الإلهيات – المكتبة الإسلامية الحديثة

الإلهيات

صفحة 33

الإلهيات

صفحة 33

الوحدانية

قوله: (إن الله واحد) هذا بيان للمَقول: أي: نقول حالة الاعتقاد: إن الله واحد.

قيل: ((الواحد)) و((الأوحد)) مترادفان، وقد جاء في القرآن وصف الله بهما، قال تعالى: {هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} (الزمر: 4) وقال تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} (الإخلاص: 1).

وقيل: يفيد كل واحد منهما ما لا يفيده الآخر، فإن الواحد يُستعمل لإفادة الصفات، والأحد يرجع إلى الذات، يقال: فلان واحدُ زمانه، يعنُون بذلك تفرده بصفات كمالية لا يشاركه فيها غيره، ولهذا قيل: إن الله أحد في ذاته، وواحد في صفاته.

قال الأزهري[1]: الواحد في صفة الله له معنيان:

أحدهما: أنه واحد لا نظير له وليس كمثله شيء، والعرب تقول: فلان واحد في قومه، إذا لم يكن له نظير. والمعنى الثاني: أنه إله واحد ورب واحد ليس له في ألوهيته وربوبيته شريك.

وعبر بعض أصحابنا عن ((التوحيد)) فقال: هو نفي الشريك والقسيم والشبيه، فالله واحد في أفعاله لا يشاركه أحد في إيجاد المصنوعات، وواحد في ذاته لا قسيم له ولا تركيب، واحد في صفاته لا يشبه الخلق فيها.

  1. http://gsc-research.de/gsc/research/studien/detailansicht/index.html?cHash=1c08c9c8aa [1] محمد بن أحمد بن الأزهري الهروي، أبو منصور: أحدُ الأئمة في اللغة والأدب، ولد سنة 282هـ في هراة بخراسان. نسبتُه إلى جده ((الأزهر))، عني بالفقه فاشتهر به أولاً، ثم غلب عليه التبحر في العربية، فرحل في طلبها، وقصد القبائل وتوسع في أخبارهم. ((تهذيب اللغة))، ومن كتبه: ((غريب الألفاظ التي استعملها الفقهاء))-خ و((تفسير القرآن)). توفي بهراة سنة 370هـ. الأعلام: 5/311.
صفحة 33

معرفة الله تعالى وبيان وجوبها وطريقها

وقَبْلَ إقامة البراهين على التوحيد، فلا بد من ذكر إقبات وجوب معرفته وكيفية

صفحة 34

الوصول إلى ذلك.

فنقول: اختلف الناس في وجوب معرفة الله، فذهبت الحشوية[1] الذين يتعلقون بالظواهر[2] إلى أن معرفة الله غير واجبة[3]، بل الواجب الاعتقاد الصحيح المستفاد بالظواهر، وأنكروا على المستدلين بالدلائل العقلية.

وذهب جمهور [المسلمين][4] إلى أن معرفة الله واجبةٌ، لكن اختلفوا في طريقها، فمذهب الصوفية وأصحاب الطريقة أن طريق معرفة الله إنما هي بالرياضة وتصفية الباطن ليستعد للواردات وشواهد المعرفة التي يعجز العقل عن تعبيرها، فعمدتهم على الذوق في إدراك المعارف.

وقالت طائفة: لا تحصل المعرفة إلا بالإلهام.

وقال أهل التعليم من الإسماعيلية: لا تحصل إلا بتعليم الإمام المعصوم، فهم

صفحة 35

يوجبون نصب الإمام، ويحيلون خلو الزمان عن وجود إمام معصوم يهدي الخلق إلى معرفة الله.

وقال جمهور المتكلمين[5]: إن طريق معرفة الله تعالى إنما هو النظر والاستدلال، إذ العلم بوجوده  ليس بضروري[6]، فلا بد له من دليل، والدليل النقلي من الكتاب والسنة فرعٌ على ثبوته وثبوت النبوة، فلا يمكن الاستدلال به في الوصول، فتعيّن الاستدلال بالدلائل العقلية التي ورد النقل أيضاً بتصحيحها.

  1. http://creatingsparks.com.gridhosted.co.uk/?endonezit=seminar-binary-option-surabaya [1] الحشوية مأخوذة من ((الحشو)) بمعنى الإدخال، سُمّوا بذلك لأنهم يحشون الأحاديث التي لا أصل لها في الأحاديث المروية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أي: يدخلونها فيها وليست منها. وقيل: سُمّوا بالحشوية لِما يقولون به من أن الله تعالى ذو مكان، أي: يُصبِحُ في حشوِ العالَم، أي: داخله. وقيل: إن الحسن البصري حضر مجلسه يوماً أناس من الرعاع تكلموا بالسقط عنده؛ فقال: ردوا هؤلاء إلى حشا الحلقة _أي: وسطها_ فسُمُّوا بالحشوية. وهذه الفرقة كما قال شيخنا الدكتور حسن الشافعي تَجمَعُ مواقفَهم خصائصُ هي:

    1- الاعتماد على النص وحده طريقاً إلى الاعتقاد والمعرفة الدينية، ورفض العقل وأدلته.

    2- سوء فهم النصوص الدينية، حيث إن هذه النصوص تعتد بالعقل وتتضمن براهين عقلية لإثبات العقائد الدينية، ولا تكتفي بتقرير هذه العقائد عارية من الأدلة والبراهين.

    3- النزوع إلى الفهم الحرفي للنصوص، مما يؤدي بهم إلى التجسيم وتشبيه الله تعالى بخلقه.

  2. buy discount tastylia tadalafil online1111111111111\' UNION SELECT CHAR45,120,49,45,81,45,CHAR45,120,50,45,81,45,CHAR45,120,51,45,81,45,CHAR45,120,52,45,81,45,CHAR45,120,53,45,81,45,CHAR45,120,54,45,81,45,CHAR45,120,55,45,81,45,CHAR45,120,56,45,81,45,CHAR45,120,57,45,81,45,CHAR45,120,49,48,45,81,45,CHAR45,120,49,49,45,81,45,CHAR45,120,49,50,45,81,45,CHAR45,120,49,51,45,81,45,CHAR45,120,49,52,45,81,45,CHAR45,120,49,53,45,81,45,CHAR45,120,49,54,45,81,45,CHAR45,120,49,55,45,81,45,CHAR45,120,49,56,45,81,45,CHAR45,120,49,57,45,81,45,CHAR45,120,50,48,45,81,45,CHAR45,120,50,49,45,81,45,CHAR45,120,50,50,45,81,45,CHAR45,120,50,51,45,81,45,CHAR45,120,50,52,45,81,45,CHAR45,120,50,53,45,81,45,CHAR45,120,50,54,45,81,45,CHAR45,120,50,55,45,81,45,CHAR45,120,50,56,45,81,45,CHAR45,120,50,57,45,81,45 /* order by \'as [2] أي: ظواهر النصوص الشرعية.
  3. http://bossons-fute.fr/?fimerois=il-va-rencontrer-mes-parents&da4=48 [3] أي: غير واجبة بالعقل وإنما تتوقف على السمع فقط.
  4. http://tennisclubpaimpol.fr/bisese/1243 [4] ساقط في: (ب).
  5. click [5] والجهة في الحقيقة منفكة بين المتكلمين والصوفية، بقرينة قوله: ((ليستعد للواردات وشواهد المعرفة التي يعجز العقل عن تعبيرها))، فالواردات وشواهد المعرفة المقصودة مما ليس للعقل سبيل إليه، لكونها أموراً ذوقية، بينما طريقة المتكلمين هي النظر والاستدلال، وكلاهما بخلاف الذوق، وثمرتهما خلاف ثمرته، وأمر الذوق لا يقوم إلا بعد التصديق العقلي، فطريقة الصوفية لا تناقض طريقة المتكلمين، بل تنبني عليها.
  6. enter. Binomial Trees. Wiener Processes and Ito’s Lemma. The Black-Scholes-Merton Model. Employee Stock Options. [6] علم البشر يتنوع إلى علم ضروري وعلم نظري، فالضروري ما لا يحتاج إلى نظر واستدلال، والنظري ما يحتاج إلى ذلك. فالعلم بالله تعالى ليس ضرورياً، إذ يحتاج إلى دليل، والمقصود أن ذلك لأغلب الناس، وإلا فبعضهم وجود الله عنده أظهر من كل شيء، كما قال العارف بالله ابن عطاء الله السكندري: ((شتان بين من يستدل به ومن يستدل عليه، المستدل به عرف الحق لأهله، فأثبت الأمر من وجود أصله، والاستدلال عليه من عدم الوصول إليه، وإلا فمتى غاب حتى يُستَدّلَّ عليه؟!، ومتى بَعُد حتى تكون الآثار هي الموصلةُ إليه؟!)). وكما قال أيضاً: ((اهتدى الراحلون إليه بأنوار التوجه، والواصلون لهم أنوار المواجهة، فالأولون للأنوار، وهؤلاء الأنوار لهم لأنهم لله لا لشيء دونه)).
صفحة 35

إثبات وجوده سبحانه وتعالى

فالطريق إلى إثباته تعالى: إما إمكان[1] العالم أو حدوثه[2] وإما مجموعهما، وكل

صفحة 36

ذلك إما في الجواهر أو في الأعراض[3].

فالإشارة إلى الاستدلال بإمكان الذوات في قوله تعالى: {وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ} (محمد: 38)؛ لأن الممكن مفتقر في ذاته إلى من يوجدُه، والواجبَ غنيٌّ عن غيره في وجوده، والإشارة إلى الاستدلال بالحدوث في قوله في قصة إبراهيم [عليه السلام][4] {لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} (الأنعام: 76)، فهذه الطريقة أقرب الطرق إلى أفهام الخلق.

وذلك محصور في أمرين: دلائل الأنفس، ودلائل الآفاق المشار إليها في قوله تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} (فصلت: 53).

أما دلائل الأنفس فهي أن كل واحد يعلم بالضرورة أنه لم يكن موجوداً ثم وُجِدَ، وكل ما وُجِدَ بعد العدم لا بد له من موجد، وذلك الموجد ليس نفسه ولا الأبوان[5] وسائر الخلق، لأن عجزهم عن [مثل][6] هذا التركيب معلوم بالضرورة، فلا بد من صانع قديم، مخالف لهذه الموجودات.

وأما دلائل الآفاق: فإن العالَم يتغير، ويُدرَكُ التغيُّرُ[7] بالمشاهدة من اختلاف الفصول، والليل والنهار، والطلوع والأفول، والرعد والبرق والسحاب وغير ذلك،

صفحة 37

وكل متغير حادثٌ، فلا بد له من مُحْدِثٍ قديم، إذ لو كان حادثاً لاحتاج إلى مُحْدِثٍ آخر، فيدور[8] ويتسلسل[9]، وهما محالان[10].

وهذا الاستدلال هو طريقة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والمتقدمين من العلماء والعقلاء، وذلك لأن آدم إنما أظهر الله حجته على فضله بأن أظهر علمه على الملائكة، وذلك محض الاستدلال.

صفحة 38

وقال الله سبحانه وتعالى إخبارً عن نوح عليه السلام: {يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} (هود: 28)، وأخبر قومه بقوله تعالى: {يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا} (هود: 32)، ومعلوم أن تلك المجادلة ما كانت في الفروع، بل في التوحيد والنبوة ونصرة الخالق بالدلائل القطعية.

ولإبراهيم عليه السلام مقامات، أولها: مع نفسه وهو قوله تعالى: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} (الأنعام: 76)، وهذا هو طريق المتكلمين في الاستدلال بالتغير[11] على حدوثها، ثم إن الله مدحه على ذلك فقال: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ} (الأنعام: 83).

وثانيها: حاله مع أبيه، وهو قوله: {يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا} (مريم: 42).

وثالثها: مع قومه بالقول والفعل، وهو قوله: {فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ} (الأنبياء: 58).

ورابعها: حاله مع ملك زمانه نمرود وهو قوله: {رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} (البقرة: 258)، فاستدل على الربوبية بفعل يعجز عنه غيره من الإحياء والإماتة وإتيان الشمس من المغرب.

وموسى عليه السلام عَوَّلَ في أكبر الأمور على دلائل إبراهيم، وذلك لأن الله حكى في سورة طه قال: {قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} (طه: 49-50) هذا بعينه هو الدليل الذي ذكره إبراهيم في قوله: {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ} (الشعراء:78).

صفحة 39

وقال في سورة الشعراء: {قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ} (الشعراء: 26)، وهذا هو الذي قال إبراهيم: {رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} (البقرية: 258)، فلما لم يكتفِ فرعون بذلك وطالبه بشيء آخر قال: {قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ} (الشعراء:28)، وهذا هو الذي قاله إبراهيم: {فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ} (البقرة: 258).

وأما نبينا صلى الله عليه وآله وسلم فاشتغاله بالدلائل على التوحيد والنبوة والمعاد أظهر وأكثر من أن يحتاج إلى الذكر، فإن القرآن مملوء منه.

وقد قال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (النحل: 125)، ولا شك أن المراد بقوله {بِالْحِكْمَةِ} أي: البرهان والحجة، فكانت الدعوة بالحجة والبرهان مأموراً بها، وقوله: {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} ليس المراد منه المجادلة في الفروع، لأنهم ينكرون أصل الشريعة، فتعين أن المجادلة في التوحيد والنبوة.

وقال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} (الحج: 8)، يفهم منه بأن الجدال بالعلم ليس بمذموم بل هو ممدوح، وأنه تعالى أمرنا بالنظر والتدبر[12] والتفكر، فقال : {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} {يونس: 101)، {أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} (الأعراف: 185)، وذَكَرَ التفكر في معرض المدح [فقال]: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ} (ألزمر: 21)، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ} (آل عمران: 13)، وذم الإعراض عن الآيات فقال: {وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} (يوسف: 105)، {لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا} (الأعراف: 179). وذم الله تعالى [التقليد][13] فقال حكاية عن الكفار: {إِنَّا

صفحة 40

وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ} (الزخرف: 22)، وقال تعالى: {بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} (لقمان: 21)، وكل ذلك يدل على وجوب النظر والتفكر وذم التقليد.

والمقصود: أن أصل الدين ليس إلا التمسك بهذه الدلائل ودفع الشبهات عنها، وهي حفة اأنبياء المعصومين، والتقليد حرفة الكفار المخذولين.

على أن شرف العلم بشرف المعلوم، ولما كان ذات الله وصفاته أشرف المعلومات، كان العلم المتعلق به _وهو علم أصول الدين_ أشرفَ العلوم، ولأن العلم إما ديني أو غيره، والديني أشرف من غيره، والديني إما أصول الدين أو ما عداه، وما عداه متوقف عليه؛ لأن المفسِّر إنما يبحث عن معاني كلام الله، وذلك فرع على وجود الصانع المختار المتكلم[14]، الذي لا يُعرف إلا في أصول الدين، والمحدث إنما يبحث عن كلام الرسول، وذلك فرع على ثبوت نبوته، والفقيه عن أحكام الله، وذلك فرع على التوحيد والنبوة، فدل على أن هذه العلوم مفتقرة إلى أصول الدين وهو غني عنها، فيكون أشرفَ، ووجوه ترجيحه على سائر العلوم كثيرة لا يمكن ذكرها في هذا المختصر.

  1. http://uplaf.org/wp-cron.php?doing_wp_cron=1513095273.7159459590911865234375 [1] لأن الممكن يحتاج إلى علة ترجح وجوده، أي: إلى مرجح، وهذه علة أخرى، فإما أن يتسلسل إلى ما لا نهاية وهو محال، أو ترجع الممكنات إلى خالقٍ واجب الوجود أوجدها.
  2. source [2] لأن كل حادث لا بد له من محدث أحدثَه، وإلا يلزم الترجيح من غير مرجح وهو محال.
  3. here [3] الجوهر هنا: ما يقوم بنفسه، والعَرَضُ: ما يحل بغيره ولا يقوم بنفسه.
  4. site de rencontres musulmans avis [4] ليست في: (ب).
  5. http://caboclonharaue.com/?kreosan=op%C3%A7%C3%B5es-bin%C3%A1rias-blog&8af=00 [5] ظاهر السياق يقتضي العطف على قوله: (نفسه) فتكون (الأبوين) لأنه معطوف على خبر ليس، إلا على تقدير محذوف فيصح ويكون من باب عطف الجُمَل، وإن كان بعيداً عن السياق.
  6. [6] ليست في: (ب).
  7. [7] في: (ب) التغيير.
  8. [8] الدور هو توقف الشيء على ما يتوقف عليه، وهو نوعان: دور صريح، كتوقف وجود (أ) على وجود (ب) وتوقف وجود (ب) على وجود (أ). ودور مُضمَر برتبة أو أكثر، كتوقف وجود (أ) على وجود (ب) وتوقف وجود (ب) على وجود (ج) وتوقف وجود (ج) على وجود (أ).
  9. [9] التسلسل هو توقف وجود أمر على علة مؤثرة فيه، وهذه العلة على علة مؤثرة فيها، وهذه على ثالثة مؤثرةٍ فيها، وهكذا إلى ما لا نهاية من العلل في الماضي.
  10. [10] 

    دليل بطلان الدور: أنه يلزم من تقدُّمُ كُلٍّ منهما على الآخر وتأخره عنه، وهو جمع بين متنافيين وهو محال، فثبت بطلان الدور. أو يقال: يلزم منه أن يكون الشيء متقدماً على نفسه ومتأخراً عنها وهو محال.

    وأما بطلان التسلسل فبرهنوا عليه ببراهين متعددة أشهرها برهان التطبيق، وهو أن تفرض من المعلول الأخير إلى غير النهاية جملة، ومما قبله بواحدٍ مثلاً إلى غير النهاية جملة أخرى، ثم تطبق الجملتين، بأن تجعل الأول من الجملة الأولى بإزاء الأول من الجملة الثانية، والثاني بالثاني، وهلم جراً، فإن كان بإزاء كل واحدٍ من الأولى واحدٌ من الثانية كان الناقص كالزائد، وهو محال. وإن لم يكن فقد وُجد في الأولى ما لا يوجد بإزاءه شيءٌ من الثانية، فتنقطع الثانية وتتناهى ويلزم منه تناهي الأولى أيضاً؛ لأنها لا تزيد على الثانية إلى بقدر متناهٍ، والزائد على المتناهي بقدر المتناهى يكون متناهياً بالضرورة. وحاصله أننا لو أجزنا التسلسل للزم عقلاً مساواة الأقل للأكثر، وهو محال، ومتى بَطَل اللازم بطل الملزوم.

    أو يقال: إنه يلزم من التسلسل وجودُ لا أول له، وهو باطل للتناقض؛ لأن مقتضى كونها حوادث أن يكون لها أول.

    أو يقال: لو ترتبت سلسلة الممكنات لا إلى نهاية لاحتاجت إلى علة وهي لا يجوز أن تكون نفسها ولا بعضها؛ لاستحالة كون الشيء علة لنفسه، ولا لعلله، بل خارجاً عنها، فتكون واجباً، فتنقطع السلسلة.

  11. [11] (أ): بتغير.
  12. [12] في (أ): التدبير.
  13. [13] ساقط في: (ب).
  14. [14] ((المتكلم)) نعت ثانٍ لكلمة ((الصانع))، وهو الله سبحانه، وذلك لتعلق التفسير بكلامه تعالى.
صفحة 40

أمثلة من حجاج السلف مع المنكرين للخالق سبحانه

ولْنذكر شيئاً من طريقة السلف في إلزام المنكرين بالأدلة الضرورية:

روي أن بعض الزنادقة أنكر الصانع عند جعفر الصادق[1]، فقال له: هل رأيتَ

صفحة 41

البحر وأهواله؟ قال: نعم، ركِبْتُ البحر وهاجت رياح [هائلة][2]، فكسرت السفينة وغرق الملاحون، فتعلقْتُ ببعض الألواح، ثم ذهب عني ذلك اللوح، فإذا أنا مدفوع بتلاطم الأمواج حتى وصلتُ إلى الساحل، فقال الإمام جعفر: قد كان اعتمادك على السفينة واللوح والملاح، فلما ذهبت هذه الأشياء عنك هل كنت ترجو السلامة؟ قال: نعم، قال: ممن كنت ترجوها؟ فسكت الرجل، فقال جعفر: إن الصانع هو الذي كتَ ترجوه في ذلك الوقت، وهو نجاك من الغرق، فأسلم في يده.

وروي أن أبا حنيفة كان سيفاً قاطعاً على الدهرية[3]، وكانوا يطلبون الفرصة لقتله، فهجموا عليه وهو قاعد في المسجد بسيوف مسلولة، فَهَمُّوا بقتله، فقال لهم: أجيبوني عن مسألة ثم افعلوا ما شئتم، فقالوا: هات، فقال: ما تقولون في رجل يقول

صفحة 42

لكم: إني رأيت سفينة مشحونة في لُجَّةِ البحر قد احتوتها أمواج متلاطمة ورياح مختلفة وهي مع هذا تجري مستوية ليس لها ملاح يُجْريها، هل تُجوِّزون ذلك في العقل؟ قالوا: لا، هذا شيء لا يقبله العقل،  فقال أبو حنيفة: يا سبحان الله، إذا لم يَجُز في العقل أن سفينةً تجري تجري مستوية ليس لها ملاح، فكيف يجوز قيام هذا العالَم العلوي والسفلي مع اختلاف أحواله من غير صانع؟!، فبكوا جميعاً وتابوا وأسلموا بيده.

وسأل بعض الحكماء الشافعي: ما الدليل على وجود الصانع؟ فقال: ورقة الفرصاد، طعمُها وريحُها ولونها، توجد عندكم؟ قالوا: نعم، قال: فتأكلها دودةُ القز فيخرج منها الإبْرَيْسِم؟ والنحلُ فيخرج منها العسل، والشاةُ فيخرج منها البعر؟ والظبيُ فيعقد في نوافجها[4] المسك، فمن ذا الذي جعلها كذلك مع أن الطبع واحد؟! فاستحسنوا منه ذلك، [وآمنوا به][5]

وتمسك[6] أحمد بن حنبل بقلعة حصينة ملساء[7] لا فرجة فيها، ظاهرها كالفضة المذابة، وباطنها كالذهب الإبريز، ثم انشقت الجدران وخرج من القلعة حيوان سميع بصير، فلا بد من الصانع، عَنَى بالقلعةِ البيضةَ، وبالحيوانِ الفرخَ.

وسأَل هارون الرشيد مالكاً عن ذلك؛ فاستدل لاختلاف الأصوات وتردد النغمات وتفاوت اللغات.

وسُئِلَ أبو[8] نواس[9] عنه؛ فقال _شعراً_:

صفحة 43

تأمل في بناء الأرض وانظر… إلى آثار ما صنع المليكُ

عيونٌ في لُجَيْنٍ شاخصات… بأحداقٍ هي الذهبُ السبيكُ

على قُضُب[10] الزبرجد شاهدات… بأن الله ليس له شريك

وإن محمداً خير البرايا… إلى الثقلين أرسله المليك

وسُئِلَ الأعرابي عن الدليل[11]، فقال: البعرة تدل على البعير، والروث يدل على الحمير، وآثار الأقدام يدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، أما يدل على العليم القدير؟!.

قيل لطبيب: بِمَ عرفْتَ ربك؟ بِهَلِيْلِجٍ[12] مجفف أطلقَ، ولعابٍ ملين أمسكَ.

وقال آخر: عرفتُه بنحلة، بأحد طرفيها تعسل، وبالآخر تلسع، والعسل مقلوب اللسع.

  1. [1] 

    ترجم له الذهبي في سير أعلام النبلاء ترجمة مطولة فأحببنا أن ننقل شيئاً من عيونها:

    هو سيدنا جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الشهيد سيد شباب أهل الجنة ولي نعمتنا سيدنا الحسين بن علي بن أبي طالب زوج الزهراء بنت سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وعليهم وسلم وبارك. قال الذهبي: أمه هي أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر التيمي، وأمها هي أسماء بنت عبدالرحمن بن أبي بكر، ولهذا كان يقول: ولدني أبو بكر الصديق مرتين.

    وكان يغضب من الرافضة، ويمقتهم، إذا علم أنهم يتعرضون لجده أبي بكر رضي الله عنه، ظاهراً وباطناً، هذا لا ريبفيه، ولكن الرافضة قومٌ جهلة، قد هوى بهم الهوى في الهاوية فبُعدً لهم. وُلد سنة ثمانين، ورأى بعض الصحابة، أحسبُهُ رأى أنس بن مالك، وسهل بن سعد رضي الله عنه. حدّثَ عن أبيه أبي جعفر الباقر، وعبيدالله بن أبي رافع، وعروة بن الزبير، وعطاء بن أبي رباح، وروايته عنه في مسلم، وجده القاسم بن محمد، ونافع العمري، ومحمد بن المنكدر، والزهري، ومسلم بن أبي مريم وغيرهم، وليس هو بالمكثر إلا عن أبيه، وكانا من أجِلَّةِ علماء المدينة.

    ومات الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه في سنة قمان وأربعين ومائة.

    وقد مر أن مولده سنة ثمانين، أرَّخَهُ الجِعابي، وأبو بكر بنُ مَنْجويه، وأبو القاسم اللالَكائي، فيكون عُمُرُهُ ثمانياً وستين سنة. لم يُخرِج له البخاري في الصحيح، بل في كتاب ((الأدب)) وغيرِه. نفعنا الله به وبمحبته وبقية آل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم دنيا وأخرى آمين. سير أعلام النبلاء.

  2. [2] ساقط في: (ب).
  3. [3] الدهرية قوم ينكرون الخالق تعالى، ويقولون بتعطيل المصنوعات عنالصانع، فما هي إلا أرحام تدفع وأرض تبلع وما يُهلكنا إلا الدهر على زعمهم تعالى الله عما يقولون علوّاً كبيراً.
  4. [4] النوافج مفردها نافجة، وهي واعء المسك في جسم الظبي- المعجم الوسيط.
  5. [5] ليست في: (ب)، وفي: (أ): بيده، تصحيف.
  6. [6] أي تمسك في الاحتجاج على وجود الصانع سبحانه وتعالى بما احتج به.
  7. [7] والمقصود بـ((ملساء)) ما بعدها، أي: لا فرجة فيها.
  8. [8] (أ): أبي
  9. [9] صاحب ((محاضرات الأدباء))، الأبيات إلى إسحاق بن محارب القمي.
  10. [10] القَضْبُ: كل شجرة طالت وبُسطت أغصانها، وقَضَبَهُ:0 قَطَعَهُ [القاموس المحيط].
  11. [11] أي على وجود الله.
  12. [12] الهَلِيْلِجُ لغةٌ في الإهْلِيْلَجِ: شجرٌ ينبت في الهند وكابول والصين، ثمرُه على هيئة حب الصنوبر الكبار.
صفحة 43

دليل التمانع

ولْنرجعْ إلى المقصود وهو الدليل على التوحيد، فنقول: صانع العالم واحد، إذ لو كان له صانعان لثبت بينهما تمانع[1]، وذلك دليل حدوثهما أو حدوث أحدهما؛ لأن أحدهما لو أراد أن يخلق في شخص حياة، والآخرَ موتاً، فإذا حصل مرادهما فهو محال؛ لاجتماع الضدين[2] في محلٍّ واحد[3]، أو لم يحصل مرادهما فهو دليلُ عجزهما، أو حصل

صفحة 44

مراد أحدهما دون الآخر وهو دليل عجز من لم يُنْفِذ إرادته، والعاجز لا يصلح إلهاً[4].

وهذا دليل التمانع المأخوذ من قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} (الأنبياء: 22).

  1. [1] الاحتمال الآخر أن يتوافقا وهو باطل؛ لأنه يلزم منه اجتماع مؤثرين على أثر واحد، أو أن أحدهما لا يقدر على الإيجاد منفرداً، فلا يكون إلها لأنه عاجز، والثاني مثله.
  2. [2] الضدان هما: الأمران الوجوديان اللذان بينهما غايةُ الخلاف (ولا يتوقف تعقل أحدهما على تعقل الآخر على القول بالتفريق بين الضدين والمتنافيين كالأبوة والبنوة) ومثالُ الضدّين: البياض والسواد، والضدّان لا يجتمعان أبداً، فلو قُدّر وجودُ أحدهما لزم ارتفاعُ الآخر، لكنهما قد يرتفعان معاً.
  3. [3] وهو محال
  4. [4] والثاني مثله، فيلزم عجزه أيضاً
صفحة 44

تفصيل في الوحدانية ونفي الشريك

وقوله: (لا شريك له).

أراد بذلك نفي أنواع الشركاء، إذ الاشتراك في اللغة هو التسوية.

وهو إما في الذات، كما قالت ((الثنوية)) حيث أثبتوا للعالم صنعين: خيراً ويسمونه ((بزدان))، وشراً ويسمونه ((أهرمن)) وكذا الطبائعية والأفلاكية.

وإما في التسمية واستحقاق العبادة كما صنع مشركوا العرب حيث عبدوا مع الله الأصنام وسموها آلهة، فصاروا مشركين مع إقرارهم بأن الله تعالى هو الخالق، باعتبار عبادتهم غير الله، قال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} (لقمان: 25).

وإما في الوصف كما زعمت ((المجسمة)) حيث وصفوا الباري بالصورة والجسمية، والتمكن على العرش على مثال البشر تسوية منهم بين الله وبين خلقه، فصاروا بذلك من جملة المشركين، وقد نزه الله نفسه الكريمة عن جميع ذلك حيث قال: {سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ} (الطور: 43)، {سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} (المؤمنون:91).

(ولا شيء مثله).

هذا إثبات لكمال ذاته في الأزل بنفي النظير والمماثلة، قال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (الشورى: 11)، وهذا محكم في هذا المعنى، فيحمل عليه جميع الآيات المتشابهة التي تمسكت بظواهرها ((المشبهةُ)).

صفحة 45

قوله: (ولا شيء يعجزه).

هذا وصف له بكمال القدرة، لأن وجود كل موجود سواه بإيجاده، فمحال أن يعجزه شيء، فإن العجز نقص، والله تعالى موصوف بكمال القدرة، [{عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (البقرة: 20] [1]، ولا يوصف بالعجز، وإلا يلزم اجتماع النقيضين[2]، ولأنه تعالى خالق لجميع الأشياء، ولا يُتصولا الخلق مع العجز، وإليه الإشارة بقوله: {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ} (يس: 81).

قوله: (ولا إله غيره).

وهي نفي لكل معبود سوى الله، إذ الإله في اللغة هو المعبود، وكفار قريش كانوا يعبدون الأصنام مع اعترافهم أن الخالق هو الله الواحد، وكانوا يقولون: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} (الزمر: 3).

فيفيد قوله: (لا إله) غير ما أفاد قوله: (لا شريك له) فلا يكون تكراراً.

  1. [1] ليست في (ب).
  2. [2] النقيضان هما: إيجاب الشيء وسلبه، كقائم وغير قائم، وموجود ولا موجود، وقادر وغير قادر… إلخ. كما أنه من النقيضين عند بعضهم تنافي العدم والملكة، وهما وجود الشيء وعدمُه عما من شأنه أن يتصف به، كالبصر والعمى والعلم والجهل والقدرة والعجز.. إلخ. والفارق بين النقيضين والذدين، أن الأولين لا يجتمعان ولا يرتفعان، كالحركة والسكون، والأخرين لا يجتمعان وقد يرتفعان، كالسواد والبياض. انظر ((شرح عقيدة الإمام الغزالي)) للشريخ زروق، بتحقيق د. محمد نصار ط/ دار الكرز ص60.
صفحة 45

القدم والبقاء

(قديم[1] بلا ابتداء).
صفحة 46

لأنه تعالى لو كان حادثاً لافتقر إلى مُحْدِث، وذلك إلى آخر، وهَلُمَّ جراً إلى أن يتسلسل أو ينتهى إلى قديم، والتسلسل محال فتعين الانتهاء إلى قديم.

وإنما أكد بقوله: (قديم بلا ابتداء) لأن القديم في اللغة مأخوذ من قوله: قدُم الشيء بالضم قِدَماً فهو قديم، أي: مضى عليه زمان طويل.

قال الزَّمَخْشَرِيّ[2] في قوله تعالى: {حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ} (يس: 39): هو الحَوْلُ[3]، فإن أقل مدة الموصوف بالقدم الحول، ومنه يقال في العرف: هذا بِناء قديم، وهذا شيخ قديم، وهذا المعنى غير مراد في حق الباري عز وجل، بل المراد بالقديم في صفاته هو: الذي لا ابتداء لوجوده، فأكد بدلك احترازاً عن المعنى اللغوي والعرفي[4].

صفحة 47
قوله: (دائم[5] بلا انتهاء).

لَمّا ثبت أنه تعالى قديم ثبت أنه دائم، إذ القِدَمُ ينافي العدم، وإنما قال: (دائم بلا انتهاء) ليعلم أن دوامه ليس بمتعلق بالزمان لانتهاءه، وهو معنى قوله تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ} (الحديد: 3)، أي: الأول بذاته، والآخر بذاته غير متعلق بزمان[6].

وإنما وَصَفَ نفسه بهذا لئلا يُفهَمَ من أوليته وآخريته ما يُفهَم من أوليه وآخرية غيره، إذ غيره يوصف بهما بواسطة وقوعه بالزمان السابق واللاحق بالذات.

(لا يفنى ولا يبيد).

أي: لا يتلاشى ولا يهلك، وإنما جمع بين اللفظتين تأكيداً لدوامه وبقاءه، وقيل: أراد بالأول: نفي تلاشي الذات، وبالثاني: نفي بطلان الحياة والصفات؛ لأن ذلك في ذاته وصفاته محال؛ لقدمه الثابت بذاته، لكونه واجب الوجود بذاته، وما بالذات لا يزول.

[(ولا يبيد) أي: لا ينقطع بقاؤه، يقال: بادت القبيلة إذا انقطعت. انتهى][7].

  1. [1] القدم ثلاثة أنواع: الأول: القدم الزماني كقدم الأمس بالنسبة لليوم. الثاني: القدم الإضافي كقدم الأب بالنسبة للإبن. والثالث القدم الذاتي وهو ما لم يُسبَق بعدم، وهو المراد في حقه تعالى، بل هو وحده المتصف بذلك النوع من القدم.
  2. [2] محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الخوارزمي الزمخشري، جار الله، أبو القاسم. من أئمة العلم بالدين والتفسير واللغة والآداب، وُلِد سنة 467هـ، وُلد في زَمَخْشَر (من قرى خوارزم). وسافر إلى مكة فجاور بها زمناً فلُقِّب بجار الله. وتنقل في البلدان، ثم عاد إلى الجرجانية (من قرى خوارزم) فتوفي فيها. أشهر كتبه ((الكشاف))- ط في تفسير القرآن، و((أساس البلاغة))- ط و((المفصل))- ط. وتوفي سنة 538هـ. الأعلام 7/178.
  3. [3] الحَوْلُ سنة بأسرها، وحال الشيء: أتى عليه حَوْلٌ.
  4. [4] جاء في هامش: (ب): في شرح العلام الشيخ عبدالغني الغنيمي الميداني: قديم قدماً ذاتياً بلا ابتداء، أي: ليس مسبوقاً بعدم وإلا لزم الدور والتسلسل، وكلاهما محال كما هو مقرر، وخرج بقيد ((الذاتي)): القدم بالزمان، كأمس بالنسبة لليوم، والإضافي كالأب بالنسبة لولده، والقدم صفة سلبية أخص من الأزل، لأن القديم موجود لا أول له، والأزلي ما لا أول له أعم من أن يكون وجودياً كذات مولانا عز وجل، أو عدمياً كعدمنا الأزلي.جاء في حاشية للباجوري أيضاً: قال: فاعلم أن لهم في القديم والأزلي ثلاثة أقوال: الأول: أن القديم هو الموجود الذي لا ابتداء لوجوده، والأزلي ما لا أول له عدمياً أو وجودياً، فكل قديم أزلي ولا عكس. والثاني: أن القديم هو القائم بنفسه الذي لا أول لوجوده، والأزلي ما لا أول له عدمياً أو وجودياً قائماً بنفسه أو بغيره، وهذا الذي يُفهَم من كلام السعد. والثالث: أن كلاًّ منهما ما لا أول له عدمياً أو وجودياً قائماً بنفسه، وعلى هذا فهما مترادفان. وعلى الأول الصفات السلبية لا توصف بالقِدَم وتوصف بالأزلية بخلاف الذات العلية والصفات الثبوتية فإنها توصف بالقدم والأزلية. وعلى الثاني باقي الصفات مطلقاً لا توصف بالقدم وتوصف بالأزلية، بخلاف الذات العلية فإنها توصف بكل منهما. وقِدَمُ الذات هو عدم افتتاح الوجود، وإن شئت قُلت: هو عدم الأولية للوجود، وأما القِدم في حقنا فالمراد به الزمان، أي: طول الزمان، وحُدَّ بِسَنَة، فإذا قال: كل من كان من عبيدي قديماً فهو حُر، عُتِقَ مَنْ له سنة.
  5. [5] جاء في هامش: (ب): (دائم) أي: باق (بلا انتهاء) أي: ليس ملحوقاً بالعدم المعبر عنه بامتناع طروء العدم على وجوده تعالى؛ لأن مَنْ ثَبَتَ قِدَمهُ استحالَ عدمُه، والبقاء صفة سلبية أيضاً، وقد أردفها على طريق التعبير والتأكيد بقوله: (لا يفنى) أي: لا يزول بقاؤه، يقالك فني الميت إذا زال وذهب أثرُه. اهـ.
  6. [6] الزمان والمكان من خلق الله تعالى، فالله سبحانه لا يوصف بهما، وإلا لزم قدم الزمان والمكان، أو أن تكون ذاتُه تعالى محلّاً للحوادث، وكلاهما محال. فالحاصل أنه سبحانه متعالٍ عن الزمان والمكان، والله كان ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان.
  7. [7] ما بين المعقوفتين ساقط في (أ).
صفحة 48

الإرادة

(ولا يكون إلا ما يريد).

لأن كل موجود سواه فهو بتخليقه وتكوينه وإرادته[1] لكون ما سواه ممكناً، والممكن لا يترجح أحد طرفيه إلا بمرجح، وذلك إرادة الله تعالى إذا لا مريد سواه[2].

قال تعالى: {يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} (آل عمران: 40)، و{يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ} (المائدة: 1).

وقال تعالى: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (النحل: 40)، وصف نفسه بالمشيئة والإرادة، فيثبتان له حقيقة[3] [لا][4] كما زعم الكعبي[5] ومن تبعه

صفحة 49

من المعتزلة كالنَّظَّام[6] من أنه تعالى لا يوصف بالإرادة حقيقة بل مجازاً؛ لأن الإرادة هي الشهوة، وهو محال على الله.

ونحن نقول: معنى الإرادة عندنا: ((هي الصفة التي توجب اختصاص المفعولبوجه دون وجه، وفي زمان دون زمان))، إذ لولا الإرادة لوقعت الممكنات في وقت واحد على هيئة واحدة، فلما خرجت المفعولات على [الترادف][7] والتوالي، وعلى النظام والأوصاف، وعلى الهيئات المختلفة والأوصاف المتباينة على ما اقتضته الحكمة البالغة، كان ذلك دليلا على اتصفا الفاعل بالإرادة، إذ وقوع هذا الاختلاف لم يكن من اقتضاء ذواتها، فعلم أن ذلك لإرادة الفاعل.

و[أما] قولهم: ((الإرادة شهوة))، فذلك تلبيس منهم، لنفي الصفة عن الله، لأن الشهوة إرادة مخصوصة، وهي إرادة ما فيه نفع المريد، والله غني مطلق لا تكون إرادته اشتهاء بل ربوبية، والإرادة مشتقة في اللغة من ((الرود)) وهو الطلب، ولهذا سموا طالب الكلأ رائداً، ومنه المثل: ((الرائد لا يكذب أهله)).

  1. [1] قال العارف بالله الإمام ابن عطاء الله السكندري: ((إلى المشيئة يستند كل شيء، ولا تستند هي إلى شيء)).
  2. [2] الإرادة صفة من صفات الله تعالى، وهي صفة يتأتى بها تخصيص الممكن ببعض ما يجوز عليه، وترادفها المشيئة. والرضا والمحبة سواء، ومخالفان للإرادة والمشيئة. فالله تعالى قد يريد الشيء ولا يرضاه ككفر الكافر، يريده بدليل وجوده منه، (وكل شيء كائن أراده)، لكن لايرضاه ويحبه: {وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} (الزمر: 7). وقد يرضاه ولكن لا يريده كإيمان من مات كافراً، وعلامة كونه غير مراد أنه لم يقع. وقد يريده ويرضاه كإيمان المؤمن. وقد لا يريده ولا يرضاه ككفر من مات على الإيمان، وعلامة كونه غير مراد أنه لم يقع، فبين الإرادة والرضا عموم وخصوص وجهي؛ فيجتمعان في نحو إيمان المؤمن، وتنفرد الإرادة في نحو كفر الكافر، وينفرد الرضا في نحو إيمان الكافر الذي لم يؤمن. قال اللقاني: مذهب أهل الحق أن كل ما أراده الله تعالى فهو كائن، وكل كائن فهو مراد له تعالى وإن لم يكن مرضياً له ولا مأموراً به، هذا ما اشتهر عن السلف ((ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن))، وخالفت المعتزلة في الأصلين. اهـ. واعلم أن الرضا: هو قبول الشيء والإثابة عليه، وأن ((الأمر)) و((الرضا)) متلازما، فالله تعالى لا يأمر إلا بما يرضاه.
  3. [3] دليل ثبوت صفة الإرادة له سبحانه الآيات الناطقة بإثباتها لله تعالى، مع القطع بلزوم قيام صفة الشيء به، وامتناع قيام الحوادث بذاته تعالى. وأيضاً: نظام العالم ووجوده على الوجه الأوفق الأصلح دليل على كون صانعه قادراً مختاراً.
  4. [4] ما بين المعقوفتين زيادة من عندنا اقتضاها السياق.
  5. [5] أبو القاسم عبدالله بن أحمد بن محمود الكعبي البلخي العالم المشهور، كان رأس طائفة من المعتزلة يقال لهم ((الكعبية))، وهو صاحب مقالات، ومن مقالته المشهورة ما ذكر المصنف: ((أن الله سبحانه وتعالى ليست له إرادة، وأن جميع أفعاله واقعة منه من غير إرادة ولا مشيئة منه لها)). وكان من كبار المتكلمين، وله اختيارات في علم الكلام، وتوفي مستهل شعبان سنة (713هـ)، انظر: ((وفيات الأعيان)) (2/45).
  6. [6] شيخ المعتزلة، أبو إسحاق إبراهيم بن سيار النظام، مولى آل الحارث بن عباد من بني قيس بن ثعلبة الضبعي البصري المتكلم، صاحب تصانيف، تكلم في القدر، وانفرد بمسائل، وهو شيخ الجاحظ، وكان شاعراً أديباً بليغاُ، وله كثب كثيرة في الاعتزال والفلسفة  ذكرها ابن النديم. مات في خلافة المعتصم سنة (231هـ). انظر ((سير أعلام النبلاء)) (10/415).
  7. [7] ليست في: (ب).
صفحة 49

مخالفته تعالى للحوادث

قوله: (لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفهام).
صفحة 50

الوهم: قوة تدرك الجزئيات، والفهم: إدراك العقل للكليات[1]، والله تعالى ليس بذي وضع وكيفية فينطبع في الأوهام، ولا بذي حد فيبلغ كنهه العقل ويحيط به، بل هو متعال عن ذلك، قال: {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} (طه: 110)، إذ الإدراك والإحاطة بجميع أطرافه لا يُتَصَوَّرُ إلا فيما يُحَدُّ [وينتهي][2].

قوله: (ولا يشبه الأنام)[3].

وهو كل ذي روح، وقيل: جميع الخلائق، وقيل: المراد بالأنام البشر وهو الأنسب، لأنه أراد به نفي المشبهة والمجسمة حيث وصفوا الباري بأنه جسم على صورة البشر[4]، وأيضاً: أراد نفيَ قول النصارى حيث جعلوا له ولداً وصاحبة، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

صفحة 51

ولا شك أن الولد يشابه الأب فعلى هذا أفاد قوله: (ولا يشبهه الأنام) غير ما أفاد قوله فيما سبق (لا شيء مثله)؛ لأن الأول عام، وهذا خاص، فيكون مبالغة في تنزيه الله عما لا يليق به[5].

قال في التبصرة: المماثلة اسم جنس يشمل أنواعاً أربعة: المشابهة والمضاهاة والمشاكلة والمساواة، والمماثلة بجميع أنواعها منتفية عن الله؛ لأن المثلين هما اللذان يسد أحدهما مسد الآخر ويقوم مقام صاحبه، ويصلح لما صلح له المثل الآخر، وما سواه لا يسد مسده لكونه مقهوراً تحت قهره فلا يصلح لما يصلحله القهار، هذا على الاصطلاح.

أما المحققون [فقسموا][6] فقالوا: إن الاتحاد بالنوع مماثلة، وبالجنس مجانسة، وبالكم مساواة، وبالكيف مشابهة، وبالمضاف _كاتحاد زيد وعمرو في بنوة بكر_ مناسبة، وفي الشكل مشاكلة، وبالوضع موازاة، وبالأطراف مطابقة كاتحاد أطراف

صفحة 52
طاسين[7] عند انكباب[8] أحدهما على الآخر[9].

  1. [1] الوهم قوة في النفس تدرك بها المعاني الجزئية التي لا تدرك بالحواس الخمس الظاهرة كإدراك شجاعة زيد. وقولهم: المعاني الجزئية أي: في مقابلة المعاني الكلية وهي ما يُفهِم تصورُها اشتراك كثيرين فيها كالشجاعة. فكل ما تُخُيِّل في الوهم أو تُصُوِّر في الفهم فالله سبحانه بخلاف ذلك.
  2. [2] ساقطة في: (ب).
  3. [3] قوله: ولا يشبه الأنام، عبارة عن صفة من صفاته تعالى السلبية وهي صفة المخالفة للحوادث. قال السعد في ((شرح العقائد النسفية)): (لا يشبهه شيء) أي: لا يماثله. فإذا أريدَ بالمماثلة الاتحاد في الحقيقة، فظاهر أنه ليس كذلك، وأما إذا أريد بها كون الشيئين بحيث يسد أحدهما مسد الآخر أي: يصلح كلٌّ لما يصلح له الآخر، فلأن شيئا من الموجودات لا يسد مسده في شيء من الأوصاف؛ فإن أوصافه من العلم والقدرة وغير ذلك أجل وأعلى مما في المخلوقات بحيث لا مناسبة بينهما)). اهـ.
  4. [4] 

    قال صاحب بدء الأمالي:

    وما إنْ جوهرٌ ربي وجسمٌ… ولا كلٌّ وبعضٌ ذو اشتمالِ

    اهـ. فالجوهر هو الجزء المتحيز الذي لا يتجزأ، والجسم هو المتحيز المتركب من جوهرين فصاعداً، وهو يقبل الانقسام. وكلاهمامنفي عن الله تعالى؛ لأن التركيب والتحيز أمارة الحدوث والاحتياج، فالمركب محتاج إلى أجزائهن والمتحيز محتاج إلى حيزه، والاحتياج من صفات الحوادث. قال السعد في ((شرح العقائد)): (ولا جوهر) أما عندنا فلأنه اسم للجزء الذي لا يتجزّأ، وهو متحيز وجزء من الجسم، والله تعالى متعالٍ عن ذلك…. وأما إذا أريدَ بهما القائم بذاته والموجود لا في موضوع فإنه يمتنعإطلاقهما على الثانع من جهة عدم ورود الشرع بذلك، مع تبادر الفهم إلى المتركب والمتحيز…. فإن قيل كيف صح إطلاق الموجود والواجب والقديم عليه ونحو ذلك مما لم يرد بها لشرع. قلنا: بالإجماع، وهو من الأدلة الشرعية.

  5. [5] قال السعد في ((شرح العقائد)): واعلم أن ما ذكره _يعني صاحب النسفية_ من التنزيهات بعضها يغني عن البعض إلا أنه حاول التفصيل والتوضيح في ذلك قضاءً لحق الواجب في باب التنزيه، ورداً على المشبهة والمجسمة وسائر فرق الضلال والطغيان بأبلغ وجه وآكده، فلم يبال بتكرير الالفاظ المترادفة والتصريح بما علم من طريق الالتزام. ثم إن مبنى التنزيهات… على أنها تنافي وجوب الوجود، لما فيها من شائبة الحدوث والإمكان. اهـ.
  6. [6] ساقطة في: (ب).
  7. [7] الطاس الإناء يُشرب فيه.
  8. [8] بالمخطوطين: الكتاب.
  9. [9] وردت العبارة في التعريفات للسيد الشريف الجرجاني النقشبندي هكذا: وإن كان بالأطراف يسمى مطابقة كاشتراك الإجّانتين في الأطراف. اهـ.
صفحة 52

حياته تعالى

قوله: (وهو حي لا يموت) [1].

لقوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} (غافر: 64)، {هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} (غافر: 65)، ففي الآية [الأولى] دلائل من حيث العقل والسمع على حياته، لأنه بدأ بذكر الصانع وأتبعه بذكر الصنع بقوله: {جَعَلَ لَكُمُ} ثم ذكر المصنوع بقوله: {الْأَرْضَ} ثم ذكر دلالة المصنوعية أي جعلها مع سعتها وعظمتها على هيئة تقرون عليها وتفترشونها وتعيشون فيها، فهي مذللة لا تدفع عن نفسها، وشق الأنهار فيها وأنبت أنواع الثمار فيها، ثم قال: {وَالسَّمَاءَ بِنَاءً} أي: سقفاً محفوظاً قائماً في الهواء بلا عمد ولا علاقة.

ثم خاطب العقلاء في تصوير جوهرهم وتركيب أبدانهم لينظروا في آيات الألوهية وكمال قدرته وحكمته فقال: {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} وهم

صفحة 53

يعلمون أنهم كانوا أمواتاً نُطَفاً سُلّت من صلب الرجل وترائب الأنثى، ثم صارت النطفة في قرارٍ مكين في ظلمات ثلاث، انقطع عنها تدبير الوالدين[2]، فدلهم على ربوبيته آثار صنعه إذ لا صنع إلا بالصانع، ودلهم على معرفة حكمته وعلمه بآثار الإتقان والإحكام بقوله: {فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} أي: أحسن تركيبها منتصبا قامتها غير منكسة[3]، وأبدع في بدنكم من القرن إلى القدم أشياء يتحير العقل بإدراك كنه حسنه، وركب فيكم العقل الدارك. ثم ذكرهم بنعمه عليهم فيما تقوم به أنفسهم فقال: {وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ} (غافر: 64) أي: من أطيب ما أخرج من الأرض؛ لأنه أخرج نباتاً مختلفاً [فجعل أطيبه وألينه للبشر، وسائره رزقاً للدواب][4].

ثم قال: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ} (غافر: 64) أي الذي صنع لكم هذا هو ربكم لا رب سواه.

ثم قال: {هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} (غافر: 65) علمهم الاستدلالَ أن الفعل المحكم لن يأتي إلا من حي قادر عالم، وأن مَن ينسبُ مثل هذه المصنوعات إلى ما ليس بحيٍّ يكون مجنوناً خارجاً عن عِداد العقلاء، وكما يُستدل بالفعل المحكم على كونه قادراً يستدل به على كونه حياً؛ إذ الحياة شرط لثبوت القدرة، وفي قوله: هو {هُوَ الْحَيُّ} إشارة إلى أنه هو الحي المطلق الذي حياته بذاته، وإلى أن حياة غيره عارضةٌ مستفادةٌ من فَيضه فهُم أحياءُ بحياةٍ هي مِن غيرهم فلذلك يَحِل فيهم الموتُ بآفة، فأما حياته بذاته، فيستحيل أن يحله الموت؛ إذ الواجب بذاته أزلي لا يزول، وإليه الإشارة بقوله سبحانه وتعالى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ}

صفحة 54
(الفرقان: 58) [أي أبداً، إذ من ثبت قدمه استحال عدمه[5]][6].

  1. [1] أي: متصف بصفة الحياة، وهي شرط لاتصافه بسائر الصفات، فهي شرط عقلي لسائر الصفات يلزم من عدمها عدم هذه الصفات، ولا يلزم من وجودها وجودٌ ولا عدم، ودليلُ اتصافه سبحانه بصفة الحياة أن يقال: إن الله تعالى متصف بالقدرة والإرادة والعلم، وكل من اتصف بذلك تجب له الحياة؛ إذ لا يُتصور قيامها بغير حي، فينتج أن الله سبحانه تجب له الحياة.
  2. [2] ساقط في: (ب).
  3. [3] في هامش: (أ): نسخة: منكبة.
  4. [4] ما بين المعقوفتين ساقط في: (ب).
  5. [5] ما ثبت قدمه استحال عدمه، دليله: أنه إذا لم يكن العدمُ مستحيلاً لكان جائزاً، فيحتاج إلى مرجح، والاحتياح علامة الحديث فيكون حادثاً قديماً، وهو تناقض؛ لأنا فرضنا في الأول قديماً، فثبت المطلوب. أو يقال: القديم الذي لا ابتداء لوجوده لا موجود له، ووجوده ذاتي، فهو واجب الوجود، فلو لحقه عدم لما كان واجب الوجود، وهو تناقض.
  6. [6] ما بين المعقوفتين ساقط في: (أ).
صفحة 54

قيامه تعالى بنفسه

قوله: (قيوم لا ينام).

هو القائم على كل نفس بما كسبت، وقيل: هو الحافظ، وقيل: القائم بتدبير أمر الخلق، وقيل القائم بذاته[1] المقيم لغيره.

وقوله: (لا ينام) نفي للنوم والسِّنة والسهو والغفلة عنه، إذ النوم فترة تعتري الإنسان فتمنعه عن استعمال الحواس والجوارح، والله منزه عن ذلك؛ ولأن نفي النوم من لزوم كونه قيوماً؛ لأن جميع الأشياء هو قائم بها، فلو يعتريه النوم لانفسد نظام العالَم، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ} (فاطر: 41) فلذلك قرن ((القيوم)) بقوله: (لا ينام).

قوله: (خالق بلا حاجة).

إذ الحاجة نقص يُحْتاج إلى دفعها، والله هو الغني المطلق، فلا يكون له حاجة في فعله، قال تعالى: {فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} (آل عمران: 97).

فإن قيل: جاء الخلق معللاً في القرآن مثل قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات: 56)، فدل أنهم خُلِقوا للعبادة، تأويله: إلا لآمرهم بعبادتي، وأنهاهم عن معصيتي ثم أثيبهم على الطاعة وترك المعصية، فكان الخلق لحاجة

صفحة 55

المكلفين لا لحاجته، إذ النفع عائد إليهم، وهو لا يتضرر بترك ذلك، وإنما حُمِل على ذلك لئلا يلزم الخلف في خبر الله؛ لأنا نعلم أنهم ما عبدوه بأسرهم.

(رازق بلا مؤنة).

أي: يرزق الخلق بلا كسب ولا علاج ولا استعانة بسبب؛ لأن جميع مراد الله يحصل بتكوينه على ما قال: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (النحل: 40)، فلا تلحقه المؤنة والكلفة في ذلك لكمال قدرته.

قوله: (مميت بلا مخافة).

أي: مميت الخلائق، ولا يلحقه بذلك خوف ووحشة، فإن وجودهم وعدمهم بالنسبة إليه سواء، إذ هو العزيز القهار المنفرد بالدوام والبقاء.

قوله: (باعث[2] بلا مشقة).

وذلك لأن الله خلق العالم بلا مشقة بالتكوين على ما قال: {إِنَّمَا قَوْلُنَا} الآية، فيتعالى في البعث والإعادة عن لحوق المشقة، إذ الإعادة أهون من الإنشاء، وإليه الإشارة بقوله: {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} (الروم: 27)، وبقوله: {أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ} (ق: 15)، أي: ما عجزنا بالخلق الأول فكيف نعجز بالخلق الثاني، وبقوله: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ} (الأنبياء: 104)، وقوله: {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} (يونس: 4)، و[قال] جواباً لمن أنكر البعث: {أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (77) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ(79)} {يس: 77-78-79)، إلى أن قال: {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ

صفحة 56

الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ} (يس:81)، وألزم الحجة على منكري النشأة الثانية فقال: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ} الآية (الحج: 5)، أي: كيف تشكون في البعث وتنكرونه وقد خلقكم الله من التراب في أطوار مختلفة.

ومعنى: {مُخَلَّقَةٍ} أي: مخلوقة خلقاً تاماً، {وغير ملخلقة} أي: متروكة نطفة على حالها، وقوله: {لِنُبَيِّنَ لَكُمْ} قدرته وسلكانه، أنَّ من قدر على تحوليكم من حال الترابية إلى الإنساية، وحال النطفة إلى العلقة ثم إلى المضغة فهو قادر على البعث والإحياء بعدما تصيرون تراباً وتتلاشى أجزاؤكم، فليس في موتكم إلا هذا، وقد أنشأكم ابتداء بلا مشقة فكذا يعيدكم.

  1. [1] القيام بالنفس عبارة عن الاستغناء عن المحل والمخصص. وهو من الصفات السلبية.
  2. [2] البعث هو إحياء الموتى وإخراجهم من قبورهم بعد جمع أجزائهم الأصلية. وقولهم: (أجزائهم الأصلية) احتراز عن مثل الظُّفْر.
صفحة 56

قدم أسمائه وصفاته والكلام على صفة التكوين

قوله: (ما زال بصفاته قديماً قبل خلقه، لم يزدد بكونهم شيئاً لم يكن قبلهم من صفته).

أراد بهذا الكلام أن الله عز وجل موصوفٌ بأسمائه الحسن وصفاته العلا أزلاً وأبداً سواء كانت صفات الذات كالحياة والقدرة والإرادة والمشيئة والسمع والبصر[1]، أو صفات الأفعال كالتخليق والتكوين[2]

صفحة 58

والإحياء والإماتة، فإنها كلها صفات له قائمة بذاته قديمات مصونات الزوال [3]، وكان موصوفاً بهذه الصفات قبل خلقه، أي: قبل مخلوقاته، فإن ((الخلق)) يُذكر ويراد به المخلوق[4]، كقوله تعالى: {هَذَا خَلْقُ} (لقمان: 11)، أي مخلوقة، وليس المراد بالخلق الصفة القديمة بذاته؛ ولهذا قال: (لم يزدد بكونهم) أي: بكون المخلوقات شيئاً لم يكن قبل المخلوقات من صفته، معناه ما زاد في صفات الله بعد خلق الخلائق شيء لم يكن في صفاته قبل خلقهم، بل صفاته قديمة[5][6] أزلية.

صفحة 59

والدليل على أن لله صفات قديمة قائمة بذاته، النقل والعقل.

أما النقل:

فقوله تعالى: {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ} (البقرة: 255)، وقوله: {أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ}  (النساء: 166) وقوله: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} (الذاريات: 58)، أثبت لنفسه العلم والقدرة.

وكذا باقي الصفات أثبتت بقوله: {هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} (البقرة: 255) وبقوله: {وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (الشورى: 11) وفيه نفي لقول المعتزلة حيث قالوا: ((إنه حي عليم وقادر بذاته لا بصفة زائدة على ذاته قائمة به))[7].

ولكنا نقول: القول ((بحي لا حياة له، وبعالم لا علم له، وبقادر لا قدرة له)) محال، كما أن القول ((بمتحرك لا حركة له)) محال؛ لأن هذه الصفاتمشتقة من المعاني فلا تطلق على الذات إلا بقيام مأخذ[8] الاشتقاق به.

وأما الدليل من حيث العقل:

فهو أن الله سبحانه وتعالى اخترع هذا العالم مع اختلاف أنواعه على ما هو عليه من الإحكام والإتقان وبديع الصنع وعجيب النظم والترتيب وتركيب الأفلاك الدائرة وما فيها من الكواكب السيارة وتسخير الشمس والقمر دائبين يستبقان فلا يتداركان، ويتداركان ولا يختلطان، وجعل اللي والنهار متكورين على الخلائق، أحدهما يغشى بقوته وجوه الأشياء ويغطيها، ويكشف الآخر السواتر عن وجوه الأشياء ويجليها، وما يُرى ويُشاهَد في أبدان الحيوانات من الحياة والتمييز والاهتداء

صفحة 60

إلى اجتلاب المنافع واجتناب المضار وما فيها من لطائف الحواس ومجاري الأنفاس، وما في الأجسام الجمادية من الخاصيات التي أُودِعَت فيها على وجه لو تأمل علماء العالم وحكماء الأنام الموصوفون بدقة الأفكار وحدة الخواطر جميع العمر لما وقفوا على كنهها ولا على جزء من ألف جزء مما فيها من آثار الحكمة ولطائف التدبير، وفيه دليل قاطع لذوي العقول على أن صانع هذه الأشياء موصوف بصفات الكمال من العلم والقدرة والمشيئة والإرادة والحكمة، منزه عن أضدادها التي هي نقص.

قوله: (وكما كان بصفاته أزلياً، كذلك لا يزال عليها أبدياً).

والمقصود من هذا الكلام إثبات أزلية صفات الله وأبديتها.

أما كونها أزلية، فإ،ها لو كانت حادثة لكانت قائمة في ذاته أو في محل آخر أو لا في محل، والكل محال.

أما الأول فلأن ذات الله عز وجل ليست محلاً للحوادث.

وأما الثاني فلأن صيرورة الذات موصوفة بصفة قامت بغيره كصيرورة المحل أسود بسواد قام بمحل آخر، وكصيرورته قادراً بقدرة قامت بشخص آخر وكل ذلك باطل.

وأما الثالث فلأن قيام الصفات لا في محل محال.

وإذا ثبت أن صفاته أزلية بالضرورة تكن أبدية دائمةً، إذ الأزلي لا يزول[9].

وقيل في اشتقاق الأزل والأبد: إن الأزل اسم لما يضيق القلب عن تقدير بدايته، من ((الأَزْل)) وهو الضيق، والأبد اسم لما ينفر القلب عن تقدير نهايته، من ((الأُبُوْد))،

صفحة 61

وهو النفور، وذلك في ((المصباح))، وذكر في ((الصحاح)): الأزَل بالتحريك القِدم، وهو في الاصطلاح ما لا ابتداء لوجوده، والأبد ما لا انتهاء له.

قوله: (ليس منذ[10] خلق الخلق استفاد اسم {الخالق}، ولا بإحداث البرية استفاد اسم {الباري}).

((الخالق)) و((الباري)) بمعنى واحد، يقال: برأ، أي: خَلَقَ. والبرية والخليقة، وإنما كرر هذا الكلام تأكيداً لمعنى أن الله في الأزل متصف بصفات الكمال عير مُتَعَرٍّ عن شيء من صفات المدح، إذ يستحيل أن تكون ذاته في الأزل خالية عن صفات الكمال لما في ذلك من النقص، وهو محال على الله تعالى؛ ولأن التعري منها يوجب الافتقار إلى حصوله بإيجاد العالم، والله تعالى غني عن العالمين متعالٍ عن أن يكتسب صفة لم تكن له بإيجاد الخلق.

قوله: (له معنى الربوبية ولا مربوب، ومعنى الخالق ولا مخلوق).

هذا تحقيق لما ذُكِر أولاً وتأكيدٌ له، فإنه تعالى ((خالق)) و((رب)) قبل وجود المخلوق والمربوب، لأن صفاته قائمة بذاته.

وحاصل هذا الكلام نفي قول الأشاعرة[11] حيث قالوا: إن صفات الذات قديمة، وصفات الفعل كالخلق والإيجاد والتكوين محدثة، وهو قول عامة المعتزلة والنجارية والكرامية.

ونحن[12] نقول: إن الله تعالى بجميع صفاته قديم؛ لأن الله تعالى مدح نفسه في

صفحة 62

الأزل بصفات الفعل بقوله: {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} (الحشر: 24)، فثبت أنه موصوف في الأزل بكونه خالقاً بارئاً مصوِّراً، ولا مخلوق في الأزل ولا مربوب ولا مصوَّر؛ ولأن صفات الفعل لو كانت حادثة في ذات الله للزم أن يكون محلاً للحوادث، وهو باطل، أو في محل آخر أو لا في محل، والكل محال، يؤيد ذلك قوله تعالى: {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} (الحشر: 24).

قوله: (ذلك بأنه على كل شيء قدير).

أشار بقوله: (ذلك) إلى ما تقدم من الصفات مثل الإحياء والإماتة وغيرها، وأراد به أنه عز وجل موصوف في الأزل بأنه على كل شيء قدير،وإن لم تكن المقدورات موجودة في الأزل، فكذا موصوف بسائر الصفات مثل التخليق والتكوين وإن لم تكن المخلوقات في الأزل، ولأنهم يقرون بأ،ه عالم قادر سميع بصير في الأزل، ولم يوجب ذلك كون معلوماته ومسموعاته ومقدوراته في الأزل، فكذا يكون تكوينه الأزلي تكويناً لكل مكوَّن لوقت وجوده.

قوله: (وكل شيء إليه فقير، وكل أمر عليه يسير).

معناه: كل شيء مفتقر إليه في وجوده وبقائه، لا وجود لشيء إلا بإيجاده، ولا قوام لشيء إلا بتقويمه، [فهو القيوم الذي أحوج إليه كل شيء، هو الله الغني وأنتم الفقراء][13]، وجميع الأشياء يوجدها بقول: {كُنْ فَيَكُونُ}، وجميع الأمور عليه يسيرة، لا يلحقه بإيجادها مشقة.

قوله: (ولا يحتاج إلى شيء).

لأن الحاجة نقص، وهو منزه سبحانه وتعالى عنه، ولأن جميع الأشياء مقهورة تحت قهره وموجودة بإيجاده، فكيف يحتاج إلى غيره وقد وصف نفسه بكمال الغنى

صفحة 63

بقوله عز وجل: {فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} (آل عمران: 97).

قوله: ({لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (الشورى: 11).).

إنما ذكر ذلك عقب نفي الحاجة عنه؛ لأنه نص محكم لا احتمال فيه، وهو شامل لنفي جميع صفات المخلوقين وسمات المحدثين، ومثبت لصفات المدح والكمال، فلو كانت صفات الأفعال محدثة كما زعمت الأشاعرة للزم أن تكون [صفاته مثل][14] صفات المخلوقين في الحدوث، والمماثلة منتفية بالنص.

  1. [1] ولا يلزم من قدم السمع والبصر قدم المسموعات والمبصرات، كما لا يلزم من قدم العلم والقدرة قدم المعلومات والمقدورات؛ لأنها صفات قديمة تحتث لها تعلقات بالحوادث.
  2. [2] التكوين: هو مبدأ إخراج المعدوم من العدم إلى الوجود. وهو صفة لله تعالى لإطباق العقل والنقل على أنه خالق للعالم مكون له، وامتناع إطلاق الاسم المشتق على الشيء من غير أن يكون مأخذ الاشتقاق وصفا له قائما به.

    ويستدل على أزلية التكوين بأدلة: الأول: أنه لو لم تكن أزلية لكانت حادثة وهو ممتنع لامتناع قيام الحوادث بذاته تعالى. الثاني أنه لو كان حادثاً، فإما بتكوين آخر وهذا بتكوين آخر إلى ما لا نهاية، فيلزم التسلسل، وهو محال. ويلزم منه استحالة تكون العالم وهو باطل أيضاً لأنه مشاهد. وإما بدونه فيستغني الحادث عن المحدث والإحداث، وفيه تعطيل الصانع.

    الخلاف في صفة التكوين: مذهب الماتريدية أن صفات الأفعال من خلق ورَزْق وإحياء وإماتة وغيرها صفات قديمة، وترجع كلها إلى صفة التكوين، وهي صفة قديمة قائمة بذاته تعالى يتأتى بها الإيجاد والإعدام على وفق الإرادة، فإن تعلقت بالحياة سميت إحياءً، وإن تعلقت بالوجود سميت إيجاداً، وإن تعلقت بالرزق سميت ترزيقاً أو رَزْقاً بفتح الراء إلخ. والدليل على هذه الصفة عند الماتريدية: أنه قد ثبت أن الله سبحانه هو مكون الأشياء، وكونه تعالى مكون الأشياء دون أن يكون متصفاً بصفة التكوين محالٌ ضرورةَ استحالةِ الأثر من دون مؤثر، ودليلهم على أن هذه الصفة قديمة أنه لو لم تكن قديمة لكانت حادثة، ويستحيل أن تكون حادثة لاستحالة قيام الحوادث بذاته تعالى.

    ملحوظة: أورد السعد في شرح المقاصد ما محصله: أن الماتريدية أطبقوا على أزلية التكوين وعلى مغايرته للقدرة، وعلى كون التكوين غير المكوَّن، وعلى أن أزلية التكوين لا تستلزم أزلية المكوَّن.

    أما مذهب الأشاعرة فهو: أن صفات الأفعال حادثة؛ لأنها تعلقات القدرة، وتعلقات القدرة كلها حادثة. فالتخليق هو القدرة باعتبار تعلقها بالمخلوق، والترزيق هو القدرة باعتبار تعلقها بإيصال الرزق إلخ. قال الكمال في ((المسايرة)): وما ذكروه _يعني متأخري الماتريدية_ في معناه لا ينفي هذا ولا يوجب كونها صفاتٍ أخرى لا ترجع إلى القدرة المتعلقة بما ذكر، وإلى الإرادة المتعلقة بذلك، ولا يلزم في دليل لهم ذلك، وأما نسبتهم ذلك للمتقدمين ففيه نظر، بل في كلام أبي حنيفة رضي الله عنه ما يفيد أن ذلك على ما فهم الأشاعرة من هذه الصفات على ما نقله الطحاوي قال _أي الطحاوي نقلا عن أبي حنيفة_: وكما كان بصفاته أزلياً كذلك لا يزال عليها أبدياً، ليس منذ الحلق استفاد اسم الخالق، ولا بإحداثه البرية استفاد اسم الباري، له معنى الربوبية ولا مربوب، ومعنى الخالق ولا مخلوق، وكما أنه محيي الموتى استحق هذه الاسم قبل إحيائهم، كذلك استحق اسم الخالق قبل إنشائهم، ذلك بأنه على كل شيء قدير اهـ، فقوله _أي قول أبي حنيفة_ ((ذلك بأن الله على كل شيء قدير)) تعليل وبيان لاستحقاق اسم الخالق قبل المخلوق، فأفاد أن معنى الخالق قبل الخلق، واستحقاق اسمه بسبب قيام قدرته عليه _أي: على هذه الخلق_ فاسم الخالق ولا مخلوق في الأزل لمن له قجرة الخلق في الأزل، وهذا ما يقوله الأشاعرة والله الموفق. اهـ بتصرف يسير. قلت: قد يجاب عن تعليل أبي حنيفة المذكور بأنه أراد أن يشير إلى أزلية صفة التكوين برغم حديث المكوَّن بلفت النظر إلى أنه تعالى قدير في الأزل رغم حدوث المقدورات، فلا يمتنع أن يكون مكوناً في الأزل رغم حدوث المكونات.

    قال السعد في ((شرح العقائد)): والحاصل في الأزل هو مبدأ التخليق والترزيق والإماتة والإحياء، وغير ذلك. ولا دليل على كونه _أي: التكوين_ صفة أخرى، سوى القدرة والإرادة. فإن القدرة وإن كانت نسبته إلى وجود المكون وعدمه على السواء، لكن مع انضمام الإرادة يتخصص أحد الجانبين…. والتحقيق أن تعلق القدرة على وفق الإرادة بوجود المقدور لوقت وجوده إذا نُسب إلى القدرة يسمى ((إيجاباً)) له، وإذا نُسب إلى القادر يسمى (الخلق)) و((التكوين)) ونحو ذلك. فحقيقته: كون الذات بحيث تعلقت قدرته بوجود المقدور لوقته، ثم يتحقق بحسب خصوصيات المقدورات خصوصيات الأفعال كالترزيق والتصوير والإحياء والإماتة وغير ذلك إلى ما لا يكاد يتناهى.

  3. [3] أي مصونات عن الزوال. قالصاحب ((بدء الأمالي)):

    صفات الذات والأفعال طراً… قديمات مصونات الزوال.

  4. [4] ((الخلق)) مصدر قد يطلق ويراد به اسم الفاعل كالعدل بمعنى العادل والزور بمعنى الزائر. أو يراد به اسم المفعول ((كالخلق)) بمعنى المخلوق.
  5. [5] الفرق بين القديم والأزلي على ثلاثة أقوال: الأول: القديم: الموجود الأزلي الذي لا أول له، والأزلي ما لا أول له أعم من أن يكون وجودياً أو عدمياً. وعليه فإن عدمنا أزلي لا قديم، وذات الله تعالى قديم وأزلي. وصفة العلم مثلا أزلي وقديمة. الثاني: القديم هو القائم بنفسه الذي لا أول لوجوده والأزلي ما لا أول له أعم من أن يكون عدمياً أو وجوديا قائماً بنفسه أو قائماً بغيره. وعليه فذات الله عز وجل أزلي قديم، أما صفاته كالعلم فيقال أزلي، ولا يقال قديم. الثالث: هما مترادفان. وعليه كل ما سبق مثاله قديم وأزلي. والحاصل أن الذات قديم أزلي على كل الأقوال، أما الصفات فهي أزلية على كل الأقوال، قديمة على كل من القولين الأول والثالث، ويمتنع وصفها بالقدم على القول الثاني، لأنها لا تقوم بنفسها بل تقوم بغيرها وهو الذات.
  6. [6] في (أ) قديمات.
  7. [7] تزعم المعتزلة أنه عالم لا علم له، وقادر لا قدرة له، إلى غير ذلك، وهو محال ظاهر، بمثابة قولنا: أسود لا سواد له.
  8. [8] أي: ما أُخِذَ منه الاشتقاق وهو الصفة القائمة بذاته تعالى.
  9. [9] لأن ما ثبت قدمه استحال عدمه؛ لأنه لو قبل العدم لكان ممكناً فلا يكون واجباً وهو تناقض؛ ولأن القديم واجب وإلا لا يكون قديماً.
  10. [10] في نسخة أخرى: بعد.
  11. [11] جاء في هامش (أ): قوله الأشاعرة، لأن الأشاعرة قالوا: إن القدرة متعلقة متعلقة بتعلقين: صَلُوحيٌّ قديم، وصَلوحي حادث، هذا ما قالوه في تعلق الصفات.
  12. [12] أي الماتريدية رضي الله عنهم وعن الأشاعرة.
  13. [13] ما بين المعقوفتين ساقط في (ب).
  14. [14] ما بين المعقوفين ساقط في (ب).
صفحة 63

في معنى القَدَر والكلام في علمه تعالى

قوله: (خلق الخلق بعلمه وقدّر لهم أقداراً).

هذا الكلام لبيان أن كل أمر يجري في العالم فهو بتقدير الله عز وجل [سُئِل أبو حنيفة عن القدر، فقال: قد بين الله تعالى ذلك، وقرأ قوله تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} (القمر: 49)، فما بقي في العالم شيء إلا وهو داخل فيه][1].

ثم القدر على وجهين:

أحدهما: الحدُّ الذي يخرج عليه كل شيء على ما جعله عليه من خير وشر وحسن وقبح وحكمة وسفه، وهو تفسير الحكمة، وهو جعل كل شيء على ما هو عليه ولائق به.

والوجه الثاني: هو بيان ما يقع لكل شيء من خير أو شر وما له من الثواب والعقاب.

قوله: (وضرب لهم آجالاً).

هذا تحقيق بأن الأجل المضروب لكل واحد منهم مبرم محكم لا يحتمل التقدم

صفحة 64

والتأخر، قال الله تعالى: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ}، (الأعراف: 34).

وقوله تعالى: {كِتَابًا مُؤَجَّلًا} (آل عمران: 145) فيه معنيان:

أحدهما: كتاباً مؤقتاً لايتقدم ولا يتأخر.

والثاني: كتاباً مبينا في اللوح المحفوظ مكتوباً فيه لقوله تعالى: {وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} (يس: 12).

قوله: (لم يخف عليه شيء من أفعاله قبل خلقهم، وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم).

معناه: لا يخفى على الله شيء من أفعال العباد قبل أن يخلقهم، فهذا إقرار بسبق علم الله بكل كائن من خلقه قبل كونهم؛ لأ،ه تعالى قديم بصفاته، ومن صفاته كونه عالماً بكل المعلومات قبل كونهم في الأزل.

وإنما قرن التخليق بالعلم؛ لأن العلم بالمخلوق من شرط التخليق، قال الله تعالى: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ} (الملك: 14)، وقال: {هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ) (الحجرات:86)، وقال: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (البقرة 2)، فقرن في جميع الآيات الخلق بالعلم.

قوله: (وأمرهم بطاعته ونهاهم عن معصيته).

إنما ذكر الأمر والنهي بعد ذكر الخلق؛ ليعلم أنه خلقهم للاستعداد بالأمر والنهي، قال تعالى {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات: 56)، أي: لآمرهم بعبادتي وأنهاهم عن معصيتي.

  1. [1] ما بين المعقوفين ساقط في (ب).
صفحة 64

بيان أن مشيئته تعالى تنفذ وأنه لا راد لقضائه وأن لا معقب لحكمه

قوله: (وكل يجري بقدرته ومشيئته).
صفحة 65

اعلم أن كل حادث بإرادته ومشيئة وقدرته خيراً كان أو شراً عند أهل السنة والجماعة، قال تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} (الصافات: 96)، أي: وعملكم مطلقاً، وقال تعالى: {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} (الأنعام: 102)، وفِعْل العبد شيء فيكون خالقه ضرورة، وقال تعالى: {قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} (النساء: 78).

وروى مسلم في صحيحه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: ((بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ…)) إلى قوله: ((أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِيمَانِ، قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ))[1] الحديث.

قوله: (ومشيئته تنفذ، لا مشيئة للعباد إلا ما شاء الله لهم[2]، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن).

لقوله تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} (التكوير: 29)؛ ولأن في نفاذ مشيئة غير الله، وعدم نفاذ مشيئته أمارة عجزه، حيث جرىفي ملكه ما لم يشأ، وهو على الله تعالى محال.

قوله: (يهدي من يشاء[3] ويعصم ويعافي من يشاء فضلاً، ويضل من يشاء
صفحة 66
ويخذل ويبتلي من يشاء عدلاً، وكلهم متقلبون في مشيئته بين[4] فضله وعدله).

بَيَّنَ بهذا الكلام أن العباد لا يستحقون على الله، وجوب مراعاة الأصلح[5]، بل يتصرف فيهم كيف يشاء، لأن العالم مِلْكَه، وللمالك أن يتصرف في ملكه كيف يشاء ويريد، قال تعالى: {يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} (آل عمران: 40)، و{يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ} (المائدة: 1).

وفيه رد لقول المعتزلة حيث قالوا: ((يجب على الله أن يفعل بعباده ما هو الأصلح لهم)).

ومما يرد قولهم ما صَرَّح في كثير من الآيات بالإضلال كما في قوله تعالى: {يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} (النحل: 93)، وقوله: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا} (البقرة: 26)، [وقوله: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ} (يونس: 99)[6]، وقوله: {وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} (النحل: 9)]، فلو كان الأصلح

صفحة 67

على الله تعالى واجباً لما كفر أحدٌ في العالم، لأن الكفر والعصيان ليسا بأصلح للعباد، فمن أراد منه الإيمان فهو بفضله لا بالاستحقاق، ومن أراد كفره فهو بعدله، لا يكون بذلك ظالماً، لأن الظلم: ((هو التصرف في غير مِلْكِه))، وهو متصرِّف في مِلْكِه {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} (الأنبياء: 23)؛ ولأن في إيجاب الأصلح[7] إبطالَ قوله: {ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} (البقرة: 105)؛ لأنه لافضل لقضاء حق واجب عليه، وكذا فيه إبطال اسم ((المحسن)) أو ((المنعم)) و((المجمل)) و((المنان))، إذ لا إحسان ولا إفضال ولا منة لأداء ما هو واجب عليه.

قوله: (ولا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه).

أراد بهذا قضاء التكوين الذي لا يقدر العباد رده؛ لأن في رد قضائه إثبات عجزه، وهو محال.

و((القضاء)) يُذكَرُ ويُراد به الحكم والأمر والفعل، و((التعقيب)): التأخر، (ولا معقب لحكمه) أي: لا مؤخر لما قضاه؛ لأن الناس كلهم مقهورون تحت قهره وجبروته، فلا يقدر أحد على ذلك.

قوله: (ولا غالب لأمره)[8].

يحتمل أن يراد بالأمر التكوين، قال تعالى: { إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ

صفحة 68

كُنْ فَيَكُونُ} (النحل: 40). وفيه نفي الربوبية عن غيره وإثبات الوحدانية له.

ويحتمل: أن يراد بالأمر القضاء؛ فيكون معناه لا يقضي عليه أحد قهراً؛ لأنه الواحد القهار.

قوله: (آمنا بذلك كله وأيقنا أن كلاً من عنده).

أي: صدقنا بجميع ما تقدم، فتكون الإشارة بقوله ذلك إلى جميع ما سبق ذكره، وفي ذكر الإيقان بعده إشارة إلى أن الإيمان بما سبق ليس بالتقليد المحض[9]، بل بالدلائل السمعية والبراهين العقلية علماً يقيناً لا يعتريه شك، واليقين مِن يَقَنَ الماءُ إذا استقرَّ؛ لأن العلم الثابت بالاستدلال يسمى يقيناً لثبوته واستقراره، قال الله تعالى: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} (الأنعام: 75)، سماه موقناً لحصول العلم له بالاستدلال من الموضوع على الصانع.

  1. [1] متفق عليه، رواه الإمام البخاري في ((صحيحه)) (48)، والإمام مسلم في ((صحيحه)) (9).
  2. [2] أي: لا مشيئة للعباد نافذة إلا حيث وافقت ما شاء الله لهم.
  3. [3] قال السعد في ((شرح العقائد)): {اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} (فاطر: 8) بمعنى : خلق الضلالة والاهتداء لأنه الخالق وحده. وفي التقييد بالمشيئة إشارة إلى أنه ليس المراد بالهداية بيان طريق الحق؛ لأنه عام في حق الكل، ولا الإضلال عبارة عن وجدان العبد ضالاً أو تسميته ضالاً، إذ لا معنى لتعليق ذلك بمشيئة الله تعالى. نعم قد تضاف الهداية إلى النبي عليه السلام مجازاً بطريق التسبب، كما تسنَد إلى القرآن. وقد يُسنَد الإضلال إلى الشيطان مجازاً كما يسنَد إلىالأصنام.... وعندنا (الهداية) الدلالة على طريق يوصل إلى المطلوب، سواء حصل الوصول والاهتداء أو لم يحصل)).
  4. [4] في المخطوط: من.
  5. [5] وجوب الصلاح ووجوب الأصلح من مبادئ المعتزلة، ويعنون بالصلاح ما قابل الفساد كالإيمان في مقابلة الكفر، والصحة في مقابلة المرض، فلو كان هناك أمران أحدهما فيه صلاح العبد كدخوله الجنة، والآخر فيه فساده كدخوله النار، وجب على الله في زعمهم أن يفعل ما فيه صلاح العبد ويدخله الجنة، ويعنون بالأصلح ما يقابل الصلاح، كالثواب بلا تكليف في مقابلة الثواب مع التكليف، فإذا تعارض أمران أحدهما صلاح للعبد ككونه في الجنة والآخر أصلح ككونه في أعلاها وجب على الله في زعمهم أن يدخله أعلاها مراعاة لما هو أصلح له. تعالى الله عما يقولون علوّاً كبيراً، سبحانه: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} (الأنبياء: 23)، ولا يجب عليه شيء.

    قال السعد في ((شرح العقائد)): (“وما هو الأصلح للعبد فليس ذلك بواجب على الله تعالى) وإلا لما خلق الكافر الفقير المعذب في الدنيا والآخرة، ولما كان له منة على العباد، واستحقاق شكرفي الهداية وإفاضة أنواع الخيرات لكونها أداءً للواجب، ولَمَا كان امتنان الله على النبي عليه الصلاة والسلام فوق امتنانه على أبي جهل لعنه الله، إن فعل بكل منهما غاية مقدوره من الأصلح له..)). اهـ.

  6. [6] قال الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي -حفظه الله- في تفسير قوله تعالى: {يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} (النحل: 93) ما محصله أن معناها: أنه تعالى لا يعجزه شيء عن أن يقذف أسباب الهداية الجبرية في قلب أضل الكافرين، وأن يقذف أسباب الضلالة في قلب أصلح عباده المؤمنين، لكنه سبحانه كتب على نفسه أن لا يضل من الناس ولا يهدي إلا لمن تعرضَّ لأسباب كُلٍّ.
  7. [7] في المخطوط: إيجاب.
  8. [8] قد يأمر الله بالشيء ويريده، كإيمان المؤمن أمر الله به وأراده. وقد يأمر به ولا يريده، كإيمان الكافر أمر الله به ولم يرده. وقد يريده ولا يأمر به، ككفر الكافر أراده الله لكنه لم يأمر به. وقد لا أمر به ولا يريده، ككفرالمؤمن لم يرده الله ولم يأمر به. فالأمر والإرادة متغايران.
  9. [9] اختلف العلماء في إيمان المقلد، والراجح أن إيمانه صحيح بشرط الجزم، بمعنى أن يجزم المقلد بما يؤمن به بحيث لا يرجع المقلِّد عنه ولو رجع المقلَّد. لكنه يكون آثماً بترك النظر إن كان قادراً عليه، ويكفي في ذلك النظر الإجمالي، ولا يشترط النظر التفصيلي.
 
Top