خطبة الكتاب

صفحة 5

خطبة الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدلله حقّ حمده، الحمدلله رب العالمين، خالق الناس بلا مثال سابق، الحمد له الذي لا يشبهه شيء ولا يشبه شيئاً. والصلا والسلام على سيد البشر أجمعين، وأفضل الخلق، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فإن علم التوحيد أشرف العلوم الإسلامية على الإطلاق، وهو أساس الدين، وبه تحصل النجاة من الظلمات الاعتقادية وما يترتب عليها من مفاسد، ويصل الإنسان بتعلمه إلى العلم بالعقائد الصحيحة الواضحة، بأدلتها البرهانية.

والمتمكنون في هذا العلم الشريف هم المؤهلون لحفظ أركان الدين إذا اتقوا وكانوا مؤمنين.

وأهل السنة والجماعة اهتموا بهذا العلم الجليل وأفردوا في الكتب الحسان، وتعددت طرق تأليفهم فيه، ليتمكنوا من إيصاله إلى جمعو الناس الخاصة منهم والعامة، وتعدّد طرقهم في التأليف لا يستلزم اختلافهم في المذاهب، بل هذا اختلاف وسائل وطرق، وكلهم يجتمعون على مذهب أهل السنة.

وقد برز من أئمة السنة والجماعة علماء عظام ألفوا في هذا العلم واشتهروا به، ونصروا المذهب الحق والقول الصدق. ومن هؤلاء العلماء الإمام الأشعري وقبله الإمام أبو حنيفة، ومنهم الباقلاني وابن فورك والبيهقي والجويني والغزالي والرازي والآمدي والسعد التفتازاني والعضد وغيرهم، ثم تواترت العلماء الجِلّة -كالشيخ الدردير والشيخ زكريا الأنصاري والبيجوري واللقاني والسنوسي وابن التلمساني وغيرهم.

ورغبة منا في خدمة الحق وأهله: فقد قمنا بإعادة صفّ هذا الكتاب المفيد المسمّة ب”شرح صغرى الصغرى” للإمام العلامة أبي عبدالله السنوسي رحمه الله تعالى.

صفحة 6

وهذا الكتاب، مهم جداً، وله مكانة خاصة بين سائر كتب الإمام السنوسي، وسوف نبين فيما يأتي جمات تميزه:

خصائص هذا الكتاب:

1- لقد كتب المؤلف رحمه الله تعالى كتابه بلغة فصيحة وتعبيرات راقية ومباشرة.

2- لا يوجد فيه تعقيد لغوي ولا اختصار مخل، فالقارئ أو المدرّس يكتفي بالنظر فيه نظراً عادياً لكي يفهم المقصود من الكلام، فلن يكون هناك داع لاستنفاد جهد لحل العبارات.

3- اعتماد الإمام السنوسي في هذا الكتاب الطريقة المشهورة في تقسيم الصفات إلى سلبية ونفسية ومعانٍ، ولم يتبع الطريقة التي سلكها في كتاب “شرح أم البراهين” حيث قسم الصفات هناك إلى نفسية وسلبية ومعانٍ ومعنوية، وبناء على هذا فإن طريقة هذا الكتاب أكثر انسجاماً مع الجمهور من الأشاعرة.

4- لقد لفت الإمام السنوسي في شرحه هذا بطريقة مبتكرة في التوضيح، وضرب أمثله لطيفة أقرب إلى بيان المقصورد مما اعتمده في بعض كتبه الأخرى؛ وذلك نحو ما جعله محلا للتمانع هنا وهو الوجود، أي وجود الشيء، وفي “أم البراهين” وشرحها جعل محل التمانع الجوهر الفرد. والمثالان صحيحان، لكن لا يخفى ما في مثال الوجود من دقة بيّنّا وجهها في محله، وهذا لا يعني أن مثال الجوهر الفرد غلط كما هو واضح، بل هو صحيح على فرض وجوده، خلافاً لما ظنه بعض الجهلة من فساد المثال مطلقاً، فاعتبر ذكر العلماء للجوهر الفرد هنا دليلاً بعينه أو ركناً من الدليل، وليس هو كذلك كما يعرفه كل عاقل، وإنما هو مثال لما لا يمكن أن يكون مخلوقاً لخالِقَين دفعة واحدة، وإنما ضربوا هذا المثال ليصرفوا عن الذهن احتمال الاقتسام، أي أن يخلق كل واحد من الإلهين المفروضين قسماً، وإنما يزول هذا الاحتمال لوضوح أن الجزء لا يتجزأ بالفرض. وهذا الظانّ قد اعترض على دليل التمانع بهذه الصورة والمثال على صفحات الانترنت، ثم نشر كتاباً يزعم أنه يرد عليّ فيه ردوداً علمية وسماه ب”إحكام التقييد”، ولم يجرؤ على نشره باسمه، فأغرى بعض أتباعه بكتابة اسمه عليه.

صفحة 7

6- ومما تميز به الإمام السنوسي في هذا الكتاب ذكره العديد من الآيات التي توهم منها بعض الجهلة وقوع الأنبياء في المعاصي، وفسّرها على وجوه متعددة من غير أن يشغل القاري بتكثير وجوه تفسيرها تقريبا للمبتدئ.

7- ومما تميز به هذا الشرح ردّه على اليهود والنصارى وغيرهم ممن خالفوا أصلا الدين الإسلامي، وإرجاعه ببراعة لأفكار بعض الفرق المنتمية للإسلام إلى الأصول والقواعد الأساسية التي انطلقوا منها.

8- ومما تميز به هذا الشرح تنبيه المؤلف على حقيقة بعض الأقوال لعلماء أهل السنة، كما فعل في شرحه لحقيقة قول الإمام الجويني في العلاقة بين المقدمات والنتيجة، وقد شرحنا ذلك في محله.

9- ومن ذلك بناؤه ببراعة تامة كثيراً من الأحكام العقائدية على بعض الأصول الكلية، كنفي التسلسل، وعدم اتصاف الله بالحوادث، ولزوم إثبات الإرادة والاختيار، وغيرها من الأصول الجليلة التي تتوقف عليها العديد من الأحكام العقائدية. وقد اعتنيت في الحواشي التي وضعتها بتوضيح ذلك كله وتقريبه إلى القارئ الكريم بصورة مناسبة.

10- ومنها تنبيهه على منشأ الغلط في مذاهب الخصوم -كالمجسمة والمعتزلة وغيرهم من الفرق الإسلامية- وكذلك قام ببيان مبادئ فكر اليهود والنصارى والفلاسفة.

ولا نستطيع أن نبين في هذه المقدمة المختصرة جميع خصائص هذا الكتاب المفيد، فلو فعلنا ذلك لطال الكلام وخرجت عن كونها مقدّمة. ونترك ذلك للقارئ عندما يقرأ الكتاب بتمعن ويتأمل فيما علقناه عليه من حواشٍ.

تنبيه لآراء بعض الكتّاب في الإمام السنوسي:

سأورد هنا مثالين لغلط في حق السنوسي وقع فيه بعض المؤلفين، وصاحب كل غلط من هذين الغلطين يشترك مع أخيه في “عدم علمه بالسنوسي والمذهب الأشعري عموماً”، وكل منهما يقلّد في كلامه غيره وهو يُظهر نفسه بصفة المجتهد:

المثال الأول: ابن بدران في كتاب “المدخل”

(الإمام السنوسي وافتراء ابن بدران عليه)

لقد أكثر بعض الناس -وهم المنتسبون افتراءً إلى السلف الصالح، وحقيقة أمرهم هو التجسيم والتشبيه، وإن لم يجرؤ أكثرهم على التصريح بحقيقة معتقده؛ أكثر هؤلاء من الكلام على أهل السنة والجماعة، وهم الأشاعرة والماتريدية وكل من يعتقد بمعتقدهم ويدين بطريقتهم وإن لم ينتسب إليهم بالاسم. وصورة يشنعون على أهل السنة بشتى الوسائل والأساليب، منها:

شرح صغرى الصغرى*
خطبة الكتاب
 
Top