النبوات

صفحة 68
قوله: (وأن محمداً عليه الصلاة والسلام عبده المصطفى ونبيه[1][2] المجتبى ورسوله[3] المرتضى).
  1. [1] النبي: إنسان ذكر حُرٌّ أوحيَ إليه بشرعٍ أُمِرَ بتبليغه أم لا. فإن أمر بتبليغه فـ((رسول)). و((النبي)) من ((النبوة)) وي الرفعة، أي: له عند الله تعالى مرتبة رفيعة، أو من ((النبأ)) وهو مصدر قد يراد به اسم المفعول فيكون بمعنى الْمُنْبأ أي: من أخبره الله وأعلمه أنه نبيه وأنبأه بوحيه، وقد يراد به اسم الفاعل فيكون بمعنى المُنْبِئ أي: المخبِرِ عن الله بما أمره بإبلاغه.
  2. [2] في نسخة: أمينه.
  3. [3] الفرق بين النبي والرسول أن النبي أوحي إليه بشرع وإن لم يؤمر بتبليغه، والرسول أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه. فالرسول أخص من النبي مطلقا، فكل رسول نبي، وليس كل نبي رسولاً. وقال الملا علي القاري في ((شرح الفقه الأكبر)): ((وظاهر كلام الإمام ترادف النبي والرسول كما اختاره ابن الهمام، إلا أن الجمهور على ما قدمناه من أن الرسول أخص من النبي)). اهـ. واعلم: أن إرسال الرسل من الجائز عقلاً، خلافاً للفلاسفة القائلين بوجوب ذلك بالعلة والطبيعة، وخلافاً للمعتزلة القائلين بوجوب ذلك على الله تحقيقاً لصلاح عباده، بل نقول: إنه واجب شرعاً إرسال الرسل لتعلق علم الله تعالى به، والمراد أنه يجب وقوعه لا أنه يجب وجوباً عقلياً على الله عز وجل. واعلم: أنه يجب الإيمان بنبوة كل من ذُكِرَ من الأنبياء تفصيلاً في الكتاب وهم خمسة وعشرون، وبسائر الرسل إجمالاً وإن لم تُعْلَم أسماؤهم وأعدادهم. قال الملا علي القاري في ((شرح الفقه الأكبر)): ((ولا نعين عدداً لئلا يدخل فيهم من ليس منهم، أو يخرج منهم من هو منهم)). اهـ.
صفحة 69

إثبات نبوة رسول الله سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم

لما فرغ من إثبات وحدانية الله سبحانه وتعالى وصفاته شرع في إثبات نبوة سيّد المرسلين محمد عليه الصلاة والسلام إتماماً للإيمان بالشهادتين، إذ الإيمان هو معرفة الله بأسمائه وصفاته، وتصديق الرسول بما جاء به من الشريعة، ولذلك قرن الله تعالى الإيمان بالرسول مع الإيمان [بالله] حيث قال: {قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} (الأعراف: 158) إلى قوله: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ} (الأعراف: 158).

وقوله: (وأن محمداً) معطوف على قوله: (إن الله واحد)، والتقدير نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: (إن الله واحد إلخ… وأن محمداً عبده المصطفى).

وإنما قدم وصفه بالعبودية على وصفه بالنبوة دفعاً للشبهة العارضة للناس عند ظهور المعجزات الخارقة للعادة التي يُعْجَزُ عنها أن فيه معنى الألوهية كما اعترضت الشبهة العارضة للنصارى حيث اعتقدوا في عيسى الألوهية بسبب ما وجدوه منه فعلاً إلهيا من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، وكان أُولى آياته تَكَلُّمُه في المهد بأن

صفحة 70

قال: {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا} (مريم: 30)، فبدأ بعبوديته قطعاً للشبهة العارضة لقومه، ومع ذلك أخرجوه من العبودية وأثبتوا له الربوبية.

وللنبي صلى الله عليه وآله وسلم معجزات باهرات وبيِّنات ظاهرات مذكورة في دلائل النبوة[1].

وإنما وصفه بالاجتباء والأمانة ليُعلم أن الله تعالى لا يظهر المعجزة[2] إلا على الأمين المختار، لا الكاذب الذي هو من الفجار، و(المجتبى) معناه: المختار المرتضى الذي رضي الله عنه برسالته.

قوله: (وخاتم النبيين).

لقوله تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} (الأحزاب: 40)؛ ولأنه لما ثبتت رسالته بالبراهين العقلية والنقلية، وثبت أنه صادق فيما أخبر، وقد أخبر أنه لا نبي بعده، وقال: ((أَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى عَقِبِي))[3]، فدل أنه خاتم الأنبياء[4].

صفحة 71
قوله: (وإمام الأتقياء).

لأنه بُعِثَ بالتقوى عن الشرك والمعاصي، فالأنبياء المتقون وهو إمامهم، فيكون إمامَ الأتقياء، ولأنه أَمَّ بالنبيين وهم أتقياء فهو إمامهم.

(وسيد المرسلين)

لأنه ثبت بالأخبار أنه قال: ((أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ))[5]، والمرسلون داخلون في ذلك فيكون سيدَهم.

قوله: (وحبيب رب العالمين).

لأنه لما ثبت ببركة [متابعة أمته له][6] أنهم أحباؤه[7]، حيث قال تعالى بلسان نبيه: {فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} (آل عمران: 31)، فإن ثبت أنه حبيب الله [بطريق][8]، [فهو] أولى.

وقد رُويَ عن ابن عباس رضي الله عنه أنه جلس ذات يوم بجماعة من الصحابة يتذاكرون فسمع حديثهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال بعضهم: ((عجباً، إن الله اتخذ إبراهيم خليلاً))، وقال آخر: ((ما ذا بأعجَبَ من كلام موسى، كلمه تكليماً))، وقال آخر: ((فعيسى كلمة الله وروحه)) وقال آخر: ((آدم اصطفاه الله))، فخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ((سمعت كلامكم وعَجَبَكُم أن إبراهيم خليل الله، وهو كذلك، وموسى نَجِيُّ الله، وهو كذلك، وعيسى روحه وكلمتُه، وهو كذلك، وآدم اصطفاه الله، وهو كذلك، ألا

صفحة 72

وأنا حبيب الله، ولا فخر، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة، ولا فخر، وأول من يحَرِّك حلقة الجنة، فيُفتح لي فأدخُلُها ومعي فقراء أمتي، وأنا أكرم الأولين والآخرين، ولا فخر، آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة، وأنا أول الناس خروجاً إذا بُعِثوا، وأنا قائدهم إذا وفدوا، وأنا خطيبهم إذا أنصتوا، وأنا مستشفعهم إذا حُبسوا، وأنا مبشرهم إذا يئسوا، الكرم والمفاتيح بيدي، وأنا أكرم ولد آدم على ربي، ولا فخر (هامش: أي: ولا فخر بشيء من ذلك، بل الفخر بالعبودية لله تعالى.))) (هامش: رواه الترمذي في ((السنن)) (3073) ونحوه أحمد في ((مسنده)) (2415) والطبراني في ((المعجم الكبير)) (1729)، وللحديث روايات أخر فيها زيادات ونقص عن هذه الرواية، انظر تخريجها في كتب أطراف الحديث وكتب الجوامع.).

قوله: (وكل دعوى نبوة بعده فَغِيٌّ وَهَوى).

لأنه ثبت بالنص القطعي أنه خاتم النبيين، وأنه لا نبي بعده، فمن ادعى النبوة بعده فهو تكذيب النص القطعي فيكون غياً، يُقال: غوى يَغوي غياً، إذا سلك خلاف طريق الرشد، قال تعالى: {قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} (البقرة: 256)، أي: قد ظهر الهدى من الضلالة، والإيمان من الكفر، والحق من الباطل.

والهوى عبارة عن: ((شهوة النفس وميلها إلى الباطل))، قال تعالى: {وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى} (النازعات: 40)، فتكون تلك الدعوى صادرة عن هوى النفس لا عن دليل، فتكون باطلاً.

قوله: (فهو المبعوث إلى عامة الجن[9] وكافة الورى[10].

فهو رسول الثقلين.

أما الدليل على أنه مبعوث إلى كافةالإنس:

صفحة 73

فقوله تعالى: {قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} (الأعراف: 158)، وقوله {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} (سبأ: 28)، فبطل بهذا زعم من قال من اليهود إنه رسول إلى العرب فقط.

وأما الدليل على أنه مبعوث إلى عامة الجن فقوله تعالى: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (2)} (الجن: 1-2).

قوله: (بالحق والهدى وبالنور والضياء).

الباء في قوله: (بالحق) متعلقة بقوله: (فهو مبعوث) التقدير: ((وهو مبعوث بالحق والهدى))، لأجله خلقت السماوات والأرض، وهو الدلالة على وحدانية الصنع، والانقياد بالأمر والنهي والبعث بعد الفناء والجزاء في دار البقاء.

ويحتمل أن يكون المراد بالحق، الحق الذي لله على العباد من الشرائع والفرائض والواجبات وما لبعضهم على بعض.

و(الهدى) هو: ((الدلالة الموصلة إلى المقصود))، بدليل وقوع الضلالة في مقابلته، قال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى} (البقرة: 16).

وقيل: معنى الهدى: البيان، أي المبعوث لبيان طريق الحق للخلق، قال الله تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (الشورى: 52).

والمراد بـ(النور والضياء): الشريعة الظاهرة بالبراهين الباهرة من القرآن وسائر الدلائل الدالة على الحقيقة.

ووجه التشبيه بين النور والقرآن ظاهر، من حيث الاهتداء به، والنور ضوء كل معنى، وهو نقيض الظلمة، والإضاءة فرط الإنارة، فيكون الضوء أبلغ من النور، مصداق ذلك قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا} (يونس: 5).

  1. [1] فأعظمها القرآن وهو معجز بنظمه ومعناه، ومنها الحسي كجريان الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وآله وسلم وتسبيح الحصى في كفه، ومنها الإسراء والمعراج وما فيهما من آيات باهرات لا سيما رؤيته لربه سبحانه وتعالى على ما رجحه الأئمة الأثبات، ومنها إخباره بالمغيبات وبأخبار الخلق إلى يوم اقيامة، وغير ذلك كثير. وقد جمعها العلامة يوسف النبهاني في كتاب: ((حجة الله على العالمين في معجزات سيد المرسلين)) فأوعى.
  2. [2] المعجزة: أمر يظهر بخلاف العادة على يد مدعي النبوة عند تحدي المنكرين على وجه يُعْجِزُ المنكرين عن الإتيان بمثله. وعند ظهور المعجزة يحصل الجزم بصدقه بطريقِ جَرْيِ العادة، بأن يخلق الله تعالى العلم بالصدق عقيب ظهور المعجزة، وإن كان عدم خلق العلم ممكناً في نفسه.
  3. [3] رواه مال في ((الموطأ)) (1594)، ومسلم في ((صحيحه)) (4342)، ونحوه البخاري في ((صحيحه)) (3268) وآخرون.
  4. [4] ويُسْتَدَلُّ على ختم النبوة أيضاً بحديث البخاري (3196): ((لاَ نَبِيَّ بَعْدِي))، وبحديث مسلم (1195): ((وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ)).
  5. [5] رواه مسلم في ((صحيحه)) (4223) ونحوه أحمد في ((مسنده)) (10564) والحارث في ((بغيته)) (938).
  6. [6] ساقط من (ب)، مضطرب في (أ).
  7. [7] في جميع الأصول بما فيها المطبوع: متابعته لأمته، تصحيف.
  8. [8] ساقط من الأصلين المخطوطين مستكمل من المطبوع.
  9. [9] الجن: أجسام خفية يغلب عليهم الناريّةُ والهوى، ولها قدرة على التشكل.
  10. [10] الورى بمعنى الخلق، فقوله: (عامة الجن وكافة الورى) من باب عطف العام على الخاص.
صفحة 74

صفة كلامه عز وجل، ونفيُ خلقه، ونفي كونه بحروف وأصوات.

قوله: (وأن القرآن كلام الله عز وجل، من بدا بلا كيفية[1] قولاً، وأنزله على نبيه وحياً، وصدَّقه المؤمنون على ذلك حقاً).

لما فرغ من بيان التوحيد والنبوة شرع في بيان العقيدة في القرآن؛ لأن مدار الشريعة عليه، وو معجزة دالة على النبوة، وقد اختلف فيه الناس، فمن أُلْهِمَ بيان ما هو الحق قال: (إن القرآن كلام الله)، وهو عطف على قوله: (إن الله واحد) والتقدير: نقول معتقدين: ((إن الله واحد، وإن محمداً عبده، وإن القرآن كلام الله))؛ لقوله تعالى: {حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} (التوبة: 6)، {يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ} (الفتح: 15).

وأراد بنفي الكيفية عنه إثبات أزليته، رداً على المعتزلة والكرامية، ونفيَ كونه من جنس الحروف والأصوات، رداً على الحنابلة[2]؛ وذلك لأن كلام الله صفته القائمة بذاته، فيكون قديماً كسائر صفاته، أي: لو كان حادثاً فإما أنه حدث في ذاته كما زعمت الكرامية فتصير ذاته محلاً للحوادث، وهو لا يجوز، أو لا في محل، وهو محال أيضاً؛ لأن الكلام عَرَضٌ فلا بُدَّ له من محلٍّ، أو محدث في محل آخر، فيكون المتكلم ذلك المحل لا خالقه.

صفحة 75

وقول الحنابلة:[3] _وهو أنه حروف غير مخلوقة قائمة[4] بذاته_ أيضاً باطل؛ لأن الحروف تتوالى ويقع بعضها مسبوقاً ببعض، وكلُّ مسبوقٍ حادثٌ؛ ولأن الحروف[5] لا تصدر إلا من الآلات، وهي الحلق والشفة وغيرهما، فيلزم منه التجسيم، تعالى الله عن ذلك.

وإنما قال: (أنزله على نبيه وحياً) لقوله تعالى: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ} (الأنعام: 19).

وإنما قال: (وصدَّقه المؤمنون على ذلك حقاً)؛ لأن الصحابة شهدوا نزوله على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتحققوا إعجازه، وصدّقوا كونه كلام الله، ثم نقلوه إلى من بعدهم بالتواتر كما نقلوا عن رسول الله، ودعوا الخلق إلى إقامة حكمه اعتقاداً وعملاً، وذلك دليل على تصديقهم.

قوله: (وأيقنوا أنه كلام الله بالحقيقة).

أي: علموا باليقين أن القرآن كلام الله بالحقيقة كالعلم والحياة وسائر الصفات.

وفيه رد لمذهب المعتزل حيث قالوا: ((إنما سُمِيَ القرآن كلام الله بطريق المجاز لأنه خالقه)).

قلنا: هذا فاسد، فإن المتكلم حقيقة مَنْ قام به الكلام، لا من خلق الكلام، كالعالِم من قام به العلم لا مَنْ خَلَقَ العلم في غيره، إذا لو اتصف بالكلام _مع أنه لم يقم به_ باعتبار أنه خالقه، لاتصف بالسواد وسائر الألوان المختلفة لأنه خالقه.

صفحة 76
قوله: (فمن سمعه وزعم أنه كلام البشر فقد كفر).

هذا رد لقول المنافقين الذين كانوا يطعنون فيه بأنه كلام محمد يقوله من تلقاء نفسه، من غير أن يوحى إليه من ربه.

قوله: (وقد ذمه الله تعالى وعابه وأوعده بسقر).

أي بعذاب النار لمن قال إنه كلام البشر، قال إخباراً: {إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26)} (المدثر 25-26)، فلما أوعد الله بسَقَرَ لمن قال: ((إنْ هذا إلا قول البشر))؛ علِمنا أنه قول خالق البشر، ولا يشبهه قول البشر.

قوله: (فمن أبصر هذا اعتبر، وعن مثل قول الكفار انزجر).

هذا كله تأكيد لنفي حدوث الكلام وجعله من جنس الحروف والأصوات مشابهاً لكلام المخلوقين، فإن من قال بخلق القرآن وحدوثه وأنه من جنس الحروف والأصوات فقد وصف الباري بما يوصف به البشر، فيكون هذا القول مشابهاً لقول الكفار الذين قالوا[6] بأنه كلام البشر، فيون هذا القول من تشبيه الخالق بالمخلوق، فمن تأمل في هذه المعاني وبحث عنها وفهمها وقع له الاعتبار، ووجب عليه الانزجار عما يقوله الكفار[7].

صفحة 77
قوله: (واعلم أن الله عز وجل بصفاته ليس كالبشر).

فإن صفاته قديمة قائمة بذاته ليست بقابلة للزوال، وصفات البشر حادثة كذواتهم، قابلة للزوال والفناء والكيفيات، والله متعالٍ[8] عن ذلك كله، ليس كمثله شيء.

  1. [1] أي: بلا كيفية نتعقلها من حرف أو صوت أو بدء أو سكوت. قال صاحب الأمالي: وما القرآن مخلوقاً تعالى... كلام الرب عن جنس المقال. اهـ. أي: تنزه كلام الله عن أن يكون من جنس مقال البشر.
  2. [2] هم قوم نسبوا أنفسهم إلى الحنابلة والإمام أحمد، مع أن الإمام أحمد لم يقل ما قالوا مما خالفوا فيه أهل السنة والجماعة.
  3. [3] أي قالوا: بأن كلام الله تعالى هو الحروف المكتوب بها، والأصوات المقروء بها، وزعموا بأن هذه الحروف والأصوات قديمة.
  4. [4] في (ب): غير قائمة، تصحيف مخلّ.
  5. [5] أي الأصوات.
  6. [6] في المخطوط (أ)، (ب) قائلون.
  7. [7] نقل الميداني عن السعد في ((شرح العقاد)) قوله: القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق، ولا يقال: القرآن غير مخلوق، لئلا يسبق إلى الفهم أن المؤلف من الأصوات والحروف قديم.

    قال السعد: وتحقيقه أن للشيء وجوداً في الأعيان، ووجوداً في الأذهان، ووجوداً في العبارة، وجوداً في الكتابة، والكتابة تدل على العبارة، وهي على ما في الأذهان، وهو على ما في الأعيان. فحيث يوصف القرآن بما هو من لوازم القديم كما في قولنا: ((القرآن غير مخلوق))، فالمراد حقيقته الموجودة في الخارج. وحيث يوصف بما هو من لوازم المخلوقات والمحدثات، يراد به الألفاظ المنطوقة والمسموعة، كما في قولنا: ((قرأت نصف القرآن))… اهـ، ونقل الميداني عن السعد قوله: هذا والجمع بين قولهم: ((لا يكفر أحد من أهل القبلة))، وقولهم بكفر من قال بخلق القرآن واستحالة الرؤية أو سبِّ الشيخين وأمثالِ ذلك مُشْكِلٌ.

    قال الميداني: أقول قد ذكر العلامة البخاري أن إطلاق مشايخنا الكفر بالكلمات المذكورة ونحوها ليس على ظاهره، بل تغليظاً يريدون يريدون به التنفير، أو مقيداً باعتقاد ما يكون اللفظ به كفراً.

  8. [8] متعالٍ أي: مرتفع متنزه.
صفحة 77

ثبوت رؤية المؤمنين لله عز وجل في الآخرة

قوله: (والرؤية حق لأهل الجنة[1] بغير إحاطة ولا كيفية كما نطق به الكتاب: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} (القيامة: 22-23) وتفسيره على ما أراده الله تعالى وعَلِمَهُ[2]، وكل ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهو كما قال ومعناه على ما أراد[3]).
صفحة 78

أراد أن يثبت رؤيته عز وجل، أعني أن رؤة الله بالأبصار في دار القرار للأبرار حق، فيرونه لا في مكان ولا على جهة، أو اتصال شعاع، أو ثبوت مسافة، بين الرائي وبينه تعالى، وهو المراد بقوله: (بلا كيفية)[4]، مقصوده الاعتقاد بأصل الرؤية وعدم الاشتغال بالكيفية.

وإنما قال (بغير إحاطة)؛ لأن الإحاطة –وهي الإدراك بالجوانب- محال على الله، لأنه ليس بجسم حتى يكون له نهايات فيُدرَك بها، وعليه يُحْمَلُ قوله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} (الأنعام: 103).

(لما نطق به كتاب ربنا وهو قوله تعالى: وهو قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} (القيامة: 22-23)).

[والنظر][5] المضاف للوجه المقيد بكلمة ((إلى)) لا يكون إلا بنظر العين، وحَمْلُ النَّظَر على الانتظار _المنغص للنعيم_ في دار القرار سَمِجٌ.

وقوله تعالى في قصة موسى: {رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} (الأعراف: 143)، وجه التمسك به أن موسى عليه السلام سأل ربه الرؤية، ولا يُظَنُّ به أنه سأل ما هو محال عنده، وكان سؤالُهُ دليلاً على أنه اعتقد جواز الرؤية، فمن أحال الرؤية نسب

صفحة 79

موسى إلى الجهل بالخالق، وهو كفر [6].

وقوله تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} (يونس: 26)، وقد فسر النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحسنى بالجنة، والزيادة بالنظر إلى الله تعالى، وقوله تعالى: {تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ} (الأحزاب: 44)، واللقاء هو الرؤية، وقال تعالى: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} (المطففين: 15)، فتخصيص الكفار بالحجاب دليل على عدم الحجاب للمؤمنين، ولايلزم أن يكون الأبرار في الحجاب مساوياً للكفار، وأمثال ذلك من الآيات الدالة على جواز الرؤية أكثر من أن تحصى.

صفحة 80

وأما الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهو قولُه عليه الصلاة والسلام: ((إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون هذا القمر، لا تُضامون في رؤيتِه))ref]رواه البخاري في ((صحيحه)) (521) ونحوه أبو داود في ((السنن)) (4104) والترمذي في ((السنن)) (2474).[/ref]، والمراد تشبيه الرؤية بالرؤية في عدم الشك والخلاف فيها[7]، لا تشبيه المرئي بالمرئي.

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إذا دخل أهل الجنة الجنة قال: يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئاً أزيدكم؟ فيقولون: ألم تُبيِّض وجوهنا؟! ألم تُدخِلْنا الجنة وتُنَجِّنا من النار؟! قال: فيكشف الحجاب، فما أُعْطُوا شيئاً أحَبَّ إليهِم من النظر إلى ربهم عزَّ وجَلَّ))[8].

فيّنْسَوْنَ النَّعِيْمَ إذا رَأَوْهُ… فَيَا خُسْرانَ أهلِ الإِعْتِزالِ[9].

  1. [1] رؤية الله سبحانه وتعالى في الآخرة جائزة عقلاً؛ لأنه تعالى موجودٌ وكل موجودٍ يَصِحُّ أن يُرى. وواجبة شرعاً؛ لورود النصوص بحصولها. قال الإمام أبو حنيفة: ((والله تعالى يُرى في الآخرة، ويراه المؤمنون وهم في الجنة بأعيُن رؤوسهم بلا تشبيه ولا كيفية، ولا يكون بينه وبين خلقه مسافة)). وقال أيضاً في كتابه الوصية: ((ولقاء الله تعالى لأهل الجنة بلا كيف ولا تشبيهٍ ولا جهةٍ حَقٌّ)).
  2. [2] هذا هو مذهب السلف، وهو تفويض معنى المتشابهات إلى الله سبحانه، دون تعيين المعنى المراد من غير دليل قطعي.
  3. [3] المتشابه هو كل ما صح به النقل ويوهم ظاهره مشابهته تعالى للحوادث مع قيام الدليل القاطع على امتناع ظاهره في حق الله تعالى. قال الميداني: ((المتشابه وكل وصف اتصفت به الذات العلية مما لا يدرك في العقل ولا يترك للنقل معناه وتفسيره على ما أراد، أي: مراد الله تعالى)). ونقل الميداني عن البزدوي قوله: ((إثبات اليد والوجه عندنا معلوم بأصله، متشابه بوصفه، ولن يجوز إبطال الاصول بالعجز عن دَرْك الوصف، وإنما ضلَّت المعتزلة من هذا الوجه)) اهـ. فإن قيل ما فائدة ورود الشرع بالمتشابه؟ فالجواب: أن فائدتها إظهار عجز البشر وقصور فهمهم عن كلام ربهم، وتَعَبُّدِهم بإيمانهم وتفويضهم العلم لله تعالى، كما أنه ابتلاء لهم يتميز به المؤمن من غيره.
  4. [4] نقل الميداني عن الإمام عبدالغني النابلسي في شرح الطريقة: الرؤية تابعة للشيء على ما هو عليه، فمن كان في مكان وجهة لا يرى إلا في مكان وجهة كما هو كذلك، ويرى بمقابلة واتصال شعاع وثبوت مسافة، ومن لم يكن في مكان ولا جهة وليس بجسم، فرؤيتُه كذلك ليس في مكان ولا جهة، ولا بمقابلة واتصال شعاع وثبوت مسافة، وإلا لم تكن رؤية له، بل لغيره. اهـ.
  5. [5] ساقط من الأصلين مستكمَل من المطبوع.
  6. [6] الرؤية جائزة بالعقل واجبة بالشرع.

    أما أنها جائزة بالعقل فيستدل عليه بأن موسى عليه السلام قد سأل ربه الرؤية بقوله: {رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} فإن لم تكن الرؤية ممكنة لكان طلبها جهلاً بما يجوز في ذات الله تعالى وما لا يجوز، أو سفهاً وعبثاً وطلباً للمحال، والأنبياء منزهون عن ذلك. وأن الله قد علق الرؤية باستقرار الجبل وهو أمر ممكن في نفسه، والمعلق بالممكن ممكن.

    وأما أنها واجبة بالشرع: فلورود الدليلالسمعي بإيجاب رؤية المؤمنين الله في الدار الآخرة، وبالإجماع: فالأمة كانوا مجمعين على وقوع الرؤية في الآخرة، وأن الآيات الواردة في ذلك محمولة على ظواهرها، ولهذا اختلف الصحابة رضي الله عنهم في أن النبي صلىالله عليه وآله وسلم هل رأى ربه ليلة المعراج أم لا؟ والاختلاف في الوقوع دليل الإمكان. ثم ظهرت مقالة المخالفين وشاعت شبههم وتأويلاتهم.

    وأقوى شبههم من العقليات: أن الرؤية مشروطة بكون المرئي في مكان وجهة مقابلة من الرائي وثبوت مسافة بينهما بحيث لا تكون في غاية القرب ولا في غاية البعد، واتصال شعاع من الباصرة بالمرئي، وكل ذلك محال في حق الله تعالى. والجواب منع هذا الاشتراط، وإليه أشاروا بقولهم: ((فيُرى لا في مكان ولا في جهة))، وقياس الغائب على الشاهد فاسد.

    وشبهتهم من السمعيات قوله تعالى:{لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} (الأنعام: 103). والجواب _بعد تسليم كون الأبصار للاستغراق، وإفادته عموم السلب لا سلب العموم، وكون الإدراك هو الرؤية مطلقاً لا الرؤية على وجه الإحاطة بجوانب المرئي_ أنه لا دلالة فيه على عموم الأوقات والأحوال. (السعد بتصرف كثير).

  7. [7] قال الميداني: فتشبيه الرؤية برؤية البدر والشمس من حيث الوضوح التام والتجلي الكامل الذي لا شك فيه ولا ريب.
  8. [8] رواه أحمد (رقم 18961)، وابن ماجه (رقم 187)، وابن خزيمة في التوحيد (ص 181)، وابن حِبان (7441)، والنسائي في الكبرى (11234)، والبزار (رقم 2087)، وأبو عوانة (411)، والطبراني في الكبير (7314)، وفي الأوسط (756).
  9. [9] قال صاحب بدء الأمالي:

    يَراهُ المُؤْمِنُونَ بِغَيْرِ كَيْفٍ… وإدْراكٍ وَضَرْبٍ مِنْ مِثالِ

    فيّنْسَوْنَ النَّعِيْمَ إذا رَأَوْهُ… فَيَا خُسْرانَ أهلِ الإِعْتِزالِ

صفحة 80

بيان حكم المتشابه من النصوص

قوله: (ومعناه وتفسيره على ما أراد، ولا ندخل في ذلك متأوِّلين بآرائنا ولا مُتَوهمين بأوهامنا).

[هذا رد على المعتزلة حيث أولوا قوله تعالى: {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} بأن كلمة “إلى” هاهنا  واحدةُ الآلاء؛ بمعنى: النعمة[1] كقوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}.

صفحة 81

(الرحمن: 13)، فيكون النظر عارياً عن حرف “إلى”، فيكون المعنى: “وجوه يومئذ ناظرة إلى نعماء ربها ومنتظرة لها”، وهذا تأويلٌ ا بَعْدَهُ فسادٌ؛ لأن حملَ النظر على الانتظار الذي هو موجب للحزن _كما قيل: ((إن الانتظار موتٌ أحمر))_ في دار السرور سَمجٌ، وحَمَلَهُم على التأويل الفاسد وهمُهم الباطل والهوى التي هي من المُهْلكات؛ حيث تركوا الطريق الواضح واتبعوا الهَوى] [2].

قوله: (فإنه ما سَلِمَ في دينه إلا من سَلَّمَ لله ورسوله، ورَدَّ عِلمَ ما اشتَبَهَ عليه إلى عالِمه).

إنما قال ذلك؛ لأنه يجب على كل مكلف أن يسَلِّم بما ثبت كونُه من الله ومن رسوله سواء علم حِكْمَتَهُ فيه أو لم يعلم، ولا يردَّ ذلك بسبب عدم إدراكه[3]، فإن عقول البشر قاصرةٌ عن إدراك حكم الله؛ لأن العقل جزءٌ من أجزاء العالم، فكَيْفَ يحيط بحُكمِ [4] الربوبية، فمن أراد سلامة دينه يجب عليه أن يرد علمَ مااشتَبَهَ عليه إلى الله؛ فإنه العالم بحقيقة الاشياء، ويسكتَ عن تأويل المتشابهاتِ، فإن قوماً تأولوا بآرائهم فنفَوُا الصفات وعطلوا، وقوماً حمولها على ظاهرها، فوقعوا في التشبيه والتجسيم فصاروا مشبهة ومجسمة، وحظُّ الراسخ الإيمانُ بالمتشابهات وتركُ التأويلِ.

قوله: (ولا يثبُتُ قَدَمُ الإسلام إلى على ظَهْرِ التسليم).

لأن الإسلام هو ((التسليم لله في كل ما ثبت من جهته))، فالمسلم مَن جَعَلَ الأشياءَ كُلَّها سالمةً لله لا يُشارِكُهُ مَعَهُ أحَدٌ، وفي كلمة (ظَهْر) تشبيهٌ، فإنه لما أثبَتَ

صفحة 82

للإسلام قَدَماً [وهُوَ لا يَثْبُتُ إلا على شيء][5] فاستعار للتسليم ظهراً حتى يثبُتَ قَدَمُ الإسلام عليه؛ لأن الإسلام هو الانقيادُ لله، ولا يتحققُ إلا بالتسليم لله وترك الاعتراض على أحكامه وحِكَمِه.

قوله: (ومَن رام عِلْمَ ما حُظِرَ عنه عِلْمُهُ ولَم يقنَعْ بالتسليمِ فَهْمُهُ حَجَبَهُ مَرامُهُ عن خالصِ التوحيد وصافي المعرفةِ وصحيح الإيمان).

معناه: أن كل من لم يقنع بالتسليم لما ثبت عن الله ورسوله وطلب الوقوف على (ما حُظِرَ) أي: حُجِبَ عن الخلق علمُه  كانَ (مرامُهُ) أو مطلوبُه تحكُّماً وعُدُوْلاً عن موجب الإسلام، فيصيرُ برأيه الباطل محجوباً عن (خالصِ التوحيد وصافيْ المعرفةِ وصحيح الإيمان)، فإنَّ من عرف الله بالحكمة والكمال والربوبية وعرف نفسه بالعجز والجهل والعبودية يبقى تحت التسليم والتمسكن والرِّضى بما قّضى اللهُ[6]، ولا يطلب وجه الحكمة من الله بل يُفَوَّضُ العلم والحكمة إلى العليم الحكيم؛ فإنه ليس للعبد أن يطلُب الاطلاع على أسرار المولى، بل يجب عليه الانقياد له، {يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} (آل عمران: 40)، و{يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ} (المائدة: 1)، و{لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} (الأنبياء: 23)، إذ لو لم يرض بالتسليم وطلب معرفة كنه حكمة الله وعقله قاصر عن إدراك ذلك يبقى متردداً بين التكذيب والتصديق، ولا إيمان مع التردد، ولا إسلام مع التحكم[7].

(فيتذبذب)

أي: يتردد.

(بين الكفر والإيمان، والتصديق والتكذيب، والإقرار والإنكار موَسوَسا).

بوسواس الشيطان وإلقاء الشُّبه عليه.

(تائهاً).

حيراناً في تيه

صفحة 83

المعارف التي حارت فيها العقول، شاكّاً فيما يَجب عليه تسليمُه (زائغاً) أي: مائلاً عن طريق الصواب.

(لا مؤمناً مُصَدِّقاً).

بجميع ما جاء من عند الله بالتسليم وتفويضِ العلم إلى الله.

(ولا جاحِداً مُكَذِّباً).

لأن التكذيب لا يأتي مع الشك واستواءُ الطرفين، وقد أخبر الله أن اتِّباعَ ما تشابه زيغٌ حيث قال تعالى: {الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} (آل عمران: 7).

  1. [1] أي: المراد من الآية كما قال بعض المعتزلة أن وجوه المؤمنين يومئذ ناضرة لنعمة ربها منتظرة.
  2. [2] ما بين المعقوفين سقط من: (ب).
  3. [3] ليس كل ما لا يدركه العقل غير موجود، وليس من الصواب أن يرد الإنسان ما لا يدركه بعقله لأن الوجود أعم من دائرة الوجدان والعجز عن الإدراك إدراك.
  4. [4] في (ب): بعلم.
  5. [5] المقصود ضرورة وجود شيء للثبوت عليه.
  6. [6] قال السعد: لا يُقالُ: لو كان الكفر بقضاء الله تعالى لوَجَبَ الرضا بِهِ؛ لأن الرضى بالقضاء واجب، واللازم باطل؛ لأن الرضى بالكُفْرِ كُفْرٌ؛ لأنا نوقل: الكفرُ مقضِيٌّ لا قضاءٌ، والرضا إنما يجب بالقضاء دون المقضي. اهـ.
  7. [7]  في(ب): التحكيم
صفحة 83

بيان أن مذهب السلف هو تفويضُ المعنى:

فالحاصل أن الطحاوي رحمه الله اختارفي المتشابه[1] مذهب السلف وهو: ترك تأويله.

وهذا القول هو الراجح عند التحقيق؛ لأن اللفظ إذا كان له معنى راجح، ثم دل دليل أقوى منه على أن ذك الظاهر غيرُ مراد، علمنا أن المراد بعضُ مجاز تلك الحقيقة، وفي المجازات كثرة، وترجيح البعض على البعض لا يكون إلا بالمرجحات غير

صفحة 84

القطعية، فلا يفيد إلا الظن، والقول في المسألة القطعية بالدليل الظني غير جائز، وفي التأويل يكثر ذلك.

مثلاً دلَّ الدليل على أن الحقيقة من قوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} (طه: 5) غير مرادة؛ لأنه لا يمنع كون الإله في مكان، فصرف الظرف إلى بعض تأويلاته لا يُتصور إلا بالدليل القطعي[2] والقول بالظن في ذات الله وصفاته غير جائز، فتعين السكوت وترك التأويل وتفويض تأويله إلى علم الله، مع اعتقاد أن الظاهر غيرُ مرادٍ منه[3]، وكذا حكم سائر الآيات المتشابهات.

قوله: (ولا يصح الإيمان بالرؤية لأهل دار السلام لمن اعتبرها بوهم أو تأولها بفهم، إذا كان ذلك تأويل الرؤية، وتأويل كل معنى يُضافُ إلى الرُّبوبية)[4].

أراد بـ(دار السلام) الجنة؛ قال تعالى: {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ} (يونس: 25)، وفي تسميتها ((دار السلام)) وجهان:

أحدهما: أن ((السلام)) اسم من أسماء الله، فأضيفت إليه تعظيماً لها.

وثانيهما: أنها سميت بدار السلام؛ لأن من دخلها سلم من الآفات والعيوب والنقائص التي تحدث في دار الدنيا، فيكون معناها: ((دار السلام)).

صفحة 85

ويُحتَمل في وجه التسمية بها وجهٌ آخر، وهو: أن أهلَ الجَنَّة لكثرة ما يُسَلِّمون فيها سُميت بها، قال تعالى: {لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (25) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا} (الواقعة: 25-26) وأيضاً الملائكة يُسَلمون عليهم، قال الله تعالى: {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ} (الزمر: 73).

وإنما لا يصح الإيمان بالرؤية لمن اعتبر الرؤية بوهم؛ لأن الوهم إنما يقع على موهَم هو جزئي تنطبع صورته في الحواس، لأن الوهم يدرك الجزئيات غير مجردة عن المراد، وذلك في حق الله محال، ومن جَوَّز الرؤية بهذا المعنى فقد أبطلها ولم يؤمن بها.

وإنما لا يصح الإيمان بالرؤية لمن تأوَّلها بفهم؛ لأن الفهم يكون بتأمل العقل بحصول تأهل فيه، وفهمُ المعنى الذي يضاف إلى الربوبية لا سبيل للعقل إلى دّرْكِه إذْ هو مُحال؛ تحيَّرَتْ في بدء الألوهية أنظارُ العقل وآراؤه، وأُرْتِجَتْ دُونَ إدراكه طُرُقُ الفِكْر وأنحاؤه.

فلذلك قال: لايصح الإيمان بالرؤية إلا بترك التأويل وهماً وفهماً، ولزوم التسليم في كيفية الرؤية، لأن الربوبية منزَّهَةٌ عن الماهية التي يُدْرِكُها العقل والكيفية والكمية المدركة بالوهم.

قوله: (إلا بترك التأويل ولزوم التسليم، وعليه دين المرسلين).

هذا استثناء عن قوله: (لايصح الإيمان)، يمعنى لا يصح الإيمان بترك التأويل في كيفية الرؤية ولزم التسليم فيها.

ولهذا لمّا أوَّلَه المُعتزلة وقالوا بأن الرؤية لا تحصل إلا بمقابلة الرائي والمرئي مع عدم البعد والقرب المفرطين واتصال الشعاع، فقد أحالوا الرؤية، فلو سكتوا عن التأويل وآمنوا بأصل الرؤية لما وقعوا في الإنكار.

صفحة 86
(ودين الأنبياء)

تركُ التأويل ولزومُ التسليم، قال تعالى: {قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى} (البقرة: 120)، {وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} (الأنعام: 71)، قال الله عز وجل في قصة الخليل عليه السلام: {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} (البقرة: 131)، فوجب علينا الاقتداء بهم والاهتداء بطريقهم، فمن اعرض عن طريقهم فقد مال عن الحق بسفهه، قال الله تعالى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} (البقرة: 130).

والنبي عليه الصلاة والسلام أُمِرَ باتباع ملة إبراهيم عليه السلام بقوله تعالى: {أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} (النحل: 123)، وأكثر الأنبياء يدعون الأمم إلى اتباع ملة إبراهيم.

قوله: (ومن لم يتوَقَّ النفيَ والتشبيهَ زَلَّ، ولم يُصِب التنزيه).

من لم يجتنب نفي الرؤية التي أثبتها الشرع، ولم يجتنب التشبيه الذي هو خلاف العقل والنقل زلَّ عن الحق، ووقع في الباطل، ولم يُصِب التنزيه الذي يطلبه بنفي الرؤية وإثبات التشبيه، كما هو مذهب المعتلة والمشبهة.

فالحاصل أن المعتزلة نفَوا رؤية الله تعالى بزعم أنهم يُنَزِّهون ذات الله تعالى عن أن يُرى كما تُرى الأجسام، والمجسمة يثبتون رؤية الله كرؤية الأجسام، وإلا يلزم منه التعطيل[5]، فإن ما لا يكون محسوساً عندهم لا يكون موجوداً فَنَزَّهوا الله تعالى عن التعطيل بإثبات التشبيه في المرئي، فأراد الطحاوي رحمه الله نفي هذين المذهبين فقال:

صفحة 87

من أراد التنزيه بنفي الرؤية أو إثبات التشبيه فقد زل عن طريق الصواب، ولم يُصِبْ من التَّنْزيه الذي طلبه فخاب سعيُه.

وأشار إلى الدليل على هذا قوله:

(فإن ربنا موصوف بصفات الوحدانية منعوت بنعوت الفردانية).

وكونه مرئياً من صفات الكمال، لأن المُجّوِّزَ للرؤية كونه موجوداً، وكل موجود لا تمتنع رؤيتُه[6]، فلو قلنا بامتناع رؤيته لزم منه نفي الوجود وإثبات العدم، تعالى الله عن ذلك.

فالمعتزلة بنفي الرؤية _لإرادة التنزيه_ وقعوا في أمر باطل ولم يصيبوا ما طلبوا.

وكذلك كون صفاته غير مشابهة لصفات الأنام من الكمال، فإنه الواحد القهار، وبديع السماوات والأرض، كيف تكون صفة خلقه مشابهة لصفاته؟! وفيما ذكره المجسمة من إثبات الجهة والمكان، وتشبيه رؤيته كرؤية الأجسام، إثبات نقص في ذاته وصفاته، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، فهم أخطأوا فيما يزعمون أنهم أرادوا بإثبات التشبيه.

  1. [1] المتشابه وكل وصف اتصفت به الذات العلية مما لا يدرك في العقل ولا يترك للنقل، معناه على ما أراد الله. قال الإمام البزدوي: ((إثبات اليد والوجه عندنا معلوم بأصله، متشابه بوصفه، ولن يجوز إبطال الأصول بالعجز عن درك الوصف)).

    قال الإمام في وصيته: ((نقر بأن الله علىالعرش استوى، من غير يكون له حاجة إليه واستقرار عليه، وهو الحافظ للعرش وغير العرش، فلو كان محتاجاً لما قدر على إيجاد العالم وتدبيره كالمخلوق، ولو كان محتاجاً إلى الجلوس والقرار فقبل خلق العرش أين كان الله تعالى؟!! فهو منزه عن ذلك علواً كبيراً)). قال الميداني: ((فانظر كيف أجراه على ظاهر التنزيل من غير تأويل مع التنزيه عما لا يليق بذات الجليل، وهذه طريقة السلف وهي أسلم، والتأويل طريقة الخلف وقد قيل إنها أحكم. وقد توسط ابن دقيق العيد فقال: نقبل التأويل إذا كان المعنى الذي أُوِّلَ به، قريباً مفهوماً من تخاطُب العرب، ونتوقف فيه إذا كان بعيداً. وجرى على التوسط الكمال بن الهمام بين أن تدعوا الحاجة لخلل في فهم العوام، وأنْ لا تدعوَ الحاجة لذلك المرام بحسب اختلاف المقام)).

  2. [2] أي لعدم وجود هذا الدليل القطعي فيما بين أيدينا من النقول والآثار.
  3. [3] هذا فرق مهم بين مذهب أهل الحق وغيره، فمذهب أهل الحق: ((التفويض لله سبحانه في المعنى المراد مع اعتقاد أن الظاهر غير مراد منه طالما أن الديل القطعيَّ يأباه)، ومذهب غيرهم: ((التفويض مع اعتقاد المعنى الظاهر))، وهو تناقض. قال الكمال بن الهمام في المسايرة: ((فإذا خيف على العامة عدم فهم الاستواء إلا بالاتصال ونحوه منلوازم الجسمية، فلا بأس بصرف فهمهم إلى الاستيلاء، فهو ممكن أن يراد، لكن لا يجزم بإرادته)).
  4. [4] أي: لا يصح الإيمان بالرؤية إذا كان ذلك الإيمان بطريق تأوُّلِها، وكذلك لا يصح الإيمان بكل ما يرجع إلى الله علمه واستأثر به إذا تدخل العبد فيه بتأويل.
  5. [5] التعطيل نوعان: الأول: تعطيل الذات عن صفاتها، أي: نفي الصفات عن الله تعالى وهو ما وقعت فيه المعتزلة. والنوع الآخر: تعطيل المصنوعات عن الصانع، وهؤلاء هم الدهرية الذين يقولون: ((ما هي إلا أرحامٌ تَدفع وأرض تَبلع وما يُهلِكُنا إلا الدهر)). وفي مقابَلَةِ المعطِّلةِ المشبهةُ والمجسمة الذين يُبالغون في وصف الله بما لم يصف به نفسهن، أو يحملون ما وصف الله به نفسه على ما يُشابِهُ صفات الحوادث مما لا يليقُ بذات الله تعالى.
  6. [6] الدليل على أن العلةَ هي كونُ المَرئِيِّ موجوداً هو كما قال في ((شرح العقائد)): ((أننا نَقطَع برؤية الأعيان والأعراضِ ضرورةَ أننا نُفَرِّقُ بين جِسْمٍ وجِسْمٍ وعَرَضٍ وعَرَضٍ، ولا بد للحكم المشترك من علة مشتركة، وهي إما الوجود أو الحدوث أو الإمكان؛ إذ لا رابع يشترك بينها، والحدوث: ((عبارة عن الوجود بعد العدم))، والإمكان: ((عبارة عن عدم ضرورة الوجود والعدم))، ولا مدخل للعدم في العلة، فتعين الوجود، وهو مشترك بين الصانع وغيره، فيصح أن يُرى من حيث تحقق علة الصحة، وهي الوجود، ويتوقف امتناعها على ثبوت كون شيء من خواص الممكن شرطاً، أو من خواص الواجب مانعاً، وكذا يصح أن تُرى سائر الموجودات من الأصوات والطعوم والروائح وغير ذلك، وإنما لا تُرى بناءً على أن الله تعالى لم يخلُق في العبد رؤيتها بطريق جري العادة، لا بناءً على امتناع رؤيتها)). اهـ.
صفحة 87

الرد على المشبهة والمجسمة

وإلى نفيِ مذهب المشبهة أشار بقوله:

(ليس في معناه أحد من البرية)
صفحة 88

فلا يُتَوَهَّمُ في رؤية الله مثل ما يُتَوَهَّمُ في رؤية المخلوقات من المحاذات واتصال الشعاع، إنما يراه أهلالجنة بغير إحاطة ولا كيفية كما عرفوه في الدنيا بلا كيفية وبلا إحاطة، فإنه تعالى فرد منَزَّه عن جميع جهات التركيب، فإنَّ كلَّ مركب مفتقر إلى أجزائه، وكل مفتقر ممكن، وكل ممكن حادث، فلا يكون فرداً قيوماً، فثبت أن الواجب الفرد الواحد في ذاته لا يكون يكون في حيز ولا في جهة.

ولهذا قال: (تعالى الله عز وجل عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات).

إذ الحَدُّ وصفُ المحدود، وهو المحصور المقهور تحت قهر الحد، وهو قهار فلا يكون محدوداً.

والغاية عبارة عن النهاية، والأركان والأعضاء صفات الأجسام، والأدوات آلات الأجسام، والقديم سبحانه وتعالى منزه عن هذه الأوصاف كلها.

(لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات).

لأنه تعالى نفى أن يكون مِثلاً لشيء بقوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} (الشورى: 11)، وفي إثبات الجهة والتحيُّز إثبات للمماثلة مع الأجسام، وفي وصفه بالجهات قولٌ بإحاطتها، وفي القول بالتمكُّن بالمكان إثبات الحاجة إلى المكان، وفي كل ذلك إيجاب حدوثه وإزالة قدمه، والجهات والأكنة من أجزاء العالم، وهو مستغن عن العالم وأجزائه، ولأن الجهات الست محدثة وهي أوصاف للعالم المُحدَث، والله قديم، كان ولا مكان ولا حيِّز ولا زمان[1]، كان الله ولم يكن معه شيء، والله تعالى في الأزل ما

صفحة 89

كان في جهات لعدم الجهات في الأزل، فلو يصير في الجهات بعدَ إحداثها لتغيَّر عما كان عليه وانتقل، والتغير والانتقال من أمارات الحدوث تعالى الله عن ذلك.

وقد تمسَّكَ المجسمة بظواهر النصوص، ومذهبُ السلف أن نصدقها ونفوض تأويلها إلى الله، مع تنزيهه عن التشبيه، ولا نشتغل بتأويلها، بل نعتقد أن ما أراد الله بها حق، وهذا الطريق اختاره الطحاوي، ومذهب الخلف يتأولونها بما يليق بذات الله وصفاته، ولا نقطع بأنه مراد الله لعدم دليل يوجب القطع على المراد[2].

صفحة 90
وقالوا: المراد بقوله: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ} (ألزخرف: 84) ثبوت الألوهية فيهما لا ثبوت ذاته، كما يقال: فلان سلطان في العرب والعجم، وبقوله: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} (الأنعام: 18) الفوقية من حيث القهر والمكانة لا من حيث العلو والمكان، فإنه لا تَمَدُّحَ فيه؛ إذ الحارس قد يكون فوق السلطان في المكانة، وطريقة السلف أسلم من الوقوع في تأويل ما لا يكون مراداً، وطريقة الخلف أحكم[3].

  1. [1] الله سبحانه ليس في زمان ولا مكان؛ لأنه خلق الزمان والمكان، ولا يقال له أين ولا متى، وإلا فكما قال الإمام علي في جواب من سأله أين الله؟ فقال: ((مَنْ أَيَّنَ الأَيْنَ لا يُقالُ لهُ أين)). وقال الإمام علي: ((كان الله ولا مكان، وهو الآن على ما عليه كان)). وقال أيضاً: ((أرأيتَ لو قيل: أين الله تعالى؟ فقال: يقال له: كان الله تعالى ولا مكان قبل أن يخلق الخلق، وكان الله ولم يكن أين ولا خلق ولا شيء، وهو خالق كل شيء)). وقال الإمام الشافعي: ((إنه تعالى كان ولا مكان، فخلق المكان وهو على صفته الأزلية كما كان قبل خلق المكان، لا يجوز عليه التغيير في ذاته ولا التبديل في صفاته)). قال الإمام العز ابن عبدالسلام: ((كان _الله_ قبل أن كَوَّنَ المكانَ ودَبَّر الزمان وهو الآن على ما عليه كان)). قال ابن الحاجب تعليقاً على عقيدة العز ابن عبدالسلام: ((ما قاله ابن عبدالسلام هو مذهب أهل الحق، وإن جمهور السلف والخلف على ذلك، ولم يخالفهم إلا طائفة مخذولة يُخْفون مذهبهم ويدسونه على تخوف إلى من يستضعفون علمه وعقله)). قال ابن حجر: ((وما اشتهر بين جهلة المنسوبين إلى هذا الإمام الأعظم المجتهد (يعني أحمد بن حنبل) من أنه قائل بشيء من الجهة أو نحوها فكذبٌ وبهتان وافتراء عليه)). وقال الإمام النووي رحمه الله: ((إن الله تعالى ليس كمثله شيء، منزَّهٌ عن التجسيم والانتقال والتحيز في جهة وعن سائر صفات المخلوق)). قال الإمام القرافي وهو _أي الحق سبحانه_ ليس في جهة ونراه نحن وهو ليس في جهة)).

    هذا ويستدل على نفي الزمانية عنه تعالى بأن الزمان لا يمكن أن يكون قديماً؛ لقيام الدليل على حدوث كل ما سوى الله تعالى فإن كان حادثاً وقلنا بأن الله تعالى زماني لز حدوثُه، وهو باطل، فبطل كونه تعالى في زمان، أي: إن وجود الله تعالى ليس مقارناً لزمان، قال السعد في ((شرح العقائد)): ((ولا يجري عليه زمان؛ لأن الزمان عبارة عن متجدد يقدر به متجدد آخر، وعند الفلاسفة عبارة عن مقدار الحركة، والله تعالى منزَّهٌ عن ذلك)).

  2. [2] مذهب الخلف: جواز التأويل التفصيلي، ومذهب السلف: اعتقاد التنزيل مع وصف التنزيه له تعالى عما يوجب التشبيه، وتفويض العلم بالمراد إليه تعالى. وهو ما كان عليه إمامنا الأعظم رضي الله عنه.

    قال صاحب الجوهرة:

    وكل نص أوهم التشبيها… أوِّلْهُ أو فَوِّضْ ورُمْ تَنزيها.

  3. [3] قال الميداني: ((وقد توسط ابن دقيق العيد فقال: نقبل التأويل إذا كان المعنى الذي أُوِّل به قريباً مفهوماً من تخاطُب العرب، ونتوقف فيه إذا كان بعيداً، جرى على التوسط ابن الهُمام بين أن تدعوَ الحاجةُ لخلل في فهم العوام وأن لا تدعوَ الحاجةُ لذلك)). واعلم أنهم قالوا: إن طريقة السلف أعلم وأسلم، وطريقة الخلف أحكم، فأما أن طريق السلف أعلم؛ فلأنه كما قال شيخنا الدكتور عبدالفضيل القوصي _حفظه الله_ عرف محدودية العارف، ولا محدودية المعروف، فآثر أن تظل المتشابهات متشابهات، وأما أنه أسلم؛ فلأنه لم يغامر في تحديد مراد للفظ المتشابه، ربما لم يكن هو المراد لله، وأما أن طريقَ الخلف أحكم؛ فلأنه أمنَعُ لشبهة التجسيم والتشبيه من عقول العوام حيث لا يُجْدي معهم طريق التفويض في تنزيه الله تعالى. وقد سبق قول ابنِ الهمام في المسايرة: ((فإذا خيف على العامة عدمُ فهمِ الاستواء إلا بالتصال ونحوه من لوازم الجسمية فلا بأس بصرف فهمهم إلى الاستيلاء فهو ممكنٌ أن يُراد، لكن لا يُجْزَمُ بإرادته)).
صفحة 90

ذكر الإسراء والمعراج

قوله: (والمعراج حق[1]، وقد أسري بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم)

أما الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى فثابت بالنقل، وهو قولُه تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى

صفحة 91

الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} (الإسراء: 1) وكان في ذلك ظهور المعجزات، فإنه قطع مسافة شهرية في لمحة واحدة.

وعرج

(بشخصه في اليقظة[2] إلى السماء حيث شاء الله من العلا [وأكرمه بما شاء][3] وأوحى إليه ما أوحى)

وهذا ثابت أيضاً بالأحاديث الصحيحة دون الكتاب، منها ما روى أبو قتادة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حدثه عن ليلةِ أُسري به قال: ((بينما أنا في الحطيم _وربما قال في الحجر_ مضطجع بين النائم واليقظان، أتاني آتٍ فشقَّ بين هذه إلى هذه فاستخرج قلبي، ثم أُتيتُ بطَسْتٍ من ذهبٍ مملوءٍ إيماناً، فغسل قلبي، ثم حثني فيه فأعيدَ _وفي رواية: غَسَلَ البطن بماء زمزم_  ثم مُلِئَ إيماناً وحكمةً، ثم أُتِيْتُ بدابَّةٍ دون البغل وفوق الحمار، أبيضَ يضعُ خَطْوَهُ عند أقصى طرفه، فَحُمِلْتُ عليه، فانطلق بي جبريل حتى أتى بي إلى السماء الدنيا، فاستفتح جبريل فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد صلى الله عليه وآله وسلم، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحباً فنِعم المجيء جاء، ففُتح، فلما خلصت فإذ أنا بآدم فقال: هذا آدم أبوك فسِّلم عليه، فسلمتُ عليه فرد علي السلام وقال: مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح)).. إلى آخر حديث المعراج[4].

صفحة 92

وقال بعضهم: المعراج ثابت بالكتاب أيضاً، وهو قوله تعالى: {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} (النحم: 8-9).

والصحيح أن هذا القرب كان مع جبريل، ويدل عليه قوله تعالى: {وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى} (النجم: 7)، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سأل جبريل أن يريَه صورته التي خلقه الله عليها، فوعده بغار حراء، فطلع جبريل عليه السلام من المشرق فسد الأفق إلى المغرب ثم دنا فتدلى، هذا من باب القلب، أي: ثم تدلى أي: جبريل فدنا من محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فكان منه قاب قوسين أو أدنى، والمعنى أنه بعدما رآه النبي صلى الله عليه وآله وسلم على صورته هابَهُ من عظمته، فرده الله إلى صورة آدميٍّ حتى قَرُب منه للوحي وذلك: {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ} أي: عبد الله وهو محمد صلى الله عليه وآله وسلم {مَا أَوْحَى} الله عز وجل بلسان جبريل.

  1. [1] المعراج ثابتٌ بالخبر المشهور حتى إن منكرَهُ يكون مبتدعاً لا كافراً بخلاف من كذب الإسراء لثبوته بالكتاب.
  2. [2] وقد أسري بسيدنا ومولانا محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من المسجد الحرام إلى المسجدالأقصى، ومنه عرج بشخصه، خلافاً لمن زعم أنه كان بالروح فقط، في اليقظة خلافاً لمن زعم أنه كان في المنام. قال الميداني: ولا يخفى أن المعراج بالروح أو في المنام ليس مما يُنْكَرُ كلَّ الإنكار، والكفرة أنكروا أمر المعراج غاية الإنكار، بل كثير من المسلمين قد ارتدوا بسبب ذلك، وحاصله كما قال السعد في ((شرح العقائد)): ((الإسراء من المسجد الحرام إلى بيت المقدس قطعي ثبت بالكتاب، ومنه إلى السماء مشهور، ومنها إلى الجنة والعرش أو غير ذلك آحاد.
  3. [3] ما بين المعقوفتين ساقط في (ب).
  4. [4] رواه البخاري في ((صحيحه)) (336)، ونحوه مسلم في ((صحيحه)) (237)، والنسائي في ((السنن)) (444)، وأحمد في ((مسنده)) (17164).
 
Top