعتي لأهل الكبائرمن أمتي))[3] رواه الترمذي.

(والميثاق الذي أخذه الله تعالى من آدم صلوات الله عليه وذريته حق)[4] 
صفحة 95

دل عليه قوله تعالى: { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} (الأعراف: 172).

ولكن العلماء أثبتوا أخْذَ الميثاق ولم يتكلموا في كيفيته لكونه من المتشابهات، وأوجبوا اعتقاد حقيقته لوروده في اكتاب.

وذكر الشيخ أبو منصور في تأويله عن بعض أهل التأويل أن الله تعالى إنما قال: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} عندما خلق آدم وأخرج من يكون من ذريته إلى يوم القيامة مثلَ الذرّ فعرض عليهم قوله: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى}.

ثم اختلف هؤلاء فيما بينهم، فمنهم من قال: إنه جعلهم بالمبلغ الذي يجري على مثلهم قلمُ التكليف بأن جَعَلَ فيهم الحياةَ والعقل وهو قولُ الحسن البصري[5].

صفحة 96

ومنهم من قال: عَرَضَ ذلك على الأرواح دون الأبدان.

وقال بعضهم: خلقهم صفَّين، فقال: هؤلاء للجنة، ولا أبالي، وهؤلاء للنار، ولا أبالي، وما عرض عليهم قوله: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ}.

وقال بعضهم: عرض على الكل التوحيد فقال: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ}، وأعلمهم ما عليه أحوالهم في الدنيا من الفقر والغنى والأجل ونحو ذلك.

قوله: (وقد علم الله فيما لم يَزَل عددَ من يدخل الجنة وعدد من يدخل النار جملة واحدة، فلا يُزاد في ذلك العدد ولا يُنقَصُ منه، وكذلك أفعالهم فيما علم منهم أن يفعلوا).

إنما ذكر ذلك إثباتاً لسعة علم الله عز وجل وأزليته ولإثبات القضاء والقدر قطعاً لمادة الشك في القضاء والقدر ودفعاً لتلبيس أوهام القدرية حيث قالوا: كيف يُعذِّب اللهُ على ما قضاه وقدَّرَهُ؟ فبيَّن بقوله: metatrader 4 lezioni dal vivo in italiano (قد عَلِمَ الله) إلى آخره أن من يدخل الجنة يؤمن ويطيع عن اختيار، فعلم عددهم، وأن من يدخل النار ويكفر ويخالف الأوامر عن اختيار لا عن جبر واضطرار فيستحيل أن لا يعلم من خَلَقَهم {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} (الملك: 14)، ولماقضى الله وقدر على الطائفتين بذلك وحكَمَ، دلَّ على علمِه بعددهم، إذ القضاء لا يكون بدون العلم، وهو لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، فكيف لايعلم بعدد من يدخل الجنة والنار؟!!، وكذا أفعالهم بخلقه فيكون عالماً بها.

قوله: (فكلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ له).

قال جابر: ((جَاءَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ فقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ بَيِّنْ لَنَا دِينَنَا كَأَنَّا خُلِقْنَا الْآنَ، فِيمَا الْعَمَلُ الْيَوْمَ؟ فِيمَا جَفَّتْ بِهِ الْأَقْلَامُ وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ؟ أَمْ فِيمَا نَسْتَقْبِلُ؟ قَالَ: بَلْى فِيمَا جَفَّتْ بِهِ الْأَقْلَامُ وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ. قَالَ: فَفِيمَ الْعَمَلُ؟ قَالَ: اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلِقَ له، وكلٌّ عاملٌ بعمله))[6] رواه البخاري ومسلم.

صفحة 97

وفي حديث آخر: ((اعملوا وقاربوا ويسروا، فكلٌّ ميسر لما خُلق له))[7].

قوله: (والأعمال بالخواتيم).

لِما رُويَ عن أبي هريرة أن النبي قال: ((إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ الزَّمَنَ الطَّوِيلَ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ يُخْتَمُ لَهُ عَمَلُهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، ثُمَّ يُخْتَمُ لَهُ عَمَلُهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ))[8]رواه مسلم[9]

صفحة 98
وورد أيضاً: ((إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى يبقى بينه وبين الجنة باع أو ذراع، فتدركه الشقاوة فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى يبقى بينه وبين النار باع أو ذراع فتدركه السعادة فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة))[10].

  1. exemple premier message pour site rencontre [1] نقل الميداني عن السنوسي: لا شك أن مما يجب الإيمان به لتواتره ووقوع الإجماع عليه ثبوت الشفاعة لسيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم في إراحة الناس في الموقف، واختصاصُها به أمر مستفيض مشهور في الصحاح. وقال السعد: ((لنا قوله تعالى: {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} (المدثر: 48) فإن أسلوب هذا الكلام يدل على ثبوت الشفاعة في الجملة، وإلا لما كان لنفي نفعها عن الكافرين عند القصد إلى تقبيح حالهم وتحقسق بأسهم معنى.)) اهـ. وقال: ((الأحاديث في باب الشفاعة متواترة المعنى)). اهـ.
  2. starstruck rencontre avec une star streaming purevid [2] رواه البخاري في ((صحيحه)) (6956)، ومسلم في ((صحيحه)) (286).
  3. go to site [3] رواه أبو داود في ((السنن)) (4114)، والترمذي في ((السنن)) (2359)، وأحمد في ((مسنده)) (12745)، وأبو يعلى في ((مسنده)) (5813)، وفي ((معجمه)) (198). قال الهيثمي (7/5): رجاله رجال الصحيح غير حرب بن سريج وهو ثقة.
  4. follow [4] قال السعد في التلويح: ذهب جمع من المفسرين إلى أن الله تعالى أخرج ذرية آدم بعضهم من بعض على حسب ما يتوالدون إلى يوم القيامة في أدنى مدة، كموت الكل بالنفخ في الصور، وكحياة الكل بالنفخة الثانية، فصورهم واستنطقهم وأخذ ميثاقهم، ثم أعادهم في صلب آدم، ثم أُنسِينا تلك الحالةَ ابتلاءً لنؤمن بالغيب. وقال ابن عطاء الله السكندري: ((أشهدك من قبل أن يستشهدك فنطقتْ بألوهيته الظواهر، وتحققتْ بأحديته القلوب والسرائر)).
  5. source link [5] هو الإمام أبو سعيد الحسنُ بنُ يسار البَصريُّ رضي الله عنه، من أجلِّ التابعين وأئمتهم، كان إمام أهل البصرة، وحبرَ الأمة في زمانه، وُلد بالمدينة، وشب في كنف سيدنا ومولانا علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم الله وجهه، واستكتبه الربيع بن زياد والي خراسان في عهد معاوية رضي الله عنه، وسَكَنَ البصرةَ وعظُمَتْ هيبتُه في القلوب، فكان يدخُلُ على الوالاة فيأمرهم وينهاهم، لا يخاف في الحق لومة.

    قال عنه الإمام الغزالي رضي الله عنه: ((كان الحسن البصري أشبه الناس كلاماً بكلام الأنبياء، وأقربهم هدياً من الصحابة)).

    وقد سُئل الإمامُ الحسنُ البصريُّ عن الله فقال: ((إن سألْتَ عن ذاتِه فـ{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، وإن سألتَ عن صفاته فـ{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} (سورة الإخلاص)، وإن سألتَ عن أسمائه فـ{هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} (الحشر: 22)… الآيات، وإن سألْتَ عن أفعاله فـ{كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} (الرحمن: 29)، قيل: يَغفرُ ذنْباً ويَكشفُ كَرْباُ ويَبْتليْ أقواماً ويُعافيْ آخرين)). انتهى. [انظر كتاب ((شرح عقيدة الإمام أبي حامد الغزالي رضي الله عنه)) للعارف أحمد زروق الفاسي رضي الله عنه، بتحقيق أخينا الدكتور محمد نصار ص59]. توفي بالبصرة (110هـ)..

  6. https://www.gemeinde-stammham.de/destolo/886 [6] رواه بلفظه مسلم في ((صحيحه)) (4788)، وبنحوه الإمام البخاري (4945)، وابن ماجه في ((السنن)) (88). وأحمد (14148)، وابن حبان (3919). والطبراني في ((الكبير)) (6567)، ولفظ البخاري: ((عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَقِيعِ الغَرْقَدِ فِي جَنَازَةٍ، فَقَالَ: ((مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ، وَمَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ))، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلاَ نَتَّكِلُ؟ فَقَالَ: ((اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ)) ثُمَّ قَرَأَ: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالحُسْنَى} (الليل: 5-6) إِلَى قَوْلِهِ {لِلْعُسْرَى})).
  7. http://blossomjar.com/pacinity/1350 [7] رواه البخاري في ((صحيحه)) (4568)، ونحوه مسلم في ((صحيحه)) (4787)، والترمذي في ((السنن)) (2062).
  8. [8] رواه مسلم في ((صحيحه)) (4791)، ونحوه الترمذي في ((السن)) (2067)، وأحمد في ((مسنده)) (11768).
  9. [9] يجب فهمُ هذا الحديث _كما ذكر فضيلة العلامة البوطي حفظه الله_ في ضوء الرواية الأخرى التي جاءت في صحيح الإمام البخاري (3885) من حديث سهل بن سعد الساعدي: ((إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَإِنَّهُ لَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ))؛ وذلك دفعاً للتعارض بينه وبين كثير من النصوص الواردة في الشرع، كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} (البقرة: 143)، وقال تعالى:{أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى} (آل عمران: 195)، وقوله تعالى: {إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا} (الكهف: 30).

    فقوله: ((بمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ)) أي: يعمل بعمل أهل الجنة ظاهراً من دون أن يكون مخلصاً لله فيه، فيأبى الله إلا أن يفضحه فينحرف في خاتمة عمله عن الاستقامة التي كان يتظاهر بها أمام الناس، والآخر يعمل بالمعصية ظاهراً لكنه متلبسٌ بحالة قلبية من الانكسار والذلة بين يدي الله سبحانه فيختم الله له بخاتمة حسنة بشرح صدره للتوبة والإنابة في آخر حياته.

  10. [10] رواه البخاري في ((صحيحه)) (6105)، وأبو داود في ((السنن)) (4085)، وابن ماجه في ((سننه)) (73).
صفحة 98

بيان معنى السعادة والشقاء

قوله: (والسعيد من سَعِدَ بقضاء الله، والشقي من شقي بقضاء الله تعالى).

لما روى ابن مسعود قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو الصادق المصدوق: ((إن خلق يُجمع في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، فيبعث الله له ملكاً بأربع كلمات؛ يكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقيٌّ أم سعيد، ثم ينفُخُ فيه الروح))[1] رواه البخاري ومسلم.

  1. [1] رواه البخاري (6900)، ومسلم (4781) في ((صحيحيهما))، ونحوه ابن ماجه في ((السنن)) (73)، وأحمد في ((مسنده)) (3738).
صفحة 98

تفصيل آخر في القدر

(وأصل القدر[1] سر الله تعالى في خلقه، لم يطّلع على ذلك ملكٌ مقرب ولا نبيٌّ
صفحة 99
مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان[2] وسُلم الحرمان، ودرجة الطغيان).

القَدَرُ جَعْلُ كل ما هو واقع في العالم على ما هو عليه من خير وشر ونفع وضر[3]، وبيان ما يقع على سنن القضاء في كل زمان ومكان، وهو تأويل الحكمة والعناية السابقة الأزلية، قال تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} (القمر: 49)، فتكون عقول البشر قاصرة عن الإحاطة بكنه الحِكَمِ الإلهية، والبصائر قاصرةٌ عن إدراك الأسرار الربانية، فيكون القدر من الغيب الذي استأثر الله بعلمه وجعله سراً مكتوماً عن خلقه، لم يُظْهِر ذلك لملك مقرب ولا لنبيٍّ مرسَل، فيكون التعمق فيه وسيلة الخذلان؛ لأن التعمق في طلب الوقوف على الحكمة التي كتمها الله عن الخلق يكون ناشئا عن الإنكار والارتياب، وهما من أوصاف أهل النفاق، فيصير التعمق فيه ذريعة الخُذلان، إذ المخذول هو الذي منع _بسبب خلافه_ عن النصرة والظفر بالحق، ثم باستمراره على النظر فيما مُنِع من النظر فيه يصير نظره سُلَّماً للحرمان عن الثبات على الحق، ثم إذا كمل ولم يرجع عن طلبه يتهي إلى درجة الطغيان، وهو المجاوزة عن الحد المجعول للعبد، فإنه ليس للعبد المنازعة في أحكام مولاه ولا الطلب للاطلاع [على] أسراره، فلذلك رتَّب هذه الكلمات على هذا النسق.

(فالحذر كل الحذر من ذلك نظراُ وفكراً ووسوسةً).

هذه مبالغة في التحذير عن طلب ما حُجِبَ عن العباد علمُه.

(فإن الله طوى علم القدر عن الأنام، ونهاهم عن مرامه).

وإنما نهاهم عن الخوض في القدر؛ لأنه أمر لا سبيل إلى معرفته.

صفحة 100

قوله:

(كما قال تعالى: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} (الأنبياء: 23)،فمن سأل: لِمَ فَعَلَ؟ فقد رَدَّ حُكمَ الكتابِ، ومن رَدَّ حُكْمَ الكتابِ كان من الكافرين).
(فهذه جملة ما يحتاج إليه من هو منوَّرٌ قلبُهمن أولياء الله، وهي درجة الراسخين في العلم).

إنما يعلم بهذا ويقف عليه بمقتضاه من نوَّر الله تعالى قبله باليقين من أولياء، قال تعالى: {أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ} (الزمر: 22)، ثم ذكر لهذا تعليلاً بقوله:

(لأن العلم علمان: علمٌ في الخلقِ موجود، وعلم في الخق مفقود، فإنكار العلم الموجود كفر، وادعاء العلم المفقود كفر، ولا يصح الإيمان إلا بقبول العلم الموجود[4]، وترك العلم المفقود)[5].

إن العلمَ الموجود في اعالم والخلق هو: ما علم بالدلائل الظاهرة والبراهين الباهرة، كالعلم بالصانع كما نصت عليه دلائل الوحدانية، وقدمه وكمال علمه وحكمته، وبرائته من سمات النقص وأمارات الحدوث، وجميع صفات الجلال والإكرام، وكالعلم بجميع الأوامر والنواهي كما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام من الشريعة الغراء الثابتة، بالقرآن المعجز، ومن بيان الحلال والحرام، فهذا العلم كله موجود في الخلق، فيكون إنكارُه كفراً.

وأما العلم المفقود فيهم فهو: العلم الذي أخفاه الله عن خلقه، كعلم الغيب الذي استأثر بعلمه، وكعلم القضاء والقدر وقيام الساعة، كما قال تعالى: {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} (النمل: 65) وقال تعالى: {لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ} (الأعراف: 187) فادعاء هذا العلم وطلبه كفر أيضاً، لأنه دعوى المشاركة مع الله عو وجل فيما استأثره.

  1. [1] القدر عند الماتريدية: ((تحديد الله تعالى أزلاً كلَّ مخلوق بحده الذي يوجد به، من حسن وقبح ونفع وخير، وما يحويه من زمان ومكان، وما يترتب عليه من طاعة وعصيان، وثواب وعقاب أو غفران ونحوه)). فالقدر عندهم هو تعلق العلم والإرادة. قال بعضهم: المراد من القدر: أن الله تعالى علم مقادير الأشياء وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد ما سبق في علمه أن يوجد، فكل محدث صادر عن علمه وقدرته وإرادته. ويمكن أن يقال: إن القدر هو: علمه بما يكون في خلق، ثم إيجاد ما سبق في علمه أنه يوجد يُعَبر عنه بقضائه. وعند الأشاعرة: إيجاد الله تعالى الأشياءَ على طِبق ماسبقَ به علمُه وإرادتُه، والإرادة المتعلقة بالأشياء أزلاً هي القضاء عندهم.
  2. [2] الخُذلان بالضم: ترك العون والنصر. ميداني.
  3. [3] قال العارف بالله ابن عطاء الله السكندري: ((ما من نفَس تبديه إلا وله فيك قدَرٌ يُمضيه)).
  4. [4] أي: بقبول العلم الموجود والعمل على مقتضاه.
  5. [5] أي: وترك العلم المفقود بالتسليم وتفويض علمه لمولاه.
صفحة 101

الإيمان باللوح والقلم

قوله: (ونؤمن باللوح والقلم وجميع ما فيه قد رُقِم، ولو اجتمع الخلق كلهم على شيء كتبه الله)

أنه كائن ليجعلوه غير كائن لم يقدروا عليه، ولو اجتمعوا كلهم على شيء لم يكتبه الله فيه أنه كائن

(ليجعلوه كائناً لم يقدروا عليه وجف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة).

أما (اللوح) فثابت بقوله تعالى: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ} (البروج: 21-22)، و(القلم) بقوله تعالى: {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} (القلم: 1)، فيجب الإيمان بهما.

وأما الإيمان بـ(جميع ما فيه قد رُقِمَ) فبقوله تعالى: {وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} (يس: 12)، قيل هو اللوح المحفوظ، وبقوله تعالى: {وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ} (القمر: 53)، وبما روي عن عبادة بن الصامت أنه قال لابنه عند الموت: يا بني، إنك لا تجد حلاوة الإيمان حتى تعلم ((أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فقال: يا رب؛ وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء إلى يوم القيامة)) أخرجه أبو داود والترمذي[1].

عن عمر بن الخطاب قال: ((خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي يَدِهِ كِتَابَانِ؛ فَقَالَ: أَتَدْرُونَ مَا هَذَانِ الكِتَابَانِ؟ فَقُلْنَا: لاَ يَا رَسُولَ اللهِ إِلاَّ أَنْ تُخْبِرَنَا؛ فَقَالَ لِلَّذِي فِي يَدِهِ اليُمْنَى: هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ العَالَمِينَ فِيهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ الجَنَّةِ وَأَسْمَاءُ آبَائِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ، ثُمَّ أُجْمِلَ عَلَى آخِرِهِمْ فَلاَ يُزَادُ فِيهِمْ وَلاَ يُنْقَصُ مِنْهُمْ أَبَدًا، ثُمَّ قَالَ لِلَّذِي فِي شِمَالِهِ: هَذَا

صفحة 102

كِتَابٌ مِنْ رَبِّ العَالَمِينَ فِيهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ النَّارِ وَأَسْمَاءُ آبَائِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ، ثُمَّ أُجْمِلَ عَلَى آخِرِهِمْ فَلاَ يُزَادُ فِيهِمْ وَلاَ يُنْقَصُ مِنْهُمْ أَبَدًا؛ فَقَالَ أَصْحَابُهُ: فَفِيمَ العَمَلُ يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ كَانَ أَمْرٌ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ؟! فَقَالَ: سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، فَإِنَّ صَاحِبَ الجَنَّةِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ، وَإِنَّ صَاحِبَ النَّارِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدَيْهِ فَنَبَذَهُمَا، ثُمَّ قَالَ: فَرَغَ رَبُّكُمْ مِنَ العِبَادِ فَرِيقٌ فِي الجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ))[2].

وباقي الألفاظ المذكورة في الكتاب كلها مروية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بعضُها باللفظ وبعضُها بالمعنى، وهي مستغنية عن الشرح.

قوله: (ويجب على العبد أن يعلم أن الله قد سبق علمه في كل كائن من خلقه، وقدَّر ذلك بمشيئته تقديراً مُحكَماَ مُبْرماً، ليس فيه ناقض ولا معقب، ولا مزيل ولا محول ولا مبدل، ولا زائد ولا ناقص من خلقه في سماواته وأرضه)[3].

هذا تصريح بإثبات أزلية علم الله ومشيئته، وبإثبات القضاء والقدر بما هو كائنٌ من خلقه، وبتقدير كل شيء بما تقتضيه حكمته البالغة من قُبحٍ وخيرٍ وشرّ، من طاعة ومعصية، وغنى وفقر.

وفي قوله: (لا معقب لحكمه) أي: لا مؤخر لما حَتَّمَ، إلى قوله: (في سماواته وأرضه) إشارةٌ إلى أنه هو المنفرد بالحكم والتدبير والغالب في أمره، لا يشاركه في ذلك

صفحة 103
أحد، وقد مر تحقيقُ البراهين على ذلك.

  1. [1] أخرجه الترمذي (2155)، وقال: غريب، والطيالسي (577)، والضياء (429)، وأبو داود (4702)، والبيهقي (10/204، رقم 20664)، والطبراني في الشاميين (59)، وبنحوه أخرجه أحمد (22757)، وابن أبي شيبة (351922) وابن جرير في تفسيره (29/17)، والضياء (431).
  2. [2] رواه الترمذي في ((سننه)) (2067)، وقال: ((حسن غريب صحيح)).وأحمد في ((مسنده)) (6275)، ونحوه النسائي في ((السنن الكبرى)) (11473).
  3. [3] قال فضيلة العلامة الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي في كتابه ((الإنسان مسير أم مخير)) ما حاصله: القضاء نوعان: قضاء مبرَم؛ وهو الذي في أم الكتاب، وهذا لا يتخلَّفُُ أبداً، وقضاءٌ معلَّقٌ على حال يتلبَّسُ بها الإنسان دون حال أخرى، والكثير مما هو مثبَتٌ في اللوح المحفوظ قضاء معلَّقٌ؛ أي: غيرُ مبْرَمٍ، فهو عُرضَةٌ للتغيير والتبديل، على أن علم الله سبحانه وتعالى محيطٌ بكل ذلك؛ إذ هو جل جلالُه عالمٌ بما سينتهي إليه قضاؤه، والقضاء إذا أطلِق انصرفَ إلى ما في أم الكتاب.
صفحة 103

تفصيل آخر في صفة التكوين

قوله: (ولا يَكونُ مكوَّنٌ إلا بتكونه، والتكوين لا يكون إلا حَسَناً وجميلاً).

اعلم أن ((التكوين)) و((التخليق)) و((الإيجاد)) و((الإحداث)) و((الاختراع)) كلها أسماء مترادفة، معناه: إخراج المعدوم من كتم العدم إلى ظهور الوجود، وإنما خصَّ اسم ((التكوين)) اقتداءً بالسلف فإنهم قالوا: ((التكوين غيرُ المكوَّن))، وهو صفة أزلية قائمة بذات الله تعالى، كجميع صفاته، وهو تكوين العالم، وكلِّ جُزءٍ من في وقتِ وُجودِه؛ وهذا لأن العالم حادثٌ بإحداث الله، ولو لم يكن الإحداث صفةً لله لما كان حادثاً بإحداثه، وينبغي أن يكون قديماً، إذ لو كان حادثاً لاحتاج إلى تكون آخر، إذ التقدير أن جميع الحوادث محتاجة إلى تكوين الله تعالى ويتسلسل أو ينتهي إلى تكوين قديم؛ ولأنه لو كان حادثاً؛ فإما إن حدث في ذات الله فيكون محلاً للحوادث هو محال، وإن حدث لا في ذاته فلا يكون التكوين صفة له، لأن صفة الشيء لا تقوم بغيره، أو لو قام بغيره لكان هو المكون دون الله.

وقول الأشعري بـ((أن التكوين وما هو من صفات الأفعال كالإحياء والإماتة حادثة)) مردود؛ لأن العالم وجد بخطاب: {كُنْ} عنده أيضاً، وهو تكوين، وخطابُ: {كُنْ} كلامٌ أزليٌّ قائم بذات الله بلا خلاف بيننا وبينه، فجعلُ التكوينِ حادثاً تناقضٌ في مذهبه.

وقولهم: إن التكوين هو المكوَّن: أيضاً مردود؛ إذ التكوين صفة قائمةٌ بذات الله أزليةٌ بخلاف المكوَّن.

والقول باتحادهما كالقول بالضرب عين المضروب.

صفحة 104

ولا يلزم من قدم التكوين قدم المكوَّن [1]، إذْ وجود المكوَّن موقوف على تعلق التكوين، فتكون ذاته قديمة، وتعلقه حادثاً كسائر الخطابات الأزلية.

وإذا ثبت أن التكوين صفة قائمة بذات الله عز وجل لا يكون إلا حسناً جميلاً.

قوله: (فهذا من عقد الإيمان وأصول المعرفة والاعتراف بوحدانية الله وربوبيته كم قال تعالى: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا} (الأحزاب: 38)، وقال: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} (الفرقان: 2)}.

(فهذا) أي: جميع ما سبق من العقائد المذكورة في القضاء [والقدر][2] وغيرهما من عقد الإيمان، لأنه مَنْ لم يعترف بسبق القضاء والقدر على مقتضى الحكمة البالغة فقد شك في علمه الأزلي وعنايته، ومن ذلك يتطرق الخلل في الاعتقاد في الألوهية، وفي إثبات التخليق لغير الله إبطالُ توحيد الصانع في أفعاله، وإثبات من يشاركه في إيجاد الحوادث، وفيه إدخال الخلل في عقد الإيمان، نعوذ بالله من الخذلان.

قوله: (فويلٌ لمن صار لله في القدر خصيماً، وأحضر للنظر فيه قلباً سقيماً، لقد التمس بوهمه في فحص الغيب سراً كتيماً، وعاد بما قال أفاكاً أثيماً).

هذا تأكيد وتصريح بذم من أنكر القدر، وسماه ((خصيماً لله تعالى))، لأنه سبق بيانه بالدلائل القطعية في إثبات القدر، فَمَنْ أنكره فقد نازع الله فيما أثبته فصار خصيماً له فيستحق الويل، وإنما سماه ((سقيم القلب)) لارتيابه فيما ثبت بالأدلة القطعية كمريض، ولطلبه الوقوف على مضمو سرٍ كتمه الله عن خلقه، وصرح بكونه (أفاكاً أثيماً)، إذ الأفاك: هو كثير الكذب، والأثيم هو الفاجر كثير الإثم، وذلك بسبب إنكار ما ثبت لله بالأدلة القطعية.

  1. [1] كما أنه لا يلزم من قدم القدرة قدم المقدورات، ومن قدم العلم قدم المعلومات.
  2. [2] ليس في المخطوط
صفحة 105

الإيمان بالعرش والكرسي

قوله: (والعرش[1] والكرسي[2] حق).

كما بينه في كتابه العزيز.

(وهو سبحانه مستغنٍ عن العرش وما دونه، محيط بكل شيء وفوقه[3] وقد أعجز عن الإحاطة به خلقه).

ذكر الله العرش والكرسي في كتابه العزيز ولم يبين ماهيتهما سوى أن قال: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} (البقرة: 255)، وقال: {رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} (التوبة: 129)، فذهب بعض أهل التأويل إلى أن الكرسي كناية عن العلم، وقال بعضهم: ((إن العرش لعله غير الكرسي))، وقد ذكر الله العرش مقيداً بالحمل محتفاً به الملائكة بقوله تعالى: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ} (غافر: 7)، وذكره مطلقاً بقوله: {رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} (التوبة: 129)، وقال أيضاً: {حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ} (الزمر: 75)، فالعرش المقيد بالحمل قالوا: ((هو السرير المحمول المحفوف بالملائكة))، وقال بعضهم: ((إن العرش المذكور مطلقاً يُحْتَمَلُ أن يُرادَ به الملك)).

والمذهب الصحيح عند علمائنا: أن كل ما ثبت بالكتاب والسنة ولا يتعلق به العمل فإنه لا يجب الاشتغال بتأويله، بل يجب الاعتقاد بثبوته وحقيقة المراد به.

صفحة 106

وإنما قال: (هو مستغن عن العرش وما دونه) نفياً لتوهم الحاجة إلى التمكن على العرش التحيز في الجهة كما قاله المجسمة، فإن العرش حادثٌ بإحداثه، فقبل خلقه كان مستغنياً عن المكان، فلو تمكَّن عليه بعده لصار مفتقراً إليه، وهو أمارة النقص، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً[4]، وأراد بالإحاطة بكل شيء: إحاطته بالعلم لا كإحاطة الظرف على المظروف، لأن ذلك من خصائص الجسم، والله منزه عنه.

وأراد بقوله: (وفوقه) الفوقية من حيث المكانة بالقهر والغلبة، لا من حيث المكان، كقوله تعالى: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} (الأنعام: 61)؛ إذْ لا تمدح غير الفوقية بالقهر إذ الحارس قد يكون فوق السلطان من حيث المكان.

قوله: (ونقول بأن الله اتخذ إبراهيم خليلاً، وكَلَّمَ موسى تكليماً، إيماناً وتصديقاً وتسليماً)[5].

ذلك ثابت بنص القرآن، وإنما قال: (إيماناً وتصديقاً) لدفع توهم النصارى من حيث تسميتهم عيسى بالولد على اتخاذ إبراهيم خليلاً، هذا قياس باطل؛ لأن الولد

صفحة 107

لا يكون إلا من جنس الوالد، والله متعالٍ عن المجانسة مع البشر، فأما اتخاذ الخليل فلا يوجب المجانسة بل يوجب القرب والكرامة فافترقا.

وإنما أكد قوله: (وكلم موسى تكليماً) بالمصدر كما نطق به الكتاب ليعلم أنه كلمه حقيقةً بكلامٍ هو صفته دفعاً لإرادة المجاز.

  1. [1] قال الميداني: العرش في اللغة السرير، وهو هنا كما قال اللقاني رحمه الله: ((جسم عظيم نوراني علوي محيط بجميع الأجسام)).
  2. [2] قال الميداني: ((الكرسي بضم الكاف وربما كُسِرَتْ، وهو جسم عظيم نوراني بين يدي العرش ملتصق به، لا قطْع لنا بحقيقته؛ فنُمْسِكُ عنها لعدم العلم بها)).
  3. [3] في نسخة الميداني: (وهو سبحانه مستغنٍ عن العرش وما دونه، محيط بكل شيء وبما فوقه)، قال الدكتور عمر عبدالله كامل: ((وقد قامت بعضُ دور النشر... بحذف لفظة (بما) ليثبتوا أن الفوقية عائدة على الله لتوافق العبارة معتقدهم، مع أن السياق لا يساعد على ذلك؛ لأن الكلام هنا واقع عن استغناء الله سبحانه عما دون العرش وما فوقه، وأنه بكل شيء محيط. اهـ. قلت: المثبَتُ هنا وفي الشرح بخلافه.
  4. [4] جاء عن الإمام أبي حنيفة في كتابه الوصية: ((نقر بأن الله على العرش استوى من غير أن يكون له حاجة إليه أو استقرار عليه… ولو كان محتاجاً إلى الجلوس والقرار فقبل خلق العرش أين كان الله تعالى؟!! فهو منزه عن ذلك علواً كبيراً)). وقال الإمام علي: ((إن الله تعالى خلق العرش إظهاراً لقدرته لا مكاناً لذاته)).
  5. [5] قال في المسايرة: قال الإمام الأشعري: ((الكلام النفسي مما يسمع)) قاسه على رؤية ما ليس بلون، فكما عُقِلَ رؤيةُ ما ليس بلون ولا جسم، فليعقل سماع ما ليس بصوت، واستحال الماتريدي سماع ما ليس بصوت، وعنده سمع موسى عليه السلام صوتاً دالاً على كلام الله، وخُصَّ به _يعني باسم الكليم_ لأنه بغير واسطة الكتاب والملك، وهو أوجه، لأن المخصوص باسم السمع من العلم ما يكون إدراك صوت، وإدراك ما ليس بصوت قد يُخَصُّ باسم الرؤية، وقد يكون الاسم الأعم، أعني العلم مطلقاً، أي: التقييد بمتعلق خاص.
 
Top