المقدمة

صفحة 6

المقدمة

وهي تشتمل على فصلين:

الأول: في بيان علم الحديث.

الثاني: في بيان بعض الكلمات المصطلح عليها في هذا الفن.

صفحة 7

الفصل الأول

في بيان علم الحديث

علم الحديث نوعان: علم خاصّ بالرواية، وعلم خاص بالدراية.

علم الحديث رواية

هو علم يشتمل على أقوال النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأفعاله، وأوصافه، وتقريراته؛ ورواياتها، وضبطها، وتحرير ألفاظها.

موضوعه: موضوع هذا العلم هو: ذات النبي صلى الله عليه وآله وسلم من حيث: أقواله وأفعاله وتقريراته وصفاته صلى الله عليه وسلم.

فائدته: العصمة عن الخطأ في نقل أقوال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأفعاله وتقريراته وصفاته.

غايته. الفوز بالسعادة في الدارين.

فضله: فضل هذا العلم هو أنه من أشرف العلوم، لأنه تُعرف به كيفيّة اتّباع النبي صلى الله عليه وسلم الذي أمرنا الله تعالى باتّباعه في قوله تعالى: “وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ”، وقوله تعالى:

صفحة 8

“قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ”.

ومن أجل هذا كان للمحدّثين الفضل الأكبر، والأجر الأوفر، كما ورد في الحديث الذي رواه الإمام الشافعي والبيهقي، عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “نضّر الله امرءاً سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأدّاها؛ فرُبّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه”.

ورواه أبو داود والترمذي بلفظ: “نضّر الله امرءاً سمع منّا شيئا فبلّغه كما سمعه؛ فرُبّ مبلَّغ أوعى من سامع”. قال الترمذي: حسن صحيح.

قال العلامة القسطلانيّ: والمعنى: خصّه الله تعالى بالبهجة والسرور لأنه سعى في نضارة العلم وتجديد السنّة، فجازاه النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه له بما يناسب حاله من المعاملة. ا هـ.

وروى الطبراني في (المعجم الأوسط) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “اللهمّ ارحم خلفائي”.

قلنا: يا رسول الله ومن خلفاؤك؟

قال: “اللذين يروون أحاديثي ويعلّمونها الناس”

صفحة 9

ولذلك كان السلف يُلقِّبون المحدِّث المطَّلِع بأمير المؤمنين، لأنه خليفة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يُبلّغ عنه.

وروى أبو داود وابن ماجه، عن عبدالله بن عمرٍو رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “العلم ثلاثةٌ وما سوى ذلك فهو فَضْلٌ: آية محكمة، أو سنّة قائمة، أو فريضة عادلة”.

صفحة 10

أوّل من دوّن في علم الحديث رواية

أول من دوّن الحديث: محمد بن مسلم بن عبيد الله بين عبد الله بن شهاب، الزُّهْري المدني، أحد الأئمة الأعلام، وعالم الحجاز والشام[1]، بأمر عمر بن عبد العزيز رضي الله عنهما، كما روى أبو نُعين من طريق محمد بن الحسن، عن مالك أنه قال: أول من دون العلم ابن شهاب -يعني الزُّهْريّ-.

وذلك أن أكبر المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لمّا رأى حملة الحديث وحُفّاظه يذهبون دون أن يَخْلفهم من هو مثلهم، ورأى أيضا انتشار البدع والأهواء؛ كتب إلى عمّاله في الأمصار وعلماء الآفاق، وأمرهم أن يكتبوا حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

قال البخاري في صحيحه: باب: كيف يُقبض العلم.

وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم: انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتبه، فإنّي خفت دروس العلم وذهاب العلماء، ولا تقبل إلا حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وَلْيُفشوا العلم، وليجلسوا حتى يُعلَّم من لا يعلم، فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرّا. اهـ.

صفحة 11

وروى أبو نُعَيم في تاريخ إصبهان[2] بلفظ” كتب عمر بن عبد العزيز إلى الآفاق: انظروا حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاجمعوه[3].

ثم جاء بعد ذلك طبقة من العلماء فصنّف كلٌّ منهم كتابا، جمع فيه أبوابا من الحديث ممزوجة بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين:

فصنّف الإمام مالك بالمدينة المُوطّأ وتوخّى في القويّ من حديث أهل الحجاز.

وصنّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيح بمكّة.

وصنّف أبو عمرٍو عبد الرحمن الأوزاعيّ بالشام.

وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثوري بالكوفة.

وأبو سلمة حمّاد بن سلمة بن دينار في البصرة.

ثم تلاهم كثير من أهل عصرهم في النسج على منوالهم، إلى أن رأى بعض الأئمة منهم أن يُفرَد حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم خاصّة.

فصنّف عبيد الله بن موسى العبسيّ الكوفيّ مسندا، وصنّف مُسدّد

صفحة 12

ابن مُسَرْهد البصري مسندا، وصنّف أسد بن موسى الأموي مسندا، وصنّف نُعَيم بن حمّاد الخُزاعي مسندا.

ثم اقتفى الأئمّة  بعد ذلك أثرهم، فقلّ إمام إلا وصنّف حديثه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم.

ثم جاء الإمام البخاري فرأى هذه التصانيف ورواها، ولكنّه وجدها جامعة بين الصحيح والحسن، وقسما منها يشمله التضعيف. فمن أجل هذا تحرّكت همّته لجمع الحديث الصحيح خاصّة.

فكان الإمام البخاري هو أوّل من جمع الأحاديث الصحيحة المجرّدة في مصنّف خاصّ، ثم تلاه الإمام مسلم. فجزاهما الله تعالى عن المسلمين خيرا[4].

قال الحافظ السيوطي في ألفيّته:

أوّل جامع الحديث والأثر *** ابن شهابٍ آمرٌ له عمرْ

وأوّل الجامع للأبواب *** جماعةٌ في العصر ذو اقترابِ

كابْن حُرَيجٍ، وهُشَيمٍ، مالكِ *** ومَعْمَرٍ، وولد المباركِ

وأوّل الجامع باختصارِ *** على الصحيح فَقِطِ البخاري

ومسلمٌ من بعده والأوّل *** على الصواب في الصحيح أفضلُ

صفحة 13

علم الحديث دراية

هو علم يعرف به حقيقة الرواية، وشروطها، وأنواعها، وأحكامها، وحال الروا، وشروطهم، وأصناف المرويّات وما يتعلّق بها.

فحقيقة الرواية: هي نقل ما ورد من السنة ونحوها، وإسناد ذلك إلى من عُزي إليه بتحديث أو إخبار ونحوهما.

وشروط الرواية: هي تحمّل راويها لما يرويه بنوع من أنواع التحمّل: من سماع، أو عَرْض، أو إجازة؛ أو نحو ذلك.

وأنواعها: الاتّصال والانقطاع ونحو ذلك.

وأحكامها: القبول أو الرد.

وحال الرواة: العدالة أو الجرح.

وشروطهم: هي شروط التحمّل والأداء.

وأصناف المرويات: هي المصنّفات من:

الجوامع: والجامع: هو المصنّف الذي اجتمعت فيه أقسام الحديث. أي: أحاديث العقائد، وأحاديث الأحكام، وأحاديث الرقاق، وأحاديث آداب الأكل والشرب، وأحاديث السفار والقيام والقعود، والأحاديث المتعلِّقة بالتفسير والتاريخ والسير، وأحاديث الفتن، وأحاديث المناقب والمثالب.

صفحة 14

وقد صنّف أهل العلم بالحديث في كل قسم من هذه الأقسام الثمانية تصانيف مفردة.

والسنن: وهي الكتب المُرتّبة على الأبواب الفقهية من الطهارة والصلاة والزكاة والصيام…إلخ.

والمسانيد: وهي جمع مُسند، والمراد به هنا: كتابٌ ذُكرت فيه الأحاديث على ترتيب الصحابة، بحيث يوافق حروف الهجاء، أو يوافق السوابق الإسلامية، أو يوافق شرافة النَّسب.

والمعاجم: وهي جمع معجم، وهو: كتاب تُذكر فيه الأحاديث على ترتيب الشيوخ، باعتبار تقدّم وفاة الشيخ، أو باعتبار توافق حروف التهجّي، أو باعتبار الفضيلة، أو التقدم في العلم والتقوى؛ ولكنّ الغالب هو الترتيب على حروف الهجاء. ومن هذا القسم: المعاجم الثلاثة للحافظ الطبراني.

والأجزاء: وهي جمع جزء، وهو: كتاب جمعت فيه الأحاديث المرويّة عن رجل واحد، سواء كان ذلك الرجل في طبقة الصحابة رضي الله عنهم أو مَنْ بعدهم، كجزء أحاديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وجزء أحاديث مالك رضي الله عنه، وقِس على ذلك.

وقد يطلقون الجزء على كتاب جُمعت فيه أحاديث حول موضوع واحد.

والمُستخرَجات: والمُستخرَج مُشتَقٌّ من الاستخراج، وهو: أن يَعْمَد المحدّث إلى كتاب من كتب الحديث كصحيح البخاري مثلا،

صفحة 15

فيُخرّج أحاديثه بأسانيد لنفسه من غير طريق صاحب الكتاب، فيجتمع معه في شيخه أو مَن فوقه.

قال شيخ الإسلام ابن حجر: وشرطه أن لا يصل إلى شيخ أبعد حتّى يفقد سندا يوصله إلى الأقرب؛ إلا لعذر من: علوّ أو زيادة مهمّة.

ومن ذلك: كتاب المستخرج على صحيح البخاري للإسماعيليّ وللبرقانيّ، والمستخرج على صحيح مسلم لأبي عوانة الإسفراييني، وغير ذلك.

والمستدركات: والمستدرك: هو كتاب استُدرك فيه ما فات من كتاب آخر، على شريطته، كمستدرك الحاكم أبي عبد الله النيسابوري على الصحيحين.

والأطراف: وهي كتب يُقتصر فيها على ذكر طرف الحديث الدالّ على بقيّته، مع جمع أسانيده: إما على سبيل الاستيعاب، أو على جهة التقييد بكتب خاصة؛ كأطراف الصحيحين، وأطراف الكتب الخمسة وغير ذلك[5].

وموضوع هذا العلم: الراوي والمرويّ من حيث القبول والردّ.

وفائدته: هي معرفة ما يُقبَل وما يُرَدّ من الأحاديث.

صفحة 16

تدوين هذا الفنّ

أول من صنّف في هذا الفنّ تصنيفا علميا، وقعّد قواعده، وأصّل أصوله، هو القاضي أبو محمد الرامهرمزيّ المتوفى سنة 360هـ في كتابه: المحدّث الفاصل بين الراوي والواعي، ولكنّه لم يستوعب جميع أبحاث هذا الفن.

ثم جاء الحاكم أبو عبدالله محمد بن عبدالله النيسابوري، المتوفّى سنة 405هـ فصنّف كتابا في هذا الفن، ولكن كما قال ابن حجر: لم يُهذَّب.

ثم تلاه الحافظ أبو نُعَيم أحمد بن عبد الله الأصفهانيّ، المتوفّى سنة 430هـ، فعمل على كتاب الحاكم مستَخرجا.

ثم جاء الحافظ الخطيب أبو بكر البغدادي، المتوفّى سنة 463هـ فصنّف كتابا في أصول الحديث سمّاه: الكفاية في علم الرواية، وصنّف أيضا في آداب الرواية كتاباً سمّاه: الجامع لآداب الشيخ والسامع.

ثم جاء بعده القاضي عيّاض، المتوفّى سنة 544هـ فصنّف كتابا سمّاه: الإلماع في ضبط الرواية وتقييد السماع.

صفحة 17

وصنّف أيضا أبو حفصٍ عمر بن عبد المجيد المَيَانِجيّ المتوفى سنة 580هـ جزءا سمّاه: ما لا يسع المحدّث جهله.

ثم جاء الحافظ الفقيه تقي الدين أبو عمرٍو، عثمان بن الصلاح عبد الرحمن الشهرزوري، نزيل دمشق، المتوفى سنة 643هـ فتولّى تدريس الحديث في المدرسة الأشرفية، وصنّف كتابه المشهور بقدمة ابن الصلاح، فجمع في كتابه شتات تصانيف من قبله، وأضاف إليها فوائد وفرائد، فلهذا عكف العلماء عليه، وساروا على منهاجه؛ فهم ما بين ناظم له، ومختصر، وعاملٍ نُكَتاً عليه؛ فقد وضع كلٌّ من الزين العراقيّ والبدر الزركشيّ والحافظ ابن حجر نكتاً على مقدّمة ابن الصلاح.

ولخّص الإمام الحافظ شيخ الإسلام محيي الدين النووي، المتوفى سنة  676هـ كتاب مقدّمة ابن الصلاح في كتاب سمّاه الإرشاد إلى علم الإسناد، ثم لخّص كتاب الإرشاد في كتاب آخر سمّاه التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير صلى الله عليه وسلم، وهو الذي شرحه الحافظ السيوطي في كتابه التدريب.

ونظم الحافظ زين الدين أبو الفضل عبد الرحيم العراقي، المتوفى سنة 806هـ ألفيّة لخّص فيها مقدّمة ابن الصلاح وزاد عليها، وقد أشار إلى ذلك بقوله:

لخّصتُ فيها ابن الصلاح أجمَعَهْ *** وزدتّها عِلماً تراه موضِعَهْ

صفحة 18

وعمل عليها شرحا سمّاه: فتح المغيث، أتمّه سنة 771هـ وقد لخّصه من شرحٍ له كبير مطوّل كان قد شرع فيه ثم عَدَلَ عنه.

ثم جاء الحافظ شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني المتوفّى سنة 852هـ فوضع كتابه المسمّى: نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر، ثم شرحها في كتابه المسمّى: نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر، وهو شرح وجيز جامع. وقد كثرت عليه الشروح والحواشي من كبار العلماء والفضلاء.

ثم جاء الحافظ محمد بن عبد الرحمن، شمس الدين السَّخاوي المتوفّى سنة 902هـ فشرح ألفيّة العراقي وسمّاه: فتح المغيث، وهو أفضل شروح ألفيّة العراقي.

ثم صنّف الحافظ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي المتوفّى سنة 911هـ كتابه: التدريب، وشرح فيه تقريب الإمام النووي. وهو من أجلّ كتب المصطلح وأعمّها فائدة.

ونظم الحافظ السيوطي أيضا العلوم الحديثية في منظومةٍ تعرف بألفيّة السيوطي؛ أجاد فيها وأفاد، فجزاه الله تعالى خيرا.

ثم جاء العلّامة عمر بن محمد بن فتوح، البيقونيّ الدمشقيّ الشافعيّ، المتوفى سنة 1080هـ ونظم طائفة مشهورة من علوم الحديث في أربعة وثلاثين بيتاً تسمّى: المنظومة البيقونية، وقد كثرت حولها الشروح والحواشي، ومن أهمّ شروحها شرح العلامة الحافظ

صفحة 19

محمد بن عبد الباقي بن يوسف الزُّرقاني المتوفى سنة 1122هـ وقد وضع العلّامة عطيّة الأجْهُوري المتوفى سنة 1190هـ حاشية على هذا الشرح.

هذا، وقد صنّف في مصطلح الحديث أخيرا العلّامة المحدّث الشيخ طاهر الجزائري الدمشقي، المتوفى سنة 1338هـ كتابا سمّاه: توجيه النظر إلى أصول الأثر، وهو كتاب نفيس نادر.

كما صنّف العلامة الفاضل، الأستاذ جمال الدين القاسمي الدمشقي المتوفّى سنة 1332هـ كتابا سمّاه: قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث، أجاد فيه وأفاد، فجزاهم الله تعالى جميعا خيرا.

فهذه جملة مشهورة من مصنّفات علم مصطلح الحديث، وقد تركت جانبا كبيرا منها لم أتناول ذكره خشية الإطالة والسآمة، وقد يكون فيما ذكرته بعض الكفاية.

  1. [1] المتوفّى سنة 124هـ.
  2. [2] بكسر الهمزة وبفاء مفتوحة في لغة أهل المشرق، وبالباء الموحّدة مكسورة ومفتوحة عند أهل المغرب. اهـ (لقط الدرر).
  3. [3] كما في التدريب.
  4. [4] انظر مقدّمة فتح الباري والتدريب.
  5. [5] انظر مقدمة تحفة الأحوذي، والرسالة المستطرفة، والتدريب.

    ومن أراد استقصاء أنواع المصنّفات الحديثيّة فليرجع إلى الرسالة المستطرف و مقدمة تحفة الأحوذي.

 
Top