مقدمة شرح العقيدة للشارح

صفحة 37

شرح العقيدة الطحاوية للعلامة الغنيمي

بسم الله الرحمن الرحيم

ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشداً.[1]

الحمد لله بارئ الأمم، ومولي النعم، الذي لا رَادَّ لما حكم، ولا مانع لما قسم، المنفردِ في وجوده بالقدم، الباقي الذي لا يلحقه عدم، المُنَزَّهِ عن الشبيه والمثيل، مما يُعلم أو يُتوهم، الحاكمِ على ما سواه بالفناء والعدم، ثم يعيدهم يوم معادهم، فيأخذ للمظلوم ممن ظلم، ويَجزي كل نفس بما كسبت كما عَلِمَ وأجرى به القلم، ويتدارك بعفوه من شاء ومن شاء منه انتقم، له الأمر كله فلا يُسأل عما فعل وحكم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد عبده ورسوله سيد الأمم، المبعوث بالشرع القويم المشتملِ على المصالح والحكم، صلى الله عليه وعلى آله أولي الفضل والكرم، وأصحابِه الموفِين للعهود والذمم، ما تكلم متكلمٌ وفاه بالتوحيد فم.

وبعد: فيقول راجي نيل الأماني عبد الغني الغنيمي الميداني،[2] غفر الله ذنوبه، وستر في الدارين عيوبه، لمّا كان علم التوحيد هو أساسُ بناء التأييد وأشرفُ العلوم تبعاً للمعلوم، لكن بشرط عدم الخروج عن المدلول من الكتاب والسنة وإجماع العدول، وكانت العقيدةُ الشهيرةُ بعقيدة الطحاوي من أجلّ ما صُنِّفَ في هذا الشأن، وهذا مما لا يحتاج إلى برهان، لما أنها مع صغر حجمها،

صفحة 38

وَتَقَارُبِ فهمها، لم تدع قاعدةً من أصول العقائد الدينية إلا وأتت عليها، ولم تترك من أمهاتها ومهماتها إلا وقد صرحت بها أو أشارت إليها، وحسبك أنها معتقدُ إمام الأئمة، وسراجِ هذه الأمة أبي حنيفة النعمان، عليه الرحمة والرضوان، المشهودِ لقرنه بالخيرية من سيد الأكوان،[3] الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، ومع ذلك لم أطلع لها على شرح يُرجع إليه، بعد كثرة السؤال والتطلع إليه، أردت أن أتطفل بجمع بعض عبارات تكون كالشرح لمعانيها، والكشف لبعض خوافيها، وتالله لا أظن نفسي أني أهل لذلك، ولا ممن يَقْرُبُ أن يَسلك هذه المسالكَ، ولا أني بما وضعتُه عليها وإن كان من فواضلهم بمنصِفِها، ولا ممن ينبغي له أن يتفوه فضلاً عن أن يُمزج كلامه بكلام مصنفِها، فهب أنهم أباحوا لمثلي التقاطَ دررهم، فأنى لي نظمه بسمط لآلئ كلمهم، ولكن حملني على اقتحام ذلك رجاءُ أن أكون في حزب أتباعه، وأن نكون في الآخرة معه في زمرة إمامه تحت لواء من أُمرنا باتباعه، صلى الله وسلم عليه، وزاده شرفاً وتعظيماً لديه.

  1. [1] زيادة من (م).
  2. [2] تقدمت ترجمته ص19.
  3. [3] يشير إلى حديث: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته). رواه أحمد والبخاري ومسلم والترمذي عن ابن مسعود – الفتح الكبير 2/ 99.
صفحة 38

شرح بسم الله الرحمن الرحيم

قال رضي الله تعالى عنه ونفعنا به:

(بسم الله الرحمن الرحيم) لمّا كان الابتداء من أفعال الإنسان والإنسان وأفعاله من أفعال الرحمن، وأفعال الرحمن كلها صادرة عن أسمائه وصفاته، التي هي لا عين ذاته ولا غير ذاته،[1] أقحم هنا لفظة اسم ولم يقل بالله، فلا احتياج لقول

صفحة 39

بعضهم؛ دفعاً لإيهام القَسَمَ، إذ مقام الابتداء كان لهذا الدفع، والباء للاستعانة، قال تعالى: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، فورد عنه تعالى الإذن بالاستعانة به وبأسمائه بالأولى، فسقط اعتراض بعضهم، بأن الاستعانة لا تدخل إلا على الآلة كما في قولك: قطعت بالقَدوم، ولا يحسن جعل اسم الله تعالى آلة للابتداء، بل في جعل الباء للاستعانة كمالُ الافتقار إلى الله تعالى في تحصيل الأفعال الإنسانية المخلوقة لله تعالى وحده، والله: عَلَمٌ مرتجلٌ على ذاتِ واجب الوجود، الموصوف بصفات الكمال، المنزه عن سمات النقص.

والرحمن الرحيم: اسمان مشتقان من الرحمة، وهي من صفات الله تعالى التي لا تُدرك ولا تُترك، فنؤمن أن الله موصوف بالرحمة، وننزهه تعالى عن معنى رقة القلب المفهومة من لفظ الرحمة عندنا كما هو مذهب السلف. والرحمن أعم رحمة من الرحيم، لشموله المؤمن والكافر، والمطيق والعاصي، والمكلف وغيره في الدنيا والآخرة، بخلاف رحمة الرحيم فإنها مخصوصة بالمؤمنين، قال تعالى: {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} [الأحزاب: 43]، وفيه نزول للأمر الإلهي بالتخصيص، فالله الجامع للصفات كلها، والرحمن نزول الأوصاف كلها، مخصصة بالرحمة، والرحيم تخصيص ثالث بالمؤمنين، ففي كلام التدلي من جهة الأمر الإلهي، والترقي من جهتنا. كذا في المطالب الوفية للعارف سيدي عبد الغني[2] مع بعض اختصار.

صفحة 40

(هذا ما) أي الذي (رواه) الشيخ (الإمام) أي العالم المقتدى به. مصباح والظاهر أنه من بعض إلحاقات بعض أصحابه، فقد جرت عادة الأصحاب بذلك، تنويهاً بشأنهم لمعرفة قدرهم، فإن الكاملين يتباعدون عن ذكر أوصافهم المشعِرة بتزكية أنفسهم؛ لرؤيتهم التقصير لها والكمال لغيرها، فالكامل لا يرى غيره إلا كاملاً، ويرى النقص في نفسه، والناقص لا يرى غيره إلا ناقصاً، ويرى الكمال في نفسه، بصّرنا الله بعيوبنا وشغلنا بها عن عيوب غيرنا، ولا بَعُدَ في كونه من كلام المصنِّف فيكون من التحدث بالنعم، وإظهار الشكر لذي الفضل والكرم، وقد صرحوا بأنه يجوز مدح النفس في بعض المواضع لغرض من الأغراض المعتبرة شرعاً، ولكن الممدوح حينئذ ليس هو النفس بل القلب، فقد أخرج الطبراني[3] وأبو نعيم[4] أن عمر رضي الله عنه صعِد المنبر يوماً فقال: الحمد لله الذي صيّرني ليس فوقي أحد، ثم نزل فقيل له في ذلك، فقال: إنما فعلته إظهاراً للشكر. وقال الشاذلي[5] رضي الله عنه: ما بقي عند غيرنا من أهل عصرنا علم نستفيده، وإنما ننظر في كلامهم لنعرف ما مَنَّ الله به علينا دونهم فنشكره. كذا في المطالب نقلاً عن المناوي.

  1. [1] جاء في هامش الأصول الثلاثة ما يلي: قوله: التي هي لا عين ذاته، ولا غير ذاته، أما كونه لا عين فظاهر، لأن الصفة ليست عين الموصوف، وأما كونها لا غير أي بالمعنى الاصطلاحي، وهو ما لا يمكن انفصاله عن الذات، وصفاته تعالى لا تنفك عن ذاته أزلاً وأبداً، قال صاحب بدء الأمالي رحمه الله تعالى: صفات الله ليست عين ذات … ولا غيراً سواه ذا انفصال، قال الشارح: لأنه لو كان عين ذاته يلزم الترادف بين اسم الذات ووصفه وهو محال، وأما الثاني فلأن الغيرين هما اللذان يمكن انفصال أحدهما عن الآخر، فلو كانت غير ذاته لا تصف غير ذاته بها وهو محال؛ لأنه يلزم أن توجد صفاته الكاملة في غيره، فيكون ناقصاً في ذاته، مستكملاً بغيره وهو باطل، وقوله: ذا انفصال: إشارة إلى تفسير الغير أي المراد من غير الشيء، ما ينفصل عنه بحسب الوجود لا ما يغايره بحسب المفهوم، لأن ما يفهم من الذات غير ما يفهم من الصفات بالإجماع، فأحدهما غير الآخر بالضرورة، وإن كانت غير منفصلة عن ذاته في الوجود، فثبت أن صفات الله تعالى لا هو ولا غيره، كالواحد من العشرة، فإنه ليس عين العشرة ولا منفصلاً عنها. انتهى منه وجاء في آخر (م): الشيخ محمد البيطار.
  2. [2] عبد الغني بن إسماعيل النابلسي، عالم أديب، ناثر، ناظم، مشارك في أنواع من العلوم، وله مصنفات كثيرة، ولد سنة 1050هـ، وتوفي سنة 1143 – معجم المؤلفين: 5/ 271.
  3. [3] سليمان بن أحمد الطبراني، إمام حافظ، مكثر من التصانيف، ولد سنة 260هـ وتوفي سنة 360هـ – معجم المؤلفين: 4/ 253.
  4. [4] أحمد بن عبد الله الأصفهاني، إمام حافظ مؤرخ من الثقات له تصانيف، ولد سنة 336هـ وتوفي سنة 430هـ. الأعلام: 1/ 150.
  5. [5] علي بن عبد الله الشاذلي، أبو الحسن: إمام متصوف، شيخ الطريقة الشاذلية، ولد سنة 591هـ وتوفي سنة 656هـ. الأعلام 5/ 120.
صفحة 40

التعريف بمصنف العقيدة

(أبو جعفر) أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي المصري (الطحاوي) نسبة إلى طحئة قرية بصعيد مصر ينسب إليها جماعة. كان ثقة نبيلاً فقيهاً إماماً، ولد سنة تسع وعشرين وقيل: تسع وثلاثين ومائتين، ومات سنة إحدى وعشرين

صفحة 41

وثلاثمائة. صحب خاله المزني،[1] وتفقه به، ثم ترك مذهبه وصار حنفي المذهب وتفقه على أبي جعفر أحمد[2] بن أبي عمران، ثم خرج إلى الشام سنة ثمان وستين ومائتين فلقي بها أبا خازم[3] فتفقه عليه وسمع منه. وله كتاب أحكام القرآن يزيد على عشرين جزءاً، وكتاب معاني الآثار، وبيان مشكل الآثار، والمختصر [في] الفقه وشرح الجامع الكبير، وشرح الجامع الصغير، وله كتاب الشروط الكبير، والشروط الصغير، والشروط الوسطى، وله المحاضر والسجلات، والوصايا والفرائض، وكتاب نقض كتاب المدلسين على الكرابيسي، وله كتاب تاريخ كبير، ومناقب أبي حنيفة، وله في القراءات ألف ورقة، وله النوادر الفقهية عشرة أجزاء، والنوادر والحكايات تنوف على عشرين جزءاً، وحكم أراضي مكة المشرفة، وقسمة الفيء والغنائم، وكتاب الرد على عيسى بن أبان،[4] وكتاب الرد على أبي عبيد[5] فيما أخطأ في اختلاف النسب، وكتاب اختلاف الروايات على مذهب الكوفيين، وكتاب اختلاف الفقهاء، والعقيدة المشهورة. قال ابن يونس:[6] كان الطحاوي ثقة، ثبتاً فقيهاً، عارفاً لم يخلف مثله، وقال ابن

صفحة 42

عساكر[7] وابن الجوزي[8] وقال [ابن] عبد البر[9] في كتاب العلم: كان من أعلم الناس بسير الكوفيين وأخبارهم مع مشاركته في جميع مذاهب الفقهاء، روى عنه ابن المظفر[10] الحافظ، والحافظ أبو القاسم[11] الطبري وأبو بكر[12] بن المقري وآخرون. كذا في تراجم[13] العلامة قاسم، ومن تصفح تراجمه علم أنه الموثوق به في روايته، والمعول عليه في درايته، وأنه من الأفراد التي اتفقت مقالة الفقهاء وأهل الحديث على ما يرويه، وصحة ما يعزيه، وتبحره في أنواع العلوم من الأصول والفروع، والحديث والآثار، والقرآن والتفسير، وله في ذلك تصانيف قد سرت في جميع الآفاق. وفي طبقات العلامة [التاج][14] السبكي في ترجمة أبي الحسن الأشعري قال: سمعت الشيخ الإمام يعني والده [التقي][15] رحمه الله تعالى يقول: ما تضمنته

صفحة 43

عقيدة الطحاوي هو ما يعتقده الأشعري[16] ولا يخالف إلا في ثلاث مسائل. قلت: أنا أعلم أن المالكية كلهم أشاعرة لا أستثني منهم أحداً، والشافعية كلهم أشاعرة لا أستثني منهم إلا من لحق بتجسيم أو اعتزال ممن لا يعبأ الله به، والحنفيه أكثرهم أشاعرة أعني يعتقدون عقد الأشعري لا يخرج منهم إلا من لحق منهم بالمعتزلة، والحنابلة أكثر فضلاء متقدميهم أشاعرة لم يخرج عن عقد الأشعري إلا من لحق بأهل التجسيم،[17] وهم في هذه الفرقة من الحنابلة أكثر منهم في غيرهم. وقد تأملت عقيدة أبي جعفر الطحاوي فوجدت الأمر على ما قاله الشيخ الإمام،[18] وعقيدة الطحاوي زعم أنها الذي عليه أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد، ولقد جود فيها، ثم تصفحت كتب الحنفية، فوجدت جميع المسائل التي بيننا وبين الحنفية فيها خلاف ثلاث عشرة مسألة، منها معنوي ست مسائل، والباقي لفظي، وتلك الست المعنوية لا تقتضي مخالفتهم لنا، ولا مخالفتنا لهم تكفيراً ولا تبديعاً. صرح بذلك الأستاذ أبو منصور[19] البغدادي وغيره من أئمتنا وأئمتهم، وهو غني عن التصريح لظهوره. ومن كلام الحافظ:[20] الأصحاب مع اختلافهم في بعض المسائل كلهم أجمعون على ترك تكفير بعضهم بعضاً مجمعون، بخلاف من عداهم من سائر الطوائف وجميع الفرق، فإنهم حين اختلفت مستشنعات الأهواء والطرق كفر بعضهم بعضاً، ورأى تبرئته ممن

صفحة 44

خالفه فَرْضاً. قلت:[21] وهذا حق، وما مثل هذه المسائل إلا مسائل كثيرة، اختلفت الأشاعرة فيها، وكلهم عن حمى الحسن يناضلون، وبسيفه يقاتلون، أفرأيتهم يبدع بعضهم بعضاً؟ ثم هذه المسائل الثلاثة عشر لم يثبت جميعها عن الشيخ ولا عن أبي حنيفة رضي الله عنهما كما سأحكي لك، ولكن الكلام بتقدير الصحة.[22] اهـ.

  1. [1] إسماعيل بن يحيى المزني (صاحب الإمام الشافعي، إمام مجتهد قوي الحجة، ولد سنة 175هـ وتوفي سنة 264هـ – الأعلام: 1/ 227.
  2. [2] أحمد بن أبي عمران، قاضي الديار المصرية، فقيه حنفي، توفي سنة 280هـ – العبر للذهبي: 2/ 63.
  3. [3] عبد الحميد بن عبد العزيز أبو خازم: فقيه حنفي، قاضي القضاة، كان عدلاً، توفي سنة 292 – الأعلام: 4/ 58.
  4. [4] عيسى بن أبان أبو موسى: قاضي من كبار الحنفية، توفي سنة 221هـ -الأعلام: 5/ 283.
  5. [5] القاسم بن سلام، أبو عبيد: من كبار العلماء بالحديث، ولد سنة 157هـ، وتوفي سنة 224هـ – الأعلام: 6/ 10.
  6. [6] لعله والله أعلم عبد الرحمن بن أحمد بن يونس مؤرخ مصري ولد سنة 281هـ وتوفي سنة 347هـ – الأعلام: 4/ 65.
  7. [7] علي بن الحسن الدمشقي، الشافعي، المعروف بابن عساكر، أبو القاسم إمام حافظ مؤرخ ثقة، ولد سنة 499هـ وتوفي سنة 571هـ – معجم المؤلفين: 7/ 69.
  8. [8] عبد الرحمن بن علي القرشي الحنبلي المعروف بابن الجوزي، إمام حافظ مؤرخ، ولد سنة 510هـ وتوفي سنة 597هـ، له تصانيف كثيرة – معجم المؤلفين: 5/ 157.
  9. [9] يوسف بن عبد الله الأندلسي، محدث حافظ مؤرخ، ولد سنة 368هـ وتوفي سنة 463هـ. معجم المؤلفين: 13/ 315.
  10. [10] محمد بن المظفر البزاز، أبو الحسين: محدث العراق في عصره، ولد سنة 382هـ وتوفي سنة 379هـ – الأعلام: 7/ 325.
  11. [11] هبة الله بن الحسن الطبري الشافعي، اللالكائي، فقيه، حافظ، توفي سنة 418 – معجم المؤلفين: 12/ 136.
  12. [12] محمد بن إبراهيم الأصبهاني، أبو بكر بن المقري، صاحب الرحلة الواسعة، سمع ما لا يحصى، توفي سنة 381هـ – العبر: 3/ 18.
  13. [13] تارج التراجم ص15 للعلامة قاسم بن قطلوبغا المتوفى سنة 879هـ.
  14. [14] هكذا في الأصول الثلاثة.
  15. [15] والده هو التقي السبكي فليتأمل، والعبارة منقولة من كتاب طبقات الشافعية الكبرى للتاج السبكي 3/ 377 فليتأمل.
  16. [16] أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، من نسل سيدنا أبي موسى الأشعري مؤسس مذهب الأشاعرة، من الأئمة المتكلمين، ولد في البصرة، وتلقى مذهب المعتزلة وتقدم فيهم، ثم رجع إلى مذهب السنة وجاهر بخلافهم، توفي سنة 324.
  17. [17] المجسمة هم المشبهة يثبتون لمعبودهم أعضاء كالإنسان.
  18. [18] أي التقي السبكي، وهو علي بن عبد الكافي السبكي، تقي الدين: إمام فقيه نظار ولد سنة 682هـ وتوفي سنة 756هـ، له مؤلفات كثيرة – معجم المؤلفين: 7/ 127.
  19. [19] عبد القاهر بن طاهر التميمي البغدادي (أبو منصور) فقيه شافعي مشارك في العلوم، توفي سنة 429هـ – معجم المؤلفين: 5/ 309.
  20. [20] هو الحافظ ابن عساكر في تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الأشعري ص140.
  21. [21] التاج السبكي وهو: عبد الوهاب بن علي السبكي (تاج الدين) فقيه مؤرخ مشارك في العلوم، ولد سنة 727هـ وتوفي سنة 771هـ – معجم المؤلفين: 6/ 225.
  22. [22] انتهى كلام السبكي في الطبقات.
صفحة 44

بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة، التعريف بأبي حنيفة وصاحبيه أبي يوسف ومحمد

وهو[1] (في ذكر بيان اعتقاد) أي معتقد (أهل السنة) أي السيرة والطريقة المحمدية (و) أهل (الجماعة) من الصحابة والتابعين وَمَنْ بعدَهم من المتبعين للنبي صلى الله عليه وسلم. قال النجم[2] الغزي في حسن التنبه في التشبه: والمراد بطريق أهل السنة والجماعة: ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام، وهو ما دل عليه السواد الأعظم من المسلمين في كل زمان، وهم الجماعة والطائفة الظاهرون على الحق، والفرقة الناجية من ثلاث وسبعين. روى أصحاب السنن وصححه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة)،[3] وروي هذا الحديث من طرق أخرى كثيرة منها رواية عبد الله بن عمرو وقال فيها: (كلهم في النار إلا ملة واحدة)، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: (ما أنا عليه وأصحابي). حَسَّنَهُ[4] الترمذي. ومنها رواية معاوية رضي الله

صفحة 45

عنه وقال فيها: (ثنتان[5] وسبعون في النار وواحدة في الجنة، وهي الجماعة) رواه أبو داود وغيره، ومنها رواية ابن عباس رضي الله عنهما وقال فيها: (كلها في النار إلا واحدة) فقيل: وما هي الواحدة؟ فقبض على يده وقال: (الجماعة فاعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا). رواه ابن ماجه وغيره. كذا في شرح الطريقة[6] لسيدي عبد الغني.

(على مذهب فقهاء) هذه (الملة) الإسلامية: الإمام الأعظم (أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي) أول من فرع في الفقه، وألف وصنف بتوفيق من الله تعالى خصه به، ولد رضي الله عنه في عهد الصحابة سنة ثمانين، وقيل: إحدى وسبعين، وقيل: ثلاث وستين، ولقي منهم جماعة، كأنس بن مالك، وعامر بن الطفيل، وسهل بن سعد الساعدي، ونشأ في زمن التابعين المشهود لقرنهم بالخيرية من سيد المرسلين، وتفقه بهم، وأفتى معهم، (و) صاحبيه: الإمام (أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري) أول من وضع الكتب في أصول الفقه على مذهب أبي حنيفة وأملى المسائل ونشرها، وبث علم أبي حنيفة في أقطار الأرض، مات سنة اثنين وثمانين وقيل: إحدى وثمانين ومائة وهو ابن سبع وثمانين، (و) الإمام (أبي عبد الله محمد بن الحسن الشيباني) ذي التفاريع الحميدة، والتصانيف العديدة، صحب الإمام وتفقه به، ثم أبا يوسف، وروى عن الإمام مالك والثوري[7] وعمرو[8] بن دينار وغيرهم. وعن الشافعي: أخذت عن محمد بن الحسن وقر بعير، ما رأيت رجلاً سميناً أخف روحاً منه، وكان يملأ القلب

صفحة 46

والعين، وعن أبي عبيدة:[9] ما رأيت أعلم بكتاب الله من محمد بن الحسن. مات سنة تسع وثمانين ومائة، وهو ابن ثمان وخمسين سنة. كذا في تراجم العلامة قاسم. وترجمتهم غنية عن البيان، واستيفاؤها تكل منه البنان.

(رضوان الله تعالى عليهم أجمعين) (و) هذا هو (ما يعتقدون من أصول الدين) جمع أصل، خلاف الفرع، فالأصل ما يبنى عليه غيره، والفرع ما يبنى على غيره كفروع الشجرة لأصلها، وفروع الدين وهي الأحكام الشرعية لأصوله، وهي العقائد الدينية، والدين كما في تعريفات السيد:[10] وضع إلهي يدعو أرباب العقول قبول ما عند الرسول صلى الله عليه وسلم، (ويدينون به لرب العالمين) جمع عالَم: اسم لما يَعلم الله تعالى به، وهو كل ما سواه تعالى من الجواهر والأجسام والأعراض، وَجَمَعَهُ ليشتمل على ما تحته من الأجناس المختلفة إذ يقال: لكل جنس عالَم كعالَم الطير وعالَم النبات وعالَم الجماد ونحو ذلك، وغلب العقلاء منهم فجمعه بالياء والنون ترجيحاً للجنس الأشرف. كذا في المطالب.[11]

تنبيه: مما ينبغي لكل شارع في شيء أن يتصور ذلك الشيء بحده[12] أو رسمه،[13] ليكون على بصيرة في طلبه، وأن يعرف موضوعه ليمتاز عنده عما عداه، وأن يعرف غايته وهي الثمرة التي لأجلها الطلب لصيانة سعيه عن العبث، فحد هذا العلم المسمى بأصول الدين، وبعلم العقائد، وبعلم التوحيد والصفات، وبعلم الكلام.

  1. [1] الضمير في (هو) راجع إلى (ما)، أي الذي رواه هو في ذكر… إلخ. (من هامش الأصول الثلاثة).
  2. [2] هو: محمد بن محمد، أبو المكارم، نجم الدين الغزي، حافظ، مؤرخ، ولد سنة 977هـ وتوفي سنة 1061هـ – الأعلام: 7/ 292.
  3. [3] قال الزين العراقي: أسانيده جياد، ورواه الحاكم من عدة طرق، وعده السيوطي من المتواتر – فيض القدير: 2/ 21.
  4. [4] وهو في صحيح الترمذي ج7 ص297 وقال: حسن غريب.
  5. [5] لفظ سنن أبي داود (ثنتان) 2/ 504 وفي شرح الطريقة 1/ 66 (اثنتان).
  6. [6] شرح الطريقة: 1/ 166 طبع حجر.
  7. [7] سفيان بن سعيد الثوري، أبو عبد الله، أمير المؤمنين في الحديث، ولد سنة 97 وتوفي سنة 161هـ – الأعلام: 3/ 158.
  8. [8] هكذا في الأصول الثلاثة وهو عمر بن ذر المتوفى سنة 152، لأن ابن دينار قد توفي سنة 126 بينما ولد الإمام محمد سنة 131هـ، وقد تابع الشارح الغنيمي في ذلك العلامة قاسم في تاج التراجم 54 واللكنوي في التعليق الممجد 29، الخلاصة 239، وتاريخ بغداد 2/ 172، وبلوغ الأماني للمحقق الكوثري رحمه الله فليحرر.
  9. [9] أبو عبيدة: معمر بن المثنى البصري من أئمة العلم بالأدب واللغة، ولد سنة 110 وتوفي سنة 209هـ – الأعلام: 8/ 191.
  10. [10] علي بن محمد الجرجاني الحنفي، ويعرف بالسيد (أبو الحسن)، عالم مشارك في العلوم، ولد سنة 740هـ وتوفي سنة 816هـ، له تصانيف كثيرة. معجم المؤلفين: 7/ 216.
  11. [11] المطالب الوفية للشيخ عبد الغني النابلسي.
  12. [12] الحد: قول دال على ماهية الشيء – التعريفات 73.
  13. [13] الرسم التام: ما يترك من الجنس القريب والخاصة كتعريف الإنسان بالحيوان الضاحك، والرسم الناقص ما يكون بخلاف ذلك كتعريف الإنسان بالضاحك أو بالجسم الضاحك – التعريفات 98.
شرح العقيدة الطحاوية للميداني
 
Top