رؤية الله حق لأهل الجنة وكيفيتها، لا يثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام، تفسير الأدوات كاليد والأصبع

صفحة 68

رؤية الله حق لأهل الجنة وكيفيتها

ونقول: (الرؤية) إلى الذات المقدسة المنزهة عن الإحاطة والجهة (حق) أي ثابتة (لأهل الجنة) لكن (بغير إحاطة) بجوانب المرئي وحدوده، لتعاليه تعالى عن التناهي والاتصاف بالجوانب والحدود، (ولا كيفية) من مقابلة وجهةٍ وارتسام، واتصال شعاع، وثبوت مسافة بين الرائي والمرئي، لأن هذا كله في رؤية الأجسام، والله تعالى ليس بجسم فليست رؤيته كرؤية الأجسام، فإن

صفحة 69

الرؤية تابعة للشيء على ما هو عليه، فمن كان في مكان وجِهة لا يرى إلا في مكان وجهة كما هو كذلك، وَيُرَى بمقابلة واتصال وشعاع وثبوتِ مسافة، ومن لم يكن في مكان ولا جهة وليس بجسم فرؤيته كذلك ليس في مكان ولا جهة، ولا بمقابلة واتصال شعاع وثبوت مسافة، وإلا لم تكن رؤية له، بل لغيره. كذا في شرح[1] الطريقة لسيدي عبد الغني.

قال اللقاني في شرح جوهرته:[2] والمراد أنه ينكشف سبحانه انكشافاً تاماً بحاسة البصر لكل فرد من المؤمنين، وهذا مجمع عليه في الجملة، وإن اختلَف العلماءُ في بعض جزئياته وأفراده وزمانه ومكانه، فقد قال العز بن[3] عبد السلام: إن الملائكة لا ترى ربها في الآخرة متمسكاً بعموم قوله: {لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} [الأنعام: 103] فإنه عام خص منه مؤمنو البشر بالنص فبقي على عمومه فيمن عداهم والحق أنهم يرونه سبحانه، كما نص عليه الأشعري ووافقه البيهقي[4] والبلقيني.[5] وجزم الجلال[6] السيوطي بأن الجن تحصل لهم الرؤية في الموقف مع سائر الخلق قطعاً، وتحصل لهم في الجنة في وقت ما من غير قطع بذلك، وأما أنهم يساوون الإنس في الرؤية في كل جمعة فالظاهر خلافه.

صفحة 70

وقد اختلف العلماء في رؤية النساء لله تعالى في الآخرة، على ثلاثة مذاهب: أحدها: لا يرينه لقصرهن في الخيام ولعدم تصريح الأحاديث برؤيتهن. والثاني: يرينه أخذاً من عموم النصوص الواردة في الرؤية. والثالث: يرينه في الأعياد فإن الله تعالى يتجلى فيها تجلياً عاماً فيرينه في مثل هذه الحالة دون غيرها، وبه جزم السيوطي.

وفي المؤمنين من الأمم السابقة احتمالان لابن أبي جمرة[7] أظهرهما عنده مساواتهم في الرؤية لمؤمني هذه الأمة، واحترز بالمؤمنين عن الكفار والمنافقين فإنهم لا يرون ربهم يوم القيامة لقوله تعالى: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} [المطففين: 15]، وقيل: إنهم يرونه ثم يحجبون، فيكون عليهم حسرة. اهـ.[8]

وقوله: (كما نطق به) أي بحقية الرؤية (كتابُ ربنا) عز وجل دليل على حصول الرؤية (حيث قال: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذ نَّاضِرَةٌ}) أي مشرقة بهية مسرورة لكونها ({إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}) [القيامة: 23]، وَحُقَّ لها أن تنضر وهي إلى ربها تنظر (وتفسيره على ما أراده الله تعالى وعلمه) فهذا (وكل ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم) كقوله: (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر)[9] رواه البخاري وغيره من طرق منوعة. ومنه رواية لمسلم: أن نَاساً قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟

صفحة 71

فقال: (هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟)، قالوا: لا، قال: (فإنكم ترون كذلك) الحديث.[10] فتشبيهه الرؤية برؤية البدر والشمس من حيثُ الوضوحُ التَّامُّ والتجلي الكامل الذي لا شك فيه ولا ريب. (و) كذلك ما ورد (عن أصحابه) الأعلام (رضوان الله عليهم أجمعين) كما نقل القرطبي عن المبارك متصلاً: أن أبا موسى الأشعري رضي الله عنه قال على منبر البصرة: إن الله عز وجل يبعث يوم القيامة ملكاً إلى أهل الجنة فيقول: هل أنجزكم الله وعده؟ فينظرون الحلي والحلل والآثار والأنهار والأزواج المطهرة، فيقولون: نعم قد أنجزنا الله ما وعدنا، فيقول الملك: هل أنجزكم وعدَكم؟ ثلاث مرات، فلا يفقدون شيئاً مما وعدوا فيقولون: نعم، فيقول: قد بقي لكم شيء، إن الله تعالى يقول: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26] ألا إن الحسنى الجنة، والزيادةَ النظرُ إلى الله تعالى.

(فهو) حق ثابت (كما قال) قائله ولكن على المعنى الذي أراده، فإنه من حيز المتشابه الذي استبد الله تعالى بعلمه، (و) المتشابه وكل وصف اتصفت به الذات العلية مما لا يدرك في العقل ولا يترك للنقل (معناه وتفسيره على ما أراد) أي مراد الله تعالى، و(لا ندخل في ذلك متأولين) وهو في الأصل: الترجيح، وفي الشرع: صرف الآية عن معناها الظاهر إلى معنى تحتمله، قاله السيد[11] (بآرائنا) جمع رأي وهو ما أدى إليه فهمه باجتهاده، (ولا متوهمين) أي ظانين (بأهوائنا) جمع هوى بالقصر هوى النفس، فإن ذلك من مزالّ التوحيد الجارّ إلى الشك والترديد، (فإنه ما سَلِمَ في دينه) وفاز بيقينه (إلا من سلم لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم) جميعَ ما صح عنهما من محكَم

صفحة 72

ومتشابه،[12] فأخذ بالمحكم على إحكامه (وردّ) أي أسند (علم ما اشتبه عليه) علمه (إلى عالمه) على مراده.

لا يثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام، تفسير الأدوات كاليد والأصبع

(و) اعلم أنه (لا يثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم) وهو بذل الرضا بالحكم. مختار. (والاستسلام) أي الانقياد ومنه التفويض فيما خفي منه المراد، (فمن رام) أي طلب (علم ما حظر) أي منع عنه (عليه) أي علمه (ولم يقنع بالتسليم) مع التفويض (فهمه حجبه) أي منعه (مرامه) أي مطلبه (عن خالص التوحيد وصافي المعرفة وصحيح الإيمان) من إضافة الصفة إلى الموصوف في المواضع الثلاث أي التوحيد الخالص والمعرفة الصافية والإيمان الصحيح (فيتذبذب) أي يتردد (بين الكفر والإيمان والتكذيب) والإيقان (والإقرار والإنكار) ويرجع (موسوساً) بالأوهام (تائهاً) عن المرام (زائغاً شاكاً) أي (لا مؤمناً مصدقاً ولا جاحداً مكذباً) ولذا قال (ولا يصح الإيمان بالرؤية لأهل) الجنة (دار السلام لمن اعتبرها منهم) أي المؤمنين بالرؤية (بوهمٍ) تَوَهَّمَهُ (أو تأولها بفهمٍ) فهمه فينعكس عليه الموضوع إلى الرجوع من تحري كمال الإيمان إلى مزلة الضلالة والطغيان (إذا كان تأويلُ الرؤية) بل (وتأويل كل معنى) لا يدرك مما (يضاف إلى) حضرة (الربوبية) والذات العلية (ترك التأويل ولزوم) الاستسلام و(التسليم وعليه) أي على ذلك المذكور (دين المرسلين وشرائعُ النبيين) وهو مذهب السلف الصالحين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

(و) اعلم أن (من لم يَتوقّ) أي يتحفظ ويحترز عن (النفي) لما لا يدرَك من صفات الذات العلية كالمعطلة (والتشبيه) لها

صفحة 73

بوهمه بصفة من صفات البرية كالمجسمة (زل) عما يبتغيه وضل (ولم يصب التنزيه) وما فر بزعمه منه وقع فيه (فإن ربنا جل) أي عَظُمَ (وعلا) أي ارتفع عما لا يليق به (موصوف بصفات الوحدانية، منعوت بنعوت الفردانية) فهو (ليس بمعناه) ولا يشبهه ولا يماثله (أحد من البرية) أي الخلق (تعالى الله) وتنزه (عن) جميع أوصاف المحدثات من (الحدود والغايات) أي الأبعاد المحدودة والنهايات (والأركان) جمع ركن وهو لغةً: الجانب القوي واصطلاحاً ما يقوم به ذلك الشيء (والأدوات) جمع أداة وهي الآلة أي الجوارح ذوات الأداة وأما ما ورد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية من وصفه تعالى بما يوهم ظاهره ذلك كاليد والأصبع والقدم، وكذا النفس والوجه كقوله تعالى: {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [الفتح: 10]، {مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75]، {فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115]، {وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ} [الرحمن: 27]، {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} [المائدة: 116]، وقوله عليه الصلاة والسلام: (أنت كما أثنيت على نفسك)،[13] وقوله: (إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه كيف يشاء)،[14] وقوله: (إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها)،[15] وقوله:

صفحة 74

(لا تزال جهنم تقول: هل من مزيد؟ حتى يضع فيها رب العزة قدمه)[16] ونحو ذلك، فالواجب إجراؤه على ظاهره، وتفويض علمه إلى قائله مع تنزيه الباري عن الجارحة ومشابهة الصفات المحدثة.

قال الإمام فخر الإسلام البزدوي[17] في أصوله: إثبات اليد والوجه عندنا معلوم بأصله متشابه بوصفه ولن يجوز إبطال الأصل بالعجز عن درك الوصف، وإنما ضلت المعتزلة من هذا الوجه. اهـ.

قال الإمام [في وصيته]: نقر بأن الله على العرش استوى من غير أن يكون له حاجة إليه واستقرار عليه وهو الحافظ للعرش وغير العرش فلو كان محتاجاً لما قدر على إيجاد العالم وتدبيره كالمخلوق ولو كان محتاجاً إلى الجلوس والقرار فقبل خلق العرش أين كان الله تعالى فهو منزه عن ذلك علواً كبيراً. اهـ. فانظر كيف أجراه على ظاهر التنزيل من غير تأويل مع التنزيه عما لا يليق بذات الجليل وهذه طريقة السلف وهم أسلم، والتأويل طريقة الخلف وقد قيل: إنها أحكم.

وقد توسط ابن دقيق[18] العيد فقال: نقبل التأويل إذا كان المعنى الذي أول به قريباً مفهوماً من تخاطُب العرب ونتوقف فيه إذا كان بعيداً. وجرى على التوسط ابن الهمام بين أن تدعو الحاجة لخلل في فهم العوام وأن لا تدعوَ الحاجة لذلك المرام بحسب اختلاف المقام.

صفحة 75

(لا تحويه الجهات الست) إذ كان قبل خلقها وهو الآن ما عليه كان بخلاف غيره (كسائر المبتدعات) فإنها لا تخلو عن المذكورات.

  1. [1] شرح الطريقة 1/ 177 حجر.
  2. [2] نقلاً عن شرح الطريقة 1/ 177.
  3. [3] عبد العزيز بن عبد السلام، الشافعي (عز الدين) فقيه شارك في العلوم، بلغ رتبة الاجتهاد، ولد سنة 577هـ وتوفي سنة 660هـ – معجم المؤلفين: 5/ 349.
  4. [4] أحمد بن الحسين البيهقي (أبو بكر) محدث فقيه، ولد سنة 384هـ وتوفي سنة 458هـ – معجم المؤلفين: 1/ 206.
  5. [5] عمر بن رسلان القاهري البلقيني (سراج الدين) محدث حافظ مجتهد، ولد سنة 724هـ وتوفي سنة 805هـ – معجم المؤلفين: 7/ 284.
  6. [6] عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (جلال الدين، أبو الفضل) عالم مشارك في أنواع من العلوم، ولد سنة 849هـ وتوفي سنة 911هـ، له مؤلفات كثيرة – معجم المؤلفين: 5/ 128، وقد استوعب محمد رياض بعض مناقبه في مقدمة خصوصيات يوم الجمعة.
  7. [7] عبد الله بن أبي جمرة (أبو محمد) محدث مقرئ، توفي سنة 691هـ – معجم المؤلفين: 6/ 40.
  8. [8] النقل برمته من شرح الطريقة للنابلسي 1/ 177.
  9. [9] الحديث بتمامه: (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضارون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها فافعلوا) رواه الإمام أحمد في مسنده والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن جرير بن عبد الله – فيض القدير: 2/ 550 رواه البخاري 1/ 69 ميمنية واللفظ له ومسلم بألفاظ مطولة وشواهد وقرائن.
  10. [10] الحديث طويل جداً في مسلم 1/ 75 طبع البابي الحلبي.
  11. [11] التعريفات 43.
  12. [12] المحكم والمتشابه هما من وجوه البيان باعتبارات المعنى، والمتشابه: هو اسم لما انقطع رجاءُ معرفة المراد منه، وهو قسمان: متشابه في اللفظ ومتشابه في المفهوم، فالأول كحروف أوائل السور عند من لم يفسرها، والثاني كآيات الصفات.
  13. [13] الحديث بتمامه: (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك) رواه الإمام مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن عائشة قالت: فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة من الفراش فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه وهو بالمسجد وهما منصوبتان وهو يقول ذلك. فيض القدير: 2/ 140، الترمذي: 9/ 209، وابن ماجه: 1/ 359، وأبو داود: 1/ 203.
  14. [14] الحديث: رواه الإمام أحمد ومسلم ولكن لفظة (حيث) بدل (كيف) – الفتح الكبير: 1/ 402.
  15. [15] الحديث: رواه الإمام أحمد في مسنده، ومسلم في صحيحه عن أبي موسى الأشعري – الفتح الكبير: 1/ 252.
  16. [16] الحديث بتمامه: (لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول: هل من مزيد حتى يضع فيها رب العزة قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط) الخ – رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أنس. الفتح الكبير: 3/ 321.
  17. [17] علي بن محمد البزدوي (أبو الحسن، فخر الإسلام) فقيه أصولي محدث، ولد سنة 400هـ تقريباً وتوفي سنة 482هـ له تصانيف – معجم المؤلفين: 7/ 192.
  18. [18] محمد بن علي القوصي المالكي المعروف بابن دقيق العيد (أبو الفتح، تقي الدين) محدث حافظ فقيه، ولد سنة 625هـ وولي قضاء الديار المصرية، توفي سنة 702هـ – معجم المؤلفين: 11/ 70.
شرح العقيدة الطحاوية للميداني
رؤية الله حق لأهل الجنة وكيفيتها، لا يثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام، تفسير الأدوات كاليد والأصبع
 
Top